ولاية أمور الإسلام (١) من أعظم واجبات الدين ، وأفضل أعمال الصالحين، وأعلى القُرُبات إلى ربّ العالمين، إذا اجتهد وليّ أمرهم في اتباع الكتاب والسنة، وتحرِّي العدل والإنصاف، وتجنُّب طرق الجهل والظلم، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها.
قال النبي ﷺ : "سبعة [ق ٢] يظلّهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معَلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه، ورجلٌ ذَكَر اللهَ خاليًا ففاضت عيناه بالدموع (٢)، ورجل دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله ربّ العالمين، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينه". أخرجاه في "الصحيحين" (٣).
فانظر كيف قدّم النبيُّ ﷺ الإمامَ العادل.
وفي الحديث: "يومٌ مِن إمامٍ عادل أفضل من عبادة ستين أو سبعين (٤) سنة" (٥).
стр. 2452
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "المقسطون عند الله تعالى على منابرَ من نور عن يمين الرحمن ــ وكلتا يديه يمين ــ الذين يعدلون في حكمهم وما وَلُوا عليه (١) " رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو (٢).
و ولاية الشرطة والحرب من الولايات الدينية والمناصب الشرعية، المبنيّة على الكتاب والسنة، والعدل والإنصاف، ولها قوانين صنّف العلماءُ فيها مصنّفات كما صنفوا في ولاية القضاء.
فإنّ والي الحرب يُقيم الحدودَ الشرعية على الزاني والسارق والشارب ونحوهم. ويقيم التعزيرات الشرعية على من تعدَّى حدودَ الله. ويحكم بين الناس في المخاصمات والمضاربات، ويعاقب في التُّهَم المتعلقة بالنفوس (٣) والأموال، وينصب العُرَفاء الذين يرفعون إليه أمر
стр. 2453
الأسواق، والحرَّاس الذين يُعرّفونه (١) أمور المساكن، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
وكلُّ هذه الأمور من الأمور الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة. قال النبي ﷺ : "حدٌّ يُقام في الأرض خير من أن تُمْطروا أربعين صباحًا" (٢).
وقال النبي ﷺ : "من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ اللهَ في أمره، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حُبِس في رَدْغة الخَبال حتى يخرج مما قال، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع" رواه أبو داود (٣).
وكان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون ــ ﵃ ــ يقيمون العقوبات الشرعية، ويُعرِّفون العُرفاء، وينقِّبون النُّقباء، ويحكمون بين الناس في الحدود والحقوق، وقد جعل الله لكلِّ شيء قدرًا.
стр. 2454
فإذا ادَّعى الرّجلُ على آخر أنه باعه أو أقرضه، أو نحو ذلك من العقود؛ لم يكن في ذلك عقوبة، بل إن أقام المدَّعي بيّنةً وإلا حُلِّف المدَّعى عليه. وإذا حَلَف بَرِئ في الظاهر وكان المدَّعي هو المفرِّط حيث لم يُشْهِد عليه.
وقد [ق ٣] جرت العادةُ: أن ما فيه شهادات وتعديل وإثبات وأيمان فمَرْجِعه إلى القضاء.
وأما التُّهَم، وهو إذا ما قُتل قتيل لا يُعرف قاتِلُه، أو سُرِق مال لا يُعْرف سارِقُه؛ فالحكم في هذا على وجهٍ آخر. فإنه لو حُلِّفَ المتّهمُ وسُيِّب، ضاعت الدماء والأموال، وكذلك لو كُلِّف المدَّعي بالبينة، فإن القاتل والسارق (١) لا يفعل ذلك غالبًا قُدَّام أحد.
ولو كان كلُّ من اتهمه صاحبُ الدمِ والمالِ يُضْرَب، لكان يُضْرَب الصالحون، وأهلُ البرّ والتقوى، والعلماءُ والمشايخ، والقضاة، والأمراء، وكلُّ أحدٍ بمجرَّد دعوى المُتَّهم (٢). وهذا ظلم وعدوان، فإنَّ الظلم لا يُزال بالظلم.
بل الاعتدال في ذلك: أن يُحبس المتّهم الذي لم تُعلَم براءتُه، فقد روى بَهْزُ بن حكيم عن أبيه عن جدِّه: أن رسول الله ﷺ (٣) حَبَس في
стр. 2455
تهمة (١).
وهذا حديث ثابت، وقد عمل به (٢) الأئمة وأتباعُهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ــ ﵃ ــ.
ثم يُنظَر في المتّهم، فإن عُرف قبل ذلك بسرقة، أو قامت أمارات تقتضي أنه قد سَرَق= فقد رخَّص كثير من العلماء في ضربه حتى يعترف بالسّرِقة.
وقد روى البخاري في "صحيحه" (٣) أنّ النبيّ ﷺ سلَّم إلى الزُّبير ابن العوَّام رجلاً ليعاقبه على مال اتُّهِم بكتمانه، حتى اعترف بمكانه.
