← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وكذلك الرّماح، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١]. قد فُسِّرت بالرّماح المتّصلة باليد، وفُسِّرت بالنُّشّاب أيضًا. وكذلك الدّرع، قال تعالى في قصّة داود: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]. فكان الحديد في يده بمنزلة العجين (١). والسّابغات: هي الدّروع الكاملة التي تكون لها أيدي وأفخاذ. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. وقد جاء ذِكر هذه الأمور في الأحاديث عن النبيّ ﷺ مُفرَّقًا. فأما السيف؛ ففي "الصحيحين" (٢) عن أنس قال: كان النبيّ ﷺ

стр. 2382

أحسن النّاس، وأشجع النّاس، وأجود النّاس. ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة فَزَعًا، فخرجوا نحو الصّوت، فاستقبلهم النبيّ ﷺ ، وقد استبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، وفي عنقه السّيف، وهو يقول: "لم تُراعوا، لم تُراعوا". ثم قال: "إن وجدناه لبحرًا". أو قال: "إنه لبحر". وعن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ تنفَّل سيفَه "ذا الفِقَار" يومَ بدر. رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي (١). وقال: "حديث حسن" (٢). وأما ما يذكره بعض النّاس أنّ "ذا الفِقَار" كان سيفًا مُنزَّلًا من السماء، وأنه كان لعليٍّ، وكان يطول إذا قاتل به= فكلُّ هذا كذب باتفاق أهل المعرفة بهذه الأمور (٣). وكذلك ما يذكره بعضُ الناس من أنه كان للنبيّ ﷺ سبعة أسياف= لا أصل له (٤).

стр. 2383

وأما الرمح؛ فقال البخاري في "صحيحه" (١): ويُذْكَر عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "جُعِل رِزْقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِل الذّلّةُ والصَّغَار على من خالف أمري". رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْت بين يدي السّاعة بالسّيف حتى يُعْبَد الله ﵎ وحدَه لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رُمحي، وجُعِل الذِّلّة والصّغَار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم". روى أبو داود بعضَه. وقد روى الطبراني في "معجمه" (٣) حديثًا جامعًا في أسماء آلاته عن

стр. 2384

ابن عباس قال: "كان لرسول الله ﷺ سيفٌ قائمته فضّة، وقَبِيعته من فضّة، وكان يسمّى: ذا الفِقَار، وكان له قوس يسمّى: السَّداد، وكانت له كِنانة تسمى: الجمع، وكانت له درع موشَّحة بالنّحاس تسمّى: ذات الفضول، وكانت له حربة تسمى: النبعاء، وكان له مِجَنّ يسمى: الدقن (١)، وكان له تُرْس أبيض يسمى: الموجز، وكان له فرس أدهم يُسمى: السَّكَب، وكان له سَرْج يسمى: الراح (٢)، وكانت له بغلة شهباء [ق ٥٦] يقال لها: دُلْدُل، وكانت له ناقة تسمى: القَصْواء، وكان له حِمَار يسمّى: يعفور، وكان له بساط يسمى: الكرد (٣)، وكانت له عَنَزَة تسمى: النمر، وكانت له ركوة (٤) تسمى: الصادر، وكانت له مِرْآة تسمى: المرآة، وكان له مِقْراض يسمى: الجامع، وكان له قضيبُ شَوحَطٍ يسمى: الموت (٥) ".

стр. 2385

وفي "صحيح البخاري" (١) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ (٢) يوم بدر وهو في قبة: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعْبَد بعد اليوم". فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حَسْبُك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك، وهو في الدِّرْع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦]. وروى أهل السنن: "أن النبي ﷺ ظاهَرَ يوم أُحدٍ بين دِرْعَين" (٣). وفي "الصحيحين" (٤) عن سهل بن سعد (٥): أنه سُئل عن جُرْح النبي ﷺ يوم أحد؟ فقال: جُرِحَ وجه رسول الله ﷺ ، وكُسِرت رَباعيته، وهُشِمَت البيضة على رأسه. فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان عليّ بن أبي طالب يسكُب عليها بالمِجنّ. فلما رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعةَ حصير، فأحرقته حتى صار

стр. 2386

رمادًا، ثم ألصقته بالجرح فاسْتَمْسك الدّم". أخرجاه في "الصحيحين". وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغْفَر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خَطَل متعلِّق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه". أخرجاه في "الصحيحين" (١). وعن أم سلمة ﵂ قالت: كان أحبّ الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص. رواه أهل السنن (٢)، وقال الترمذي: "حديث حسن" (٣). وروى أهل السنن أيضًا عن أسماء بنت يزيد قالت: كان يدُ كُمّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرُّسْغ (٤). قال الترمذي: "حديث حسن" (٥). وفي "الصحيحين" (٦) وغيرهما عن المِسْوَر بن مَخْرَمة ﵁ أنه قال: "قَسَم رسولُ الله ﷺ أقْبِيةً، ولم يُعط مخرمة شيئًا. قال

