← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

هذا. فإن لم تكن التفرقة بين الخير والشر بالتفريق (١) الشرعي النبويّ المحمدي القرآني، وإلّا فلا بد من قانون آخر يُفرِّق، إما سياسة بعض الملوك، أو ذوقُ بعض الشيوخ، أو رأي بعض الفقهاء، أو أغراض ذوي الأغراض، بحسب تنوّعها واختلافها، ولزوم مجرّد ظنّه (٢) وهواه. فلهذا تجد هؤلاء أتباع كلِّ ناعق، يميلون مع كلِّ صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن (٣). وهم يُفرِّقون بين ما يُفْعَل وبين ما لا يُفْعَل، وما يُؤمَر به وما لا يُؤمَر به، وما ينبغي فعله، وما ينبغي تركه= بهذه الوجوه وأمثالها. وربما أضافوا ذلك إلى الله من جهة الحقيقة الكونية، وشمول الربوبية. ومعلوم أن جميع الأشياء مضافة إلى الله من هذه الجهة، فلا فرق بين ما يأمرون به وينهون عنه حينئذٍ. وهذه حال المشركين الذين أخبر الله عنهم في كتابه، أنهم يأمرون وينهون بغير كتابٍ نزل من الله، وأنهم يَحتجُّون في ذلك بقَدَر الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].

стр. 2417

وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ (١) الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]. وأصحاب هذا النوع لا يكونون مع النوع الأول، بل يضادّونهم من وجوهٍ كثيرةٍ، ويَفوتُهم ما خَصّ الله به أولئك من تحقيق التوحيد، وكمال التحقيق، وبابه: المعرفة والإيمان، فإن أولئك صاروا مخلصين لله الدين، فيعبدونه ولا يعبدون غيره. وهؤلاء لا فَرْقَ عندهم بين ما يوجد من عبادته ومن عبادة غيره، ولا بين الإيمان به والكفر به، ولا بين ما يُحِبّه ويأمر به، وبين ما يبغضه وينهى عنه. فلا بدّ لهم من الفرق ضرورةً وحسًّا، فإذا لم يكن تفريقهم (٢) هو الفرق التوحيدي الإيماني صار فرقًا (٣) آخر، فيسألون غير [ق ٣] الله،

стр. 2418

ويتوكلون على غير الله، بل يعبدون غيرَ الله، ويَقَعُون في المُحرَّمات من الفواحش والمظالم، ويُعرِضَون عن الواجبات، حتى عن الفرائض؛ لأن قلوبهم ليست مخلصة لله الدين، فليسوا من أهل التوحيد الأول. وأولئك هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. وقال الشيطان: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. وقال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وهؤلاء يَرونَ حالهم مرتفعة عن حال الذين يشهدون (١) جمعَهم وتوحيدَهم، وهم العامة الذين تَفرّقت قلوبهم في المخلوقات، وهم أهل الفَرْق الأول، ومع هذا فَهُمْ في الحقيقة راجعون إلى فرق أولئك؛ إذ لا بد لهم من الفَرْق، فإن لم يكونوا في الفرق الإلهيّ النبويّ الشرعيّ كانوا في فَرْقٍ آخر، وهذا حال العامة، بل العامة خير منهم من وجه، وذلك أنهم يؤمنون بالجمع والفَرْق، بأنّ الله ربَّ كلِّ شيء ومليكه، وبأنه يأمر بالحسنات، وينهى عن القبائح. وإذًا تَفْرِقة العامة بحسبِ أهوائها، لم تَجْعَل ذلك دينًا، بل تعرف أنه ذنب وقبح، ولا يقولون: إنه يسقط عنهم الأمر والنهي.

стр. 2419

وهؤلاء قد يَرَوْنَ سقوطَ الأمرِ والنهيِ عنهم، فتكون العامة خيرًا منهم، لكن يُمَيَّزُون عن العامة بأن الجمع لهم حالًا وشهودًا، بخلاف العامة، فإنّ لهم إيمانًا وإقرارًا، وهذا لا يقع لوجهين: أحدهما: أنهم كاذبون في دوام شهودهم الجمع والعمل به؛ إذ لابدّ من الفرق حسًّا وعقلًا، وذوقًا وشرعًا. الثاني: أن صحة الإيمان مع الغفلة والسَّهْوِ خيرٌ من ذِكْرٍ وشهودٍ يَصحَبُه فساد الإيمان. وقد يقول أحدُهم: إنّ المحبّة والتوكل ونحو ذلك من مقامات العامة السائرين في منازل الشرع إلى عين الحقيقة، وهذه الحقيقة التي انتهوا إليها هي الربوبيةُ العامةُ المطلقةُ التي أَقرَّ بها المشركون. لكنْ كثيرٌ من هؤلاء لا يقولون بالجمع إلا مع تمييز بعض الواجبات من بعض، فيميّز بين ما يأمر به هو وينهى عنه من نفسه، لكن لا يميّز في شهوده ذلك. وربما تأوَّلُوا قولَه تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وظنُّوا أن المقصود من العبادة أن يحصل له يقينٌ بالربوبية العامة ونحو ذلك، فلا يحتاج حينئذٍ إلى العبادة. وهذا ضلالٌ باتفاق أهل العلم والإيمان، فإنّ اليقينَ هو الموت وما بعده، كما قال الحسن البصري: "لم يجعل الله لأجلِ المؤمن غايةً دون