стр. 2456
وإن شهد الناسُ لذلك المتّهم أنه من أهل الثقة والأمانة، لم يجز أن تُباح عقوبته بلا سبب يُبيح ذلك. فإنّ النبيّ ﷺ قال: "ادرأوا الحدودَ بالشُّبُهات، فإنَّ الإمام أنْ يخطئ في العفو خيرٌ مِن أن يخطئ في العقوبة" (١).
وأكثر ما يُفعل بمن يكون هكذا أن يضمن عليه، ويحَلَّف الأيمان الشرعية على نفي ما ادُّعِيَ به عليه.
وقد روى أبو داود في "سننه" (٢) أن قومًا جاؤوا إلى النعمان بن بشير فقالوا: إن هذا سرق لنا مالاً فاضربه حتى يعترف به، فقال: إن شئتم ضربته، فإن ظهر مالكم عنده وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهره. فقالوا: هذا قضاؤك؟ قال: هذا قضاء الله ورسوله ﷺ .
стр. 2457
وإذا عُرِف أن الرجل عنده مال يجب عليه أداؤه، إما دينٌ يَقْدِر على وفائه وقد امتنع من الوفاء، وإما وديعة أو عاريَّة، وإما مال سرقَه، أو غَصَبَه (١)، أو خانه من مال السلطان الذي يجب عليه دفعه، أو من مال الوقف أو (٢) اليتيم، أو من مال موكِّله أو شريكه، أو نحو ذلك= فإذا عُرف أنه قادر على أداء المال، وهو ممتنع، فإنه يُضرب مرةً بعد مرةٍ حتى يؤديه. قال النبي ﷺ : "ليُّ الواجِدِ يُحلّ عِرْضه وعقوبتَه" (٣).
الليُّ: المطل، والواجد: القادر.
[ق ٤] (٤) وقال النبي ﷺ : "مَطْل الغنيِّ ظلم" (٥).
وهذا أصل متفق عليه بين العلماء: أن مَن ترك الواجبات فإنه يُعاقَب
стр. 2458
حتى يفعلها، ومن ارتكب الحُرُمات عوقب على ركوبها. وأداءُ الحقوق إلى أصحابها من الواجبات.
لكن هذا إذا عُرِف أن الحق عنده، فأما مع التهمة فيفرَّق بين الأبرار والفجّار، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا.
وإن لم يفعل الوالي ذلك وإلا تناقضت أحكامه، فقد يكون المتهم متجوّهًا (١) أو يشفع إليه فيه ذو قَدْر، فيحتاج أن يُعاقب له أهل الأمانة والصدق والصلاح، وكل هذا عدوان، وإنما العدل أن يحكم بين الناس حكمًا واحدًا يسوّى فيه بين القوي والضعيف والشريف والوضيع بحسب قدرته وطاقته.
قال أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه لما تولّى: "أيها الناس! القويّ فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحقَّ، والضعيف فيكم القويّ عندي حتى آخذ له الحق، فأطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيتُ الله فلا طاعةَ لي عليكم" (٢).
وقال النبي ﷺ : "إنما هلك مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، والذي
стр. 2459
نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقَتْ لقطعتُ يدَها" أخرجاه في "الصحيحين" (١).
فلهذا يجب على الوالي إذا ثبت أن الرجل قد سرق ما مقداره ربع دينار، وهو نحو خمسة دراهم بهذه الدراهم، فإنه يجب قطع يده ولا يحل تأخيره لغير عذر، ولا يحلّ لأحدٍ أن يشفع إليه في ذلك، ولا يحلّ له قبول الشفاعة.
بل قد جاء في الحديث: "إذا بلغت الحدودُ السلطانَ فلعَنَ الله الشافِعَ والمشفّعَ" (٢).
وسوف إن شاء الله تعالى أكتب للأمير ــ أحسن الله إليه ــ شيئًا جامعًا، فإن والي الحرب قد كان في هذه البلدة ــ يعني دمشق ــ الافتخار، وكان عند الناس من أولياء الله تعالى، وقد كان عندهم قاضٍ يقال له: الرفيع، وكان من أعداء الله تعالى، ليُعلم أن الاعتبار في الحمد والذم والثواب والعقاب في جميع الولايات بطاعة الله ورسوله واتباع الكتاب والسنة وتحرّي العدل والإنصاف والله أعلم (٣).
стр. 2460
(١) ﴿[لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ] [ق ٥] هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] وهؤلاء المهاجرون.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] وهؤلاء الأنصار.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
وهذا الصنف الثالث إلى يوم القيامة، وصفهم بالاستغفار للسلف وسؤال الله ألا يجعل في قلوبهم غلًّا لهم، وهؤلاء يلعنون السلف ولا
стр. 2461
يستغفرون لهم، ولا يطلبون من الله منع الغل، بل يسعون في قوَّة (١) الغلِّ والبغض والعداوة لخيار أهل الإيمان.
