← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

عن أبي حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: أن قبلها سنة، قيل: ركعتان، وقيل: أربع. ومن روى عن النبي ﷺ أنه كان يصلي يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة سنة فقد كذب عليه. فإن الثابت الصحيح أنه كان لا يؤذَّن على عهده إلا أذانه على المنبر، وقبل ذلك لا أذان، ولم يصلّ سنةً قبل الخروج. والله أعلم (١).

стр. 2557

[مسائل فقهية مختلفة] مسألة في أهل الذمة إذا أظهر أحدٌ منهم الأكل في رمضان، وأكلَ بين المسلمين، هل يُنْهون عن ذلك أم لا؟ الجواب: بل يُنهون عن ذلك، فإنَّ هذا من المنكرات في دين الإسلام، كما ينهون عن إظهار شرب الخمر وأكل الخنزير، والله أعلم. *** مسألة: في الدّعاء بعد الصلوات (١) الخمس للإمام والمأمومين جميعًا هل هو مشروع أم لا (٢)؟ الجواب: الحمد لله. دعاء الإمام والمأمومين جميعًا بعد الصلوات الخمس ليس مأمورًا به في الكتاب والسنة، ولا كان النبي ﷺ يفعله، ولا استحبَّه أحدٌ من الأئمة الأربعة. لكن لو دعا الإنسانُ في نفسه عقيب الصلاة جاز ذلك، سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا. والدعاء قبل السلام في الصلاة هو الأفضل، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، فإن المصلّي يناجي ربّه، فإذا دعا حال إقباله كان خيرًا مِن دعائه [ق ٥٠] بعد انصرافه.

стр. 2558

والسنة بعد السلام أن يذكر الله تعالى، كما جاءت به الأحاديث، مثل أن يسبِّح ثلاثًا وثلاثين ويختم بالتوحيد. والله أعلم. *** مسألة: في وقوع الفأرة في اللبن الحليب واللبن المجمَّد والزيت وغيره من المائعات هل ينجس أم لا؟ الجواب: الحمد لله. إذا وقع الفأر الميت أو غيره من النجاسات في الأطعمة والأشربة ونحو ذلك غير الماء، فإن كان جامدًا ألقاه وما حوله ــ باتفاق الأئمة ــ وأكَلَ الباقي، وإن كان مائعًا ففيه قولان، أحدهما: أنه ينجس جميعه، والثاني: أنه كالماء فإن كان كثيرًا ألقاه وما حوله وأكل الباقي. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك، وهذا هو الذي دلت عليه سنة رسول الله ﷺ ، فإنه ثبت عنه في «الصحيح» (١): أنه سئل عن فارة وقعت في سمن؟ فقال: «ألقوها وما حولها وكلوا سَمْنكم». ولم يفرّق بين أن يكون جامدًا أو مائعًا. والحديث الذي ورد فيه حديثٌ ضعيف (٢)، كما بُسِطَ في

стр. 2559

موضعه (١)، وإن كان المائع قليلًا فقد قيل: إنه طاهرٌ أيضًا، وقيل: إنه يضمّ إليه كثيرًا، فإذا كان الكلّ قنطارًا فالجميع طاهر. والله أعلم. *** مسألة: في الكلب إذا ولغ في اللبن أو غيره ما الذي يجب في ذلك؟ الجواب: الحمد لله. الكلبُ تنازع فيه العلماء على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه طاهر حتى ريقه، وهذا مذهب مالك. والثاني: نجس حتى شعره، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. والثالث: أن شعره طاهر وريقه نجس، وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. وهذا أصح الأقوال. فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك، وإذا ولغ في الماء أُرِيق الماء. وإن ولغ في اللبن ونحوه: فَمِن العلماء من يقول: يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره. ومنهم من يقول: يراق، كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. فأما إن كان اللبن كثيرًا فالصحيح أنه لا ينجس، كما تقدم، والله أعلم. ***

стр. 2560

مسألة: في الحيّة والعقرب وذوات السّموم إذا وقعت في المجمدات والمائعات، هل تنجس أم لا؟ الجواب: الحمد لله. إذا وقعت هذه الحيوانات في ماءٍ أو مائعٍ وخرجت حيّةً لم تنجِّس ذلك، في المشهور من مذاهب الأئمة. وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره: إنه ينجس لملاقاة أدبارِها لذلك، وهذا ضعيفٌ، فإن الحيوان إذا وقع في الماء ضمَّ دُبرَه، لكن قال الأطباء: إن في ذلك سمًّا يضرّ، تُرِكَ لأجل الضرّر، وإلا فلا نجاسة فيه، والله أعلم. *** مسألة: في لحوم الخيل هل فيها كراهيةٌ أم لا (١)؟ الجواب: الحمد لله. لحوم الخيل حلال عند جمهور العلماء كالشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقد ثبت في «الصحيح» (٢): أنّ النبيّ ﷺ أباحَ عامَ خيبر لحومَ الخيل، وحَرَّم لحومَ الحُمُر الأهلية. وثبت أنّ الصحابة نحروا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا وأكلوا لحمه (٣).

