← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وأما قوله ﷺ فيما يروي عن ربّه: «من تقرّب إليَّ شِبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (١). فجوابه من وجوه (٢): أحدها: أن يُعلَم (٣) أولًا أنّ هذا الحديث ليس فيه إخبارٌ مطلق عن الله بمشيٍ وهرولةٍ، وإنما هو معلّقٌ بفعل العبد، مذكورٌ على سبيل الجزاء والمقابلة، فقال: «من تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». فتقرُّب العبد إلى ربّه [لو كان] (٤) مقدّرًا بالمساحة متضمِّنًا للمشي، أمكن أن يقول القائل: فظاهر هذا الحديث أن تقرّب الرّب كذلك، وإن كان العبد يعلم أن تقرّبه إنما هو [بإيمانه] (٥)، وعمله الصالح، فكيف يظنّ في تقرّب الربّ ما لا يظنه في تقرّبه بنفسه؟! والغرض اقتراب أحد المتقرّبين بالآخر، أو ذِكْره لأحدهما على

стр. 2592

سبيل الجزاء على الآخر والثواب له، وأن الأول شرطٌ لغوي (١)، وهو سبب معنوي، والمسبّب من جنس السبب. فهذا التركيب والتأليف يوجب أن لا (٢) يدلّ الثاني ولا يُفْهِم ما يُعْلَم أنّ الأوّل لم يدلّ عليه ولم يُفْهِمه. فكيف يُظنّ أن يكون ظاهر ما حكاه عن ربّه هو ما يُنزِّه نفسَه عنه؟! الوجه الثاني: أنا نحن فقد (٣) قدّمنا (٤) تقرُّب الله من عبده وقربه منه، وأن ذلك جائز عند السلف وأكثر الخلف من أهل الحديث والفقهاء ومتكلِّميهم، والأشعري وغيرهم (٥)، وذكرنا بعض الألفاظ في ذلك، وإتيانه ومجيئه ونزوله ودنوّه وغير ذلك، فلم يكن القُرْب عليه ممتنعًا، [وهو] (٦) عندهم في الجملة حقّ. وإذا كان كذلك سلكوا الجوابَ المركَّب، فقالوا: أيّ نصّ فُرِض، فإما أن يكون (٧) ظاهره يدلّ على القرب، أو لا يكون ظاهره يدلّ على

стр. 2593

القرب، فإن كان الأول، لم يكن حَمْله على ظاهره ممتنعًا، ولم يكن صَرْفه واجبًا. وإن كان ظاهره لا يدلّ على قربه بنفسه، لم يكن أيضًا محتاجًا إلى الصرف عن الظاهر الذي يسمونه: التأويل، فلا يَرِد عليهم نقض (١) على التقديرين. فيقال: هذا الحديث إن كان ظاهره قُرْب الرّب بنفسه، فذاك ممكن، فإن لم يكن هذا ظاهره، فلا حاجة إلى صرفه عن ظاهره. ثم كثير منهم يقولون: ليس ظاهره القرب بنفسه، وإنما هو مَثَلٌ ضربه؛ لأن (٢) جزاءه أعظم من عمل العبد. وأخرج ذلك على وجه المقابلة فقال: «من تقرَّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا» والذراعُ ضِعْف الشّبْر. «ومن تقرّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا» والباع ضعف الذراع. «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» والهرولة ضعف المشي. قالوا: ومعلومٌ أنَّ إتيان العبدِ ربَّه وتقرّبه إليه لا يحتاج إلى مشيه، فقد يكون بإيمانٍ وعِلْم. وهذا قول كثير ممن يفرّ عن هذا الحديث، ويقول: هذا الحديث معناه ظاهر ليس من أحاديث الصفات. ومنهم من يخالف هؤلاء (٣).

