تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. وكما قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، والله أعلم.
***
مسألة من كلام الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية في قوله تعالى عن سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي (١) مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]. وسليمان كان مُنَزَّهًا عن الدنيا لم يتناول منها شيئًا، فلِمَ تمنَّى الملك؟
الجواب: الحمد لله.
قد قيل: إنّ سليمان ــ ﵇ ــ إنما سأل ذلك معجزةً وآيةً لنبوّته، كما أنّ من الأنبياء من كانت آيته الناقة، ومنهم من كانت آيته العصا، والحيَّة، وفَلْق البحر، وغير ذلك. ومنهم من كانت آيته إحياء الموتى، وإبراء الأكْمَه والأبرص، وغير ذلك. فكذلك آية سليمان هي الملك (٢).
وقيل: إنّ سليمان سأل ذلك ليتمكَّن به من طاعة الله تعالى.
وقيل: إنَّ ذلك من باب المباح إذا لم يكن فيه معصية، كما أنّ نبينا
стр. 2522
- ﷺ خُيِّر بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبيَّن أن يكون ملكًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا، وهذا أعلى. وسليمان اختار أن يكون نبيًّا ملكًا، قيل له فيه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]. فهذا جائز والأول أفضل، وهي حال نبينا ﷺ ، والله أعلم (١).
***
مسألة (٢) من كلام الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. هل هذا اسم رجلٍ كان على عهد رسول الله ﷺ ؟ وما معنى (٣) قوله: (نصوحًا)؟
الجواب:
الحمد لله.
قال عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة والتابعين: التوبة النصوح: أن يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود إليه (٤).
стр. 2523
ونصوح: هو صفة للتوبة، وهو مشتقٌّ من النُّصْح والنصيحة.
وأصل ذلك هو الخلوص، يقال: فلان ينصح لفلان، إذا كان يريد له الخير إرادةً خالصة لا غشّ فيها. وفلان يغشّه إذا كان باطنه يريد السوء، وهو يظهر إرادة الخير، كالدرهم المغشوش.
ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. أي: أخلصوا لله ورسوله قصدَهم وحبَّهم.
ومنه قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "الدّينُ النصيحةُ، الدّين النصيحة" (١)، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (٢).
فإنَّ أصلَ الدّين هو حُسْن النية وإخلاص القصد (٣)؛ ولهذا قال ﷺ : "ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمور، ولزومُ جماعة المسلمين، فإنَّ دعوتهم تُحيط مِن ورائهم" (٤). أي هذه الخصال الثلاث لا يحقد عليها قلب المسلم، بل
стр. 2524
يحبّها ويرضاها.
فالتوبة النصوح: هي الخالصة من كلِّ غشّ. وإذا كانت كذلك كانت ثابتةً (١)، فإنَّ العبدَ إنّما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه، فمتى (٢) خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يَعُد إلى الذنب. فهذه التوبة النصوح. وهي واجبة كما (٣) أمر الله تعالى.
ولو تاب العبد ثم عاد إلى الذنب قَبِل الله توبتَه الأولى، ثم إذا عاد استحقّ العقوبة، فإن تاب تاب الله عليه أيضًا. ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يصرّ، بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة. فقد روى الإمام أحمد فى"مسنده" (٤) عن عليٍّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنّ الله يحبّ العبدَ
стр. 2525
المُفَتَّن التوَّاب"، وفي حديث آخر: "لا صغيرةَ مع إصرار، ولا كبيرةَ مع استغفار" (١). وفي حديث آخر: "ما أصرَّ من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة" (٢).
ومن قال من الجهّال: إنّ (نصوحًا) اسم رجل كان على عهد رسول الله ﷺ أُمِرَ الناسُ أن يتوبوا كتوبته، فهذا رجل مفترٍ كذَّاب جاهل بالحديث والتفسير، جاهل باللغة ومعاني القرآن، فإنّ هذا امرؤٌ لم يخلقه الله تعالى، ولا كان من (٣) المتقدّمين أحد اسمه (نصوح)، ولا ذَكَر هذه القصة أحدٌ من أهل العلم. ولو كان كما زعم الجاهل لقيل: توبوا إلى الله توبةَ نصوحٍ، وإنما قال: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. فالنصوح هي التوبة لا التائب (٤).
стр. 2526
ومن قال: إن المراد بهذه الآية رجل أو امرأة اسمه (نصوح)، وأنه كان على عهد عيسى ﵇ أو غيره؛ فإنه كاذب يجب عليه أن يتوب من هذا، فإن لم يتب وجب عقوبتُه بإجماع المسلمين، والله أعلم.
تمت.
***
مسألة من كلام شيخ الإسلام وعلامة الزمان تقي الدين ابن تيمية الحراني في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠].