стр. 2420

الموت" (١). كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧ - ٤٨]. وقال النبي ﷺ : "أمَّا عثمان بن مَظْعون فقد أتاه اليقينُ من رَبِّه" (٢). واتفق المسلمون على أن الأمر والنهي لازمٌ لكلِّ عبد حتى يموت. ومن أكابر هؤلاء من يكون فيه نوع من التجهُّم (٣) والجَبْر، كالسالكين طريق ابن التُّومَرْت وأمثاله ممَّنْ ينفي الصفات أو بعضها [كالجهمية] (٤) وأمثالهم من الأشعرية ممن لا يقول: إنّ فوقَ العالمِ ربًّا مباينًا، ويكون مبالغًا في إثبات القَدَرِ حتى يجعل المحبةَ والرجاءَ بمعنى الإرادة، ويجعل الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ محبوبًا مرضيًّا، كالإيمان والطاعة؛ إذ الجميع عنده مراد الله. فهؤلاء إذا انتهوا إلى ما يَظُنُّونه الفناء في حقائق التوحيد كان مضمونُه سقوط الأمر والنهي، لا يُفرِّقون بين الحسنات والسيئات، ويَشهدون ربًّا مطلقًا، ويُقِرُّون مجملًا أنه ليس هو المخلوقات، لكن

стр. 2421

ليس في أصل عَقْدِهم وعِلْمهم وإيمانهم إقرار (١) بمباينته للمخلوقات وامتيازه (٢) عنها، فيقعون في نوع من الإشراك والجمع بين الخالق والمخلوق، وبين المأمور به والمنهيِّ عنه. ومن هنا ضَلَّ مَن ضَلَّ من الاتحادية ــ كابن عربي وأمثاله ــ كأن (٣) يقول أحدهم: نشهد أولًا الطاعة والمعصية، ثم يشهدون طاعةً بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية. فإنهم لمّا كانوا مع المسلمين مُقِرِّين بالأمر والنهي الشرعيَّيْن، كانوا يشهدون الطاعة والمعصية، فلما دخلوا في جمع القدر من غير شهود لتفريق الشرع، شهدوا طاعةً بلا معصية، كما قال بعض شيوخهم: "أنا كافرٌ بربٍّ يُعْصَى" (٤). وقال آخر: أصبحت منفعلًا لما تختاره ... منِّي، ففعلي كلّه طاعات (٥)

стр. 2422

وقال آخر لبعض الظَّلَمَة الذين يتناول مِنْ أموالهم ــ لمَّا قيل: إنه مكّاس ــ فقال: إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة (١). وأمثال ذلك. ثم إذا صاروا عينًا لم يفرقوا بين الربّ والعبد، ولم يشهدوا لا طاعة ولا معصية، بل كما قال بعضهم (٢): ما الأمر إلا نسقٌ واحدٌ ... ما فيه من حَمْدٍ ولا ذمِّ وإنما العادةُ قد خصَّصت ... والطبعُ والشارعُ بالحكم وهذا هو النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن وجود السِّوَى، بحيث يجعل وجود المخلوقات عين وجود الحق، فلا يكون ثَمَّ غيرٌ يكون له وجود أصلًا. فيتكلم هؤلاء فيما يُسمُّونه مفتاح غيب الجمع والوجود. ومضمون أمرهم: أن الوجودَ كلَّه واحد، وهو واجب الوجود بنفسه، ولا يُفرِّقون بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع، ولا بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كونها هي لله، كمن لا يُفَرِّقُ بين الشمس وبين شعاعها، ولا يميزون بين العالمين، وبين ربّ العالمين.

стр. 2423

ويجعلون الأمرَ والنهيَ للمَحجُوبين عن شهودهم، وهم في هذا من أعبد الناس [ق ٤] للمخلوق، وأخوفهم من المخلوق، وأرجاهم للمخلوق، وأعظم الناس إلحادًا في أسماء الله وآياته. وتفصيل هذا الجمع يطول، وإنما هذا تنبيه على جوامع يَحتاجُ إليها الناسُ في هذه المسالك. وقد رأيتُ في ذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وتشهد النفوس ما بين هذا وهذا من المشترك الجامع، ولا يشهدون ما بينهما من المميِّزِ (١) الفارق، وهذا هو القياس الفاسد، وأول من قاس إبليس، وما عُبِدَت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (٢). وذو البصرِ يشهدُ الجمعَ المشترك والمميّز والجامع مع الفارق والكثرة في الوحدة، ويعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، كما شهد به القرآن والإيمان والبرهان. قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد ابن تيمية ــ ﵁ ــ (٣): وما يُسمَّى بالفناء والاصطلام والمَحْق والطّمْس والسُّكْر، ونحو

стр. 2424

ذلك من العبارات التي تُشعِر إمّا بعدم العلم ونوعه، وإما بعدم القَصْد ونوعه، وإما بعدم (١) الوجود ونوعه، وما يتعلق بذلك، فإن للناس في هذه الأمور أربعة أقوال: أحدها: قولُ مَن يجعل ذلك غاية السالكين، ونهاية الواصلين إلى الله، ويقولون: الإرادة، والزهد، والتوكل، والصبر، والخوف، والرجاء، والسُّكْر، والمحبة= منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شهدوا عين الحقيقة اضمحلَّتْ فيها أحوال السائرين، حتى يَفْنَى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل. والغاية عندهم: هو الجمع والوجود والفناء فيه. القول الثاني: قولُ مَنْ يجعلُ هذا من لوازم سبيل (٢) الله الذي سلكه القاصدون له. ويقولون: لا بدَّ لكلّ واصلٍ إلى الله متقرِّب (٣) إليه مخصوص بولاية الله الخاصة، مِنْ أن ينزل هذه المنازل، ويقوم بهذه المقامات، لكنْ ليست هي الغاية، بل الغاية بعدها في حال الصحو والبقاء والشهود، ونحو ذلك من العبارات. القول الثالث: قولُ مَن يجعلُ هذه الأمورَ مذمومةً معصيةً، ويجعلُها من عيوب القاصدين وذنوبهم، إما لكونها بدعةً في الدين، وإما لكون