стр. 2594

ومن أهل العلم والكلام الناصرين للسنة من يقول في هذا الحديث ونحوه: إنه مصروفٌ عن ظاهره، كما ذكره عبد العزيز المكي في «الرد على الجهمية الزنادقة» (١). قال عبد العزيز: باب الأحاديث التي نزعوها من القرآن وجهلوا معناها. فمن ذلك ما رُوي عن النبي ﷺ مما حُمِل على أليق المعاني به، ولم يُحْمَل على ظاهره: قوله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٢)، قال: فلم يُحْمَل على ظاهره؛ لأن العرب تَعْقل أنَّ الفراشَ لا ولد له ولا والد، لكن المعنى فيه عندنا (٣): أن الولد لصاحب الفراش، لا يشكّ فيه أحدٌ. ومثله ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: لو أتاني عبدي بقراب الأرض خطيئة أتيته بقرابها ــ أي ملئها ــ مغفرة ما لم يشرك بي شيئًا، ومن دنى منِّي شبرًا دنوت منه ذراعًا، ومن دنا مني ذراعًا دنوت منها باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٤). فعقلوا ما خاطبهم به النبي ﷺ : أنّ العبد لا يمشي إلى ربّه، وربّه لا يهرول إليه، وإنما أريد بذلك:

стр. 2595

من دنا منّي بالعمل الصالح بقدر شبرٍ أتيته بالثواب قدر ذراع، والذراع أكثر من الشبر وكذلك من الباع. وقال: «من أتاني يمشي»، يقول: يسارع إليّ بالعمل الصالح، أسرعتُ إليه بالثواب. يريد بالهرولة الثواب، لا أن الهرولة أسرع من المشي، يقول: ثوابي أكثر من عمله. فهذا مما لا يُحْمَل على ظاهره وما كان مثله؛ فمن الحديث ما يكون معناه في باطنه، ومنه ما يكون معناه في ظاهره. فهذا الذي قاله في معناه تقوله طائفةٌ من الناس وتُنازِعُهم فيه طوائف، فيجعلون معنى الحديث قدرًا زائدًا على الثواب، كما تقدم في القُرْب. وأما كون ذلك وَفْق الظاهر أو خلاف الظاهر ففيه أيضًا نزاع، كما تنازعوا في أن ما ظهر معناه في العقل هل يقال: إنه خلاف الظاهر؟ كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، كما ظهر معناه بالتركيب والسياق. كذلك ما ذكره من حديث الفراش، فإنه قد ثبت في «الصحيح»: «الولد لصاحب الفراش» (١)، وأحد اللفظين يفسّر الآخر، والمعنى من الحديث ظاهر، بل نصٌّ لا يحتمل معنيين، ولكن بعض الفقهاء اعتقد أن الفراش اسم للزوج خاصة، حتى أخرجَ السيدَ المتسرّي، وجمهور

стр. 2596

الفقهاء على العموم لهما، كما جاء ذلك منصوصًا في تنازع سعد بن أبي وقاص وعَبْد بن زَمْعة في ابن وليدة زمعة، فأشهر الأحاديث وأصحها التي قال فيها النبي ﷺ : «الولد للفراش»، كان في سيّدٍ واطئ وليدةٍ لا في زوج، فلا يجوز إخراج ذلك من الحديث. ولكن وجه دلالة اللفظ على المعنى هل هو من باب حذف المضاف أو من باب الاستعارة وتسمية صاحب الفراش: فراشًا، كما تسمى المرأة: إزارًا، ويسمى كلٌّ من الزوجين لباسًا للآخر؟ أو أن تكون الإضافة على ظاهره، وإضافته إلى الفراش تقتضي أن يكون لصاحبها؟ هذه الأمور مما تكلم الناس فيها من غير أن يكون ظاهر الحديث الذي يظهر للمستمعين: أنّ الفراشَ وَلَدت الولدَ. وفي الجملة فتَنازُع الناس في مثل هذه المعاني هل هو مخالفٌ للظاهر أو موافقُه معروف؟ فإن كانت مخالفة للظاهر، فلا بدَّ أن يكون في الأدلة الشرعية ما يدلُّ على المعنى الصحيح. وقد قدمنا غير مرة: أن ما تُرِكَ ظاهرُه من القرآن والحديث بقرآنٍ أو حديثٍ، فهذا مما لا (١) نزاع فيه، وهو مما تسميه السلف: الناسخ والمنسوخ، فهذا هذا. والله أعلم. ***