стр. 2387

مخرمة: يا بُني انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ ، فانطلقت معه. قال: ادخل فادعه لي. قال: فدعوته، فخرج إليه وعليه قَباء منها. فقال: "خَبَأتُ هذا لك". قال: فنظر إليه. قال: رضي مخرمة". وذِكْر الإزار والرّداء له في أحاديث كثيرة مشهورة. وكذلك ذِكْر القميص. مثل ما في "الصحيحين" (١) عن جابر بن عبد الله قال: "أتى النبيُّ ﷺ عبدَ الله بن أُبَيّ بعدما أُدْخِل قبره، فأمَر به فأُخْرِج ووُضِع على ركبتيه، ونَفَث عليه من ريقه، وألبسه قميصه". والله أعلم. وفيهما (٢) عن عبد الله بن عُمر قال: لما توفي عبد الله بن أُبّي جاء ابنُه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أُكفّنه فيه، وصلّ عليه واستغفر له. فأعطاه قميصَه، وقال: "إذا فرغتَ [ق ٥٧] فآذِنَّا" فلما فرغ آذنه به، فجاء ليصلي عليه. فجذَبَه عمر فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣) [التوبة: ٨٠]. فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. فترك الصلاة عليهم.

стр. 2388

وأما الجُبّة الضيِّقة الكُمّين ؛ ففي "الصحيحين" (١) عن المغيرة بن شُعبة قال: كنت مع النبيّ ﷺ ذات ليلة في سفر. فقال: "أمَعَك ماءٌ؟ " قلت: نعم. فنزل عن راحلته فمشى حتّى توارى عني في سواد الليل. ثم جاء، فأفرغتُ عليه الإداوة، فغسَل وجهَه ويديه وعليه جُبّة من صوف، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها ــ وفي رواية: جبّة شاميّة، فذهب يخرج يديه من كميّه فكانا ضيّقين ــ فأخرج يديه من أسفل الجبّة، فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه، ثم أهْويتُ لأنزع خفيّه. فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين". فمسح عليهما. وأما الفَرُّوج ؛ ففي "الصحيحين" (٢) عن عُقْبة بن عامر أنه قال: أهدي لرسول الله ﷺ فرُّوج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف، فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، ثم قال: "لا ينبغي هذا للمتَّقين". وإنما نزعه لكونه حريرًا. قال البخاري: الفَرُّوج هو القَبَاء، ويقال: هو الذي له شقّ من خلفه (٣). وأما السراويل وغيره؛ ففي "الصحيحين" (٤) عن ابن عمر قال: سُئل رسول الله ﷺ : ما يلبس المُحْرم من الثياب؟ فقال: "لا يلبس القميص،

стр. 2389

ولا العمائم، ولا البرانِس، ولا السراويلات، ولا الخِفاف". وفي "سنن أبي داود" (١): أنّ النبيّ ﷺ اشترى رِجْل سراويل وهناك وزَّان يَزِن بالأجر، فقال: "زِنْ وأرْجِح، فإنّ خيرَ الناس أحسنُهم قضاء". وفي لفظ: "أنه اشترى سراويل". وقد قال العلماء: الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل، ومع الرِّداء الذي يكون على المَنكِبين يلبس الإزار؛ لأن السراويل تُبدي حجمَ الأعضاء، والقميص يستر ذلك، ولا يستره الرّداء. وكان أغلب ما يلبسه النبيّ ﷺ وأصحابُه ما يُنْسَج من القطن، وربما لبسوا ما يُنْسَج من الصوف وغيره. كما روى أبو الشيخ الأصبهاني (٢) بإسنادٍ صحيح عن جَليسٍ لأيوب (٣) قال: دخل الصَّلتُ بن راشد على

стр. 2390

محمد بن سيرين وعليه جبّة صوف وإزار صوف وعمامة صوف، فاشمأزَّ منه محمد بن [سيرين] وقال: أظنّ أنّ أقوامًا يلبسون الصوف يقولون: قد لبسه عيسى بن مريم، وقد حدثني من لا أتهم: أنّ رسول الله ﷺ قد لبس الكتان والقطن واليمنية (١)، وسنة نبينا أحقّ أن تُتَّبع. ومقصود ابن سيرين بهذا: أنّ أقوامًا يرون أنّ لبس الصوف دائمًا أفضل من غيره، فيتحرّون ذلك تزهُّدًا وتعبّدًا، كما أنّ أقوامًا يرون أنّ ترك أكل اللحم وغيره من الطيّبات دائمًا أفضل من غيره، فيتحرّون [ق ٥٨] ذلك، ويحرِّمون على أنفسهم طيِّبات ما أحلَّ الله لهم، حتى يروا التبتُّل أفضل من التأهّل، ونحو ذلك. وهذا خطأ وضلال، بل يجب أن يُعْلَم أنّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هَدْي محمد. كما ثبت في "الصحيح" (٢) أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة بهذا فيقول: "إنّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ [ضلالة] ". وفي مثل هؤلاء أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨].

стр. 2391

وفي "الصحيحين" (١) عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثةُ رَهْط إلى بيوت أزواج النبيّ ﷺ يسألون عن عبادة النبيّ ﷺ ، فلما أُخْبِروا كأنّهم تقالُّوها. فقالوا: وأين نحن من النبيّ ﷺ ، قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر! فقال أحدهم: أمَّا أنا فإنّي أصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: أنا أصوم الدّهر أبدًا. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوّج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين (٢) قلتم كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرْقُد، وأتزوّج النساء، فمن رَغِب عن سُنتي فليس منّي". رواه البخاري وهذا لفظه. ومسلم أيضًا ولفظه: عن أنس أنّ نفرًا من أصحاب النبيّ ﷺ سألوا أزواج النبيّ ﷺ عن عمله في السّرّ؟ فقال بعضهم: لا أتزوّج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ما بال أقوامٍ قالوا كذا وكذا، لكنّي أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النّساء، فمن رَغِب عن سُنّتي فليس منّي".