ثم إن هؤلاء يخونون ولاة أمور المسلمين في الجهاد وحفظ البلاد، وهم أعداؤهم عداوةً دينية؛ إذ كانوا يعادون خيار الأمة، وخيارَ ولاة أمورها الخلفاء الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
والذي ابتدع الرَّفْض كان منافقًا زنديقًا أظهر موالاة أهل البيت؛ ليتوسل بذلك إلى إفساد دين الإسلام، كما فعل بولص مع النصارى. ولهذا كانت الرافضة ملجأً لعامَّة الزنادقة القرامطة، والإسماعيلية، والنصيرية، ونحوهم.
فلا يصلح لولاة الأمور أن يولّوهم على المسلمين، ولا استخدامهم في عَسْكر المسلمين، بل إذا استبدل بهم من هو من أهل السنة والجماعة= كان أصلح للمسلمين في دينهم ودنياهم.
[و] إذا أظهروا التوبة والبراءة من الرفض، لم يوثق بمجرَّد ذلك، بل يُحْتاطُ في أمرهم، فيفرّق جموعهم، ويُسكنون في مواضع متفرّقة بين أهل السنة، بحيث لو أظهروا ما في أنفسهم عُرِفوا، ولا يتمكنون من التعاون على الإثم والعدوان. فإنهم إذا كان لهم قوَّة وعدد في مكان، كانوا عدوًّا للمسلمين مجتمعين، يعادونهم أعظم من عداوة التتر بكثير.
стр. 2462
ولهذا يخبر أهل الشرق القادمون من تلك البلاد: أن الرافضة أضرّ على المسلمين من التتر، وقد أفسدوا مَلِك التتر وميَّلوه إليهم، وهم يختارون دولته وظهوره (١)، فكيف يجوز أن يكون في عسكر المسلمين من هو أشدّ عداوةً وضررًا على المسلمين من التتر؟!
والتتريُّ إذا عَرَف الإسلام ودُعي إليه أحبّه واستجاب إليه، إذ ليس له دين يقاتل عليه ينافي الإسلام، وإنما يقاتل على الملك.
وأما الرافضة فإن من دينهم السعي في إفساد جماعة المسلمين وولاة أمورهم [ق ٦]، ومعاونة الكفار عليهم؛ لأنهم يرون أهل الجماعة كفارًا مرتدِّين، والكافر المرتدّ أسوأ حالاً من الكافر الأصلي، ولأنهم يرجون في دولة الكفار ظهورَ كلمتهم وقيام دعوتهم ما لا يرجونه في دولة المسلمين، فهم أبدًا يختارون ظهور كلمة الكفار على كلمة أهل السنة والجماعة، كما قال النبي ﷺ في الخوارج: "يقتلون أهل الإسلام ويَدَعونَ أهلَ الأوثان" (٢).
وهذه سواحل المسلمين كانت مع المسلمين أكثر من ثلاثمائة سنة، وإنما تسلَّمها النصارى والفرنج من الرافضة، وصارت بقايا الرافضة فيها مع النصارى.
стр. 2463
وأما دولة التتر؛ فقد علم الله أنَّ الذي دخل مع هولاكو ملك التتر، وعاونه على سفك دماء المسلمين، وزوال دولتهم، وسَبْي حريمهم، وخراب ديارهم، وأخْذِ أموالهم= فهم الرافضة، وهم دائمًا مع اليهود والنصارى أو المشركين.
فكيف مثل هؤلاء ولاةً على المسلمين أو أجنادًا، لهم مقدَّم منهم في عَسْكر المسلمين، يأكلون أموال بيت المال، منفردين في بلادٍ عن جماعة المسلمين؟!
فمن أعظم النُّصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم= دفع ضرر هؤلاء عنهم. والله تعالى أعلم.
تمت.
стр. 2464
كتاب الشيخ إلى بعض أهل البلاد الإسلامية
стр. 2465
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
وما توفيقي إلا بالله
جزء فيه: كتاب الشيخ تقي الدين أبو (١) العباس أحمد ابن تيمية (٢)، إلى بعض أهل البلاد الإسلامية، فيما تقتضيه الشريعة المحمدية، في قضية سئل عنها من الأمور الدينية.
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
ربِّ اختم لي بخير
لما كان بتاريخ يوم الأحد رابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وسبعمائة، حضر إلى مجلس شيخ الإسلام وقدوة الأنام، الإمام العلامة، مفتي الفرق، ناصر السنة، محيي الشريعة، قامع أهل البدع، تقي الدين أبي العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، غفر الله له ولجميع المسلمين وأثابهم الجنة بمنِّه وكرمه= الشيخُ أحمد السرَّاج الفقيه يومئذٍ بقرية كفرقوق الفستق من إقليم داريَّا من أعمال دمشق المحروسة.
وذَكَر أن بقريته ومن حولها أناسًا منهم فقراء من أصحاب الشيخ حسن القطني، وعلي القطني الرفاعية وغيرهم مُوَلَّهين مكشوفي
стр. 2466
الرؤوس وغير مولَّهين، وبعضهم يصلي، وبعضهم تارك الصلاة.
