← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وأما الأموال المشتركة كلها؛ من مال الفيء، والصدقات المفروضة، والصدقات الموقوفة، والأموال التي يقبضها الولاة لبيت المال من أموال الرعية بتأويل أو ظلم وتعذَّر ردُّها إلى مستحقّيها. فمالُ الفيء الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى، مثل أكثر الأرض السلطانية الداخلة في الإقطاعات وما لها من خراجٍ قديم أو جديد هو مثل الحَكْر، ومثل مال الجِزْية، وما [ق ٧] يُقبض من أموال أهل الحرب بصلح أو بتجارة. والصدقات مثل عُشور الغلَّات، وزكاة الماشية التي قد كتبها العدَّاد، وزكاة أموال التجار التي تُؤخذ من المسافرين بِدُور الزكاة. وسائر الأموال السلطانية معروفة، والأموال الموقوفة التي يتقلّدها غالبًا الحاكم أو ناظر حاضرٌ، كأوقاف المساجد والمدارس، والرُّبُط والزوايا، وما يطلق أيضًا من بيت المال لهذه الجهات. كل (١) هذه الأموال المشتركة تُسْتحقُّ بأحد ثلاثة أسباب: منفعة الرجل للمسلمين، أو حاجته، أو سابقته (٢).

стр. 2487

وقد ذكر عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ــ ﵁ ــ ذلك فقال: "إنه ليس أحدٌ بأحقّ بهذا المال من أحدٍ، إنما هو الرجلُ وغَناؤه، والرجلُ وبلاؤه، والرجلُ وفاقته، والرجلُ وسابقته" (١). فهذا ذَكَرَه في مال الفيء ونحوه من الأموال السلطانية. فالرجلُ وبلاؤه؛ هم المقاتِلَة في سبيل الله حُمَّال السلاح، يُرْزقون من مال الله تعالى ــ مال الفيء وغيره ــ ما أعطاهم اللهُ ورسولُه. والرجلُ وغَناؤه؛ مثل ولاة الأمور، [و] ولاة الحرب، مثل نُوَّاب السلطان، ووالي الشرطة، الذين يقيمون الحدود، ويخلِّصون الحقوق، ويحفظون الطرقات، ويدفعون ظلم الظالم عن المظلوم، وهم الشادّون لأمر الله ورسوله الذي جاء به الكتاب والسنة. ومثل ولاة الأموال من الكُتَّاب والجُباة وغيرهم من العُمَّال، كما ذكرهم الله تعالى في كتابه. ومثل ولاة الحكم والقضاة الذين يَفْصِلون الخصومات، ويتولون ما يتولونه من العقود والفسوخ، وحفظ أموال اليتامى والغائبين، والنظر في الأوقاف وإجرائها على شروط واقفيها، وغير ذلك من مصالح المسلمين.

стр. 2488

وكذلك أمر المساجد والمؤذنين (١)، والمُفْتون والمعلِّمون، ومُقْرئو القرآن، ومبلِّغو الأحاديث النبوية، والمشايخ الذين يؤدِّبون الناس، ويأمرونهم بما أمر الله به ورسولُه= كلُّ هؤلاء لهم غَناء عن المسلمين، لقيامهم في مصالح دينهم ودنياهم. والقسم الثاني: الفقراء والمحاويج، والغارمون، وأبناء السبيل، وغيرهم، فيُعْطَون لحاجتهم وفقرهم. والثالث: ذوو السابقة الذين استحقوا بالنسب، كاستحقاق ذوي القُرْبى، قربى رسول الله ﷺ من الخمس والفيء. واستحقاق ذرية الأجناد إذا مات أباؤهم، فإنه يُنفَق على صغار ولده، حتى يبلغ ذَكَرُهم وتتزوَّج أُنثاهم، وعلى امرأته حتى تتزوج. ومثل الوقف الموقوف على بني فلان، [ق ٨] إما رجل وقف على ذرّيته أو ذرّية غيره، كرجل صالح أو صاحب له أو غير ذلك. فأهل الزكوات إما من يأخذ لحاجته كالفقراء والغارمين وابن السبيل، أو لمنفعته كالعامل والغازي. وكذلك أهل الأوقاف الحكمية، مستحقّها إما صاحب منفعة كالإمام والمؤذن والمدرِّس، وإما محتاج كالمُوْقَف على الفقراء والمساكين، وكذلك أموال الفيء وغيره من المصالح.