стр. 2392

وفي "الصحيحين" (١) عن سعد بن أبي وقَّاص قال: "ردّ رسولُ الله ﷺ على عثمان بن مَظْعون التَّبَتُّل، ولو أذِن له لاخْتَصينا". والراغب عن سنّته هو الذي يعدِل عنها إلى غيرها تفضيلًا لذلك الغير عليها، ولهذا تبرّأ منه النبيّ ﷺ ، كما قال: "من غشَّنا فليس مِنّا، ومَن حمل علينا السّلاح فليس مِنّا" (٢). وأما إذا لم يرغب عنها، بل فعل المفضول مع كونه مُفَضِّلًا لهدي النبيّ ﷺ باعتقاده ومحبّته، فهذا لا يأثم إلا أن يترك واجبًا أو يفعل محرّمًا. وقد ثبت عنه في "الصحيح" (٣) أنه قال: "أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا". وكذلك ثبت عنه في "الصحيح" (٤) أنه نهى عبد الله بن عَمْرو (٥) عن سَرْد الصيام، والمداومة على قيام الليل كله، وأخبره أنَّ أفضل الصوم وأعدله صيام يوم وفِطْر يوم.

стр. 2393

فيجب أن يُعْلَم أنّ هذا أفضل مما فعله كثيرٌ من السلف [ق ٥٩] والخلف بصلاة الصّبح بوضوء العشاء الآخرة كذا كذا سنة (١)، ومن صيام الدّهر حتى لا يفطروا إلا الأيام الخمسة (٢)، ومن التبتل ونحو ذلك. وإن كان كثير من فقهائنا وعُبَّادنا يرون هذا أفضل من غيره، فهذا غلطٌ منهم. والصواب أنّ أفضل الطريق طريق رسول الله ﷺ التي سنّها وأمر بها ورغَّب فيها، وأمر بها (٣)، والتي داوم عليها. وكان هديه في اللباس: أن يلبس ما تيسَّر من اللباس، من قُطْن، أو صوف، أو غيرهما. فالذي رغب عمّا أباحه الله من لباس القطن والكتان وغيرهما تزهُّدًا وتعبّدًا، هم نظير الذين يمتنعون أيضًا عن لباس الصوف ونحوه، ولا يلبسون إلا أعلى الثياب ترفُّهًا وتكبّرًا، كلاهما مذموم.

стр. 2394

ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي والمنخفض (١). وقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "من لبس ثوبَ شُهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوبًا مِثْلَه" (٢). وفي رواية: "ثوب مذَلَّة ثم تلتهب فيه النار" (٣). وهذا لأنه قَصَد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيض ذلك فأذلَّه. كما يعاقب الذي يطيل ثوبه خيلاء بأن خَسَف به الأرض ونحو ذلك، كما فعل بقارون. وفي "الصحيحين" (٤) عن النبي ﷺ قال: "بينما رجلٌ يجرُّ إزاره خُيَلاء خَسَف الله به الأرض فهو يتجَلْجَل فيها إلى يوم القيامة". وفي "الصحيحين" (٥) عن عبد الله بن عُمر قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2395

"من جرّ ثوبَه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". وقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الإسبال في القميص والإزار والعمامة، مَن جرّ منها شيئًا خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" (١). وروى أبو داود (٢) عن ابن عمر قال: ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص (٣) ". وكذلك لبس الدنيء مِن الثياب مكروه، ولبسه تواضعًا محمود، كما أن لبس الرفيع تكبرًا مذموم، ولبسه إظهارًا لنعمة الله وتجمّلًا محمودٌ. ففي "صحيح مسلم" (٤) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قبله مثقال حبة خَرْدل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمان". فقال رجل: يا رسول الله! إني أحبّ أن يكون ثوبي حسنًا، ونعلي حسنًا، أفَمِن الكبر ذلك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْر بَطَر الحق وغَمْط الناس".

стр. 2396

وقد ذكرنا الحديث الصحيح الذي في البخاريّ وغيره: أنّ النبيّ ﷺ لبس في السفرِ جُبَّةً من صوف (١). وعن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعري قال: قال أبي: يا بني! لو رأيتنا ونحن مع نبيّنا وقد أصابتنا السماء، حسبت أنّ ريحنا ريح الضأن. رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي [ق ٦٠] وقال: "صحيح" (٢). وكذلك الشعر، فعن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ وعليه مِرْط مُرَحَّل (٣) من شَعْر أسود. رواه مسلم وغيره (٤). وفي "الصحيحين" (٥) عن أبي بُرْدة قال: دخلتُ على عائشة فأخرجَتْ إلينا إزارًا غليظًا مما يُصْنَع باليمن، وكساءً من التي يسمّونها المُلَبَّدة (٦). فأقسَمَتْ بالله أنّ رسول الله ﷺ قُبِضَ في هذين الثوبين. لكن كان المنسوج من القطن ونحوه أحبَّ إليه من الصّوف، كما