فأما الذي يصلي إذا قاموا خلف الإمام في الصلاة إذا سمعوا حِسًّا، كصرير بابٍ أو مشي بقبقاب قويّ أو حركة قويّة= فمنهم [ق ٢] من يزعق، ومنهم من يقول: آه آه! ومنهم من يقول: آخ آخ! وأنه نهاهم عن ذلك فقالوا: نحن فقراء وهذه طريقنا وطريق شيخنا!
وأما الذين لم يصلوا منهم فأمَرَهم بالصلاة، فمنهم من اعتذر أن ثوبه نجس، ومنهم من يقول: أنا بردان، ومنهم من يقول: أشغال الدنيا تقطعنا عن الصلاة، ومنهم من يقول: يا فقيه إن الصلاة ما هي فرض إلا على من هو فارغ من عمل الفلاحة وأشغال الدنيا!
وسأل الشيخ أن يكتب له كتابًا إليهم، فكتب له الشيخ كتابًا إليهم وإلى غيرهم بما تقتضيه الشريعة الإسلامية، والسنة النبوية المحمدية، وهذه صورة الكتاب:
стр. 2467
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
من الداعي أحمد ابن تيمية إلى من يصل إليه كتابه من أمراء المسلمين وولاتهم وقضاتهم ورؤسائهم، جمعَ الله لهم خير الدنيا والآخرة، وأسبغ عليهم نِعَمه باطنة وظاهرة، وتولّاهم في جميع الأمور، وصرف عنهم كلّ محذور.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهلٌ، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلِّي على إمام المتَّقين وخاتم النبيين: محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
أما بعد؛ فإن الله تعالى بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وجعل أمَّته خيرَ أمة أخرجت للناس، وأنزل عليه أفضل الكتب، وأكمل له ولأمته الدين، وأتمَّ عليهم النعمة.
وقد أمر الله ــ سبحانه ــ عبادَه المؤمنين بجهاد من خرج عن دينه من الكافرين والمنافقين، وأمر بجهاد من خرج عن شريعة الإسلام، حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا.
وفرَضَ على المؤمنين الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعْرَف المعروف، وعماد الدين، وأفضل الأعمال، وأول ما أوجبه الله من الفرائض، وآخر ما يبقى من الدين: هي الصلوات الخمس في مواقيتها
стр. 2468
كما أمر الله ورسوله. فإنه يجب قتال الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، كما أمر الله ورسولُه.
وقد قال النبي ﷺ : "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" (١).
وقال ﷺ : "خمسُ صلوات فرضهنَّ الله على العبيد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهنَّ، كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة" (٢).
стр. 2469
وقال: "ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة" (١). وقال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد [ق ٣] كفر" (٢).
فعلى المسلمين أن يقيموا الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله، وعليهم أن يأمر بعضُهم بعضًا بذلك من الرجال والنساء، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].
وقال عليٌّ ــ ﵇ ــ: "علِّموهم وأدِّبوهم" (٣).
ومن امتنع من الصلوات الخمس من الرجال والنساء؛ فعليه العقوبة
стр. 2470
البليغة بإجماع المسلمين، وحُكْمه أن يُسْتتاب، فإن تاب وإلا قُتل.
وهذا الكتاب كُتِبَ إنذارًا وإعذارًا، فمن أطاع اللهَ ورسولَه فله سعادة الدنيا والآخرة، ومن امتنع من ذلك عُوقِب بما حَكَم الله به ورسوله.
وليس للمسلم أن يؤخِّر الصلاةَ عن وقتها إلا إذا كان له عذر، فإنه يجمع بين صلاتي النهار: الظهر والعصر، وصلاتي الليل: المغرب والعشاء. ولا يؤخِّر صلاةَ الليل إلى النهار، ولا صلاة النهار إلى الليل باتفاق المسلمين.
ومن كان جُنبًا أو محدِثًا وقد عدم الماء أو تضرر باستعماله لبردٍ أو مرض= فإنه يتيمّم الصعيد الطيّب ويصلي، وإذا لم يجد إلا ثوبًا صلى فيه ولو كان نجسًا إذا لم يقدر أن يصلي إلا على تلك الحال، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١).
وعلى المسلمين ملازمة السنن النبوية المحمدية، ومجانبة البدع المحدثة الجاهلية؛ فيقوموا في الصلاة لله قانتين كما أمر الله ورسوله.
ومن تكلَّم في صلاته بكلام الآدميين، أو صاح في صلاته لصرير بابٍ أو حسِّ شيءٍ من الأشياء ونحو ذلك، فقد عصى اللهَ ورسولَه، وبطلت صلاتُه. وإنما الصلاة هي القراءة والتسبيح والتحميد والتكبير والدعاء لله، كما علّمَه النبي ﷺ أُمَّته.
стр. 2471
وليس لأحدٍ خروجٌ عما أمر الله ورسوله به المسلمين، ولا عما شرعه الله ورسوله لعباده المؤمنين، بل جميع الأولياء والصالحين من الأولين والآخرين داخلون في ذلك، ملتزمون لذلك.