الجواب:
الحمد لله.
الخمر: هي المُسكر، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "كلُّ مُسْكر خمر وكلُّ خمر حرام" (١)، وقال: "كلُّ مُسكر خمر وكلُّ مسكر حرام" (٢). وقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (٣).
فكلُّ ما أسكر كثيرُه فقليله حرام وهو خمر، سواء كان من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير أو العسل أو لبن الخيل أو غير ذلك.
стр. 2527
وأما المَيسِر: فهو القِمار، وهو يجمع معنيين:
أحدهما: أكْل المال بالباطل، كبيع الغرر، فإنه من الميسر.
والثاني: الأعمال التي فيها مغالبة بلا منفعة، تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء، سواء كانت بعِوَض أو بغير عِوَض؛ كاللعب بالنَّرْد والشِّطْرنج ونحوهما، فإن ذلك كله من الميسر، كما فسَّر الآيةَ بذلك علماءُ السلف من الصحابة والتابعين.
وأما الأنصاب: فهي ما يُنْصب من التماثيل التي تُعبد من دون الله.
وأما الأزلام: فهي ما يُسْتَقْسَم به، أي يَطلب العبدُ عِلم ما قَسَم الله له به، كما كانت العرب تستقسم بالحصى وبالقِداح، وهي نُشّاب لا نصل (١) له ولا ريش. وكما يستقسم ناسٌ بالقرعة المأمونية المكتوب عليها (أب ج د) فإن خرج الفرد غالبًا قالوا: (سَعْد)، وإن خرج الزوج غالبًا قالوا: (نَحْس).
وهذا من فروع النجوم، فإن الكواكب إذا اتصلت على شكل مثلَّث أو مسدَّس، بأن يكون بين الكوكبين ستون درجة أو مئة وعشرون درجة= جعلوا ذلك علامة على السعادة.
وإن كان على شَفْع، مثل أن يكون بينهما تسعون درجة= فيقولون:
стр. 2528
"ربعة"، أو مئة وثمانون درجة، فيقولون: "قابلة" (١).
أو يكونان على درجة واحدة، فيقولون: "قارنة"، جعلوا ذلك بخلاف الوتر، حتى إذا كتب أحدهم: (ورنة) (٢) قَطَعَ حَرْفَها لتصيرَ مثلَّثة، فهذا من الاستقسام بالأزلام.
وكذلك الضرب بالشعير والحصى لطلب علم ما يكون. وكذلك النظر في الألواح. فهذا وشِبْهه من الاستقسام بالأزلام. وهذه الأربعة كما قال تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.وقد أمرنا تعالى باجتناب هذا الرجس بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] والله أعلم (٣).
***
مسألة من كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
الجواب:
الحمد لله.
стр. 2529
الميتةُ: ما مات حتف أنفه.
والدم: هو الدم المسفوح يحرم أكله.
ولحم الخنزير: أُريد به تحريم أكل الخنزير، ولهذا ذَكَر اللحم، فإنه لو قيل: (والخنزير) لظن أنه أريد تحريم قتله وأكله، كما في قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦].
والمنخنقة: وهي الشاة والعنز ونحوهما تنخنق بالحبل وغيره.
والموقوذة: وهي البهيمة والطائر يضرب بمُثَقَّل، كالحجر والطُّومار (١) ونحو ذلك مما يَقْتل بثقله لا بحدِّه.
والمتردية: هي الدابة تتردَّى من مكان عالٍ، كرأس الجبل والسطح.
والنطيحة: الدابة تنطحها أخرى، فتموت من النطح.
وما أكل السّبُع: هي الدابة يأكلها ذئب ونحوه، فلا يُباح ما بقي منها إذا ماتت بأكله.
فإن كان في شيءٍ من ذلك حياةٌ مستقرَّة، فذُكِّي، فجرى دَمُه وتحرّك بعضُ أعضائه أُبيح.
стр. 2530
والأزلام: قد فُسِّرت في جواب الآية الأخرى (١). والله أعلم (٢).
стр. 2531
مسألة في
قوله ﷺ : "لا عدوى ولا طِيَرة ... "
وتسع مسائل أخرى
стр. 2532
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
* سئل الشيخ الإمام العالم العلامة، الورع الزّاهد أبو العباس أحمد ابن تيمية عن قوله ﷺ : "لا عَدْوى ولا طِيَرة، ولا هامةَ ولا صَفَر" (١) مع ضبطهما.