стр. 2397

أخرجاه في "الصحيحين" (١) عن قتادة قال: قلنا لأنس: أيّ اللباس كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ أو أعجب إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: الحِبَرَة. والحِبَرَة: برود اليمن، فإن غالب لباسهم كان من نَسْج اليمن؛ لأنها قريبة منهم. وربما لبسوا ما جُلِب (٢) من الشام ومصر، كالقَبَاطيّ المنسوجة من الكتّان التي ينسجها القِبْط، وقد روي ذلك في "السنن" (٣). وكذلك كانت سيرته في الطعام: لا يردُّ موجودًا، ولا يتكلَّف مفقودًا، فما قُرِّب إليه شيء من الطيّبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه. وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، كما ترك الضبّ؛ لأنه لم يكن قد اعتاد أكلَه ولم يحرِّمه على النّاس، بل أُكِل على مائدته وقال: "ليس بحرام، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" (٤). وكان يحبُّ الحلواء والعَسَل، ويأكل القثَّاء بالرُّطَب، ويأكل لحم الدَّجاج وغيره.

стр. 2398

وكان أحيانًا يربط على بطنه الحجَرَ من الجوع، ويُرَى الهلال فالهلال فالهلال لا يوقَد في بيت رسول الله ﷺ نار. وكان أيضًا يلبس العمامة على القَلَنْسوة، وكذلك أصحابه، وكانوا مع ذلك يركبون الخيل ويطردونها، ويقاتلون في سبيل الله، ولهذا كانوا يديرون العمائم تحت أذقانهم، ويسمّى ذلك: التَّلَحِّي. وفي "غريب أبي عبيد" (١): أنّ النبيّ ﷺ أمر بالتَّلَحِّي ونهى عن الاقتعاط. وفسَّر أبو عبيد "الاقتعاط" عن أبي نُعَيم: ولا يدير عمامته تحت ذقنه. وقد رُوِي عن غير واحد من الصحابة والتابعين كراهة هذه العِمَّة، وكان أهل الشام لمحاربتهم للعدوّ ومقاتلتهم (٢) إيّاه محافظين على هذه السنّة، كما ذكر ذلك الإمام أحمد وغيره (٣). والتَّلَحِّي ليس هو التلثُّم على الفم والأنف، فإنّ ذلك مكروه في الصلاة، ولكن التَّلَحِّي: أن يشدَّ العمامة ويربطها على الحَنَك بحيث تثبت العمامة على الرأس، وهي نظير الكلاليب والخيوط التي تتخذها الأجناد في زمننا لشدِّ عمائمهم على رؤوسهم.

стр. 2399

وقد استفاضت الأحاديث الصحيحةُ عن النبيّ ﷺ بأنه مسح على عمامته، ورخَّص في المسح على العمامة (١)، حتّى قال عمر بن الخطاب: من لم يطهّره المسح على العمامة فلا طهَّره الله (٢). فظنّ طائفة [ق ٦١] من العلماء أنّ ذلك كان مع مسح النّاصية، ولكن قد جاءت الأحاديث الصحيحة بمسح العمامة بلا ناصية. وقال طائفة منهم الإمام أحمد: إنّ ذلك في العمائم التي على السنّة، وهي العمائم التي تُدَار تحت الذّقَن؛ لأنها السنة، ولأنّه يشقّ خلعها. وفي ذات الذؤابة بلا تلحِّي خلاف. وقال طائفة منهم إسحاق بن راهويه: إن ذلك في العمائم مطلقًا (٣). وإرخاء الذؤابة بين الكتفين معروف في السنة، كما روى مسلم في "صحيحه" (٤) وأهل السنن الأربعة (٥) عن عَمْرو بن حُريث قال: رأيت

стр. 2400

النبيّ ﷺ على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه. ورووا ــ أيضًا ــ عن جابر بن عبد الله أنّ النبيّ ﷺ دخل عام الفتح مكّة وعليه عمامة سوداء (١). ولم يذكر في هذا الحديث ذؤابة، وذلك أنه يوم الفتح كان قد دخل وعليه أُهْبَة القتال، والمِغْفَر على رأسه، فلبس في كلّ موطن ما يناسبه. وأما شدّ الوسط؛ فقد كان من الصحابة من يشدّ وسطه بطرف عمامته، ومنهم من كان يقاتل بلا شدّ وسط (٢). وقد جاء ذكر المِنْطَقة في آثار، والمنطقة: هي الحياصة، ولكن لم يبلغنا أنّ النبيّ ﷺ كان يشدّ وسطه بمنطقة. وأما المهاميز؛ فما كانوا يحتاجون إليها، فإنَّ الخيل العربية مع الراكب الخبير بالركوب لا يحتاج إلى مِهْماز (٣)، ولهذا لم يُنقل في الحديث أنهم كانوا يركبون بمهاميز، وإنما اتخذها من اتخذها للحاجة إليها. وكذلك ــ أيضًا ــ لم يكن النبيّ ﷺ وأصحابُه يتّخذون الأكمام الطِّوال ولا الواسعة سَعَة كبيرة، بل قد تقدّم أنّ كمّ قميص النبيّ ﷺ كان