ومن خرج عن شريعة رسول الله ﷺ وطريقته، وهو الشِّرْعة والمنهاج الذي بعَثَه به، فلم يلتزم أداء الواجبات ولا اجتناب المحرَّمات؛ فإنه يجب قتله وقتاله كائنًا من كان، كما يجب قتال التتار، وبعض هؤلاء شرٌّ منهم، سواءٌ كان منتسبًا إلى العلماء أو الفقهاء، أو العبَّاد والفقراء، أو الملوك والرؤساء، ولو طار في الهواء أو مشى على الماء!!
ليس لأحدٍ خروجٌ عما أمر الله به ورسوله، ولا [ق ٤] هو (١) أحد مع رسول الله ﷺ كما كان الخضر مع موسى ــ ﵇ ــ، فإنّ النبيّ ﷺ قال: "كان النبيّ يُبْعث إلى قومه خاصَّةً وبُعِثتُ إلى الناس عامة" (٢). فموسى ــ ﵇ ــ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر ولا كان الخضر مأمورًا بطاعته، بل قال له: "إني على عِلْمٍ مِن عِلْم الله علّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على عِلْم مِن عِلْم الله علَّمكه الله لا أعلمه" (٣).
стр. 2472
وأما خاتم الرسل وسيد ولد آدم، فهو مبعوثٌ إلى جميع الثَّقَلين الجن والإنس. ولو قال أحدٌ له مثل ما (١) قال الخضر لموسى لكان كافرًا يجب قتله، فعلى المسلمين أن يعرفوا هذا الأصل، الذي هو (٢) عصمتهم في دينهم.
ولا يمكن (٣) أحدًا من الابتداع في الدين لما لم يأذن به الله، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
ومن انتسب إلى شيخ من شيوخ المسلمين، وابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، ونسب بدعته إلى ذلك؛ فهو كاذب عليه مفترٍ إن كان الشيخ مهتديًا في ذلك، وإلا كان الشيخ قد أخطأ وضلَّ إن ثبت أنه خالف السنة النبوية.
وليس لأحدٍ أن يطيع أحدًا في خلاف سنة رسول الله ﷺ ولو كان من أكابر مشايخ الدين وأئمة المسلمين. قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥]. [و] قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١].
стр. 2473
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١].
فكل من دُعي إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ ، فصدَّ عن ذلك وأعرضَ عنه، طاعةً لبعض السادة والكُبَراء في الدين أو في الدنيا= فهو منافق أخذ بنصيبٍ من حال الذين ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨].
وهؤلاء الذين يبتدعون في الدين كشفَ الرؤوس، وتفتيل الشعور، وإظهار الخزعبلات، مثل اللعب بالحيَّات والنار واللاذن والزعفران والسكر والدم= هم مبتدعون في ذلك ضالّون مضِلّون.
[ق ٥] وكل من كان صالحًا وليًّا، فهو بريءٌ من هذه البدع والضلالات والأكاذيب والتلبيسات.
وأما أولياء الله تعالى فهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 2474
وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس:٦١ - ٦٣]. فقد وصف الأولياء بالإيمان والتقوى.
وقد فسّر الله ــ ــ التقوى في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
والله هو المسؤول أن يجمع لكم ولسائر المسلمين خير الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
علقه لنفسه محمد بن أحمد بن علي الخطيب، من أصل حسين بن إبراهيم بن أحمد بن سونج (١)، وعليه خط الشيخ ــ ﵁ ــ. وذلك في سابع عشر شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمئة.
стр. 2475
كتاب الشيخ إلى الأمير
شمس الدين سُنْقرچاه
стр. 2476
كتابٌ كتبه شيخ الإسلام وقدوة الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية ــ ﵁ ــ إلى الأمير شمس الدين سُنْقرچاه (١) المنصوري لما تولى صَفَد المحروسة في شهر شوال من سنة أربع وسبعمئة. وهذه نسخَتُه:
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
من الداعي أحمد ابن تيمية إلى أمير الأمراء شمس الدين ناصر الإسلام، أعزَّ الله به الدين وأصلح به أمور المسلمين، وأقام له وبه أمر الدنيا والدين، وأعانه على إقامة العدل في العالمين، ودَفْع أهل البدع والفجور المعتدين.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنَّا نحمدُ [ق ٢] إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين: محمدٍ عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليمًا.
أما بعد؛ فإنّ الله تعالى قد أنعم على الأمير وأنعم به، حيث جعل فيه من الصفات المحمودة والأخلاق الرضيَّة ما قد انتشر عنه وسَمِعَه المسلمون، ولهذا فرحوا بولايته فرحًا شديدًا عظيمًا، فالله تعالى يتمُّ نعمته عليه وعلى إخوانه المؤمنين.
стр. 2477
فقد ثبت في "الصحيحين" (١) أن النبي ﷺ مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال: "وجَبَت وجَبَت". ومُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وجَبَت وجَبَت". قالوا: يا رسول الله ما قولك: "وجبت وجبت"؟ قال: "هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
فأيُّ وليِّ (٢) أمرٍ من أمور المسلمين أنعمَ الله عليه بحُسْن القصد، وابتغاء وجه الله، والنُّصْح لرعيَّته، وإقامة العدل بينهم، فإنّ الله تعالى يجعل له من الدُّعاء المستجاب، والثناء المستطاب، وجميل الأجر والثواب= ما هو من أنفع الذخائر له في الدنيا والمآب.