* وهل حديث: "مَنْ كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مَقْعَدَه من النّار" (٢) متواتر اللفظ والمعنى؟
* وهل القرآن متواتر بأحرفه؟
* وهل قراءة هؤلاء القرَّاء المشهورين متواترة أم لا؟
* وهل قراءة أبي جعفر ويعقوب متواترة؟
* وهل تُبْطِل الصلاةَ القراءةُ بالشاذِّ؟
* وهل لو حلف رجلٌ بالطلاق أن مذهبَ الشافعي خيرٌ من المذاهب الأربعة، وكذا المالكي والحنفي والحنبلي، كلٌّ منهم حَلَف أن مذهبه خير من المذاهب الأربعة، فهل يحنث واحدٌ من هؤلاء أم يحنثوا جميعًا؟ وما الحكم فيهم؟
стр. 2533
* وهل النبي ﷺ رأى ربَّه ليلةَ أُسْريَ به بعيني رأسه أم بعين قلبه، ومع ذلك جَمْع اختلاف العلماء فيه بمذاهبهم؟
* وهل تجوز اللعنة على اليهود والنصارى والرّافضة وأهل البدع؟ وهل تجوز لعنة كلّ شخص من هؤلاء بعينه واسمه؟
أجاب:
الحمد لله.
* لفظ الحديث: "ولا هامَةَ ولا صَفَرَ" (١). ويجوز في إعرابه ما يجوز في إعراب: "ولا طِيَرة". إن شئت قلت: "ولا هامةَ ولا صَفَرَ"، وإن شئت قلت: "ولا هامةٌ ولا صَفَرٌ".
والهامة: ما كان بعض الجاهلية يعتقده من أن الميّت إذا لم يُؤخَذ ثأرُه من قاتله يخرج من قبره هامة (٢). فنفى النبي ﷺ ذلك في بيان ما نفاه من اعتقادات الجاهلية، وهو العدوى والطِيَرة. وكذلك قوله: "ولا صَفَر ولا غُول" (٣).
وفي "الصَفَر" وجهان:
أحدهما: أنه الشيء الذي كان أهلُ الجاهلية يفعلونه، فيؤخِّرون
стр. 2534
المحرّم إلى صفر.
والثاني: أنه داء من الأدواء يصيب بطن الإنسان (١).
* وأما قوله: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار" فمتواتر لفظًا ومعنى، لكنه متواتر عند الخاصّة، وهم أهل العلم بالحديث، كما تواتر عندهم سجود السهو، وفرائض الصلوات ونُصُبُها، ونحو ذلك.
بخلاف الصلوات الخمس وعدد ركعاتها، وتعيُّن البيت المحجوج إليه، والشهر المفروض صومه، ونحو ذلك= فإنّ هذا من التواتر العام. كما تواتر أنّ النبيّ ﷺ كان بمكة، وهاجر إلى المدينة، ومات بها، ونحو ذلك.
* فصل (٢): والقرآن الذي بين لوحي المصحف متواتر، فإنّ هذه المصاحف المكتوبة اتفق عليها الصحابة، ونقلوها قرآنًا عن النبي ﷺ ، وهي متواترة من عهد الصحابة، فعُلِم (٣) علمًا ضروريًّا أنها ما غُيِّرت.
стр. 2535
والقراءة المعروفة عن السلف الموافِقة للمصحف تجوز القراءةُ بها بلا نزاع بين الأئمة، ولا فرق عند الأئمة بين قراءة أبي جعفر ويعقوب وخَلَف، وبين قراءة حمزة والكِسائي وأبي عَمْرو و [ابن أبي] (١) نعيم.
ولم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها: إن القراءة مختصَّة بالقرَّاء السبعة، فإن هؤلاء إنما جمع قراءاتِهم أبو بكر بن مجاهد (٢) بعد ثلاثمئة سنة من الهجرة، واتّبعه الناسُ على ذلك، وقَصَد أن ينتخب قراءة سبعة من قرَّاء الأمصار. ولم يقل هو ولا أحدٌ من الأئمة: إنَّ ما خرج عن هذه السبعة فهو باطل، ولا إن قولَ النبيّ ﷺ : "أُنْزِل القرآنُ على سبعة أحرف" (٣) أُريد به قراءة هؤلاء السبعة. ولكن هذه السبعة اشتهرت في أمصار لا يعرفون غيرَها كأرض المغرب، فأولئك لا يقرؤون بغيرها لعدم معرفتهم باشتهار غيرها (٤).
стр. 2536
فأما من اشتهرت عندهم هذه كما اشتهر غيرها، مثل (١) أرض العراق وغيرها، فلهم أن يقرؤوا بهذا وهذا (٢).
* والقراءةُ الشاذَّةُ، مثل ما خرج عن مصحف عثمان، كقراءة من قرأ (الحيّ القيَّام) [البقرة: ٢٥٥]، و (صراط مَنْ أنعمتَ عليهم) [الفاتحة: ٧]، و (إن كانت إلا زَقْيَةً واحدة) [يس: ٢٩]، (والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * والذكر والأنثى) [الليل: ١ - ٣]، وأمثال ذلك= فهذه إذا قُرِئ بها في الصلاة ففيها قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد (٣):
أحدهما: تصحّ الصلاة بها؛ لأن الصحابة الذين قرؤوا بها كانوا يقرؤونها في الصلاة ولا يُنكر (٤) عليهم.