стр. 2561

[ق ٥١] وأما الوضوء من لحمها كالوضوء مما مسّته النار، وهذا ليس بواجب عند الأئمة الأربعة لكنه مستحبٌ في أصحّ القولين، والله أعلم. *** مسألة: في التوضؤ من لحوم الإبل هل يجب أم لا؟ وما العلة في ذلك؟ الجواب: الحمد لله. في «الصحيح» (١) عن النبي ﷺ أنه قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم»، قيل: أنصلي في أعطان الإبل؟ قال: «لا»، قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ»، قيل: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». فأمر بالوضوء من لُحْمانها ونهى عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها شياطين الأنعام، وعلى كلّ ذِرْوة بعير شيطان، فأعطانها مأوى الشياطين أو الشيطان، ومن أكل لحمها ولم يتوضَّأ يبقى فيه قوةٌ شيطانية تورثه الحقد وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، فإذا توضَّأ زال شرُّها. والله أعلم (٢). ***

стр. 2562

مسألة: هل تُفعل تحية المسجد في أوقات النهي أم لا؟ الجواب: الحمد لله. قال النبي ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (١)، فإذا دخل [وقتُ] (٢) نهيٍ فهل يصلي؟ على قولين للعلماء، لكن أظهرها أنه يصلي؛ فإن النبي ﷺ نهى (٣) عن الصلاة بعد الفجر، وبعد العصر قد خُصّ منه صورٌ كثيرة، وخُصّ من نظيره، وهو وقت الخطبة، فإن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أحدُكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي» (٤). فإذا أُمِر بالتحية في وقت الخطبة ففي هذه الأوقات أولى. والله أعلم. *** مسألة: في مباشرة المصلي بجبهته هل يجب أم لا؟ الجواب: الحمد لله.

стр. 2563

إن كان له عُذْر كبرد الأرض أو حَرِّها أو غدد بجبهته يحتاج معه إلى العصابة ونحو ذلك= كان له أن لا يباشر المصلَّى، ولا ينبغي تركه، والله أعلم. *** قال شيخ الإسلام بحر العلوم تقيّ الدين ابن تيمية ﵀ في «القاعدة الشرعية»: - لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يجهر بالبسملة، وليس في الصّحاح ولا في السنن حديثٌ صحيح صريح، والأحاديث الصريحة كلها ضعيفة بل موضوعةٌ. - وقال أيضًا: لم يكن النبي ﷺ يداوم على صلاة الضّحى باتفاق أهل العلم بسنّته، ومن زعم من الفقهاء أن ركعتي الضحى كانتا واجبتين عليه، فقد غلط، والحديث الذي يذكرونه: «ثلاثٌ هنّ عليّ فريضة وهنّ لكم تطوع: الوتر والتحيّة وركعتا الضحى» (١). حديث موضوعٌ. - العارية مضمونة في حال: وهو أنّ الشخص إذا اكترى بهيمة

стр. 2564

وأعارها (١)، ثم تلفت أنه يضمن (٢)، حكاه بعضهم. - حديث: «الحمية رأس الدّواء، وعوّدوا كلّ جسد بما اعتاد». هذا حديث موضوع وليس هو من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من كلام بعض أطباء العرب، وهو الحارث بن كلَدَة. بفتح [اللام] (٣) والدال (٤). - وقد روى عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أحدًا أنزع للآية من كتاب الله من مالك، سأله رجل عن اللعب [ق ٥٢] بالشِّطْرَنج؟ فقال: أمِن (٥) الحقّ هو؟ قال: لا. قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٦) [يونس: ٣٢]. وعن علي ﵁: الشِّطْرنج ميسر العجم (٧). وأنّ ابن عباس ﵁ وليَ مالَ يتيمٍ فأحرقها (٨).

стр. 2565

- وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: رجلٌ صالحٌ ولا يأخذ بالحديث! فقال أبي: لا يقال لهذا صالح ولا كرامة (١). - ذكر إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله: نمرُّ على قوم وهم يلعبون بالنَّرْد والشِّطرنج نُسَلِّم عليهم؟ قال: ما هؤلاء بأهلٍ أن يُسَلَّم عليهم (٢).