стр. 2489

هذا هو الأصل الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنة، وهو الذي يعتمده ولاة الأمور في أداء الأمانات إلى أهلها. وبذلك تنتظم مصلحتهم في الدنيا والآخرة، وما لا يُدْرَك كلُّه لا يُترَك كُلّه. فهذه قاعدة كليّة جامعة لولاة أمور المسلمين، فإنَّ جميع هذه الأمور داخلة في حُكم الكتاب والسنة، وسنة الخلفاء الراشدين. وقد كان النبي ﷺ يتولى بنفسه في المدينة المصالح العامة؛ من تعليم (١) العلم، والقضاء والجهاد، واستيفاء الحساب على العمال، حتى ثبت عنه في "الصحيح" (٢) أنه استعمل رجلًا على الصدقة، فلما رجع حاسبه، وهو استيفاء الحساب. وكان له من هو بمنزلة صاحب الشرطة؛ ففي "الصحيح" (٣) عن أنس بن مالك ــ ﵁ ــ قال: كان قيس بن سعد بن عُبادة من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. وكان له الكُتَّاب يكتبون الوحي والعلم، ويكتبون العهود والشروط، ويكتبون الرسائل والعطايا والولايات. كتب له أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان وعلي ﵄، وزيد بن ثابت،

стр. 2490

ومعاوية وغيرهم ﵃ أجمعين. فكُتَّاب الوحي يُشْبِههم من بعض الوجوه كُتَّاب العلم في هذا الزمان. وكُتَّاب العهود والشروط يُشبِهُهم كُتَّاب الشروط التي بين الناس عند الحكام وغيرهم. وكُتَّاب الرسائل والعطايا والولايات يُشْبِههم كُتّاب الإنشاء. وكان يؤمِّر الأمراء على البلاد، فلما انتشرت الرعيّة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ وضَعَ الديوان ديوان العطايا والنفقات، وديوان الخراج الأول مثل ديوان المجاهدين، وديوان الذرِّية الذين ليسوا بمجاهدين من النساء والصبيان، وديوان الخراج الذي يجمع الأموال المستخرجة. وجعل له على المِصْر ثلاثة ولاة: والي الحرب، ووالي المال، ووالي الحكم. كما استعمل على الكوفة ثلاثة؛ فولى عمار بن ياسر على الحرب. وأمير الحرب هو الذي كان يصلي بالناس. وعبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على الخراج، وهو المال. وكان زيد بن ثابت على ديوان [ق ٩] الجيش والعطاء. وهذه الولايات الثلاثة هي قوام الأمة، لكن دخل في ذلك زيادة ونقصان وتغيير، تارةً بحسب الرأي والمصلحة، وتارةً بحسب الهوى والشهوة، وتارةً بمجموعهما.

стр. 2491

فالله تعالى يوفِّق ولاة أمور المسلمين وعامتهم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويعينهم على مصالح الدنيا والآخرة. وحامل هذه التحية الشيخ القدوة تقيّ الدين ابن الشيخ محمد بن الشيخ الكبير الشيخ عثمان .. (١) هو وإخوته أهل بيت خير ودين ومنفعة للناس في دينهم ودنياهم، وقد لزمهم بسبب حاجتهم وبسبب خدمتهم للناس ديونٌ، ولهم حقٌّ في الأموال المشتركة الثلاثة، تارةً من جهة حاجتهم، وتارة من جهة منفعتهم، وتارة من جهة سابقتهم. فإذا عُومل هؤلاء بما لهم وأوصِلَ إليهم ما يستحقونه= كان ذلك مما يجلب لصاحبه الدعاء المستجاب، والثناء المستطاب، وجزيل الأجر والثواب، فخير المعروف ما وافق محلّه. والله هو المسؤول أن يعين ولاة الأمور وسائر المسلمين على مصالح الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه لنفسه محمد بن أحمد بن علي الخطيب (٢) في رابع عِشْري شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليمًا.

стр. 2492

صورة كتاب عن ابن عربي والاعتقاد فيه

стр. 2493

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ وما توفيقي إلا بالله صورة كتاب كتبه شيخ الإسلام وقدوة الأنام، فريد عصره، وإمام وقته، أنموذج الطِّراز الأول، ومَن عليه في زمانه المُعوَّل، الإمام العلامة، مفتي الفِرَق، تقيّ الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، فسح اللهُ في مدَّته للمسلمين، ونفع ببركته الطالبين، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته آمين. وذلك بسبب كلام وقع في الاعتقاد بين جماعةٍ من الفقراء من أهل مدينة بعلبكّ في الاتحاد الذي أشار إليه ابن العربي في كلامه، وابن سبعين، وابن الفارض، وغيرهم ممن يعتقد مذهبهم ويوافقهم عليه، وذلك بحضرة جماعة من مشايخ دمشق، في مجلس الشيخ تقي الدين بدمشق. واجتمع رأيُهم جميعهم على أنَّ القول بهذا الاتحاد إلحادٌ وكفر. وسألوا الشيخ ــ ﵁ ــ أن يكتب بذلك (١) كتابًا إلى أهل بعلبكّ، ليعرفوا الحقّ فيتّبعوه، والباطل ويجتنبوه.