стр. 2425

أصحابِهَا مُفَرِّطين بترك مأمورٍ أو فعلِ محذور. القول الرابع: قول من يجعلها من عوارض الطريق التي قد تعرض لبعض السالكين، فليست من لوازم كلّ سالك، ولا كلّ مَنْ عرضت له يكون مبتدعًا مذمومًا، أو عاصيًا مَلُومًا، بل قد تعرض لبعض السالكين دون بعض، لقوَّة ما يَرِد على قلبه، وضعفه عن التمييز في حال ورودها. وقد يكون صاحبها مَلُومًا، وقد لازمه في حقّ ... (١) لا يمكنه الوصول بها، وقد يكون منتهى بعض ضعفاء السالكين. والقول في هذا كالقول في الذي يَعْرِض عند سماع القرآن من الصَّعْقِ والصياح والاضطراب، فإنّ هذا لم يكن في الصحابة، بل كانوا عند السماع يبكون، وتَوْجَل قلوبُهم، وتَقشعرُّ جلودُهم. وهذه الأمور هي التي أثنى الله على أهلها في القرآن. فلما كان في زمن التابعين، كان في أهل البصرة ونحوهم مَن يَصْعَق عند سماع القرآن ويموت. فمن السلف من أنكر ذلك، إما لكونِ صاحبِهِ مُتصنِّعًا، أو لكونه مبتدعًا. ويُروَى هذا عن عبد الله بن الزبير، وأسماء بنت أبي بكر، ومحمد ابن سيرين (٢).

стр. 2426

وأما جمهور العلماء فَسوَّغوا ذلك إذا كان صاحبُه مغلوبًا، حتى قال الإمام أحمد: "قُرئ على (١) يحيى بن سعيد، فغُشِيَ عليه. فلو قَدَرَ أحدٌ أن يدفعَ هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، لكمال عقله" (٢). وهذا هو الصحيح؛ فإن زُرارةَ بن أوفى قرأ في صلاة الفجر: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] فَخَرَّ ميتًا (٣). وكان قاضي البصرة، ومن خيار المسلمين. وقرأ صالح المُرّي على أبي جَهير الضرير، فمات (٤). ومات طائفة بوعظ عبد الواحد بن زياد. ومات عليُّ بن الفُضيل بسماع القرآن (٥). ومن قَتَله القرآنُ كثير، والموت لا حيلة فيه.

стр. 2427

فالتحقيق: أن السبب الذي فعلوه إذا لم يكن منهيًّا عنه، لم يكن على صاحبه إثم فيما يَتولّد عنه من موت، أو سُكْر، أو غَشْي، أو نحو ذلك. وأما إذا كان السبب محظورًا، لم يكن صاحبُه معذورًا، كما في زوال العقل بالسُّكْر، ونحوه. فمن شَرِبَ مُحرَّمًا يُزيلُ عقلَه، كان مذمومًا على زوال عقله. ومن أُوجِرَ الخمرَ، أو أُسْقيَ ما ظَنَّه مباحًا، فتبيَّن محظورًا، ونحو ذلك، لم يكن مذمومًا على زوال العقل. فكما يعرض مَغِيب العقل عند السماع لِمَا يَرِدُ على القلب، فكذلك يعرضُ مَغِيبه عند مشاهدة أمور، وعند ورود أمور عليه من غير سماع ظاهر؛ إذ السماع يورث معارفَ (١) وأحوالًا، وكذلك تحصل هذه في غير السماع. وإذا كان زوال العقل غير مقدور وصاحبُه في الشرع معذور، لم يَجُزْ أن يُجْعلَ آثمًا بذلك، ولا مُعاقَبًا عليه، بل ولا منهيًّا عنه، ولا مذمومًا عليه. بخلاف مَن يكون قد حصل له ذلك بسببٍ محظور، كمن يسمع السماع المنهيّ عنه، سماع المُكاء والتّصْدِية، فيُورِثُه هذه الأحوال التي يزول فيها عقله. فهذا مذموم على ذلك. لكن إن كان متأوّلًا معتقدًا جواز ذلك، لاجتهادٍ أو تقليد، أو غير

стр. 2428

عالم بما في ذلك من النهي الشرعي، كان له حُكْم أمثاله من أهل التأويل وعدم العلم. وإذا كان مخطئًا معفوًّا له عن خطئه، عُفِي له عما يترتَّب على خطئه، لكن قد يَضْمَنُ ما تلف بخطئه من حقوقِ العبادِ في أنفسهم وأموالهم، كما أوجب الله الديةَ في القتل خطأً. وأما إذا كان الإتلافُ بتأويل من جهتين، فله حُكْم قتال الفئة من أهل التأويل، كالجَمَل وصِفِّين. والصحيح: أنه هَدْرٌ من الجانبين. وهذا حكم ما يعتري أهل الأحوال في (١) حال سُكْر السماع، من عدوان بعضهم على بعض، كما هو مذكور في غير هذا الموضع. وجماع ذلك: أن الأمر والنهي مشروطان بالتمكين من العلم [ق ٥] والعمل، فإذا كان العبد عاجزًا عن أحدهما، لم يكلَّف الكفَّ عما هو عاجزٌ عنه. وإذا عَجَز عن حفظ عقله، أو عن حَمْل ما يَرِدُ عليه، أو عن العلم بحاله ــ عجزًا يُعْذَرُ فيه شرعًا ــ لم يكن مُعاتَبًا بما يترتّب على زوال العقل، بحسب المزيل للعقل، هل هو معفوّ عنه، أو محظور. وقد يظن صاحبه أنه مأمور به أو مباح لاجتهادٍ أو تقليد، ولكن في نفس الأمر لا يأمر الله بما يزيل العقل، ولا يبيح ذلك.