стр. 2566

مسألة في باب الصفات هل فيها ناسخ ومنسوخ أم لا ؟

стр. 2567

[ق ١١١] مسألة: في آيات الصفات هل فيها ناسخٌ ومنسوخٌ أم لا؟ وإذا تكلم فيها الإنسان عليه إثمٌ أم لا؟ الجواب: الحمد لله رب العالمين. ليس فيها ناسخٌ ولا منسوخٌ باتفاق المسلمين، وفي سائر ما أخبر الله به عن مخلوقاته، كقَصَص الأنبياء، ومن آمن بهم واتبعهم، وأمثال ذلك من الأخبار. فإن الخبر عن ذلك لو دَخَله نسخٌ لكان كذبًا، والله مُنَزَّه عن ذلك سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. ولكنَّ النسخ يدخل في الأمر والنهي، والخبر الذي في معنى الأمر والنهي، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ونحو ذلك. وأما الخبر الذي هو بمعنى الوعيد كقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فقد تنازع الناس هل يدخل فيه النسخ كما نُقِل عن كثير من السلف والخلف أو (١) لا يدخله كما قاله طائفة من الناس؟ على قولين. ولكن آيات الصفات فيها ما قد يَفْهم بعضُ الجُهّال منه خلافَ مراد الله ورسوله، مثل من يفهم مِنْ قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] أن الله

стр. 2568

ممتزج بالخلق، أو يفهم من: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] أن الله في جوف الأفلاك، أو يفهم من قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أنه مفتقرٌ إلى العرش لحمله، أو يفهم من صفاته ما هو مُماثل لصفات المخلوقين، مثل أن يفهم من قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] أنه كسَمْع المخلوق وبصره، أو في قوله: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (١) [المجادلة: ١٤] أنه غَلَيان دم القلب لطلب الانتقام (٢). وأمثال ذلك مما قد يظنّ بعض الناس أن هذا هو مدلول الخطاب وظاهره. فيجب أن يُنسخ من قلب هذا الجاهل ما ألقى الشيطانُ في نفسه من القول الباطل الذي ظنّ أنّه مدلول كتاب الله، ثم يُبيَّن له أن هذا ليس هو مراد الله من كتابه، ولا هو مدلول خطابه، ولا مدلول هُداه وبيانه. قال الله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] فمن كان في نفسه اعتقاد باطل (٣) من آيات الصفات، وجَبَ أن ينسخَ من قلبه ذلك الاعتقاد الفاسد، ويُبيَّن له أنّ كتابَ الله هدًى وشفاء ونورٌ وبيان، لم يدلّ على ذلك المعنى الفاسد.

стр. 2569

ومن تكلم بآيات الصفات كما جاءت على طريقة سلف الأمة وأئمتها فلا شيء عليه، ومن تكلم فيها بالباطل؛ إما بالتحريف والتعطيل، وإما بالتكييف والتمثيل، فإنه يُنْهى عن ذلك، فإن لم ينته (١) وإلا عوقب (٢) على ذلك حتى ينتهي. إذ الواجب في ذلك أن يُوصفَ الله بما وصف به نفسَه وبما وصفَه به رسولُه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال نُعيم بن حماد الخزاعي: من شبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جَحَد ما وصف الله به نفسَه فقد كفر، وليس ما وصفَ الله به نفسَه ولا رسولُه تشبيهًا (٣). فمذهب السلف بين مذهب الجهمية المعطِّلة النافية للصفات، وبين مذهب الممثِّلة التي تمثِّل الخالق بالمخلوقات. والله تعالى بعثَ رُسُله يخبرون عنه بإثبات مفصَّل ونفي مُجمل، وأعداء الرسل من المتفلسفة ونحوهم يصفونه بنفيٍ مفصَّل وإثبات مجمل. كما أخبر الله في كتابه: أنه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾،

стр. 2570

وأنه ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وأنه ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وأنه ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وأنه ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وأنه كلم موسى تكليمًا، وأنه يحبّ المتقين، ويغْضَب على الكافرين، وأمثال ذلك من آيات الإثبات. وقال تعالى في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] وأمثال ذلك. وأما أعداء الرسل فيقولون: ليس بكذا ولا كذا ولا كذا، ثم يقولون في الإثبات: إنه موجودٌ مطلقٌ لا يتميز عن (١) غيره بصفةٍ ولا نعت، أو ذات بلا صفات. والعقل الصريح يعلم أنّ الوجود المطلق أو الذات المجرَّدة عن الصفات لا حقيقة لها في الخارج عن الذهن، ولا يُتصوّر وجود شيء مطلق، لا آدمي ولا فرس مطلق ولا حيوانٌ مطلق! فمن قال: إنّ الربّ هو وجودٌ مطلق، فقد عَطَّله وأبطل أن يكون موجودًا، وكان في الحقيقة موافقًا لفرعون الذي قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]. وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع (٢)، والله أعلم.