والثاني: لا؛ لأنها لم تتواتر إلينا. وعلى هذا القول، فهل يقال: إنها كانت قرآنًا فنُسِخ، ولم يَعرِف الذي قرأ بها الناسخَ. أو لم تُنسَخ ولكن كانت القراءة بها جائزة لمن ثبتت عنده دون من لم تثبت، أو لغير ذلك؟
стр. 2537
هذا فيه نزاع مبسوط في غير هذا الموضع.
* وأما من قرأ بقراءة أبي جعفر ويعقوب ونحوهما، فلا تبطل الصلاة بها باتفاق الأئمة، ولكن بعضُ المتأخِّرين من المغاربة ذكر في ذلك كلامًا وافقه عليه بعضُ من لم يعرف أصل هذه المسألة.
* فصل (١): وأما حَلِف كلِّ واحد أن أفضل المذاهب مذهب فلان، فهذا إن كان كلٌّ منهم يعتقد أن الأمر كما حلف عليه؛ ففيها قولان، أظهرهما: لا يحنث واحدٌ منهم، والثاني: يحنثون إلا واحدًا منهم، فإنَّ حنثه مشكوك فيه، لجواز أن يكون صادقًا، ولجواز كونهم سواء فيحنثون كلهم.
وإذا حَنِثوا إلا واحدًا منهم وقد وقع الشكُّ في عينه؛ فهل هو كما لو قال أحدُ الرجلين (٢): إن كان غرابًا فزوجته طالق، وقال الآخر: إنْ لم يكن غرابًا فزوجته طالق، وهذه فيها قولان في مذهب أحمد وغيره (٣):
أحدهما: لا يقع بواحد منهما طلاق، وهو مذهب الشافعي وغيره، لكن يكفّ كلٌّ منهما عن وطء زوجته، قيل: حتمًا، وقيل: ردعًا.
стр. 2538
والقول الثاني: أنه يقع بأحدهما، كما لو كان الحالف واحدًا وأوقعه بإحدى زوجتيه، وعلى هذا فهل تخرج المطلّقة بالقُرْعة، أو يقف الأمر؟ على قولين أيضًا في مذهب أحمد، والوقف قول الشافعي. والصحيح: أن من حلف على شيء يعتقده كما (١) حلف عليه فتبيَّن بخلافه؛ فلا طلاق عليه.
وأما مالك فإنه يُحنِّث الجميع ولو تبين صدق الحالف، بناء على أصله فيمن حلف على ما لا يعلم صحته (٢)، كما لو حلف أنه يدخل الجنة. والنزاع فيها كالنزاع في أصل تلك المسألة.
وجمهور العلماء لا يوقعون الطلاق لأجل الشكّ، ومالك يوقعه لعدم علم الحالف بما حلف عليه، فهذه كما لو حلف واحد على ما لا يعلمه ولم يناقضه غيره، مثل أن يحلف أن مذهب فلان أفضل، وهو غير عالم بذلك.
* فصل (٣): وأما الرؤية؛ فالذي ثبت في "الصحيح" (٤) عن ابن عباس أنه قال: رأى محمدٌ ربَّه بفؤاده مرتين. وعائشة أنكرت الرؤية (٥)،
стр. 2539
فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مُطْلقة أو مقيَّدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمد ربَّه، وتارة يقول: رأى محمد. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه.
وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحدٌ إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعضَ كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعضُ الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين.
وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدلُّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلُّ، كما في "صحيح مسلم" (١) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: "نورٌ أنَّى أراه".
وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. ولو كان قد أراه نفسَه بعينِه لكان ذِكْر ذلك أولى.
стр. 2540
وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ولو كان رآه بعينه لكان ذِكْر ذلك أولى.
وفي "الصحيحين" (١) عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي رُؤيا عينٍ أُرِيَها رسولُ الله ﷺ ليلة أُسريَ به.
وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناسَ بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم حيث صدَّقه قومٌ وكذَّبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربَّه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذِكْر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذَكَره كما ذَكَر ما هو دونه.
وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة: أنه لا يرى الله أحدٌ في الدنيا بعينه (٢)، إلا ما نازع فيه بعضُهم من رؤية نبينا ﷺ خاصة. واتفقوا على أنَّ المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانًا كما يرون الشمس والقمر.