стр. 2429

ولهذا تنازع الفقهاء في المؤدِّب المأذون له في أدبٍ غير مُقدَّر، إذا تَلِف بأدبه، كالزوج إذا ضرب امرأته، والرائض إذا ضرب دابَّته، فقيل: يَضمنُ ذلك كقول الشافعي؛ لأنه يتبيَّنُ بالإتلاف أنه زاد على المأذون. وقيل: لا يضمن كقول مالك وأحمد؛ لأن القَدْر المأذون فيه ليس محدودًا، بل هو مُوكَلٌ (١) في اجتهاده، فإذا فعل ما اجتهد فيه لم يكن عليه دَرَك، كالمقتصّ. فقد تبيَّن ضعف قول من يذمُّ هذه الأمور مطلقًا، ويسوِّغها مطلقًا، ويعلم أن الاعتبار في ذلك بأسبابها المأمور بها والمنهيِّ عنها. ثم نقول في سائغها: ليس هذا لازمًا من لوازم الطريق، كفعل المأمور، وترك المحظور، فضلًا عن [أن] تكون هي الغاية التي تُناقض هذه الأمور وتضادّها مأمورًا به أمرَ إيجاب ولا أمرَ استحباب. فلا يكون من لوازم طريق الله، فإنَّ اللازم لهم إما أن يكون واجبًا أو مستحبًّا. والأحوال التي تكون من لوازم أعمالهم تكون نتيجة واجبٍ أو مستحبٍّ، فما ليس بواجب ولا مستحبّ ولا نتيجة واجب ولا مستحبّ لا يلزمهم أن يفعلوه، ولا يلزمهم وجوده، فلا يكون من لوازم طريق الله وسبيله، ومنهاج القاصدين إليه، ومنازل السائرين إليه. وإن عَرَض لبعضهم وكان له منزلًا ومقامًا لخصوص حاله؛ لم يقتضِ أن يكون لكل سائرٍ؛ بل ولا هو لازمًا لكلِّ أحد أن يفعله.

стр. 2430

ولا يجبُ على أحدٍ في الشريعة أن يفعل ما يغيِّبُ به عقلَه، أو يُنْقِص به قوَّتَه، ولكن قد يفعلُ أمورًا يلزم [منها] ضعف عقله ونقص قوَّة قلبه، فتكون هذه لوازم وجود تلك الأمور؛ لا أنه يلزمه تحصيل ذلك. فوجوبُ تحصيل ذلك لا يثبت في حق أحد، وأما وجوب وجوده فقد يَعْرضُ لبعض السالكين دون بعض، ولا يَعْرضُ إلَّا مقرونًا بصعق وعجز، والصَّعِقُ العاجزُ هو معذور على ما تركه، ليس مأمورًا بما تركه. واعتَبِرْ هذا بالأحوال العارضة للناس في سائر ما يحبونه ويطلبونه، منهم من يعرض له في حُبِّ الصُّوَرِ والرياسة أو المال ما يُذْهِل لبَّهُ ويُزيلُ عقلَهُ. وكذلك قد يَعْرضُ له في المخاوف ما يذهل لبَّه (١) ويزيل عقلَه، بحيث يبقى مستغرقًا في مشهوده وموجوده. كما يذكرون أنَّ رجلًا كان يحب آخر، فألقى المحبوبُ نفسه في اليمّ، فألقى المحبُّ نفسه خلفه، فقال: أنا وقعتُ، فما الذي أوقعك معي؟ فقال: غبتُ بك عني، فظننتُ أنك أنّي. وقد ذُكِرَتْ قَبْل (٢). والحكايات في مثل هذا كثيرة. لكن لا يقول عاقل: إنَّ مثل هذا كمالٌ ممدوح مأمور به، لا في حقِّ (٣) الممدوح ولا في المذموم.

стр. 2431

وأعظم الخلق محبةً لله إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، هذا خليل الله، وهذا خليل الله، ولم يعرض لأحدهما شيءٌ من ذلك. والمحبُّون الذين ينالون مقاصدهم مع حِفْظِ عقولهم وبقاء تمييزهم أكمل عند العقلاء مِن الذين يغلب عليهم الحال حتى يصطلمهم، ويُسْكِرَهم، ويفنيهم. وما أشبه مدح هؤلاء لعدم التمييز والعقل بمدح طائفة يمدحون مَن لم يفهم معاني القرآن، ولم يتدبره، بل قد أَقرَّ بظاهر لفظه، وجهل ما يزيد إفهامهم إيَّاه من معناه، وقد يجعلون ذلك طريق السلف. وهذا أيضًا غلط، فعدم صفات الكمال الممدوحة في القرآن لا يكون مدحًا ولا ذمًّا مأمورًا به، بل غاية صاحبه أن يكون معذورًا. ولهذا قال عمر بن الخطاب: "لست بخِبٍّ، ولا يخدعني الخِبُّ" (١). ف سلامةُ القلب المحمودةُ هي سلامتُه عن (٢) إرادة الشرِّ وقَصْدِه، لا عن علمه ومعرفته، بل من عَرَفَ الشرَّ وأبغضَه وذمَّه ونهى عنه، فهو أكمل ممن لم يعرفه، ولا أبغضه، ولا نهى عنه، ولا ذمَّه.

стр. 2432

ومن أعظم كمال الرسول وأمته: أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال في صفته: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال في صفة أمته: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. والأمر بالمعروف متضمِّنٌ لمعرفته ومحبّته، والنهي عن المنكر مُتضمِّنٌ للعلم به وبُغضه. وأمة محمد هم الشهداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. وقال: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [العنكبوت: ٧٨]. والشهادة تتضمن العِلْمَ بالمشهود به، وإلا فليس لأحدٍ أن يشهد بما لا يعلم. وقد أخبرَ عن العارفين مِن أمة عيسى ﵇ أنهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].

стр. 2433

قال ابن عباس: "مع محمد وأُمَّتهِ" (١). وهذا كما قال الحواريّون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. فهؤلاء المؤمنون هم طلبوا ما طلبه قبلهم المؤمنون، بخلاف مَن (٢) كان منهم متبعًا للدين المبدَّل المنسوخ، فإنّ أولئك فيهم رأفةً ورحمةً ورهبانيةً، فلهم عبادة وأخلاق، وليس لهم شهادة، فلهذا كانوا في الضلال، فإنَّ الضلال: [ق ٦] عدم العلم، وهو نَعْتُهم (٣)، كما قال عنهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]. فإنّ الضلال يورثه اتباع الهوى؛ لأنه إذا لم يكن معه علم بما يفعله وما يقصده، ومعه حبّ وإرادة تدعو إلى العمل، كان المحرِّك له حبه وهواه، سواء كان صادفَ الحقَّ الذي يرضاه الله، أو كان بخلاف ذلك. وهذا الموضع غلط فيه من سالكي الطريق من لا يُحصي عددَهم إلا الله، فإن أوَّل الطريق هو إرادةٌ وحبٌّ وطلبٌ، وذلك يُثمِرُ من أنواع العبادات والأخلاق والأعمال والأحوال والمقامات ما لا يعلمه إلا الله.