стр. 2571

مسألة: في قول أبي حنيفة في "الفقه الأكبر" في الاستواء

стр. 2572

مسألة: فيمن أورد مسألة من "الفقه الأكبر" (١) لأبي حنيفة ﵀، أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ينفي أنّ الله فوق السموات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دلَّ على أنه نفسَه فوق العرش. فأنكروا عليه وقالوا: هذا كفرٌ. وأيضًا: لا يجوز أن يقال عن الله "نفسه" فيكون تشبيهًا، فهل هو كفرٌ أم لا؟ الجواب: الحمد لله. [ق ١١٢] من كفَّر أبا حنيفة ونحوه من أئمة الإسلام الذين قالوا: إن [الله] فوق العرش، فهو أحقّ بالتكفير؛ فإنَّ أئمة الإسلام الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، ولهم في الأمة لسان صدق من الصحابة والتابعين وتابعيهم، كالخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر [وعثمان] وعلي، وابن مسعود وابن عباس ونحوهم، ومثل سعيد بن

стр. 2573

المسيب والحسن البصري وإبراهيم النَّخَعي وعطاء بن أبي رَباح، ومثل مالك والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وأمثال هؤلاء= من كَفَّرهم فقد خالف إجماع الأمة وفارق دينها، فإنَّ المؤمنين كلهم يعظِّمون هؤلاء ويحسنون القولَ فيهم، وتكفيرُهم هو مِن جنس قول الرافضة الذين يكفِّرون أصحابَ رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا، ومِن جنس الخوارج الذين يكفِّرون عثمان وعلي بن أبي طالب ومَن والاهما من المسلمين، فيقتلون أهل الإسلام ويَدَعون عبَدَة الأوثان. وهؤلاء قد ثبت عن النبي ﷺ الحديث فيهم من غير وجهٍ، قال فيهم: "يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجِرَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهمُ من الرَّميّة، أينما لقيتموهم [فاقتلوهم] فإنّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" (١). وهذا القول المذكور عن أبي حنيفة هو قول سائر أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن سمَّيناهم ومن لم نسمِّهم، كلهم متفقون على أنَّ الله فوق سماواته على عرشه. لم يقل أحدٌ منهم: إن الله بذاته في الأرض، ولا أنه ليس فوق العرش.

стр. 2574

والقرآن والسنة المتواترة قد دلَّت على مثل ما أجمع عليه هؤلاء الأئمة ﵃، والعُقول والفطرة تشهد بذلك؛ فإن الله سبحانه كان قبل أن يخلق السموات والأرض ثم خلقهما، ولا يجوز أن يكون خَلَقهما ثم دخل فيهما؛ فإنه سبحانه مقدَّسٌ عن ذلك. فعُلِمَ أنه خَلَق الخلق ولم يدخل فيهم، بل هو بائنٌ عن الخلق، وهو عليم بأحوالهم، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٥] قال ابن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين أُخِذَ عنهم تفسير القرآن على أن معنى الآية: أنه مع الخلق بعلمٍ وهو فوق العرش، وما خالفهم في ذلك أحدٌ يُحتجُّ بقوله (١). وأمّا قول القائل: لا يجوز أن يقال عن الله: "نفسه" فيكون تشبيهًا. فهذا ضالٌّ مفترٍ، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل؛ فإن الله تعالى قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠] وقال المسيح ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]

стр. 2575

وقد ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "سبحان الله عَدَد خلقه، سبحان الله زِنَة عرشه، سبحان الله رِضا نفسه" (١). وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أحدٌ أحبّ إليه المدح مِن الله، مِن أجل ذلك مدحَ نفسَه" (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣) أيضًا عنه ﷺ أنه كان يقول في سجوده: "اللهم إني أعوذُ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسك". وفي "الصحيحين" (٤) أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله: أنا عند ظنّ عبدي المؤمن، وأنا معه إذا ذَكَرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم، وإن تقرَّبَ إليّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا وإن تقرب إليّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". وفي "صحيح مسلم" (٥) عن أبي ذرّ الغِفاري عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمتُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تَظَالَموا".

стр. 2576

وفي "الصحيحين" (١) عنه ﷺ أنه قال: "لمَّا خلقَ الله الخلقَ كتب كتابًا على نفسه فهو موضوعٌ عنده فوق العرش: أن رحمتي تغلب غضبي". وجاء هذا من أحاديث لا تحصى. [وأمثال ذلك مما لا يحصى وهذا مما اتفق عليه المسلمون] (٢). وقد ذهب طائفةٌ من المنتسبين إلى السنة: أن النفس لله كسائر الصفات الخبرية، والمشهور عند أهل السنة وجمهور الناس: [أن] نفسَه هو سبحانه، فإذا قال: (الاستواء) دلّ على أنه نفسَه فوق العرش، فلم يُرِد بهذا (٣) اللفظ معنًى آخر بل هو سبحانه نفسه، والعرب تقول: رأيت فلانًا نفسَه، وفلانًا عينهَ، فيكون ذلك توكيدًا له، أي رأيته هو ولم أر غيره. فإذا قال: "على أنه نفسَه فوق العرش" كان توكيدًا للكلام، أي هو فوق العرش ليس الذي فوق [ق ١١٣] العرش غيرُه. وهذا لا ينازع فيه مسلم، فمتى قال: "إن الله فوق العرش" [أراد] أنه نفسه فوق العرش، لم يقل: إن الذي فوق العرش شيء غيره. وقد قال : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ

стр. 2577

اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] والذي خلق السموات هو الذي استوى على العرش، والذي خلق هو نفسُه، والذي استوى هو نفسُه. وقد ذكر غيرُ واحدٍ إجماعَ أهل السنة والجماعة على أنّ الله نفسه استوى على عرشه موافقًا لما قاله أبو حنيفة. ومَنْ (١) ينازع في ذلك وزعم أن محمدًا ﷺ لم يعرج به إلى ربه، وزعم أنه ليس فوق السموات ربٌّ يُعبَد، ولا إله يُصلَّى له ويُسْجَد، وأنه ليس هناك إلا العدم المحض والنفي الصِّرْف. وهذا قول الجهمية الضالة الذين يؤول قولهم إلى جَحْد الصانع وإنكار الخالق. تعالى الله عما يقول الظالمون عُلوًّا كبيرًا. وأما قول الجاهل: إن هذا تشبيه. فيقال له: التشبيه المنفيّ عن الله ليس هو بالموافقة في الأسماء، فإن الله تعالى قد سمى نفسه وسمى بعض عباده فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وسمى نفسه: سميعًا بصيرًا، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ (٢) ... سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] وسمى الإنسان: سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] وسمى نفسه

стр. 2578

بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] وسمى نبيه ﷺ بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] [وكذلك سمى نفسه عليمًا حليمًا] وسمى بعضَ [عبادِه] (١) بالعليم وبالحليم كما قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] وفي موضع: ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] وسمى نفسه الملك فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] وسمى بعض خلقه بالملك فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] وسمى نفسه بـ ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] وسمى بعض خلقه العزيز: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١] وسمى نفسه بـ (المؤمن)، وسمى بعض خلقه بالمؤمن، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ [غافر: ٢٨] وأمثال هذا. ومعلومٌ أن هذا باتفاق المسلمين لا يقتضي أن يكون مثل خلقه؛ لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]،

стр. 2579

﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] فإذا كانت هذه الأسماء دالة على الصفات لا توجب ما يُنفى عنه من التشبيه بخلقه، فكيف اسم "النفس" يوجب التشبيه المنفي عنه!؟ وليس في هذا الاسم من الدلالة (١) على الصفات ما في تلك الأسماء؛ فإن هذا الاسم يقال لكلِّ موجود، لو قال: هذا الكون نفسه، وهذا الكوكب نفسه، وهذا الإنسان نفسه، فهو بمنزلة الذات والشيء ونحو ذلك من الأسماء العامة. ومعلومٌ أن التشبيه بالأسماء التي تكون لبعض الأحياء أولى منه بالأسماء العامة التي تُطلق على كلِّ شيء، فإذا كانت الأسماء الخاصة لا يقع بالموافقة فيها من التشبيه ما يجب نفيه عن الله تعالى، فكيف بالأسماء العامة؟ والمسلمون نفوا التشبيه عن الله، مثل الشيء يجوز عليه [ما يجوز عليه]، ويجب له ما (٢) يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه؛ فلو كان لله مِثْلٌ للزم أن يجب لكلٍّ منهما القِدَم والحدوث والإمكان والوجوب والعدم، وذلك جمعٌ بين النقيضين وهو (٣) محال. فوجب نفي التشبيه عن الله لأنه محالٌ في العقل، والله قد تنزَّه عنه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]

стр. 2580

وأما التشبيه بأسمائه التي سمى بها نفسه، وإن تسمَّى بها بعض (١) المخلوقين، فهذا ليس بمحال في شرع ولا عقل. ومن قال: إنّ هذا تشبيهٌ يجبُ نفيه عن الله؛ فهو كاذبٌ مفترٍ ضالٌ باتفاق سلف الأمة وأئمتها. والله أعلم.