стр. 2494

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ من الدّاعي أحمد ابن تيمية إلى السادة الأجلّاء الأكابر (١) من أهل بعلبك ومن حولها، جمع الله قلوبَهم [ق ٢] على الهدى والرشاد، وأعانها على الصلاح والسداد، وجعلهم معتصمين بحبله المتين، متَّبعين لشريعة نبيّهم خاتم المرسلين، وأصلح لهم أمرَ الدنيا والدين. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلّ شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد؛ فإنه حضر إلى دمشق المشايخ السادة: الشيخ الكبير أبو القاسم، وأخوه الشيخ محمد، والشيخ هارون المقدسي، واجتمعوا بمجلسٍ فيه أعيان المشايخ السَّادة الذين يُقتدى بهم، مثل سيدنا الشيخ عماد الدين الحزّامي، والشيخ القدوة الشيخ محمد بن قِوام البالسي، والشيخ العارف عبد الله الجزري، والشيخ تاج الدين الفارقي، والشيخ شهاب الدين ابن جبارة، وغيرهم من المشايخ. وجرى الكلام فيما وقع الخوض فيه من أمر الاتحاديّة (٢)، كابن

стр. 2495

العربي والتلمساني وابن سبعين ونحوهم، وأُحْضر كتاب "فصوص الحكم" لابن العربي، وقُرِئ منه فصول متعددة، وقُرِئ أيضًا بعض ما (١) كُتِب من بيان حقيقة أمرهم، وكشف سرّ مذهبهم. وظهر للجماعة حقيقة أمره، وأن حقيقة مذهبه: أنّ وجود الكائنات ــ حتى وجود الكلاب والخنازير، والأنتان والعَذِرات، والكفار والشياطين ــ هي عين وجود الحق، وأنَّ أعيان الكائنات ثابتة في القِدم، لم يخلقها الله ولم يُبدعها، بل ظهر وجوده فيها، ولا يمكن أن يظهر وجوده إلا فيها، فهي غذاؤه بالأحكام، وهو غذاؤها بالوجود، وهو يعبدها وهي تعبده. وأن عين الخالق هو عين المخلوق، وعين الحق المُنزَّه هو عين الخلق المُشبَّه، وأن الناكح هو المنكوح، والشاتم هو المشتوم، وأن عُبَّاد الأصنام ما عبدوا إلا الله، ولا يمكن أن يُعبد إلا الله. وأن قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: حَكَم وقدَّر، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فما عُبِد غير الله في كلّ معبود، وأن عُبَّاد الأصنام وقع تقصيرهم من حيث عبدوا بعض المجالي الإلهية، ولو عبدوا كلَّ شيءٍ لكانوا عارفين كاملين، وأن العارف الكامل يعلم ما عَبَد وفي أيِّ صورة ظهر حتى عُبِد، وأن نوحًا ــ ﵇ ــ أثنى على قومه بلسان الذمّ، وأن أعيان المخلوقات هي نفس الخالق.

стр. 2496

وأن الشخص الذي ادعاه أنه خاتم الأولياء هو أكمل من خاتم الأنبياء محمد من بعض الوجوه؛ فخاتم الأنبياء موضع لبنة، وخاتم الأولياء [ق ٣] موضع لبنتين، وأنه أعلم من خاتم الأنبياء، وهو يأخذ من المعدِن الذي يأخذ منه المَلَك الذي يوحي إلى خاتم الأنبياء، وأن موسى ما عَتَبَ على هارون لمَّا ذمَّ قومه على عبادة العجل إلا لضيق هارون حيثُ لم يعرف أنهم إنما عبدوا الله! وأنَّ السحَرَة عرفوا صدق قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. إلى أنواعٍ من هذه المقالات التي لا يعتقدها المسلمون ولا اليهود ولا النصارى ولا الصابئون ولا المشركون، وإنما هي قول المُعطِّلة الذين ينكرون وجود الصانع، وينكرون أن الله رب العالمين، وأنه خالق الخلق، وهو حقيقة قول فرعون والقرامطة الباطنية الجاحدين لربّ العالمين. وكذلك يُقرُّ أعيان هؤلاء أنّ قولهم هو قول فرعون، ووقفوا على قوله (١): إن عُبِد الله ما له حقيقة، وأن أهل النار لا يتألمون فيها، بل يتنعَّمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة! فلما وقفوا على ذلك، اجْتَمعت كلمتُهم واتفقت قلوبُهم على أن هذا كفرٌ وإلحاد، وأنهم بُرآءُ إلى الله تعالى من أهل الحلول والاتحاد، سواء