* واللعنة تجوز مطلقًا لمن لعنه الله ورسوله، وأما لعنة المُعَيَّن فإن
стр. 2541
عُلِم أنه مات كافرًا، جازت لعنته.
وأما الفاسق المعيَّن فلا تنبغي لعنته؛ لنَهْي النبيّ ﷺ أن يُلْعن عبدُ الله حمارٌ الذي كان يشرب الخمر (١)، مع أنه قد لعن شارب الخمر عمومًا. مع أن في لعنة المعيَّن إذا كان فاسقًا أو داعيًا إلى بدعة نزاعًا (٢). وهذه المسألة قد بُسِط الكلامُ عليها في غير هذا الموضع (٣)، ولكن هذا ما وسعته الورقة، والله أعلم.
стр. 2542
مسألة في الرَّمي بالنُّشَّاب
стр. 2543
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية تغمَّده الله برحمته:
مسألة في الرّمي بالنُّشَّاب (١) والبُندُق (٢)، وما اصطلحوا عليه من الرسوم في الأستاذية:
الجواب: الحمد لله رب العالمين.
الرمي بالنُّشّاب من الأعمال الصالحة التي أمر الله بها ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وثبت في «صحيح مسلم» (٣) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ : أنه قرأ هذه الآية على المنبر وقال: «ألا إنّ القوَّة الرمي»، وفي «الصحيح» أيضًا أنه قال: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليّ [من] أن تركبوا، ومَن تعلَّم الرمي ثم نسيه فهي نعمةٌ جَحَدَها» (٤)، وقال ﷺ : «كلّ لهوٍ يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته، فإنهنَّ
стр. 2544
من الحقّ» (١). وكان النبي ﷺ وأصحابُه يرمون بالنُّشَّاب.
فصل: ويجوز فيه الرّهان، كما قال النبي ﷺ : «لا سَبَق إلا في ثلاث: خُفٍّ أو حافرٍ أو نصلٍ» (٢).
وأما الرّمْي بالبُنْدق، ويسمى الرمي بالجُلاهِق (٣)، فلم (٤) يكن السلف يفعلونه، ولكن أحدثه بعضُ الناس في خلافة عثمان بن عفان ﵁، فنهى عنه أميرُ المؤمنين (٥).
وذكر بعضُ العلماء أنه من أعمال قوم لوط (٦).
وما قَتَله البندق فهو وقيذ، وقيل: لا يحلّ أكله باتفاق الأئمة الأربعة،
стр. 2545
بخلاف ما قتله النُّشّاب، فإنه إذا سمَّى الله وقَتل به حلّ أكلُه باتفاق علماء المسلمين.
والأمور التي ابتدعها رماةُ البندق من الأيمان التي يسمّونها أيمان البندق= من البدع التي لا أصل لها في الشريعة، لاسيّما ما يُذكر عنهم أنهم يحلفون بالله ويكذبون، ويحلفون بأيمان البندق ويصدقون، فإن هذا ليس من فِعْل من يؤمن بالله واليوم الآخر. (١) لاسيّما إذا حكم حاكمهم ــ حاكم الجاهلية الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ــ إذا حلف بالله يمينًا فاجرةً لا يهدّدونه، وإذا حلف بالبندق يمينًا كاذبةً يهدّدونه. وهذا حكم من لا يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر.
وكذلك القوانين التي وضعوها بمنزلة الشريعة، ويقدّمون فيها أكابرهم، يسألونهم فيفتوهم (٢)، ويحكمون بينهم بغير ما أنزل الله، بل يحكم بجهالته، من جنس يساق (٣) التتر، وسوالف الأعراب، وشرّ من ذلك. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وحكّامهم يحكمون بالجهل وبغير ما أنزل الله، يرفعون من لم يأمر الله ورسوله برفعه، ويخفضون من لم يأمر الله ورسوله بخفضه،
стр. 2546
ويُسقطون ويجرِّمون (١) من خالف بعض قوانينهم المبتدعة (٢).
و لم يكن السلف يرمون بالبندق ، ولا يفعلون شيئًا من هذه البدع؛ لأن الاجتماع على رمي البندق كثيرُ الشرّ والضرر، قليلُ الخير والمنفعة؛ فإنه لم يُهزم عدوٌّ [ق ٤٧] برمي البندق، ولا فُتِحَت به مدينة، ولا قام به دين، وقتيله (٣) لا يحلّ أكله، لاسيّما وأكثر ما يرمونه من الطير لا يحلّ أكله.
والمقصود بالرمي عدوٌّ يقتله أو صيدٌ يأكله، وهذا (٤) لا يُقْصَد به عدوّ يقتله ولا صيد (٥) يأكله، بل الافتخار بالباطل الذي [لا] (٦) ينفع.