стр. 2581

مسألة في العلو

стр. 2582

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ صورة فتيا سُئل عنها شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية الحراني ﵁: ما تقول السادة أئمة الدين في رجلَين اختصما على مسألة العلو، قال أحدهما: إن الله فوق العرش. وقال الآخر: مَن قال: إنّ الله في السماء، فقد كَفَر. بينوا لنا الصواب مع مَن هو؟ بكلام بسيط مفسّر بحجج وأدلة، وماذا يجب على كل واحدٍ منهما؟ الجواب يرحمكم الله. الجواب: نقله الإمام شمس الدين محمد بن المحب من خط الشيخ تقي الدين (١). الحمد لله. أما القائل الأول فقد أصاب فيما قال، ولا إنكار عليه باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد، وشيوخ المسلمين، كالفُضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني والجُنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التُّسْتَري وغيرهم. اللهم إلا أن يقرن (٢) بذلك مِنَ الاعتقاد أو القول ما لا يجوز؛ مثل

стр. 2583

أن يعتقد أن الله مفتقر (١) إلى العرش ومحتاج إليه، أو يُمثِّل استواءَه باستواء المخلوقين، فمن قال ما يوجب افتقار الله إلى شيء من المخلوقات، فهو ضالٌّ مخطئ مخالفٌ للشرع والعقل. والله قد خلق المخلوقات وجعل بعضَها فوق بعضٍ [ق ١١٤] ولم يجعل عاليها مفتقرًا إلى سافلها، فإنه خلق السماء فوق الأرض، وليست السماء مفتقرة إلى الأرض، وخلق العرش فوق السموات، وليس هو مفتقرًا (٢) إلى السموات، بل جعل العرش فوق الجنة كما ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سألتم (٣) الله فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن" (٤). فكيف يكون ربّ السموات ورب الأرض ربّ العرش مفتقرًا إلى العرش أو إلى السموات؟ بل قد جاء في الحديث: إن الله لما خلق العرش وأمر الملائكة بحمله، قالوا: ربنا كيف نحمل عرشَك وعليه عَظَمَتُك؟ فأمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فأطاقوا حمل العرش (٥).

стр. 2584

فالملائكة الذين أخبر الله عنهم أنهم يحملون العرش، كما قال : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وهم لا يطيقون حمله إلا بقوة الله ، فهو سبحانه ربُّ كلّ شيء ومليكُه وخالقُه، وكلُّ ما سواه ــ العرش (١) فما دونه ــ مفتقر إليه. وهو سبحانه القيّوم الصمد، الغني (٢) عن كلِّ ما سواه مع أنه بائنٌ عن مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، بل هو فوق (٣) سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه. ولذلك من قال: إن استواءه على العرش كاستواء المخلوق على المخلوق، فإنه بمنزلة من يقول: إن سمعه كسمع المخلوق، وبصره كبصر المخلوق، وكلامه مثل كلام المخلوق، ويده مثل يد المخلوق. وهذا كلام أهل التشبيه والتمثيل، ومن يقوله (٤) أهل الأباطيل. وأما الذي قال: من قال: "إن الله في السماء" فقد كفر. فقد أخطأ بإجماع سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم متفقون على أنه لا يُكَفَّر أحدٌ بإطلاق هذا القول. فإن هذا قد ثبت إطلاقه في الكتاب والسنة، واتفق على ذلك

стр. 2585

سلف الأمة، قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] وقد ثبت في الصحيح والسنن أن النبي ﷺ قال للجارية: "أين الله"؟ قالت: في السماء، قال: "مَنْ أنا"؟ قالت: رسول الله. قال: "أعتِقْها فإنها مؤمنة" (١). فالنبي ﷺ لما قالت الجارية (٢): "إن الله في السماء"، شهد لها بالإيمان؛ فمَنْ شهد لقائل ذلك بالكفر، فقد شاقّ الرسولَ مِنْ بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣) [النساء: ١١٥]. وثبت عنه في "الصحيح" (٤) أنه قال: "ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء". وصحّ عنه أنه قال: "الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء" (٥). ونظائر هذا كثير.

стр. 2586

ولكن إن كان مَن قال: "إن الله في السماء"، ويَقْرِن (١) بذلك اعتقادًا فاسدًا أو قولًا باطلًا أنكر ذلك (٢)، مثل أن يظن أن معنى ذلك أن الله في السماء كما أن الشمسَ والقمر في السماء والأفلاك تحيط به وتحوزه (٣)، فمن اعتقد أن معنى قول الله ورسوله والمؤمنين: "إن الله في السماء" أنه في جوف الأفلاك= فهو ضالٌّ مخطئٌ؛ فإنه قد ثبت بالمنصوص والمعقول أن الله فوق العرش، فكيف تكون السماء التي تحت العرش تحيط به وتحويه؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يهزهنَّ ويقول: أنا الملك أنا الملك أين ملوك الأرض؟ " (٤). وفي رواية: " أنه يدحوها كما تُدْحى الكُرة" (٥). وقال ابن عباس ﵄: ما السموات السبع والأرضون