стр. 2497

قالوا بالحلول أوالاتحاد في شيء معيَّن، كما تقوله النصارى في المسيح، والمغالية في عليّ وبعض أهل البيت، وكما تقوله طائفة في الحلَّاج، أو الحاكم بمصر، أو يونس (١)، أو غير هؤلاء. أو قالوا: إن ذات الله حالَّة في كلّ مكان، كما تقوله طوائف من الجهمية. أو قالوا بمقالة هؤلاء الذين يقولون: إنه عين الموجودات، وليس للعالم خالق متميِّز عنه، ولا ربّ له وجودٌ غير وجود الخلق، بل ينكرون الصانع ويعطلون الخالق. واتفقت كلمتُهم على أنّ ثناء من يُثني على بعض هؤلاء ممن سمع عنه أنه رجل صالح أو أنه عارف، أو وقف على بعض كلامه الذي هو حسن؛ مثل بعض كلام ابن العربي في "الفتوحات"، وبعض كلامه في "مطالع النجوم"، وبعض حكاياته في "الدُّرَّة الفاخرة" ونحو ذلك. فإن من سمع ذلك أو رآه، ولم يقف على حقيقة قوله في "الفصوص"، ولم يعرف سرَّ مذهبه= فإنه لم يوافقه على قوله، بل لمَّا تبين له كلامه بالباطل تبرَّأ إلى الله من هذه المقالات الكفرية التي في "الفصوص" ونحوه، وممن يعتقدها. كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ

стр. 2498

عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ [ق ٤] فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وأما نفس المتكلّم بهذا الكلام مثل ابن العربي وغيره، فيمكن أنه قد تاب منه، ويمكن أنه ما تاب منه. فإن كان مات مؤمنًا بالله ورسوله فهو من المؤمنين، وإن كان على غير ذلك فهو من المنافقين، والله أعلم بسريرته، وإلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم. ثم إنه بعد ذلك حصل بينهم من الاتفاق والائتلاف، والطيب ومكارم الأخلاق، والتواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى، كما أمرهم الله تعالى به في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣]. وقد كُتِب هذا الكتاب بحضرة المشايخ وبأمرهم، وهم جميعًا يأمرون بما أمر الله به ورسوله، من الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة، والنهي عن التفرّق والاختلاف، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ

стр. 2499

إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٧]. قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفُرْقة (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ (٢) الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، فأخبر سبحانه أنّ مبدأ التفرّق هو البغي. وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحُجُرات: ٩ - ١٠].

стр. 2500

وقال النبي ﷺ : "عليكم بالجماعة فإنّ يدَ الله على الجماعة" (١). وقال: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف [ق ٥] والنهي عن المنكر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "صلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" (٢). وقال ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضًا وشَبَّك بين أصابعه" (٣).

стр. 2501

وقال: "مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائر الجسد بالحُمّى والسّهَر" (١). وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. فهذا الذي أمر الله به ورسولُه، وما كان من الأهواء المفرِّقة والأغراض الفاسدة؛ فهي مما حرَّمه الله ورسوله، حتى إن النبيّ ﷺ كان مرةً في بعض مغازيه فتنازع رجلان فقال أحدهما: يا للمهاجرين، وقال الآخر: يا للأنصار! فغضب النبي ﷺ وقال: "أبِدَعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها مُنْتِنة" (٢). وقال: "مَنْ سمعتموه يتعزَّى بعزاء الجاهلية فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه ولا تكنوا" (٣). فسمع أُبيُّ بن كعب ــ الذي قرأ عليه النبي ﷺ سورة (لم

стр. 2502

يكن) ــ سَمِعَ رجلاً يقول: يا آل فلان، فقال: اعُضُضْ أيْرَ أبيك! فقالوا: يا أبا المنذر! ما كنت فحَّاشًا، فقال: بهذا أمرنا رسول الله ﷺ . وقد قال النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمّتهم (١) أدناهم" (٢). وقال: "المسلم أخو المسلم لا يُسْلمُه ولا يظلمُه" (٣). وقال: "انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا" قيل: يا رسول الله انصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذاك نصرُك إيَّاه" (٤). فالواجب على المسلمين أن يكونوا مجتمعين على طاعة الله ورسوله، واتباع كتابه وسنة رسوله، واتباع سبيل السابقين الأوَّلين، وأن يكونوا مع المُحِقِّ على المُبْطل، ومع المُهْتدي على الضال، ومع الراشد على الغاوي؛ يُعَظِّمون ما عظَّمه الله ورسوله، ويوجبون ما أوجبه الله ورسوله، ويحرِّمون ما حرّم الله ورسوله، ويحبّون ما أحبّه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله، ويكْرِمون مَن أكرمه اللّهُ ورسولُه.

стр. 2503

وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات: ١٣]. وقد وصف [ق ٦] الله أولياءه بذلك فقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ (١)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. فأخبر ــ سبحانه ــ أنَّ نَعْت الإيمان (٢): الإيمان والتقوى، والتقوى هي ما سنَّه بقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. جمع الله لكم ولسائر المسلمين خيرَ الدنيا والآخرة، وأسبغ عليكم نعمَه الباطنة والظاهرة، وتولَّاكم في جميع الأمور، وصرف عنكم كلَّ محذور، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم تسليمًا.