стр. 2401

إلى الرُّسْغ، وهذه الزيادة سَرَف. وأيضًا فالمقاتل لا يتمكّن من القتال بذلك. وبعضُ الناس يقول: إنما اتخذها بعض المنتمين إلى العلم لأجل حَمْل الكتب فيها، وما يروى عن بعض الأئمة أنّ أحد كمّيه كان واسعًا، والآخر ضيقًا فهو كذب (١). وكذلك إطالة الذُّؤابة كثيرًا، فهو من الإسبال المنهيّ عنه. واعتياد لبس الطيالسة (٢) على العمائم لا أصل له في السنة، ولم يكن من فِعْل النبيّ ﷺ والصحابة. بل قد ثبت في "صحيح مسلم" (٣) عن النوَّاس بن سَمعان عن النبيّ ﷺ في حديث الدّجّال أنه يخرج معه سبعون ألف مُطَيلس من يهود أصبهان. وكذلك جاء في غير هذا الحديث أنَّ الطيالسة من شعار اليهود (٤)،

стр. 2402

ولهذا كره من كره لبسها، لما رواه أبو داود وغيره عن النبيّ ﷺ أنه قال: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم" (١). وفي الترمذي (٢) أنه قال: "ليس منَّا من تشبَّه بغيرنا". وأما التقنُّع الذي جاء ذِكره في حديث الهجرة: أنّ النبيّ ﷺ جاء [ق ٦٢] إلى أبي بكر متقنِّعًا بالهاجرة (٣)؛ فذاك فَعَله النبيّ ﷺ تلك الساعة ليختفي بذلك، فَفَعَله [إذن] (٤) للحاجة، ولم تكن عادته التقنُّع. وليس التقنُّع هو التطيلس، بل التقنُّع لغير حاجة يُنهى عنه الرِّجال؛ لأنّه تشبّه بالنّساء، وقد ثبت في الصّحاح عن النبيّ ﷺ من غير وجهٍ: أنه لعن الرّجال المتشبّهين بالنّساء، ولعن النّساء المتشبِّهات بالرّجال (٥). فصل وأما الحِلْية بالذّهب والفضّة ولبس الحرير، ففي "الصحيحين" (٦) عن حُذيفة بن اليمان أنَّ النبيّ ﷺ قال: "لا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة ولا تأكلوا في صِحافها، فإنّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".

стр. 2403

وفي "الصحيحين" (١) عن أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الذي يشرب في إناء الفضّة (٢) إنما يُجَرْجِر في بطنه نار جهنّم". وفي "الصحيحين" (٣) عن البراء بن عازب قال: "أمَرَنا رسول الله ﷺ بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم أو تختّم بالذهب، وعن شُرْب بالفضة، وعن المياثر، وعن القَسّي، وعن لُبْس الحرير والاستبرق والدّيباج". وفي "الصحيحين" (٤) عن عمر بن الخطّاب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير، فإنّه مَن يلبَسْه في الدنيا لم يلبَسْه في الآخرة". وعن حذيفة بن اليمان قال: "نهانا النبيّ ﷺ أنّ نشرب في آنية الذّهب والفضّة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والدّيباج، وأن نجلس عليه". رواه البخاري (٥).

стр. 2404

وعن عليّ ــ ﵇ (١) ــ قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن جلوسٍ على المياثر، والمياثر شيءٌ كانت تجعله النساء لبعولتهنّ على الرّحْل كالقطائف الأرجوان". رواه مسلم (٢). وعن عليّ بن أبي طالب أنّ رسول الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله ثم قال: "إنّ هذين حرام على ذكور أمتي " (٣). رواه أبو داود والنسائي وغيرهما. وعن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "أُحِلّ الذّهب والحرير لإناث أمّتي وحُرّم على ذكورها" (٤). رواه النسائي والترمذي وقال:

стр. 2405

حديث حسن صحيح. وقد ثبت في "الصحيح" (١) عن عمر عن النبي ﷺ : أنه نهى عن الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع. فلهذا رخَّص العلماء في مقدار أربع أصابع مضمومة، كالسّجاف ولبنة الجيب والأزرار والخيوط ونحوهما. وثبت ــ أيضًا ــ في "الصحيح" (٢) أنه أرخص للزّبير بن العوَّام وعبد الرحمن بن عوف لبس الحرير من حكَّة كانت بهما. [ق ٦٣] فلهذا رخصوا في أصحّ القولين لبسه للحاجة كالتداوي به ونحو ذلك، وثبت عن جماعة من الصحابة. وروي مرفوعًا إلى النبي ﷺ الرخصة في لبس الخَزّ، وهو صوف ينسج بالحرير. فلهذا قال العلماء: إذا نُسِج مع الحرير غيره، وكان ذلك الغير أظهر وأكثر جاز، وإن كان الحرير أقل وأظهر ففيه نزاع بين العلماء. وتنازع العلماء في لبس الحرير حين القتال، ومن رخَّص به احتج بأن عمر بن الخطاب أذن في ذلك. قالوا: ولأنه في حال الحرب يُحبّ الله الاختيال. كما في "سنن أبي داود" (٣) عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "إنّ من

стр. 2406

الخُيلاء ما يحبها الله، ومن الخُيَلاء ما يبغضها الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله، فاختيال الرجل نفسه في الحرب والصدقة. وأما الخُيلاء التي يبغضها الله، فالخيلاء في الفخر والبغي". واختال أبو دُجانة يوم أحدٍ بين الصَّفّين، قال النبيّ ﷺ : "إنها لَمِشْية يبغضها الله إلا في هذا المقام" (١). وأما الحلية؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه اتخذ خاتمًا من فضة (٢). وعن عرفجة بن أسعد أنه قُطِعَ أنفه يوم الكُلاب، فاتخذ أنفًا من وَرِق فأنتن عليه، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب (٣). وعن أنس بن مالك قال: كانت قبيعة (٤) سيف رسول الله ﷺ فضّة (٥). رواهما أبو داود والنسائي والترمذي، وقال عن كلّ منهما:

стр. 2407

"حديث حسن". وفي "السنن" ــ أيضًا ــ عن النبيّ ﷺ : "أنه نهى عن الذّهب إلا مُقطَّعًا" (١). وعن أنس بن مالك: أن قَدَح رسول الله ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشّعب سلسلة من فضة. رواه البخاري هكذا (٢). ثم رواه (٣) عن عاصم قال: رأيتُ قدح النبيّ ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسَلْسَله بفضة، فقيل: إنّ الذي سلسله أنس بن مالك. فلهذه الآثار قال العلماء: يباح من الذّهب ما تدعو إليه الضرورة، كاتخاذ أنفٍ منه، ويباح خاتم الفضة، وتباح حلية السيف بفضة. وأما حلية المِنْطقة بفضة والخُوذة والجوشن والخُودة (٤) والرّان ونحو ذلك من لباس الحرب، ففيه قولان للعلماء بخلاف لباس الخيل

стр. 2408

كالسرج واللجام. وكذلك تنازعوا في حلية الذهب، فقيل: لا يباح منه شيء، وقيل: يباح يسير الذهب مطلقًا، وقيل: يباح في السلاح، وقيل: في السيف خاصة. وهذه الأقوال الأربعة في مذهب أحمد وغيره. وفي الترمذي (١) حديث غريب عن النبي ﷺ : أنه كان في سيفه ذهب وفضة. وكذلك عثمان (٢) بن حنيف أحد أجلَّاء الصحابة كان في سيفه مسمار [ق ٦٤] من ذهب (٣). ونَهْيُ النبي ﷺ عن الذَّهب إلا مُقَطَّعًا يدلّ على جواز ذلك، فلذلك جَوَّزه كثير من العلماء كأحمد في الأرجح عنه وغيره. والله سبحانه أعلم (٤).

стр. 2409

قاعدة في الفَنَاء والبَقَاء

стр. 2410

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ . أما بعد، فإنا قد كتبنا في مواضع قبل هذه (١) في تحقيق التوحيد الذي أرسل الله به رسلَه، وأنزل به كتبَه، والتمييز بينه وبين ما سمَّاه كثير من الناس توحيدًا، كما تُسمِّي الجهميةُ الفلاسفةُ، والمعتزلةُ، ومَن وافقهم نَفْيَ الصفات: توحيدًا، ويجعلون من أثبتَها ليس بموحِّد. ويجعل غاليةُ هؤلاء القائلين بأن الوجود واحدٌ ــ كابن عربي وابن سبعين ــ التوحيدَ عبارة عن هذا الاتحاد الذي هو جامع للإلحاد (٢)، ويُسمُّون نفوسهم أهلَ التحقيق والتوحيد. وذكرنا [توحيد الربو] بيَّة (٣) الذي أقرّ به المشركون الذين يقرّون بأن الله [خالق كل شيء وربّه ومليكه ... ] (٤) لذة بلا تمييز، وهذا قلبه يلتذّ بما

стр. 2411

فيه من الذِّكْر والشهود، ولكن ليس له تمييز بين نفسه وغيره، بل قد لا يبقى له تمييزٌ بين نفسه ومعبوده، فإذا لم يبق له تمييز بين هذا وهذا فقد يظن أنه هو هو، كما يحكون أن رجلًا كان يُحِبّ آخرَ، فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمّ، فألقى المحبُّ نفسَه خلفه، فقال: أنا وقعت، فما الذي أوقعك؟ قال: غِبْتُ بك عنِّي، فظننت أنّك أنّي (١). وهذا إذا عاد إليه عقلُه يعلم أنه كان غالطًا في ذلك، وأن الحقائق متميِّزة (٢) في ذاتها، فالربُّ ربٌّ، والعبد عبدٌ، والخالق بائن عن المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. ولكن في حال السُّكْرِ والفناء والاصطلام لم يكن له شعور بسوى الحقِّ عن تمييز ذلك السّوى أنه عبد أو مخلوق. وفي مثل هذا ما يُحْكَى عن أبي يزيد أنه كان يقول: "سبحاني"، أو: "ما في الجُبَّة إلا الله". وأمثال ذلك من الكلمات التي هي في (٣) نفسها كفر، ولو قالها وعقلُه معه كان كافرًا، ولكن مع سقوط التمييز يبقى

стр. 2412

كالمجنون الذي رُفِعَ القلمُ عنه، [والنائم] (١)، والسكران الذي لا ذنبَ له في السُّكْر (٢). ومِن الناس مَن يظنّ أن الحلَّاج (٣) كان في هذا المقام، وأنّ ما كان يتكلَّم به من الاتحاد كان في هذا الحال، حتى يحكي الكذّابون: أنه لمَّا قُتل كتب دمُه على الأرض: (الله الله)؛ لقوَّة المحبّة والفناء في المحبوب. ويَحْكُون أن زَليخا (٤) فَصَدَتْ، فكتب دمُها على الأرض: (يوسف، يوسف). وكل هذا باطل محض، ما كَتَبَ دمُ مُحبٍّ قطّ على الأرض اسمَ محبوبه، ولا غير محبوبه. والحلَّاج كان يُصنّف الكتبَ في السِّحْر وغيره، ويتكلَّم بما يتكلم وهو حاضر العقل، ليس هو من باب أبي يزيد [ق ٢] وأمثاله.