стр. 2587

السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلةٍ في يد أحدكم (١). وقد قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: لا يُثْقِله ولا يُكْرِثُه (٢). فإذا كان الكرسيُّ قد وَسِع السموات والأرض ــ وقد جاء في الحديث: أن الكرسي في العرش كحَلْقةٍ ملقاةٍ بأرض فلاة، والله فوق العرش (٣) ــ فكيف تحويه السموات وتحصره وتحوزه!؟ وقد قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وقال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] ومع هذا فهؤلاء ليسوا في جوف الأرض ولا جوف الجذوع، بل هم عليها وفوقها. ولفظ "السماء" يراد به العلوّ مطلقًا، ويراد به الأجسام المخلوقة، والله تعالى فوق المخلوقات. فقول المسلمين (٤): "إن الله في السماء"، أي في العلوّ فوق العرش، ليس معناه أن المخلوقات تحوزه وتحيط به، بل هو العليُّ الأعلى، وهو العليّ العظيم، وهو أعظم من كل شيء، وأكبر

стр. 2588

من كل شيء، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. ومن كَفَّر مَن قال: "إن الله في السماء" من غير أن يقرن هذا القائل بقوله كفرًا؛ فهذا المكفِّر أحقّ بالتكفير؛ فقد نصَّ الأئمةُ الكبار على كفر من أنكر ذلك، كما قد نصّ على ذلك أبو (١) حنيفة في كتاب "الفقه الأكبر" (٢)، وقال: "من أنكر أن الله في السماء فقد كفر". وقال الإمام أبو بكر بن خزيمة ــ وهو أجَلُّ من يَعْتَمد عليه أصحابُ الشافعي في السنّة والحديث ــ قال: من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل، وألقي على مزبلةٍ؛ لئلا يتأذَّى بِنَتَن رِيحِه أهلُ القبلة ولا أهلُ الذمة (٣). وكلامُ السلف والأئمة في تكفير من ينكر أن الله فوقَ العرش ونحو ذلك، كثير مشهورٌ منتشر، ولم ينكر أحدٌ منهم ذلك فضلًا عن تكفير قائله. لكن إذا كان المُنكِر لذلك أو المكفِّر لقائله ممن يُعذَر بالجهل لعدم علمه بما في ذلك من النصوص والإجماع وكلام السلف والأئمة، أو كونه ظنّ أن ذلك يقتضي نقصًا في حق الله لاحتياجه إلى المخلوقات،

стр. 2589

وكونها أعظم منه وأكبر ونحو ذلك، فلا يكَفَّر مثل هذا حتى تُبيَّن له الحُجّة التي يَكْفُر مخالفها، فإنّ المسلم قد يخطئ ويغلط في فهم القرآن والسنة، أو في إنكار ما لم يبلغه من ذلك، وليس كلُّ من أخطأ وغلط بكافرٍ. والله سبحانه أعلم. صورة خطه ﵁: كتبه أحمد بن تيمية

стр. 2590

٣٦ معنى حديث: «من تقرَّب إليَّ شِبرًا ... »

стр. 2591

وأما قوله ﷺ فيما يروي عن ربّه: «من تقرّب إليَّ شِبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (١). فجوابه من وجوه (٢): أحدها: أن يُعلَم (٣) أولًا أنّ هذا الحديث ليس فيه إخبارٌ مطلق عن الله بمشيٍ وهرولةٍ، وإنما هو معلّقٌ بفعل العبد، مذكورٌ على سبيل الجزاء والمقابلة، فقال: «من تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». فتقرُّب العبد إلى ربّه [لو كان] (٤) مقدّرًا بالمساحة متضمِّنًا للمشي، أمكن أن يقول القائل: فظاهر هذا الحديث أن تقرّب الرّب كذلك، وإن كان العبد يعلم أن تقرّبه إنما هو [بإيمانه] (٥)، وعمله الصالح، فكيف يظنّ في تقرّب الربّ ما لا يظنه في تقرّبه بنفسه؟! والغرض اقتراب أحد المتقرّبين بالآخر، أو ذِكْره لأحدهما على

стр. 2592

سبيل الجزاء على الآخر والثواب له، وأن الأول شرطٌ لغوي (١)، وهو سبب معنوي، والمسبّب من جنس السبب. فهذا التركيب والتأليف يوجب أن لا (٢) يدلّ الثاني ولا يُفْهِم ما يُعْلَم أنّ الأوّل لم يدلّ عليه ولم يُفْهِمه. فكيف يُظنّ أن يكون ظاهر ما حكاه عن ربّه هو ما يُنزِّه نفسَه عنه؟! الوجه الثاني: أنا نحن فقد (٣) قدّمنا (٤) تقرُّب الله من عبده وقربه منه، وأن ذلك جائز عند السلف وأكثر الخلف من أهل الحديث والفقهاء ومتكلِّميهم، والأشعري وغيرهم (٥)، وذكرنا بعض الألفاظ في ذلك، وإتيانه ومجيئه ونزوله ودنوّه وغير ذلك، فلم يكن القُرْب عليه ممتنعًا، [وهو] (٦) عندهم في الجملة حقّ. وإذا كان كذلك سلكوا الجوابَ المركَّب، فقالوا: أيّ نصّ فُرِض، فإما أن يكون (٧) ظاهره يدلّ على القرب، أو لا يكون ظاهره يدلّ على