стр. 2504

وكتب الشيخ تقي الدين ــ ﵁ ــ صورة المجلس الذي حضر فيه المشايخ عنده في دار الحديث السُّكَّريَّة التي بالقصَّاعين بدمشق، وهي سكن الشيخ تقي الدين ــ أدام الله علوَّ قدره ــ يومئذٍ في نسختين، أحدهما (١) أخذها الشيخ أبو القاسم ابن الشيخ الشهيد عبد الله بن محمد ابن الشيخ عبد الله اليونيني. والأخرى أخذها الشيخ هارون المقدسي، وهو المنكور عليه في الاعتقاد. وهذه صورة المحضر وصورة خطوط المشايخ مرقومة فيه: الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ يقول أحمد ابن تيمية: إني حضرت بمجلس اجتمع فيه جماعةٌ من الشيوخ وغيرهم، بسبب النظر في قضيَّة جرت لكلام ابن العربي، فلما قُرِئ كلامه المذكور في "فصوص الحكم"، وعُرف معناه وما انطوى عليه مِن اعتقادِه: أنَّ الله هو وجود الكائنات، وأن أعيانها ثابتة في القِدَم، وأنَّ الخالقَ هو المخلوق، والناكح هو المنكوح، والمتكلِّم هو المستمع. وتفضيله خاتم الأولياء الذي ادَّعاه على خاتم الرسل من بعض الوجوه، وإنكاره حقيقة العذاب في الآخرة، وما يلزم قوله من أن الله لم يخلق شيئًا، وليس هو ربّ العالمين.

стр. 2505

وأنه نفس الكلاب والخنازير، وتصريحه بأن عُبَّاد الأصنام ما عبدوا إلا الله، ولا يمكن أن يُعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر. = اجتمعوا على أن هذه المقالات وما أشبهها كفرٌ وإلحادٌ، وتبرَّأوا إلى الله [ق ٧] تعالى من أنواع الحلول والاتحاد. وامْتَحَى بذلك ما كان يظنه من يظن أنَّ ابن العربي من أولياء الله، حيث تبيَّن لهم أنّ كلامه شرٌّ مِن كثير مِن كلام اليهود والنصارى. وجمع الله قلوبهم على ذلك، وأنا موافقٌ لهم على ذلك. في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الآخر سنة أربع وسبعمئة. *** صورة خطوط المشايخ تحت خطِّ الشيخ ــ ﵃ أجمعين ــ - كذلك يقول أبو القاسم بن عبد الله اليونيني، وكتب في التاريخ المذكور (١). - كذلك يقول هارون بن إبراهيم المقدسي، وكتب في التاريخ. - كذلك يقول الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن سُونج عفا الله عنه في تاريخه. - كذلك يقول محمد بن عوض اللخمي.

стр. 2506

- كذلك يقول أحمد بن محمد بن جُبارة (١). - كذلك يقول محمد بن قوام، وكتبه في التاريخ، والحمد لله وحده (٢). - كذلك يقول أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، كتبه في التاريخ المذكور (٣). - وكذلك يقول عبد الله بن موسى الجزري (٤)، وكُتِبَ عنه بإذْنِه وحضوره. - وكذا أقول، وكتبه محمود بن عبد الكريم الفارقي (٥). - كذلك أقول، كتبه محمد بن الشهيد عبد الله اليونيني (٦). - أشهد (٧) أن قائل هذه المقالة كَفَر بها وافترى على الله ، وحاد عن سواء السبيل، وأبْرأ إلى الله تعالى منها ومن مُعْتقدها. كتبه أحمد بن محمد الدّشْتي في التاريخ المذكور.

стр. 2507

تم الكتاب والمحضر والخطوط، وذلك يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى من شهور سنة أربع وسبعمئة. والحمد لله وحده وصلواته وسلامه على محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.

стр. 2508

مسألة فيمن يقول: إن عليَّ بن أبي طالب أولى بالأمر من أبي بكر وعمر

стр. 2509

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله مسألة سئل عنها شيخ الإسلام ومفتي الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية ــ ﵁ ــ فيمن يقول: إن عليّ بن أبي طالب أولى بالأمر من أبي بكر وعمر ــ ﵄ ــ وأنهما لم يلياه إلا مُغالبةً. هل هو مصيب أم مخطئ؟ وماذا يجب على من يعتقد ذلك؟ الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، بل هذا القائل مخطئ مُبْتدع ضالٌّ، مخالف لكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وإجماع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، بل هو مفترٍ افتراءً ظاهرًا، يُعْرَف كذبه فيه علمًا ضروريًّا بالنقل المتواتر، وبغير ذلك من الأدلة. بل إذا قال مثل هذا القول في عثمان وعليّ كان مفتريًا ضالًّا زاريًا على المهاجرين والأنصار، بل على أمة محمد مطلقًا. قال أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل، والدارقطني، وغيرهم: من قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار (١). فكيف من