стр. 2597

قال الناسخ: نُقِل من خط الشيخ الإمام شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين أحمد ابن تيمية بحضور ترجمانه ولسان قلمه: الشيخ شمس الدين أبي عبد الله بن رُشَيِّق (١)، والمقابلة عليه وهو مُمْسِك بأصل الشيخ ﵀، والشيخ سليمان يقرأ، وذلك في ثالث شهر جمادى الأولى من شهور سنة ست وثلاثين وسبعمائة.

стр. 2598

مسألة في إثبات التوحيد والنبوات بالنقل الصحيح والعقل الصريح

стр. 2599

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ﵀ ورضي عنه عن العقل قبل ورود الشرائع (١)، هل هو حجة أم لا؟ وإذا لم يكن حجة فبم تثبت النبوات؟ وبم استدل إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾؟ فأجاب عنه: الحمد لله رب العالمين. العقلُ يُراد به الغريزة التي جعلها الله في الإنسان، ويراد به العلوم والأعمال التي تُستفاد بهذه الغريزة. والعقل شرطٌ في الإيمان بالله ومعرفة كتبه ورسله، لا يحصل العلم والإيمان بدون العقل، ولكن الحجة التي يعذّب الله من خالفها تثبتُ بالرسل، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]. فقد أخبر تعالى أن كلَّ مَن ألقي في النار جاءه نذير.

стр. 2600

والرسُل صلوات الله عليهم وسلامه إذا بلّغوا الناسَ رسالات ربهم، فإنه بما جعل الله (١) في الناس من العقول، وبما أُتوا به من الآيات يُعرف صدق الرسل ويحصل الإيمان بهم (٢)، وبمجرّد العقل قد يعرف الإنسان أن له خالقًا، ويعرف بعضَ صفاته، وأما التفاصيل التي جاءت بها الرسل فلا تُعرف إلا من جهتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]. ومحمد صلوات الله عليه وسلامه كان أكمل الناس عقلًا، وكان مُقرًّا بربه قبل النبوّة، ومع هذا فقد قال: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، وقال الله تعالى له: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وهو الإيمان بالغيب الذي جاء به جبريل ﵇، الذي لم يكن يعرفه قبل هذا. و تعريف الرسل على وجهين: تارة تُنبّه القلوب وترشدها وتذكّرها بما فيها، فيعلم الإنسان بعقله ونظره واستدلاله الذي دلَّه عليه الرسول وأرشده إليه ما أخبره به الرسول، ولا يكون في هذا مقلِّدًا للمخبر ولا

стр. 2601

مستفيدًا له بمجرد خبره، بل بالنظر والاستدلال العقلي الذي أرشده إليه الرسول، كما بيَّن الله تعالى في القرآن الدلائل الدالة على وحدانيته، وصِدْق رُسله، وإمكان المعاد، وإثبات [ق ١٨٣] صفاته. والرسل صلوات الله عليهم وسلامه لمَّا جاءوا بالآيات والبراهين عُرِف صدقهم بالنظر والاستدلال بالعقل. والتعريف الثاني: أن تخبرهم الرسل بما (١) لا تهتدي إليه عقولُهم، بهذا يعرفونه بإخبار الرسول؛ لكونهم استدلوا بالعقل على صدق الرسول بالآيات الدالة على صدقه (٢). وإبراهيم ﵊ وغيره من الأنبياء والرسل استدلوا بالدلائل العقلية والبراهين اليقينية، وكانوا مرشدين للناس إلى الاستدلال بها، وهو الطريق الأول من طريق تعريف الرسل ﵈. فقول القائل في العقل: هل هو حجة؟ إن أراد به هل يُعْرف بالعقل شيءٌ من العلوم الإلهية وغيرها بدون الرسل، فلا ريبَ أن العقول يُعرَف بها كثير من العلوم مع قطع النظر عن الشرائع. وإن أراد به هل تقوم الحجة على العباد بمجرّد عقولهم، فيعاقبهم الله على كفرهم لمخالفتهم مجرّد العقل، من غير أن يبعث الله إليهم رسولًا؟ فالذي عليه جمهور المسلمين: أن الله تعالى لا يعذِّب أحدًا