стр. 2593

القرب، فإن كان الأول، لم يكن حَمْله على ظاهره ممتنعًا، ولم يكن صَرْفه واجبًا. وإن كان ظاهره لا يدلّ على قربه بنفسه، لم يكن أيضًا محتاجًا إلى الصرف عن الظاهر الذي يسمونه: التأويل، فلا يَرِد عليهم نقض (١) على التقديرين. فيقال: هذا الحديث إن كان ظاهره قُرْب الرّب بنفسه، فذاك ممكن، فإن لم يكن هذا ظاهره، فلا حاجة إلى صرفه عن ظاهره. ثم كثير منهم يقولون: ليس ظاهره القرب بنفسه، وإنما هو مَثَلٌ ضربه؛ لأن (٢) جزاءه أعظم من عمل العبد. وأخرج ذلك على وجه المقابلة فقال: «من تقرَّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا» والذراعُ ضِعْف الشّبْر. «ومن تقرّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا» والباع ضعف الذراع. «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» والهرولة ضعف المشي. قالوا: ومعلومٌ أنَّ إتيان العبدِ ربَّه وتقرّبه إليه لا يحتاج إلى مشيه، فقد يكون بإيمانٍ وعِلْم. وهذا قول كثير ممن يفرّ عن هذا الحديث، ويقول: هذا الحديث معناه ظاهر ليس من أحاديث الصفات. ومنهم من يخالف هؤلاء (٣).

стр. 2594

ومن أهل العلم والكلام الناصرين للسنة من يقول في هذا الحديث ونحوه: إنه مصروفٌ عن ظاهره، كما ذكره عبد العزيز المكي في «الرد على الجهمية الزنادقة» (١). قال عبد العزيز: باب الأحاديث التي نزعوها من القرآن وجهلوا معناها. فمن ذلك ما رُوي عن النبي ﷺ مما حُمِل على أليق المعاني به، ولم يُحْمَل على ظاهره: قوله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٢)، قال: فلم يُحْمَل على ظاهره؛ لأن العرب تَعْقل أنَّ الفراشَ لا ولد له ولا والد، لكن المعنى فيه عندنا (٣): أن الولد لصاحب الفراش، لا يشكّ فيه أحدٌ. ومثله ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: لو أتاني عبدي بقراب الأرض خطيئة أتيته بقرابها ــ أي ملئها ــ مغفرة ما لم يشرك بي شيئًا، ومن دنى منِّي شبرًا دنوت منه ذراعًا، ومن دنا مني ذراعًا دنوت منها باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٤). فعقلوا ما خاطبهم به النبي ﷺ : أنّ العبد لا يمشي إلى ربّه، وربّه لا يهرول إليه، وإنما أريد بذلك:

стр. 2595

من دنا منّي بالعمل الصالح بقدر شبرٍ أتيته بالثواب قدر ذراع، والذراع أكثر من الشبر وكذلك من الباع. وقال: «من أتاني يمشي»، يقول: يسارع إليّ بالعمل الصالح، أسرعتُ إليه بالثواب. يريد بالهرولة الثواب، لا أن الهرولة أسرع من المشي، يقول: ثوابي أكثر من عمله. فهذا مما لا يُحْمَل على ظاهره وما كان مثله؛ فمن الحديث ما يكون معناه في باطنه، ومنه ما يكون معناه في ظاهره. فهذا الذي قاله في معناه تقوله طائفةٌ من الناس وتُنازِعُهم فيه طوائف، فيجعلون معنى الحديث قدرًا زائدًا على الثواب، كما تقدم في القُرْب. وأما كون ذلك وَفْق الظاهر أو خلاف الظاهر ففيه أيضًا نزاع، كما تنازعوا في أن ما ظهر معناه في العقل هل يقال: إنه خلاف الظاهر؟ كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، كما ظهر معناه بالتركيب والسياق. كذلك ما ذكره من حديث الفراش، فإنه قد ثبت في «الصحيح»: «الولد لصاحب الفراش» (١)، وأحد اللفظين يفسّر الآخر، والمعنى من الحديث ظاهر، بل نصٌّ لا يحتمل معنيين، ولكن بعض الفقهاء اعتقد أن الفراش اسم للزوج خاصة، حتى أخرجَ السيدَ المتسرّي، وجمهور
следующие страницы →