стр. 2510

قدَّمه على أبي بكر وعمر؟ فكيف بمن طعن في خلافة عثمان؟ فكيف بمن طعن في خلافة أبي بكر وعمر؟! ولم يكن أحد من سَلَفِ الأمة ــ لا مِن [ق ٢] شِيعة عليّ ولا غيرهم ــ يطعنون في خلافة أحدٍ من الثلاثة، لكن أنكر بعضُهم على عثمان بعضَ الأشياء في آخر خلافته؛ فأما السّنَة الأولى من خلافته فلم ينكروا عليه شيئًا. ولم يكن بين الشيعة الأولى نزاعٌ في تقديم أبي بكر وعمر على عليٍّ وعثمان، وإنما كان يتنازع بعضُهم في عثمان وعليّ. وقد رُوي [من] أكثر من ثمانين وجهًا عن عليّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ أنه قال: "خيرُ هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" (١).

стр. 2511

وقد رواه البخاري في "صحيحه" (١) من حديث محمد بن الحنفية أنه قال لأبيه علي بن أبي طالب: يا أبتِ، مَنْ خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. وهذا روته هَمْدان ــ وهم من شيعة عليّ ــ عن ابنه محمد بن الحنفية: أن أباه قاله له. فامتنعَ أن يكون قال ذلك تقيَّةً لابنه، مع أن الله قد نزَّهه عن الكَذِب والنفاق الذي تسميه الرافضة: تقيَّة! بل قال: لا أوتَى بأحدٍ يفضِّلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدَّ المفتري (٢). ولا يُجْلَد ظهر المسلم إذا قال الصِّدْقَ، وأسماه (٣) مفتريًا. وظهور فضيلة أبي بكر وعمر على غيرهما في العلم والدين، والشجاعة والكرم أظهر من أن تحتاج إلى بسط عند من كان له أدنى خبرة بأحوال القوم. ولهذا اتفق العلماء المعتبرون على أن أبا بكر أعلم الأمة وأدْيَنها وأشْجعها وأكْرَمها، لكن وقعت لبعضهم شُبهة في عثمان وعليّ لتقاربهما. وقد أجمع السلف على تقديم عثمان. فإنه قد ثبت في "صحيح البخاري" (٤) وغيره خبر مَقْتل عمر (٥)، وجَعْله الأمر شورى في ستة

стр. 2512

وتقديمهم عثمان. وهذا مما تواتر عند الخاصة والعامة. وقد رواه البخاري وغيره مفصَّلاً. ومُلَخَّصُه: أنّ عمر جعل الخلافة شورى في ستة؛ عثمان وعلي، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص، ولم يُدْخِل فيها ابنه عبد الله ولا ابن عمه سعيد بن زيد، مع أنه من العشرة المشهود لهم بالجنة. فلمَّا دُفِن عمر اجتمع الستة في المسجد، فقال طلحة: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزُّبير: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعليّ. وقال سعد: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف (١)، يخرج أحدنا ويولي أحد الرجلين، وعليه عَهْد الله وميثاقه أن يولي أفضلهما، فسكت عثمان وعليّ، فقال عبد الرحمن: أنا أخرج وعلَيَّ عَهْد الله وميثاقه أن أولِّي أفضلهما، فرضيا بذلك وبقي عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليهما يشاور الأمة. وكان بالمدينة خيار الأمة من المهاجرين والأنصار وأمراء الأمصار. قال المِسْوَر بن مَخْرمة: [ق ٣] طرَقني عبد الرحمن بعد ثلاث فقال: وإنك لنائم! إن لي ثلاثًا ما اغتمضتُ بنوم، ثم قال: ادع لي عليًّا، فدعوته فناجاه طويلاً، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه طويلاً، ثم لما صلوا الفجر بعد ثلاث حلف صهيب قال عبد الرحمن: إني قد شاروت الناس حتى الأعراب والعذارى في خُدُورهن، فرأيتهم لا يعدلون

стр. 2513

بعثمان، فبايعه عليٌّ (١) وعبد الرحمن وسائر الصحابة بيعةَ طَوْعٍ واختيار، بعد مشاورةٍ واتفاق، لا بسوطٍ ولا نوطٍ ولا بذلِ عطاء. فإن لم يكن عثمان هو الأولى بالخلافة وقدَّموا غيره، كانوا إما جاهلين بحقِّ الأفضل، وإما ظالمين بتولية مَنْ غيرُه أولى بالخلافة، كيف وفي الحديث الذي رواه الحاكم في "صحيحه" (٢): "أنه مَنْ قلَّد رجلاً عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين". وقد ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ أنه قال: "خير القرون القرن الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣). وهذه القصَّة كانت بعد موت النبي ﷺ ببضع عشرة سنة، فذلك القرن الأول الذي هو أفضل قرون هذه الأمة، وقدموا عثمان، فإن كانوا مخطئين أو ظالمين كان خيار هذه الأمة مخطئين في الإمامة أو ظالمين فيها. والرافضة تقول (٤): إنما قدَّموا غيرَه لأحقادٍ جاهلية وأضغان كانت في القلوب عليه لأجل جهاده في سبيل الله. فإن كانوا كذلك فهم من