وقد ثبت عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يُتَّخَذ شيء فيه الرّوح غَرَضًا (٧)، ولعن النبيّ ﷺ من يفعل ذلك (٨)، فنهى أن يُجعل الطير والبهيمة غَرَضًا يُقصَد برمي الأغراض التي تُنْصب للرمي (٩)، فإنّ ذلك تعذيب للحيوان
стр. 2547
بغير مصلحةٍ راجحة، وهذا لا يجوز، فإنَّ الله ﵎ إنما أباحَ تعذيبَ الحيوان بالذبح والركوب، لما في ذلك من مصلحة بني آدم، فإذا جُعل الطيرُ هدفًا يُرمى إليه، كان ذلك تعذيبًا له بغير مصلحةٍ راجحة.
ورُماة البندق لا يقصدون بالرّمي ذكاة الطير ليؤكل، وإنما يقصدون الإصابة، من جنس ما [يتخذ] لرمي الأغراض والأهداف (١)، وهذا لا يجوز. بل لو قَصد قومٌ أن يرموا الطير بالنُّشّاب لمجرّد إصابة الطير من غير قصد الذكاة لم يجز ذلك.
وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «من قتل عصفورًا بغير حقه جاء يوم القيامة وأوداجه تشخب دمًا» (٢). ولفظه: «من قتل عصفورًا عبثًا جاء يوم القيامة وله جؤار إلى الله يقول: يا رب سل هذا فيمَ قتلني» (٣)، وفي لفظ: «من قتل عصفورًا بغير حقه سأله الله عنه يوم القيامة». رواه أحمد (٤)،
стр. 2548
وروي عنه ﷺ : «أنه نهى عن قتل الحيوان لغير مأكَلَة» (١).
وهؤلاء يقتلون الطير لغير مأكلة وبغير حقه، بل عبثًا ولعبًا بالباطل.
وثبت عنه ﷺ في «الصحيح» (٢): أنه نهى عن الخذف وقال: «إنه لا يصيد صيدًا ولا ينكأ عدوًّا، ولكن يفقؤ العَيْنَ ويكسر السنّ»، فدلّ ذلك على أن ما كان من الرمي لا يُقصد به الصيد ولا يُنكأ به عدوّ= فهو ينهى عنه. ورَمْي البندق لا يقصد به نِكاية عدوّ، فإنّ غالب ما يقتلونه بالبندق لا يحل أكلُه، ولا يُعرف أنه فتح مدينة برمي البندق، ولا هُزِمَ به عدوّ، ولا قام به دين، وإنما يقصد أصحابه (٣) التقدّم بأمر لا منفعة فيه للمسلمين لا في دينهم ولا دنياهم.
وأيضًا فرمي البندق تُنفق فيه الأموال لا في مصلحة دين ولا دنيا،
стр. 2549
ويصدّهم ذلك عما (١) ينفعهم في الدين والدنيا، ويوقع بينهم الشرَّ، ويجرّهم إلى الاختلاء لفعل الفواحش وفساد الأولاد المسلمين، قلّ من يصحبهم من الأحداث إلا كان عند المسلمين معيبًا ناقص الحُرْمة، من جنس المجتمعين بقاعات العلاج (٢)، فإن سيرة الطائفتين مذمومةٌ عند عامة المسلمين. والله أعلم.
стр. 2550
مسألة في قوله تعالى:
﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾
ومسائل أخرى مختلفة
стр. 2551
مسألة (١):
* قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، هل استقرار الجبل ممكن أم لا؟
* وهل هذا الكلام محظور (٢) أم لا؟ ومن قال: إن استقرار الجبل ممكنٌ، هل تلزمه عقوبة أم لا؟
* وعلى من قال: السماع بالدفّ والشّبابة وما هو الغالب [ق ٤٨] على الناس، هو على الناسِ حرامٌ وعليَّ حلالٌ، هل يفسق أم لا؟ وهل يكون قليل المروءة ساقط العدالة أم لا؟
* وصلاة الرغائب والمعراج وألفية نصف شعبان وغيرها من صلوات الأيام والليالي، هل وردَ فيها حديثٌ صحيح أو ضعيف، وهل هي سنة أو بدعة؟
* وهل يُسنّ تخصيص الجمعة بقيام أم لا؟
* وهل إذا مات ضفدع في (٣) مائع كالعسل والدبس ونحوه (٤) أم هو مما لا نفس له سائلة؟
стр. 2552
* ومن قال: أنت طالق إن دخل زيد الدار، فدخل زيدٌ ناسيًا، هل تطلق أم لا؟
* وإذا باعه غرارة حنطةٍ بثمنٍ نسيئةً، فعند حلول الأجل هل له أن يأخذ حنطةً بالثمن أكثر مما أعطى أم لا؟
* وهل قبل الجمعة سنة أم لا؟ فإنَّا نرى الروياني ذكر في «الحِلية» أن قبل الجمعة سنة، وذكرها صاحب «المنهاج» في منهاجه، رواها أبو محمد البغوي في «تفسيره»: أن ابن عمر كان يصلي قبل الجمعة ركعتين. ورفع الحديث. أفتونا مأجورين رضي الله عنكم.