стр. 2413

وهذا الحال يُحمَد منه ما كان من النوع الأول وهو حبّ الله دون ما سواه، والفناء عن محبة غيره ورجاؤه، وخوفه والتعلّق به، حتى يبقى دين العبد باطنًا وظاهرًا لله من الأقوال. وقد يكون سببه نقص العلم؛ فإنْ كان الأول كان صاحبُه أكملَ وأصحَّ إيمانًا وأعلى منزلةً، ولم يكن عليه ذمٌّ، فإنَّ القلب إذا انصرف إلى شيء انصرف عما سواه، بحسب قوة انجذابه إلى هذا وإعراضه عن هذا. وأما الثاني: فمثل مَن يشهد توحيد الربوبية، فيرى الله خالقَ كلِّ شيء ومليكه، ليس في الوجود إلا ما يشاء كونه (١). فيشهد ما اشترك فيه المخلوقات، مِنْ خَلْق الله إياها، ومشيئته لها، وقدرته عليها، وشمول القيوميّة والربوبيّة عليها. ولا يشهد ما افترقت فيه، مِنْ محبة الله لهذا وبغضه لهذا، وأمره بهذا ونهيه عن هذا، وموالاته لهذا ومعاداته لهذا، وهو توحيد الإلهية الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، فلا يشهد التفرقة في الجمع، ولا الكثرة في الوحدة. وهذا الفناء قد يكون مع الصَّحْو وحضور العقل، وقد يكون مع السُّكْر، فإن كان مع الفناء والسُّكْر كان ناقصًا من وجهين، لكن قد يكون أَعْذَر ممن قام فيه مع الصحو. وقد يَظُن مع ذلك أنه في حال الجمع والفناء في التوحيد، الذي (٢)

стр. 2414

هو أعلى المقامات، ويَظنُّ أن مَن كان هذا المشهد مقامه يسقط عنه الأمرُ والنهي. ويقول أحدهم: إنما يسقط عنه الأمر لأنه شهد الإرادة. ولا يعلم أن مُجرَّد توحيد الربوبية قد أقرّ به المشركون، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. قال ابن عباس: "إذا سألتهم مَن خلق السموات والأرض، فيقولون (١): الله، وهم يعبدون غيره" (٢). فمن كان هذا التوحيد هو غاية توحيده انسلخ من دين الله وجميع رسله، ولم يتميَّز عنده أولياء الله من أعدائه، ولا أنبياؤه المرسلون من

стр. 2415

المشركين به المكذِّبين، ولا أهل الجنة من أهل النار، ولا المعروف من المنكر، وسوَّى بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض، وبين المتقين والفُجّار. ورأس الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، فتعبد الله لا تعبد معه غيره، وتحبّ ما أحبه الله ورسوله، وتبغض ما أبغضه الله ورسوله. وتُفرِّق فيما شاءه وقضاه (١)، بين ما يسخطه الله ويكرهه، وبين ما يحبه ويرضاه. قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]. وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]. ثم هؤلاء الذين يقولون: إنهم في توحيد الربوبية ظانّين أنهم في الجَمْع، وأنهم وَصَلُوا إلى عين الحقيقة، لا بدّ لهم من شهود التفرقة والتمييز حسًّا، فضلًا عن العقل والشرع. فإنّ أحدهم لا بدّ ما يميِّز بين ما يؤلمه ويُلذّه، وينفعه ويضرّه، [وبين ما] (٢) يكرهه ويَضرُّ به، وبين الخبز والماء، والتراب والحجر، ونحو ذلك. ولا بدّ أن يميل إلى ما يجلب له المنفعة، ويفرّ عما يدفع إليه المضرَّة، فيكون جسديّ (٣) التفرقة، يحبّ هذا ويبغض هذا، ويأمر بهذا وينهى عن

стр. 2416

هذا. فإن لم تكن التفرقة بين الخير والشر بالتفريق (١) الشرعي النبويّ المحمدي القرآني، وإلّا فلا بد من قانون آخر يُفرِّق، إما سياسة بعض الملوك، أو ذوقُ بعض الشيوخ، أو رأي بعض الفقهاء، أو أغراض ذوي الأغراض، بحسب تنوّعها واختلافها، ولزوم مجرّد ظنّه (٢) وهواه. فلهذا تجد هؤلاء أتباع كلِّ ناعق، يميلون مع كلِّ صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن (٣). وهم يُفرِّقون بين ما يُفْعَل وبين ما لا يُفْعَل، وما يُؤمَر به وما لا يُؤمَر به، وما ينبغي فعله، وما ينبغي تركه= بهذه الوجوه وأمثالها. وربما أضافوا ذلك إلى الله من جهة الحقيقة الكونية، وشمول الربوبية. ومعلوم أن جميع الأشياء مضافة إلى الله من هذه الجهة، فلا فرق بين ما يأمرون به وينهون عنه حينئذٍ. وهذه حال المشركين الذين أخبر الله عنهم في كتابه، أنهم يأمرون وينهون بغير كتابٍ نزل من الله، وأنهم يَحتجُّون في ذلك بقَدَر الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].