وإذا أراد المسلم أن يتدبَّر ذلك، فلينظر كيف شُهرة عمر بن عبد العزيز، والسلطان نور الدين الشهيد، وغير هؤلاء من ولاة الأمور، أهل الصدق والعدل، والهدى والرَّشاد.
ولينظر كيف شهرة قوم آخرين، أقدمهم الحجَّاج بن يوسف الثقفي، وأمثاله من أهل الظلم والعدوان، الذين لهم سمعة سوءٍ في مَحْياهم ومماتهم؛ ما بين ذاكرٍ لمساويهم، وما بين داعٍ عليهم، وما بين مبغضٍ لهم. وأولئك لهم الدعاء والثناء، وهم في الآخرة في ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥].
стр. 2478
وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "أحبّ الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام ظالم".
وقد رُوي: "يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين أو سبعين سنة" (٢).
وفي "الصحيحين" (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشابّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله ربَّ [ق ٣] العالمين، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينُه".
وكان عمر بن عبد العزيز يقول عن ذي السلطان: هو كالسوق فما نَفَق فيه جُلِبَ إليه (٤). فإذا نَفَق عنده الصدق والبر والعدل وطاعة الله
стр. 2479
ورسوله= جُلِب إليه ذلك. وإن نَفَقَ فيه ضدُّ ذلك، جُلِب إليه ضدُّ ذلك.
والله ــ سبحانه ــ قد جعل قيام أمر الملّة والدولة بالمصحف والسيف، فقال في كتابه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. فجعل سبحانه المقصود بإرسال الرسل وإنزال الكتب هو أن يقوم الناس بالقسط، وجعل قيام ذلك بكتابٍ يهدي وسيفٍ ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.
ولهذا رُوي عن جابر بن عبد الله قال: أمَرَنا رسول الله ﷺ أن نضرب بهذا ــ يعني السيف ــ من خرج عن هذا ــ يعني المصحف ــ (١).
стр. 2480
وكان بعض الملوك العادلين (١) يضع المصحف، ويضع "سنن أبي داود"، ويضع السيف، ثم يقول: هذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله، وهذا سيف الله. فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسول الله ضربناه بسيف الله.
وقد بَيَّن الله في كتابه آية ولاة الأمور (٢)، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨].
وأداء الأمانات هو في الولايات وفي الأموال.
فأما الولايات؛ فإنَّ الله أمر وليَّ الأمر أن يولي في كل جهةٍ أصلح من يقدر عليه، فإن النبيّ ﷺ ... قال: "من قلَّد رجلاً عملاً على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين" رواه الحاكم في "صحيحه" (٣).
стр. 2481
وأما الأموال السلطانية ؛ فإن الله تعالى جعلها لمن يجلب للمسلمين المنفعة في دينهم ودنياهم، ويدفع عنهم المضرَّة في دينهم ودنياهم، ولذوي السوابق والحاجات من المسلمين.
فأهل المنفعة مثل: ولاة الأمور، [و] ولاة الحرب، وولاة الحكم، وولاة الديوان، والمشايخ والعلماء، وأئمة المساجد والمؤذِّنين، وكل من تولى في مصلحة المسلمين. ومثل الجند المقاتلة الذين ينصرونَ الله ورسولَه، ويجاهدون في سبيل الله بسيوفهم.
وذوو (١) السوابق مثل: بني هاشم، وبني [ق ٤] المطَّلِب من أقارب النبيّ ﷺ .
ومثل أولاد الجُنْد الصغار الذين مات آباؤهم [أ] وقُتلوا، فإنه يجب أن يُرْزَق أولاد الجندية حتى يبلغوا ويصيروا من المقاتلة، أو يخرجوا عن ذلك، ويُنْفَق على النساء حتى يتزوجن.
وذوو الحاجات هم: فقراء المسلمين، فإذا كان الرجل فيه الحاجة والمنفعة للمسلمين كان استحقاقه أوكد.
стр. 2482
وأما الحكم بين الناس فهو في الحدود والحقوق:
فالحدود؛ كلُّ من تعدَّى حدودَ الله فإنه يُعاقَب بما شرعه الله ورسوله، مثل إقامة الحدود على قُطَّاع الطريق، وشُرَّاب الخمور، والمعلنين بالفواحش المحرَّمة، والمظهرين للبدع المخالفة للكتاب والسنة.
والحقوق؛ مثل ما بين الناس من الدِّماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحو ذلك.
والمقصود بذلك كلّه أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
ولهذا أوجب على المسلمين أن يقاتلوا من خرج عن شريعة رسول الله ﷺ وإن ادعى الإسلام، كما قاتل أبو بكر الصديق وأصحابُ رسول الله ﷺ مانعي الزكاة.