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ فقال:
الحمد لله رب العالمين.
* إن كان مراد القائل: على أن يجعل الجبل مستقِرًّا، وأن يُري نفسه لموسى، فالله قادر على ذلك. وإن كان مراده أن الجبل استقرّ وأن موسى رأى ربه، فهذا كاذب مفترٍ، مخالفٌ الكتابَ والسنةَ والإجماع، يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.
وقد أجمع سلف الأمة على أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، وقد أجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بعيونهم، وثبت في «الصحيح» (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى
стр. 2553
ربَّه حتى يموت».
* ومن ادّعى أنّ المحرَّمات تحريمًا عامًّا كالفواحش والظلم والملاهي، حرامٌ على الناس حلالٌ له، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل. وإن ادعى في الدفوف أنها حرامٌ على بعض الناس دون بعض، فهذا مخالف للسنة والإجماع ولأئمة الدين، وهو ضالٌّ من الضُّلّال، وإن أصرَّ على اتباع هواه كان فاسقًا.
* وصلاة الرغائب بدعةٌ باتفاق أئمة الدين، لم يسنّها رسول الله ﷺ ولا أحدٌ من خلفائه الراشدين، ولا استحبَّها أحدٌ من أئمة الدين كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم، والحديث المرويّ فيها كذبٌ بإجماع أهل المعرفة بالحديث (١).
وكذلك الصلاة التي تُذكر أول ليلة الجمعة من رجب، وفي ليلة المعراج، وألفية نصف شعبان، وكذلك الصلوات التي تذكر في يوم الأحد والاثنين وغيرهن (٢) أيام الأسبوع. وإن كان قد ذكر هذه الصلاة
стр. 2554
طائفةٌ من المصنفين في الرقائق والفضائل والفقه، فلا نزاع بين أهل المعرفة بالحديث أن أحاديثها موضوعة، ولا نزاع بين أهل المعرفة بالفقه أن هذه لم يستحبَّها أحدٌ من أئمة الدين، وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لا تخصّوا ليلةَ الجمعة [ق ٤٩] بقيام ولا يوم الجمعة بصيام». والأحاديث التي تُذكر في إحياء ليلة الجمعة وليلة العيدين كذبٌ على النبي ﷺ (٢).
* والضفدع إذا مات في ماءٍ قليل، فإن كان لها دمٌ يسيل، ففي نجاسته نزاع بين العلماء، فمذهب أبي حنيفة: لا ينجس، ومذهب الشافعي وأحمد: ينجس.
وليس هذه مسألة مالا نفس له سائلة لم ينجس (٣) عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، فإن كان هذا في العسل ونحوه لم ينجسه، وأما الأول إذا كان في العسل فإن كان جامدًا ألقي وما حوله، وإن كان مائعًا ففيه قولان للعلماء وإحدى الروايتين عن
стр. 2555
أحمد ومالك، فإنّ حكم المائعات حكم الماء، وهذا هو الأظهر في الدليل.
* وإذا قال لامرأته: إن دخلت الحجرة (١) فأنت طالق، ودخلت ناسيةً، لم يقع الطلاق في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب أهل المدينة، كعَمْرو بن دينار وابن جريج وغيرهما، وهو أظهر قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
* فأما إذا باع حنطة إلى أجل واعتاض عن ثمنها بحنطة، فهذا فيه نزاع، فمذهب مالك وأحمد أنه يجوز، والأظهر أنه إذا كان في ذلك رفق بالمشتري، مثل أن لا يكون عنده إلا حنطة يحتاج أن يبيعها ويوفّي ثمنها، وإعطاءُ الحنطة أرفق به جاز، وإن لم يكن أرفق وإلا فلا (٢).
* وليس قبل الجمعة سنةٌ راتبة عن النبي ﷺ ركعتان معدودة في وقت مخصوص، بل الذي جاءت به السنة: أن يصلي قبلها ما تيسَّر من حين يدخل المسجد. ومذهب مالك لا سنة لها، وكذلك الذي عليه الشافعي وجمهور أصحابه، وكذلك المشهور عن أحمد، ولكنَّ القول
стр. 2556
عن أبي حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: أن قبلها سنة، قيل: ركعتان، وقيل: أربع.
ومن روى عن النبي ﷺ أنه كان يصلي يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة سنة فقد كذب عليه. فإن الثابت الصحيح أنه كان لا يؤذَّن على عهده إلا أذانه على المنبر، وقبل ذلك لا أذان، ولم يصلّ سنةً قبل الخروج. والله أعلم (١).