стр. 2602

حتى يبعث إليه رسولًا، كما نطق بذلك الكتاب والسنة. وإذا جاء الرسول بالآيات ثبتَ الوجوب، ولزم العباد أن يؤمنوا به، واستحقّوا الذمَّ والعقاب إذا لم يؤمنوا، سواء نظروا أو لم ينظروا، فالوجوب لا يتوقف على النظر باتفاق الناس، وشرط العقاب التمكّن من العلم والعمل. والعبد متمكِّن من معرفة صدق الرسول، فإذا لم ينظر ولم يعلم كان مفرّطًا مستحقًّا للعقاب. وقول السائل: بِمَ تثبت النبوات؟ فثبوتها في نفس الأمر بإنباء الله للأنبياء وإرساله الرسل. وأما ثبوتها في أنفسنا وعلمنا بها بالآيات والبراهين التي جاءت بها الأنبياء ﵈، فاستدللنا بعقولنا بتلك الأدلة والآيات على صدقهم، كما يُستدلّ بكلّ دليل صحيح على مدلوله. وقوله: بِمَ استدل به إبراهيم ﵇؟ فيقال: استدلّ بالأدلة العقلية، لكنه استدلَّ بالأفول ــ الذي هو الاحتجاب والمغيب ــ على أنَّ مَنْ كان كذلك لا يصلح أن يُتخذ ربًّا، فإن قومَه كانوا يعبدون الكواكب والأصنام لظنهم أن ذلك ينفعهم، وكانوا يشركون بالله، ولم يكونوا منكرين للصانع. ولا أراد إبراهيم بقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أنّ هذا خالق السموات والأرض؛ فإن هذا لا يقوله عاقلٌ، ولم يقله أحدٌ من بني آدم، ولا استدلّ بالحركة والانتقال على انتفاء هذا المطلوب، بل ما زال الكوكب من

стр. 2603

حين رآه إلى أن أفل سائرًا وهو لا يستدل بحركته على شيء، وإنما استدل بالأفول والاحتجاب. وكان الواحد منهم يتخذ له كوكبًا يعبده يستجلب بذلك نَفْعَه، وكانت الشياطين تتنزَّلُ عليهم وتخاطبهم، كما يحصل لأهل دعوة الكواكب. فبيَّن الخليلُ ﵇ أنّ المعبود الذي يستحقّ العبادة هو الذي يكون حيًّا قيّومًا عالمًا قادرًا مُدبّرًا لعباده في كلّ وقت، فإنه لا يُستغنى عنه في وقت من الأوقات، والآفل المُحْتجب الذي ليس بشهيدٍ على عابده، ولا بسميعٍ لأقواله، ولا قادرٍ على تدبيره= لا يصلح لذلك. فهذا ونحوه وجه حجة إبراهيم. ولهذا لمَّا حاجّه قومُه قال: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٨].