стр. 2434

وقد لا يَصحَبُ هذا السالك معرفة المحبوب المعبود المراد، ولا يصحبه معرفة ما يحبّه ويرضاه مِن طاعة رسوله، فيجهل إما المعبود المقصود، وإما العبادة المأمور بها، أو كلاهما (١). وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: "المؤمنُ القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير" (٢). فالخير عند الله هو الأفضل. ومن هنا يظهر الوجه الثاني: وهو أنَّ العلم والعقل والشهود، ونحو ذلك، صفات كمال، كما أن القدرة والقوَّة صفات كمال. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. وقد مدح الله جبريل بأنه شديد القُوى، وقال: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. وذمّ سبحانه مَنْ ذمَّه بقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. وقوله: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١].

стр. 2435

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]. وقال: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقال: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]. وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].

стр. 2436

ومثل هذا كثير في كتاب الله. فالسمع والبصر والعقل والعلم، وما كان من جنس ذلك ولوازمه، هو من الصفات المحمودة، والتذكّر والتدبّر ونحو ذلك، وكذلك القوَّة. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦١]. وفي حديث الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستَقْدِرُك بقدرتك، وأسألك من فضلك" (١). وقد أمر الله بالصبر المتضمِّن لمعنى القوَّة والثبات، وقَرَنه بالصلاة في غير موضع، كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة:٤٥]. بل ذَكَره في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا. والله تعالى موصوفٌ بصفات الكمال؛ من العلم، والسمع، والبصر والكلام، والقدرة، ونحو ذلك. والمتصف بهذه أحبّ إليه ممن لا يتصف بها، إنما مَدَح وأحبّ (٢) المتَّصفين بها، كما تقدم التنبيه عليه. وإذا كان كذلك، لم يكن الغَيْبَةُ عنها مما ينتهي إليه القاصدون، وذلك لوجهين:

стр. 2437

أحدهما: أن أصحاب النبي ﷺ هم أفضل القرون، وفاضلهم هو أفضل الأمة، كما ثبت في الصحاح أنه قال: "خير القرون الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١). ولا ينازع في هذا الأصل إلا أهل البدع المضلَّة. فمن ظنّ أن مَنْ بعد الصحابة من يكون أكمل في علمٍ، أو دين، أو خُلُق، مِنْ أكمل الصحابة في ذلك، فقد غلط وضلّ، بل هم فوق مَن بعدهم في كلِّ الفضائل الدينية. وإن كان قد يكون لمن بعدهم مِنَ الخصائص والفضائل ما ليس لبعضهم، فلا يكون مَن بعدهم أفضل من فاضلهم بلا ريب. وإذا كان كذلك، فمن المعلوم أن الأحوال الدينية المتضمِّنة لغيب العقل، وعزوف (٢) العلم، لم يكن في الأحوال الدينية التي كانت للصحابة، فلم يكن فيهم مَن مات عن وجدٍ أو سماع. ولا كان فيهم مَن صَعِق وغُشِي عليه. ولا كان فيهم مَنْ فني عن معرفة الأشياء وشهودها. ولا كان فيهم من اصطلم بحيث لا يشهد بقلبه شيئًا من الكائنات أو المخلوقات.

стр. 2438

بل كان حدوث هذه الأمور في الأمة بحسب ما حدث من النقص، فكان التابعون أنقص من الصحابة، فظهر فيهم من الصَّعْق والموت ما ظهر. كما أنَّ بني إسرائيل أنقصُ من هذه الأمة، فلهذا لم يُذْكَر عنهم من ذلك أمور. ونبيُّنا ﷺ أكمل من موسى، وقد عُرِج به ﷺ إلى الملكوت الأعلى، وأراه الله من آياته الكبرى ما أراه، وأصبح كبائتٍ. وموسى ﷺ لما صار الجبل دكًّا خرَّ صَعِقًا. وقد كان نبينا ﷺ لما رأى جبرائيل أوّل مرّة أصابه ما أصابه، ولما رآه نزلةً أخرى عند سِدْرة المنتهى لم يُصِبه ما أصابه أول مرة. وأما ما كان يعتريه عند نزول الوحي، فلم يكن في ذلك تغيّب عقله، فإنه ﷺ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، ولهذا لم يكن يتوضأ من النوم، ولمن يكن يغتسل ويتوضأ بعد نزول الوحي. ولما غُشي عليه في مرضه اغتسل مرّةً بعد مرة، فكان يغتسل في إغمائه الذي أصابه بالمرض، ولا يغتسل من هذه الأمور؛ إذ لم يكن فيها إغماء ولا مغيب عقل. بل هو عند تلقّي الوحي أكمل ما يكون عقلًا، وإن كان ضعيفًا منهوك البدن (١). وإذا كان في منامه لا ينام قلبه مع أن غيبه [ق ٧] الظاهر هو فيه كغيره في المنام، فكيف ينام قلبه عند نزول الوحي عليه، وبه يتلقّى الوحي النازل عليه.