стр. 2557
[مسائل فقهية مختلفة]
مسألة في أهل الذمة إذا أظهر أحدٌ منهم الأكل في رمضان، وأكلَ بين المسلمين، هل يُنْهون عن ذلك أم لا؟
الجواب: بل يُنهون عن ذلك، فإنَّ هذا من المنكرات في دين الإسلام، كما ينهون عن إظهار شرب الخمر وأكل الخنزير، والله أعلم.
***
مسألة: في الدّعاء بعد الصلوات (١) الخمس للإمام والمأمومين جميعًا هل هو مشروع أم لا (٢)؟
الجواب: الحمد لله.
دعاء الإمام والمأمومين جميعًا بعد الصلوات الخمس ليس مأمورًا به في الكتاب والسنة، ولا كان النبي ﷺ يفعله، ولا استحبَّه أحدٌ من الأئمة الأربعة. لكن لو دعا الإنسانُ في نفسه عقيب الصلاة جاز ذلك، سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا.
والدعاء قبل السلام في الصلاة هو الأفضل، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، فإن المصلّي يناجي ربّه، فإذا دعا حال إقباله كان خيرًا مِن دعائه [ق ٥٠] بعد انصرافه.
стр. 2558
والسنة بعد السلام أن يذكر الله تعالى، كما جاءت به الأحاديث، مثل أن يسبِّح ثلاثًا وثلاثين ويختم بالتوحيد. والله أعلم.
***
مسألة: في وقوع الفأرة في اللبن الحليب واللبن المجمَّد والزيت وغيره من المائعات هل ينجس أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
إذا وقع الفأر الميت أو غيره من النجاسات في الأطعمة والأشربة ونحو ذلك غير الماء، فإن كان جامدًا ألقاه وما حوله ــ باتفاق الأئمة ــ وأكَلَ الباقي، وإن كان مائعًا ففيه قولان، أحدهما: أنه ينجس جميعه، والثاني: أنه كالماء فإن كان كثيرًا ألقاه وما حوله وأكل الباقي. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك، وهذا هو الذي دلت عليه سنة رسول الله ﷺ ، فإنه ثبت عنه في «الصحيح» (١): أنه سئل عن فارة وقعت في سمن؟ فقال: «ألقوها وما حولها وكلوا سَمْنكم». ولم يفرّق بين أن يكون جامدًا أو مائعًا.
والحديث الذي ورد فيه حديثٌ ضعيف (٢)، كما بُسِطَ في
стр. 2559
موضعه (١)، وإن كان المائع قليلًا فقد قيل: إنه طاهرٌ أيضًا، وقيل: إنه يضمّ إليه كثيرًا، فإذا كان الكلّ قنطارًا فالجميع طاهر. والله أعلم.
***
مسألة: في الكلب إذا ولغ في اللبن أو غيره ما الذي يجب في ذلك؟
الجواب: الحمد لله.
الكلبُ تنازع فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه طاهر حتى ريقه، وهذا مذهب مالك.
والثاني: نجس حتى شعره، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
والثالث: أن شعره طاهر وريقه نجس، وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. وهذا أصح الأقوال.
فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك، وإذا ولغ في الماء أُرِيق الماء. وإن ولغ في اللبن ونحوه: فَمِن العلماء من يقول: يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره. ومنهم من يقول: يراق، كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. فأما إن كان اللبن كثيرًا فالصحيح أنه لا ينجس، كما تقدم، والله أعلم.
***
стр. 2560
مسألة: في الحيّة والعقرب وذوات السّموم إذا وقعت في المجمدات والمائعات، هل تنجس أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
إذا وقعت هذه الحيوانات في ماءٍ أو مائعٍ وخرجت حيّةً لم تنجِّس ذلك، في المشهور من مذاهب الأئمة. وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره: إنه ينجس لملاقاة أدبارِها لذلك، وهذا ضعيفٌ، فإن الحيوان إذا وقع في الماء ضمَّ دُبرَه، لكن قال الأطباء: إن في ذلك سمًّا يضرّ، تُرِكَ لأجل الضرّر، وإلا فلا نجاسة فيه، والله أعلم.
***
مسألة: في لحوم الخيل هل فيها كراهيةٌ أم لا (١)؟
الجواب: الحمد لله.
لحوم الخيل حلال عند جمهور العلماء كالشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقد ثبت في «الصحيح» (٢): أنّ النبيّ ﷺ أباحَ عامَ خيبر لحومَ الخيل، وحَرَّم لحومَ الحُمُر الأهلية. وثبت أنّ الصحابة نحروا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا وأكلوا لحمه (٣).