стр. 2604

وإنما حاجَّه إبراهيم بالدليل والنظر والعقل لا بمجرّد الخبر السمعي، ولا يقول عاقل: إنه يُعْلَم بخبر المخبر ما يُخْبِر به قبل أن يُعْلَم أنه صادقٌ في خبره، ولكن كثير من النظَّار يظنون أنّ الاستدلال بالكتاب والسنة، والاستدلال بسائر كلام الأنبياء إنما هو بمجرَّد خبرهم، قالوا: فلا بدّ أن نثبت بالأدلة العقلية قبل ذلك أنهم صادقون، وهذا كلام صحيح، لكنهم غلطوا من وجهين: أحدهما: ظنهم أنّ الرسل لم تبيِّن للناس من الأدلة العقلية ما يعرفون به إثبات الصانع، وصِدْق رسله. وهذا غلطٌ عظيم، فإنّ الرسول إذا دعا قومًا إلى الله، فلا تتم دعوته إلا بأن يُبين ما يُعرف به صدقُه، ولا يُعرف صدقه إلا بأن يعرف الصانع، وتقوم الآيات على صدق رسله، فكيف يتوهّم أن الرسل إنما قادوا الناس بمجرّد أخبارٍ لا دليل على صدقها! وهل يَظنُّ هذا بالرسل إلا من هو مُفْرِطٌ في الجهل، بل الرسل بينوا للناس ما يُعرِّف صدقَهم، والقرآن مملوء من البراهين والآيات الدالة على صدق الرسل، بل وعلى إثبات الصانع، وقدرته وعلمه ووحدانيته وسائر المقدّمات التي يُظنّ أنّ العلم بصدق الرسول موقوفٌ عليها. الوجه الثاني: أن هؤلاء سلكوا في إثبات الصانع وتصديق الرسول طرقًا مُبتدعَة ليست هي الطرق التي جاءت بها الأنبياء، فكانت تلك الطرق مبتدعَة في الدين ليست هي طرق المرسلين التي علموها للناس ودعوهم بها.

стр. 2605

ثم إنّ تلك الطرق البدعيّة لها لوازم، فاحتاج من استدلّ بها أن يلتزمَ لوازمَها، فإنّ ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع. وكانت لها لوازم تُناقض كثيرًا مما جاء به الرسول، فصار هؤلاء يريدون إثبات صدق [ق ١٨٤] الرسول بما يستلزم تكذيبَ الرسول. وصار كثير من الناس الذين عرفوا أنَّ طرقَهم طرقٌ مبتدعَة في الشرع، يعتقدون أنها مع ذلك طرق صحيحة تُعرف صحتها بالعقل، وإن لم تكن طرقًا شرعية. ورأوا معارضتها لكثير مما أخبر به الرسول، فصاروا حائرين إن أبطلوا (١) تلك الطرق ظنوا أنهم أبطلوا الأصول العقلية التي ثبت بها صدق الرسول، وإن صحَّحوها لزمهم تكذيب كثير مما جاء به الرسول. فمن صحح تلك الطرق التزم إما تحريف ما جاء به الرسول، وإما الإعراض عن تدبّره وفهمه. وأما من كان له خبرة بحقائق تلك الطرق المبتَدَعَة (٢)، فإنه علم أنها ــ كما هي بدعة في الشرع فهي باطلة ــ ليست أصولًا للعلم بما جاء به الرسول، بل هي مناقضة لما جاء به الرسول، مع مناقضتها لصريح المعقول، وهم زعموا أنهم أثبتوا بها أنّ الله خالق لهذا العالم، وأنه قادرٌ عالمٌ، وأنه متكلمٌ، فيكون إرساله للرسول ممكِنًا مقدورًا. ومن كان له خبرة بحقائق الصفات علم أن العلم بكون الرب خالقًا

стр. 2606

لهذا العالم، وأنه قادرٌ عالم متكلمٌ منزلٌ للقرآن مرسل للرسول، إمّا (١) ثبت بإبطال هذه الأصول المبتدَعَة، وإما بإبطال اعتقاد صحتها، فإنه مناقضٌ للعلم الذي هو أصول الدين، التي بها يُعلم صدق الرسول. وهذه الجملة لها تفصيل مبسوطٌ في غير هذا الموضع. والله أعلم.