стр. 2439

والكلام ليس فيه حسه لحسن (١) الظاهر؛ فإن هذا مع شهود القلب لا يضر، وإنما الكلام في مغيب القلب بحيث [يذهب] بعض عقله وتمييزه (٢)، أو ضعف قوَّته وقدرته، فإن العلم والقدرة صفة كمال. و النوع الثاني: الفناء عن شهود السّوى ، فهذا هو الذي يقارنه الاصطلام، والسُّكر، والطمس، والمَحْق، فيغيب بموجوده عن وجوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمعروفه عن عرفانه، وبمشهوده عن شهادته، حتى لا يشعر بالسِّوى. فهذا هو الذي تنازع فيه الناس، هل هو غاية السالكين، أو مقامٌ لازمٌ لهم، أو حال يعاين صاحبه، أو أمر عارض لهم؟ ومن جعل هذا غايةً فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا، وإن كان قد وقع في ذلك طوائف من الشيوخ. ولهذا شاركهم في ذلك طوائف من المتفلسفة، كابن سينا البخاري، وابن الطفيل القرطبي صاحب رسالة حيّ بن يقظان (٣)، وأمثالهم ممن يتكلم في التصوّف على طريقة الفلاسفة. وقد عُلِم أنّ تصوُّفَ الفلاسفةِ من أبعد الأمور عن دين الإسلام، وخيرٌ منه تصوّف أهل الكلام المُحْدَث، مع ما فيه من البِدَع.

стр. 2440

وخيرُ الصوفية صوفيةُ أهل الحديث. وكلّ مَن كان منهم بالسنة أعلم وبها أعمل، كان أفضل من غيره، كالفُضَيل بن عياض، وسَهْل بن عبد الله التستري، والجُنيد بن محمد، وعمرو (١) بن عثمان المكي. وأبو عثمان النيسابوري وأمثالهم فوق ذي النون المصري، وصاحبه يوسف بن الحسين الرازي (٢)، وأبي بكر الشِّبلي، وأمثالهم. وكذلك أبو طالب المكي وأمثاله، كلامه في المقامات خير من كلام أبي حامد في "الإحياء"، وإن كان عامة كلامه مأخوذًا [منه]. بل كلام أبي طالب خير من كلام أبي القاسم القُشَيري صاحب "الرسالة". وأصحاب هذا النوع من الفناء، تارةً يشهدون توحيد الربوبية، فلا يُفرّقون بين المأمور والمحظور، ومنهم من يجعل هذا غاية، ويجعل السلوك إليها (٣). ومنهم مَن يقول: مَن شهد الإرادةَ سقط عنه التكليف. وهذا

стр. 2441

[كفر] (١) بالدين، بخلاف مَن أفناه شهود الإلهيّة حتى غاب بمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته، فإن هذا لم يفسد إيمانه واعتقاده، وإنما ضعف عن حمل ما شهده. فهذا إذا أفاق عاد إلى الأمر والنهي، كما يُذكَر عن أبي يزيد. ففَرْق بين فناءٍ يُفسِد الاعتقاد، وفناءٍ يغيّب الاعتقادَ (٢) ولا يُزيله ولا يُفسده. وقدماء الصوفية الأصحَّاء إذا تكلّموا في هذا الفناء، إنما يريدون ما يُغيِّبُ العبدَ عن شهود السِّوى، لا (٣) يريدون له أنك تُسوِّي بين المأمور والمحظور. لكن إذا لم يكن عند العبد فَرقٌ بين الحقيقة الكونية القدرية، والحقيقة الدينية الشرعية، لم يميّزْ بين هذا وهذا. فسوَّوا بين الإرادةِ الدينيةِ والكونية، فقالوا: ما ثَمَّ إلا طاعةٌ بلا معصية، فإن الكائنات كلها جارية على وَفْق المشيئة العامة. ثم أخذوا عن الجهمية نفي الصفات، وأن الصانع ليس مباينًا للعالَم خارجًا عنه. فقالوا: الوجودُ واحدٌ، وما ثَمَّ لا طاعةٌ ولا معصيةٌ. ولهذا صار هؤلاء يُصنّفُ أحدُهم في مفتاح غيب الجمع والوجود،

стр. 2442

ومَن (١) انتهى إليه صاحب "منازل السائرين". وشيخُ الإسلام أبو إسماعيل من أعظم الخلق إثباتًا للصفات ومباينة الربِّ للمخلوقات، وأبعد الخلق عن الحلول والاتحاد، لكن جاء مثل القُونوي والتِّلِمْساني ونحوهما، أخذوا ما وجدوه يناسبهم من كلامه في الفناء، والجمع، والوجود، وانتقلوا منه إلى ما يقولونه من وحدة الوجود. كما أخذوا من كلام أبي حامد الغزالي من "مشكاة الأنوار"، و "المظنون به على غير أهله" (٢)، ونحو ذلك مما فيه مشابهة لكلام الفلاسفة في نفي الصفات، مباينًا بهم في هذا النفي. وانتقلوا منه إلى الحلول والاتحاد. وأبو حامد يُكفِّر مَن يقول بالحلول والاتحاد، ويُصرِّح بأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. ولم يكن في كلامه في الأمر والنهي والأعمال مما يتعلّق به [في] الفناء، كما لم يكن لهم في كلام شيخ الإسلام في الصفات ما (٣) يتعلقون به في النفي. ولكنْ مَن في قلبه مرضٌ يأخذ من كلِّ كلام ما يُناسب مرضَه. ولهذا كان كلام الشيخ عبد القادر في الأمر والنهي ومعاني الفناء والبقاء خيرًا (٤) من كلام شيخ الإسلام، كما أن شيخ الإسلام أعلم

стр. 2443

بالحديث والصفات من الشيخ عبد القادر. ولقد كتبنا فيما مضى قبل هذا (١) أن الفناء يراد به في كلامهم ثلاثة أنواع: أحدها: الفناء عن إرادة ما سوى الحقِّ، أو التوكّل عليه، أو رجائه، أو خوفه، أو حبّه. ويدخل في ذلك الفناء عن إرادة ما تهوى الأنفس، وعن تعلّق الرجاء بأعمالها، والثقة بها، حيث يكون عمله لله وبالله، فهو يعبده ويتوكّل عليه، لا للخلق ولا بهم. وهذا الفناء يجامع البقاء، فإنه فناءٌ (٢) عن إرادة ما سواه بحبه، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن التوكل على ما سواه بالتوكل عليه، وعن الثقة بما سواه بالثقة به. وبالجملة فتحقيق قول: "لا إله إلا الله" فناءٌ (٣) عن تألُّه ما سواه بتألّهه. فهذا أو نحوه هو الذي يذكره الشيخ عبد القادر في الفناء. وهذه طريقة الأنبياء ومن اتبعهم، وهو حقيقة دين إبراهيم، وهو تحقيق التوحيد وإخلاص [الدين] (٤) أو بعض ما يجب منها. وهذه جملة يطول تفصيلها. ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "مَن عَبَدَ اللهَ بغير