стр. 2514

[شرّ] (١) الخلق، وإذا كان خير هذه الأمة كذلك لم تكن هذه الأمة خير أمة أُخرجت للناس، بل تكون هذه الأمة من شرار الأمم! وهذا حقيقة قول الرافضة، وهذا خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. وقد قال العلماء: إن الذي ابتدع الرفض كان زنديقًا قَصْده إفساد دين الأمة، قالوا: وكان يهوديًّا فأسلم اسمه عبد الله بن سبأ، وإليه تُنسب السبئيّة. وقد رُوي أن عليًّا طلبَ قتلَه وهربَ منه. فإن عليًّا ــ ﵇ ــ مذهبه عقوبة أصناف الشيعة الغالية: بالقتل، والمُفضِّلة: بالجلد، والسَّبَّابة: قد رُوي عنه فيهم القتل. وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع (٢). وأما خلافة أبي بكر وعمر وثبوت فضلهما على عثمان وعلي وغيرهما؛ فدلائله أكثر من أن تُحصر، فقد ثبت في "الصحيح" أن النبي ﷺ قال لعائشة: "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه الناسُ من بعدي". ثم قال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (٣). وهذا الحديث المفسَّر يبين [ق ٤] مراده بالحديث الآخر الصحيح

стр. 2515

وهو قوله: "ائتوني بدواة وقرطاس حتى أكتب لكم كتابًا لن (١) تضلوا بعده أبدًا" (٢). وفي "الصحيح" (٣) أن امرأة جاءته فقالت: أرأيت إن جئتُ فلم أجدك؟ كأنها تعني الموت. قال: "ائتي أبا بكر". وفي "السنن" (٤) أنه قال: "اقتدوا باللَّذَيْنِ مِنْ بعدي" يعني أبا بكر وعمر.

стр. 2516

وفي "الصحيح" (١) أنه قال: "رأيت كأني أنزع على قليب فجاء ابن أبي قُحافة فنزع ذَنوبًا أو ذَنوبين وفي نَزْعه ضَعْف، والله يغفر له، ثم أخذها ابنُ الخطَّاب فاستحالت غَرْبًا، فلم أر عبقريًّا يفري فَرِيَّه حتى صَدَر الناسُ بعَطَن". قال الشافعي: أراد بضعف نَزْعِه: قِصَر مدّته لا ضعف هِمَّته (٢). وقد ثبت في الصحاح من غير وجه أنه قال: "لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض [خليلاً] لاتخذت أبا بكر خليلاً" (٣). وفي لفظ: "ولكن أخوَّة الإسلام، لا يبقينَّ في المسجد خَوخَة إلّا سُدَّت إلا خَوخَة أبي بكر" (٤). فقد ثبت بهذا النص المتواتر عند الخاصة أنه لم يكن عنده من أهل الأرض أرفع درجةً من أبي بكر. وثبت في "الصحيح" (٥) عن عليّ أنه قال لما مات عمر: والله إني لأرجو أن يحشرك الله مع صاحِبَيْك، فإني كنتُ كثيرًا ما أسمع النبيَّ ﷺ يقول: "دخلتُ أنا وأبو (٦) بكر وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر".

стр. 2517

وقال الرشيد لمالك: يا أبا عبد الله أخبرني عن منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ فقال: منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته. فقال: شفيتني يا مالك (١). والواجب على من قالَ القولَ المذكور أن يُعاقب عقوبةً بليغةً بعد الاستتابة، إما بالقتل في أحد قولي العلماء، وإما بما دونه في القول الآخر. والله تعالى أعلم. تمت بحمد الله وعونه، والحمد لله رب العالمين (٢).

стр. 2518

مسألة في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ .. ﴾ وتفسير آيات أخرى

стр. 2519

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ مسألة من كلام شيخ الإسلام وقدوة الأنام، تقي الدين ــ عُرِف بابن تيمية ــ في قول الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. الجواب: الحمد لله. قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ نزلت في سياق الأمر بالجهاد والترغيب فيه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ الآية [النساء: ٧٧ - ٧٨]. فأخبر ــ سبحانه ــ أنَّ كلَّ أحدٍ لا بدَّ أن يموت، ولو كان في بروجٍ مشيَّدة، ولا ينفع الفرار من الموت والجهاد. ثم قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].كان المنافقون إذا