стр. 2607

قاعدة مختصرة في الحُسْن والقُبْح العقليين

стр. 2608

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ وهو حسبي الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضْلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. فصل في الحكم العقلي فالأفعال إما شرعيّة وإما عقليّة، لكنَّ العقل كاشفٌ لحكمها لا مثبت له، والشارع مثبتٌ وكاشف. ومن الناس من يقول: بل هو مثبت فقط، ومنهم من يقول: بل هو كاشف فقط. وأحكام الأفعال هي المعروفة بمسألة الحُسْن والقُبْح العقليين، فإنها من أصول المسائل التي يُفرِّعون عليها أمورًا كثيرةً. وقد اضطرب الناس فيها، فلكلٍّ من أصحاب أحمد ومالك والشافعي فيها قولان، والحنفية يقولون بها، وذكروا ذلك أيضًا عن أبي حنيفة، ولأهل الحديث فيها قولان، وقد ذكر أبو نصر السِّجْزي، وأبو القاسم سعد بن علي الزَّنجاني: أن نفيهما مما أحدثه الأشعري. وذكر أبو الخطّاب (١) أن

стр. 2609

إثبات ذلك قول أكثر الفقهاء والمتكلِّمين، وهو قول كثير من النُّظار المُثْبتة (١) للقدر كالكرَّامية وغيرهم، وهو قول المعتزلة وغيرهم من نُفَاة القدر ومن وافقهم من الشيعة. وتحقيق الكلام فيها يتضمن فصولًا: أحدها: اتصاف الأفعال بصفات لأجلها كانت حَسَنة أو قبيحة سيئة. والثاني: أن تلك الصفات هل تُدْرك بالعقل أم لا؟ والثالث: أن ذلك هل يوجب العذابَ بدون الشرع أم لا؟ [ق ١٩٢] وأصل المسألة الذي به تنكشف حقيقتُها: معنى كون الشيء حَسَنًا وسيئًا، هل له حقيقة غير كونه ملائمًا للفاعل ومنافرًا له؟ فإنهم قد اتفقوا على أن كون الفعل حسنًا [أ] و قبيحًا سيئًا، بمعنى كونه ملائمًا للفاعل بحيث يحصل له به فرحٌ ولذَّة، أو منافيًا للفاعل بحيث يحصل له به غمٌّ وألم، وهو مما قد يُعرف بالعقل. وزاد بعضهم: كون الفعل صفة كمالٍ وصفة نقصٍ. فجعل ذلك مما يُعلم بالعقل اتفاقًا، وجعلوا مورد النزاع في كون الفعل هل يكون سببًا للذم والعقاب عاجلًا وآجلًا؟

стр. 2610

وإذا كان كذلك فيقال: كون الفعل يكون سببًا للذَّم والعقاب هو من أنواع كونه ملائمًا للفاعل ومنافرًا له، فإنّ حَمْد الفاعل وثوابه يلائمه، وذمه وعقابه ينافره. فإذا قيل: الملاءمة الطبيعية والمنافرة الطبيعية قد تُعلم بالعقل باتفاق العُقلاء. فيقال: كلُّ ملاءمة ومنافاة للإنسان إنّما (١) تعود إلى الملاءمة الطبيعية والمنافرة الطبيعية، لكن مِن الأفعال ما تكون فيه ملاءمة ولذّة، ويكون فيها منافرة وألم أرجح من ذلك. فيكون ملائمًا من وجه منافرًا من وجه، محبوبًا لذيذًا من وجهٍ بغيضًا مؤلمًا من وجهٍ. وقد تكون اللذّةُ عاجلة والألم آجلًا، فعقل الإنسان يأمره بترجيح أحبّ الأمرين إليه وهو أصلحهما وأنفعهما وأكملهما لذَّة، ويأمره بترجيح اللذة الكاملة الآجلة على اللذة القليلة العاجلة؛ ولهذا كان جميع العقلاء يحتملون ألمًا قليلًا للذَّةٍ كثيرة، ويمتنعون عن لذَّةٍ قليلةٍ لتحصيل لذَّة جليلة، ويقولون: هذا مقتضى الهوى والطبع، وهذا مقتضى العقل والشرع. فمن ادعى حُسْنًا أو قبحًا عقليًّا أو شرعيًّا بلا فرح ولذةٍ ولا غمٍّ وألم، فقد قال ما لا يعرف، ولم يتصوَّر ما يقول، وهو مطالبٌ بتحقيق ما يقوله، فإنّ كثيرًا مِنْ نِزاع العقلاء يكون لكونهم لم يتصوَّروا تصورًا تامًّا ما تنازعوا فيه، ولو تصوروه تصورًا تامًّا