стр. 2444

علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه" (١). ومن أسباب وقوعهم في ذلك: أنهم قد لا يجدون من يعلم أعمال القلوب وأحوالها على الوجه المشروع الذي جاء به الرسول، وكان عليه أصحابه، [ق ٨] بل إن وجدوا من يتكلّم في العلم وجدوا من [يتكلم] (٢) في علم الأعمال الظاهرة، وقد يكون في كثير من كلامه مِنَ الظنّ واتباع الهوى ما ينقص حال من يتابعه، أو يضرّه فيما يطلبه من صلاح قلبه. فإنَّ كثيرًا ممن يتكلَّم في فقه الأعمال الظاهرة، لم يكن له خبرةٌ ولا رعايةٌ لأعمال القلوب. كما أن كثيرًا ممن يتكلَّم في أعمال القلوب، لم تكن له خبرة ولا رعاية للأعمال الظاهرة. [و] كثيرٌ مما يقع من هؤلاء وهؤلاء ــ كأنهم أهل مِلّتين ــ نظيرُ ما يقع من اليهود والنصارى. وشواهد هذا وتفصيله يطول، وهي مبسوطة في غير هذا الموضع. والحاكمُ على الطريق كلها الكتابُ والسنةُ وإجماعُ الصحابةِ، فعلى كلِّ مَن انتسبَ إلى الدين بقولٍ أو عملٍ أن يكون مُتّبِعًا للصحابة، مقتديًا بهم. قال عبد الله بن مسعود: "إنَّ الله نظرَ في قلوب العباد فوجد قلبَ محمدٍ خيرَ قلوبِ العباد، فابتعثه برسالته، واختصَّه بوحيه. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلبِ محمدٍ فوجدَ قلبَ أصحابِهِ خيرَ قلوبِ العباد، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حَسَن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو

стр. 2445

عند الله قبيح" (١). وقال أيضًا: "مَن كان منكم مُسْتَنًّا فَلْيستنّ (٢) بمن قد مات، فإن الحيَّ لا يُؤْمَن عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمدٍ أبرُّ الأمةِ قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا" (٣). وقال حذيفة: "يا معشر القُرَّاء، استقيموا وخُذُوا طريقَ من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سُبِقْتَم (٤) سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا" (٥). وقال جندب بن عبد الله: "يا أخابث خلق الله! في خِلافنا تبغون

стр. 2446

الهدى" (١). وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. والله سبحانه أمرنا أن نقول في كتابه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وقد قال النبي ﷺ : "اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالون" (٢). وذلك أن اليهود عَرفُوا الحقَّ ولم يَتَّبِعُوه، فكانوا في الغيِّ. والنصارى عملوا بغير علم، فكانوا في الضلال. ولهذا كان السلف يحذِّرون من العالم الفاجر، والعابد الجاهل، ويقولون: في الأول شَبَهٌ من اليهود، وفي الثاني شَبَهٌ من النصارى (٣). وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: "لتركبنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم حَذْوَ

стр. 2447

القذَّة بالقذَّة، حتى لو دخلُوا جُحْرَ ضبٍّ لدخلتموه". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمَنْ" (١)؟! ولهذا يؤخَذ ما يَعرِض لهؤلاء بإزاء ما يعرض لهؤلاء. فأهل النظر والعلم والكلام المُحْدَث قد يقعون في نَفْيِ ما أثبته الرسول من الأمور التي وصفها، كما يقع أهل الإرادة والعبادة والتصوّف المُحْدَث في الفناء عمّا أَمر به الرسول من الأعمال التي شَرَعها. ثم أولئك منهم مَن يجعلُ النفيَ لما أثبته الرسول من الصفات والكلام وغير ذلك، هو غاية المعرفة والتحقيق والتوحيد، كما فَعَلَت الجهمية المَحضة. ومنهم مَن يَجعلُ كثيرًا مما أُحْدِثَ من الكلام لازمًا لسالك الطريق، حتى يَعْرِفَ مطلوبَه بالدليل النظري، وبعدّة أمور أخرى. وبعضهم يجعل مَنْ وقع في شيء من ذلك مُلْحِدًا خارجًا عن الدين. والتحقيق: أن هذا أمرٌ يعرض لبعض الناس، فقد يحتاج بعض الناس لشبهةٍ عَرَضت له إلى ما يزيلها عنه، وقد يحتاج في بعض الأمور إلى دليل مُعيَّن، وقد يقع كثير منهم في بعض البدع المحْدَثة.

стр. 2448

فهذه عوارض تعرض للسالكين، واللازم للناس طاعة (١) الرسول بما أخبر، وطاعته فيما أمر، وأخْذ (٢) ذلك مِن الطرق التي شَرَعها وبيَّنها، كما كان عليه الصحابة. فلا أحد أعلمُ بالدِّين ولا أَتْبعُ له منهم، وليس من القرون أعلم بالله من قَرْنهم، وبما (٣) يستحقّه من الأسماء والصفات له نفيًا وإثباتًا. ثم إنه قد يعرض لبعض مَن اتبع الكلامَ المُحْدَث والتصوّف المحْدَث= أَنْ صار إلى طريق أهل الإلحاد، وقال بالحلول والوحدة والاتحاد. فإنهم أخذوا نَفْيَ الجهمية في الصفات والفناء الذي أخذته بعض الصوفية من العبادات، فكانوا فيه حائرين، وإلى اتّباعِ شهوات أنفسهم صائرين (٤).