стр. 2417

وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ (١) الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]. وأصحاب هذا النوع لا يكونون مع النوع الأول، بل يضادّونهم من وجوهٍ كثيرةٍ، ويَفوتُهم ما خَصّ الله به أولئك من تحقيق التوحيد، وكمال التحقيق، وبابه: المعرفة والإيمان، فإن أولئك صاروا مخلصين لله الدين، فيعبدونه ولا يعبدون غيره. وهؤلاء لا فَرْقَ عندهم بين ما يوجد من عبادته ومن عبادة غيره، ولا بين الإيمان به والكفر به، ولا بين ما يُحِبّه ويأمر به، وبين ما يبغضه وينهى عنه. فلا بدّ لهم من الفرق ضرورةً وحسًّا، فإذا لم يكن تفريقهم (٢) هو الفرق التوحيدي الإيماني صار فرقًا (٣) آخر، فيسألون غير [ق ٣] الله،

стр. 2418

ويتوكلون على غير الله، بل يعبدون غيرَ الله، ويَقَعُون في المُحرَّمات من الفواحش والمظالم، ويُعرِضَون عن الواجبات، حتى عن الفرائض؛ لأن قلوبهم ليست مخلصة لله الدين، فليسوا من أهل التوحيد الأول. وأولئك هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. وقال الشيطان: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. وقال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وهؤلاء يَرونَ حالهم مرتفعة عن حال الذين يشهدون (١) جمعَهم وتوحيدَهم، وهم العامة الذين تَفرّقت قلوبهم في المخلوقات، وهم أهل الفَرْق الأول، ومع هذا فَهُمْ في الحقيقة راجعون إلى فرق أولئك؛ إذ لا بد لهم من الفَرْق، فإن لم يكونوا في الفرق الإلهيّ النبويّ الشرعيّ كانوا في فَرْقٍ آخر، وهذا حال العامة، بل العامة خير منهم من وجه، وذلك أنهم يؤمنون بالجمع والفَرْق، بأنّ الله ربَّ كلِّ شيء ومليكه، وبأنه يأمر بالحسنات، وينهى عن القبائح. وإذًا تَفْرِقة العامة بحسبِ أهوائها، لم تَجْعَل ذلك دينًا، بل تعرف أنه ذنب وقبح، ولا يقولون: إنه يسقط عنهم الأمر والنهي.

стр. 2419

وهؤلاء قد يَرَوْنَ سقوطَ الأمرِ والنهيِ عنهم، فتكون العامة خيرًا منهم، لكن يُمَيَّزُون عن العامة بأن الجمع لهم حالًا وشهودًا، بخلاف العامة، فإنّ لهم إيمانًا وإقرارًا، وهذا لا يقع لوجهين: أحدهما: أنهم كاذبون في دوام شهودهم الجمع والعمل به؛ إذ لابدّ من الفرق حسًّا وعقلًا، وذوقًا وشرعًا. الثاني: أن صحة الإيمان مع الغفلة والسَّهْوِ خيرٌ من ذِكْرٍ وشهودٍ يَصحَبُه فساد الإيمان. وقد يقول أحدُهم: إنّ المحبّة والتوكل ونحو ذلك من مقامات العامة السائرين في منازل الشرع إلى عين الحقيقة، وهذه الحقيقة التي انتهوا إليها هي الربوبيةُ العامةُ المطلقةُ التي أَقرَّ بها المشركون. لكنْ كثيرٌ من هؤلاء لا يقولون بالجمع إلا مع تمييز بعض الواجبات من بعض، فيميّز بين ما يأمر به هو وينهى عنه من نفسه، لكن لا يميّز في شهوده ذلك. وربما تأوَّلُوا قولَه تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وظنُّوا أن المقصود من العبادة أن يحصل له يقينٌ بالربوبية العامة ونحو ذلك، فلا يحتاج حينئذٍ إلى العبادة. وهذا ضلالٌ باتفاق أهل العلم والإيمان، فإنّ اليقينَ هو الموت وما بعده، كما قال الحسن البصري: "لم يجعل الله لأجلِ المؤمن غايةً دون

стр. 2420

الموت" (١). كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧ - ٤٨]. وقال النبي ﷺ : "أمَّا عثمان بن مَظْعون فقد أتاه اليقينُ من رَبِّه" (٢). واتفق المسلمون على أن الأمر والنهي لازمٌ لكلِّ عبد حتى يموت. ومن أكابر هؤلاء من يكون فيه نوع من التجهُّم (٣) والجَبْر، كالسالكين طريق ابن التُّومَرْت وأمثاله ممَّنْ ينفي الصفات أو بعضها [كالجهمية] (٤) وأمثالهم من الأشعرية ممن لا يقول: إنّ فوقَ العالمِ ربًّا مباينًا، ويكون مبالغًا في إثبات القَدَرِ حتى يجعل المحبةَ والرجاءَ بمعنى الإرادة، ويجعل الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ محبوبًا مرضيًّا، كالإيمان والطاعة؛ إذ الجميع عنده مراد الله. فهؤلاء إذا انتهوا إلى ما يَظُنُّونه الفناء في حقائق التوحيد كان مضمونُه سقوط الأمر والنهي، لا يُفرِّقون بين الحسنات والسيئات، ويَشهدون ربًّا مطلقًا، ويُقِرُّون مجملًا أنه ليس هو المخلوقات، لكن
следующие страницы →