стр. 2520

أصابهم نصر ورزق يقولوا: هذا من عند الله، وإن أصابتهم محنة تنقص في الرزق أو تخوّف من العدوّ قالوا: هذه من عندك يا محمد بشؤمِ الذي جئتَ به، فإنّك أمرتنا بمعاداة الناس وغير ذلك مما يوجب الضرر؛ فقال الله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ أي: لا يفقهون القرآن الذي أُرسلتَ به، وما فيه من الخير والهدى والشفاء (١) والبيان، وأنه لا شرَّ فيه (٢). ثم قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: من نصر ورزق ونحو ذلك ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ نعمةً أنعم بها عليك. ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ من خوفٍ ونقص رزقٍ واستيلاء عدوٍّ ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ونحو ذلك. فالمراد بالسيئات والحسنات هنا: النِّعَم والمصائب، كما قال

стр. 2521

تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. وكما قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، والله أعلم. *** مسألة من كلام الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية في قوله تعالى عن سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي (١) مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]. وسليمان كان مُنَزَّهًا عن الدنيا لم يتناول منها شيئًا، فلِمَ تمنَّى الملك؟ الجواب: الحمد لله. قد قيل: إنّ سليمان ــ ﵇ ــ إنما سأل ذلك معجزةً وآيةً لنبوّته، كما أنّ من الأنبياء من كانت آيته الناقة، ومنهم من كانت آيته العصا، والحيَّة، وفَلْق البحر، وغير ذلك. ومنهم من كانت آيته إحياء الموتى، وإبراء الأكْمَه والأبرص، وغير ذلك. فكذلك آية سليمان هي الملك (٢). وقيل: إنّ سليمان سأل ذلك ليتمكَّن به من طاعة الله تعالى. وقيل: إنَّ ذلك من باب المباح إذا لم يكن فيه معصية، كما أنّ نبينا

стр. 2522

- ﷺ خُيِّر بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبيَّن أن يكون ملكًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا، وهذا أعلى. وسليمان اختار أن يكون نبيًّا ملكًا، قيل له فيه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]. فهذا جائز والأول أفضل، وهي حال نبينا ﷺ ، والله أعلم (١). *** مسألة (٢) من كلام الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. هل هذا اسم رجلٍ كان على عهد رسول الله ﷺ ؟ وما معنى (٣) قوله: (نصوحًا)؟ الجواب: الحمد لله. قال عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة والتابعين: التوبة النصوح: أن يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود إليه (٤).

стр. 2523

ونصوح: هو صفة للتوبة، وهو مشتقٌّ من النُّصْح والنصيحة. وأصل ذلك هو الخلوص، يقال: فلان ينصح لفلان، إذا كان يريد له الخير إرادةً خالصة لا غشّ فيها. وفلان يغشّه إذا كان باطنه يريد السوء، وهو يظهر إرادة الخير، كالدرهم المغشوش. ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. أي: أخلصوا لله ورسوله قصدَهم وحبَّهم. ومنه قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "الدّينُ النصيحةُ، الدّين النصيحة" (١)، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (٢). فإنَّ أصلَ الدّين هو حُسْن النية وإخلاص القصد (٣)؛ ولهذا قال ﷺ : "ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمور، ولزومُ جماعة المسلمين، فإنَّ دعوتهم تُحيط مِن ورائهم" (٤). أي هذه الخصال الثلاث لا يحقد عليها قلب المسلم، بل

стр. 2524

يحبّها ويرضاها. فالتوبة النصوح: هي الخالصة من كلِّ غشّ. وإذا كانت كذلك كانت ثابتةً (١)، فإنَّ العبدَ إنّما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه، فمتى (٢) خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يَعُد إلى الذنب. فهذه التوبة النصوح. وهي واجبة كما (٣) أمر الله تعالى. ولو تاب العبد ثم عاد إلى الذنب قَبِل الله توبتَه الأولى، ثم إذا عاد استحقّ العقوبة، فإن تاب تاب الله عليه أيضًا. ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يصرّ، بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة. فقد روى الإمام أحمد فى"مسنده" (٤) عن عليٍّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنّ الله يحبّ العبدَ

стр. 2525

المُفَتَّن التوَّاب"، وفي حديث آخر: "لا صغيرةَ مع إصرار، ولا كبيرةَ مع استغفار" (١). وفي حديث آخر: "ما أصرَّ من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة" (٢). ومن قال من الجهّال: إنّ (نصوحًا) اسم رجل كان على عهد رسول الله ﷺ أُمِرَ الناسُ أن يتوبوا كتوبته، فهذا رجل مفترٍ كذَّاب جاهل بالحديث والتفسير، جاهل باللغة ومعاني القرآن، فإنّ هذا امرؤٌ لم يخلقه الله تعالى، ولا كان من (٣) المتقدّمين أحد اسمه (نصوح)، ولا ذَكَر هذه القصة أحدٌ من أهل العلم. ولو كان كما زعم الجاهل لقيل: توبوا إلى الله توبةَ نصوحٍ، وإنما قال: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. فالنصوح هي التوبة لا التائب (٤).
следующие страницы →