стр. 2449

الرسالة في أحكام الولاية

стр. 2450

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ (١) ولا حول ولا قوة إلا بالله سأل بعضُ ولاة الأمور ــ وفقه الله تعالى لمعالي الأمور، وجنَّبه بفضل رحمته مواقعَ الشرور، وجمع بينه وبين أوليائه في دار الحبور ــ شيخَ الإسلام ومفتي الأنام، ومن عمَّت بركتُه أهلَ العراقين والشام: تقيَّ الدين أبا العباس أحمد بن الشيخ العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، أعاد الله من بركته على الطالبين، وأعلى درجته في علّيين= أن يبيِّن له سبيلَ حكم الولاية على قواعد بناء (٢) الشرع المطهَّر، بسبب تهمة وقعت في سرقة، ليكتب شيئًا في ذلك (٣). فكتبَ له الجوابَ مختصرًا، وبالله التوفيق (٤). الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه (٥) وسلّم تسليمًا.

стр. 2451

ولاية أمور الإسلام (١) من أعظم واجبات الدين ، وأفضل أعمال الصالحين، وأعلى القُرُبات إلى ربّ العالمين، إذا اجتهد وليّ أمرهم في اتباع الكتاب والسنة، وتحرِّي العدل والإنصاف، وتجنُّب طرق الجهل والظلم، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. قال النبي ﷺ : "سبعة [ق ٢] يظلّهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معَلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه، ورجلٌ ذَكَر اللهَ خاليًا ففاضت عيناه بالدموع (٢)، ورجل دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله ربّ العالمين، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينه". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). فانظر كيف قدّم النبيُّ ﷺ الإمامَ العادل. وفي الحديث: "يومٌ مِن إمامٍ عادل أفضل من عبادة ستين أو سبعين (٤) سنة" (٥).

стр. 2452

وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "المقسطون عند الله تعالى على منابرَ من نور عن يمين الرحمن ــ وكلتا يديه يمين ــ الذين يعدلون في حكمهم وما وَلُوا عليه (١) " رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو (٢). و ولاية الشرطة والحرب من الولايات الدينية والمناصب الشرعية، المبنيّة على الكتاب والسنة، والعدل والإنصاف، ولها قوانين صنّف العلماءُ فيها مصنّفات كما صنفوا في ولاية القضاء. فإنّ والي الحرب يُقيم الحدودَ الشرعية على الزاني والسارق والشارب ونحوهم. ويقيم التعزيرات الشرعية على من تعدَّى حدودَ الله. ويحكم بين الناس في المخاصمات والمضاربات، ويعاقب في التُّهَم المتعلقة بالنفوس (٣) والأموال، وينصب العُرَفاء الذين يرفعون إليه أمر

стр. 2453

الأسواق، والحرَّاس الذين يُعرّفونه (١) أمور المساكن، وغير ذلك من مصالح المسلمين. وكلُّ هذه الأمور من الأمور الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة. قال النبي ﷺ : "حدٌّ يُقام في الأرض خير من أن تُمْطروا أربعين صباحًا" (٢). وقال النبي ﷺ : "من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ اللهَ في أمره، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حُبِس في رَدْغة الخَبال حتى يخرج مما قال، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع" رواه أبو داود (٣). وكان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون ــ ﵃ ــ يقيمون العقوبات الشرعية، ويُعرِّفون العُرفاء، وينقِّبون النُّقباء، ويحكمون بين الناس في الحدود والحقوق، وقد جعل الله لكلِّ شيء قدرًا.

стр. 2454

فإذا ادَّعى الرّجلُ على آخر أنه باعه أو أقرضه، أو نحو ذلك من العقود؛ لم يكن في ذلك عقوبة، بل إن أقام المدَّعي بيّنةً وإلا حُلِّف المدَّعى عليه. وإذا حَلَف بَرِئ في الظاهر وكان المدَّعي هو المفرِّط حيث لم يُشْهِد عليه. وقد [ق ٣] جرت العادةُ: أن ما فيه شهادات وتعديل وإثبات وأيمان فمَرْجِعه إلى القضاء. وأما التُّهَم، وهو إذا ما قُتل قتيل لا يُعرف قاتِلُه، أو سُرِق مال لا يُعْرف سارِقُه؛ فالحكم في هذا على وجهٍ آخر. فإنه لو حُلِّفَ المتّهمُ وسُيِّب، ضاعت الدماء والأموال، وكذلك لو كُلِّف المدَّعي بالبينة، فإن القاتل والسارق (١) لا يفعل ذلك غالبًا قُدَّام أحد. ولو كان كلُّ من اتهمه صاحبُ الدمِ والمالِ يُضْرَب، لكان يُضْرَب الصالحون، وأهلُ البرّ والتقوى، والعلماءُ والمشايخ، والقضاة، والأمراء، وكلُّ أحدٍ بمجرَّد دعوى المُتَّهم (٢). وهذا ظلم وعدوان، فإنَّ الظلم لا يُزال بالظلم. بل الاعتدال في ذلك: أن يُحبس المتّهم الذي لم تُعلَم براءتُه، فقد روى بَهْزُ بن حكيم عن أبيه عن جدِّه: أن رسول الله ﷺ (٣) حَبَس في

стр. 2455

تهمة (١). وهذا حديث ثابت، وقد عمل به (٢) الأئمة وأتباعُهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ــ ﵃ ــ. ثم يُنظَر في المتّهم، فإن عُرف قبل ذلك بسرقة، أو قامت أمارات تقتضي أنه قد سَرَق= فقد رخَّص كثير من العلماء في ضربه حتى يعترف بالسّرِقة. وقد روى البخاري في "صحيحه" (٣) أنّ النبيّ ﷺ سلَّم إلى الزُّبير ابن العوَّام رجلاً ليعاقبه على مال اتُّهِم بكتمانه، حتى اعترف بمكانه.
следующие страницы →