وقال عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ لأبي بكر الصديق ــ ﵁ ــ: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله". فقال له أبو بكر: فإن الزكاة مِنْ حقِّها. قال
стр. 2483
عمر: فوالله ما هو إلا أنْ رأيتُ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمتُ أنه الحق (١).
واتفق الصحابة على قتال أقوام كانوا يصلّون ويصومون شهر رمضان إذا خرجوا عن بعض شرائع الإسلام، وقد تواتر في الصحاح عن النبي ﷺ أنه ذكر الخوارج فقال: "يَحْقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه من صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السَّهم من الرَّمِيَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قَتْلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل (٢) عاد" (٣). وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الصحابة.
فإذا كان هؤلاء مع كثرة صومهم وصلاتهم وقراءتهم قد أمر النبيُّ ﷺ بقتالهم، لخروجهم عن شرائع المسلمين [ق ٥] ...... (٤)
[﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ] [ق ٦] لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]. وقال
стр. 2484
تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
فالمسلم يفعل ذلك إيمانًا واحتسابًا؛ إيمانًا بأنَّ الله تعالى أمرَه بذلك، واحتسابًا بالأجر على الله، كما قال عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ: "لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حِسْبة له" (١).
فإن الإنسان إذا أطاع ذا سلطان (٢) أو نصح الأمة؛ للرغبة إلى الخلق والرهبة منهم= كان عبد السوط والدرهم. كما ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبد الدينار، تَعِس عبد الخميصة، تَعِس عبدُ القطيفة، تَعِس وانتكس، وإذا شِيْك فلا انتقش، إن أُعْطيَ رضي، وإن لم يُعْطَ سَخِط" (٣).
والخميصة: كساء يُلبس. والقطيفة: ما يُجْلس عليه.
فدعا على من يكون عبد النفقة والكسوة، وإنما المؤمن عبد الله،
стр. 2485
يعبد الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وإذا كان ذا (١) ولاية عَدَّ ما يفعله من العدل والإحسان عبادةً لله تعالى يتقرَّب بها إليه. وإن كان من الرعية عدّ طاعتَه في طاعة الله، ونصيحتَه عبادة (٢) لله يَتَقرَّب بها إلى الله، وذلك كله داخل في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
وإذا كان الله تعالى قد أمر ولاة الأمور بأداء الأمانات والحكم بالعدل؛ والأمانات هي: الولايات والأموال، فالأصل في الولايات القوة والأمانة، وإذا تعذَّر ذلك عمل الممكن، فإن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعها، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمرٍ فاتوا منه ما استطعتم" (٣).
وأصلُ ذلك أن يولِّي الرجلُ أصلحَ من يقدر عليه، وإن لم يوجد الأصلح إلا وفيه نوعٌ من العجز أو الفجور؛ فهذا هو الواجب، بخلاف من قدَّم المفضول لجهلٍ أو هوى. قال النبي ﷺ : "من قلَّدَ رجلاً عملاً على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين" رواه الحاكم في "صحيحه" (٤).
стр. 2486
وأما الأموال المشتركة كلها؛ من مال الفيء، والصدقات المفروضة، والصدقات الموقوفة، والأموال التي يقبضها الولاة لبيت المال من أموال الرعية بتأويل أو ظلم وتعذَّر ردُّها إلى مستحقّيها.
فمالُ الفيء الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى، مثل أكثر الأرض السلطانية الداخلة في الإقطاعات وما لها من خراجٍ قديم أو جديد هو مثل الحَكْر، ومثل مال الجِزْية، وما [ق ٧] يُقبض من أموال أهل الحرب بصلح أو بتجارة.
والصدقات مثل عُشور الغلَّات، وزكاة الماشية التي قد كتبها العدَّاد، وزكاة أموال التجار التي تُؤخذ من المسافرين بِدُور الزكاة.
وسائر الأموال السلطانية معروفة، والأموال الموقوفة التي يتقلّدها غالبًا الحاكم أو ناظر حاضرٌ، كأوقاف المساجد والمدارس، والرُّبُط والزوايا، وما يطلق أيضًا من بيت المال لهذه الجهات.
كل (١) هذه الأموال المشتركة تُسْتحقُّ بأحد ثلاثة أسباب: منفعة الرجل للمسلمين، أو حاجته، أو سابقته (٢).
стр. 2487
وقد ذكر عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ــ ﵁ ــ ذلك فقال: "إنه ليس أحدٌ بأحقّ بهذا المال من أحدٍ، إنما هو الرجلُ وغَناؤه، والرجلُ وبلاؤه، والرجلُ وفاقته، والرجلُ وسابقته" (١). فهذا ذَكَرَه في مال الفيء ونحوه من الأموال السلطانية.
فالرجلُ وبلاؤه؛ هم المقاتِلَة في سبيل الله حُمَّال السلاح، يُرْزقون من مال الله تعالى ــ مال الفيء وغيره ــ ما أعطاهم اللهُ ورسولُه.
والرجلُ وغَناؤه؛ مثل ولاة الأمور، [و] ولاة الحرب، مثل نُوَّاب السلطان، ووالي الشرطة، الذين يقيمون الحدود، ويخلِّصون الحقوق، ويحفظون الطرقات، ويدفعون ظلم الظالم عن المظلوم، وهم الشادّون لأمر الله ورسوله الذي جاء به الكتاب والسنة.
ومثل ولاة الأموال من الكُتَّاب والجُباة وغيرهم من العُمَّال، كما ذكرهم الله تعالى في كتابه.
ومثل ولاة الحكم والقضاة الذين يَفْصِلون الخصومات، ويتولون ما يتولونه من العقود والفسوخ، وحفظ أموال اليتامى والغائبين، والنظر في الأوقاف وإجرائها على شروط واقفيها، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
стр. 2488
وكذلك أمر المساجد والمؤذنين (١)، والمُفْتون والمعلِّمون، ومُقْرئو القرآن، ومبلِّغو الأحاديث النبوية، والمشايخ الذين يؤدِّبون الناس، ويأمرونهم بما أمر الله به ورسولُه= كلُّ هؤلاء لهم غَناء عن المسلمين، لقيامهم في مصالح دينهم ودنياهم.
والقسم الثاني: الفقراء والمحاويج، والغارمون، وأبناء السبيل، وغيرهم، فيُعْطَون لحاجتهم وفقرهم.
والثالث: ذوو السابقة الذين استحقوا بالنسب، كاستحقاق ذوي القُرْبى، قربى رسول الله ﷺ من الخمس والفيء. واستحقاق ذرية الأجناد إذا مات أباؤهم، فإنه يُنفَق على صغار ولده، حتى يبلغ ذَكَرُهم وتتزوَّج أُنثاهم، وعلى امرأته حتى تتزوج.
ومثل الوقف الموقوف على بني فلان، [ق ٨] إما رجل وقف على ذرّيته أو ذرّية غيره، كرجل صالح أو صاحب له أو غير ذلك.
فأهل الزكوات إما من يأخذ لحاجته كالفقراء والغارمين وابن السبيل، أو لمنفعته كالعامل والغازي.
وكذلك أهل الأوقاف الحكمية، مستحقّها إما صاحب منفعة كالإمام والمؤذن والمدرِّس، وإما محتاج كالمُوْقَف على الفقراء والمساكين، وكذلك أموال الفيء وغيره من المصالح.
стр. 2489
هذا هو الأصل الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنة، وهو الذي يعتمده ولاة الأمور في أداء الأمانات إلى أهلها. وبذلك تنتظم مصلحتهم في الدنيا والآخرة، وما لا يُدْرَك كلُّه لا يُترَك كُلّه.
فهذه قاعدة كليّة جامعة لولاة أمور المسلمين، فإنَّ جميع هذه الأمور داخلة في حُكم الكتاب والسنة، وسنة الخلفاء الراشدين.
وقد كان النبي ﷺ يتولى بنفسه في المدينة المصالح العامة؛ من تعليم (١) العلم، والقضاء والجهاد، واستيفاء الحساب على العمال، حتى ثبت عنه في "الصحيح" (٢) أنه استعمل رجلًا على الصدقة، فلما رجع حاسبه، وهو استيفاء الحساب.
وكان له من هو بمنزلة صاحب الشرطة؛ ففي "الصحيح" (٣) عن أنس بن مالك ــ ﵁ ــ قال: كان قيس بن سعد بن عُبادة من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.
وكان له الكُتَّاب يكتبون الوحي والعلم، ويكتبون العهود والشروط، ويكتبون الرسائل والعطايا والولايات. كتب له أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان وعلي ﵄، وزيد بن ثابت،
стр. 2490
ومعاوية وغيرهم ﵃ أجمعين.
فكُتَّاب الوحي يُشْبِههم من بعض الوجوه كُتَّاب العلم في هذا الزمان. وكُتَّاب العهود والشروط يُشبِهُهم كُتَّاب الشروط التي بين الناس عند الحكام وغيرهم. وكُتَّاب الرسائل والعطايا والولايات يُشْبِههم كُتّاب الإنشاء.
وكان يؤمِّر الأمراء على البلاد، فلما انتشرت الرعيّة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ وضَعَ الديوان ديوان العطايا والنفقات، وديوان الخراج الأول مثل ديوان المجاهدين، وديوان الذرِّية الذين ليسوا بمجاهدين من النساء والصبيان، وديوان الخراج الذي يجمع الأموال المستخرجة.
وجعل له على المِصْر ثلاثة ولاة: والي الحرب، ووالي المال، ووالي الحكم. كما استعمل على الكوفة ثلاثة؛ فولى عمار بن ياسر على الحرب. وأمير الحرب هو الذي كان يصلي بالناس. وعبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على الخراج، وهو المال. وكان زيد بن ثابت على ديوان [ق ٩] الجيش والعطاء.
وهذه الولايات الثلاثة هي قوام الأمة، لكن دخل في ذلك زيادة ونقصان وتغيير، تارةً بحسب الرأي والمصلحة، وتارةً بحسب الهوى والشهوة، وتارةً بمجموعهما.