стр. 2611

لارتفع النزاع. وكذلك قول القائل: أن يكون الفعل صفةَ كمالٍ أو صفة نقصٍ، مما يُعرف بالعقل، هو يعود إلى الملاءمة، فإن الفعل الذي يكمل به الفاعل، هو الذي يلائمه ويحصل به كمال الفرح والسرور والنعيم. وأما الفصول المذكورة: فالأول: أن الأفعال هل هي مشتملة على صفات لأجلها كانت حسنةً وسيئةً أم لا؟ فأكثر الناس على أنها اشتملت على صفاتٍ لأجلها كانت حسنةً وسيئةً (١)، وإلا كان أمر النزاع بأحد المتماثلين ترجيحًا بلا مرجِّح. ونُفاة الحُسْن والقُبْح العقليين على قولين: منهم من يقول: لم يختصّ شيء من الأفعال بما لأجله كان مأمورًا به ومنهيًّا عنه، بل الرّبّ يرجّح مِثْلًا عن مِثل بمجرد المشيئة. وهؤلاء يقولون: عِلَل الشرع أمارات محضة، كما يقول ذلك الأشعري ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، ومَن قال من هؤلاء بالمناسبة قال: لأنّا اعتبرنا الشّرْعَ فوجدناه يثبت الحكم عند الوصف المناسب لا به.

стр. 2612

ومنهم من يقول: بل الشارع لم يخصّ فعلًا (١) على فعلٍ، فالأمر والنهي لا (٢) لاختصاص ذلك الفعل بما يقتضي ذلك، لكن كون ذلك الفعل حسنًا مأمورًا به وقبيحًا منهيًّا عنه لا يثبت إلا بالشرع، فالشارع جعل ذلك الوصف المناسب موجبًا لكون الفعل حسنًا وقبيحًا، لا أنه كان حسنًا وسيئًا. وهذا يقوله مَنْ نفى الحُسْن والقُبْح العقليين، ويقول: إن الشارع جعل الصفات عللًا، كما يقوله الغزالي وموافقوه، كأبي محمد بن المَنّي (٣) وأبي محمد المقدسي (٤) وغيرهما. وأما الأكثرون فيقولون: بل تلك الصفات توجب كون الفعل حسنًا وسيئًا، فتوجب كون العدل حسنًا وكون الظلم سيئًا، وأنه سببٌ لمدح صاحبه وذمّه، ولكن هل يستحق صاحبه العقاب قبل إرسال الرّسل؟ على قولين: فمنهم من يقول: إن صاحبه يستحقّ العقاب في الدنيا والآخرة بدون الإرسال، كما يقول ذلك كثير من المعتزلة والحنفية وأبو الخطَّاب وغيره.

стр. 2613

ومنهم من يقول: بل العذاب لا يُسْتحَق إلا بعد إرسال الرّسل، كما دلّ عليه الكتابُ والسنة، وإن كان الفعل في نفسه سيئًا قبيحًا، وهو سببٌ لذمّ صاحبه وعقابه، لكن شرط حصول العقاب هو إقامة الحجة بالرُّسل كما دلت عليه النصوص. وهذا أعدل الأقوال وعليه تدلّ نصوص الكتاب والسنة. وقد ذكروا عن القائلين بالحُسْن والقبح العقلي، هل هذا الحكم ثابت لذات [ق ١٩٣] الفعل، أو لصفةٍ (١) قائمة به، أو في الحسن لذاته وفي القبح لصفةٍ قامت به؟ ثلاثة أقوال. ولم يقل أحدٌ: إن الحُسْن والقُبح هو وصف لازم لذات الفعل، كما تظنه طائفةٌ نَقَلَتْ (٢) قولَهم، بل يقولون: تختلف صفات الفعل باختلاف أحواله وأنواعه، فكونه حسنًا من جنس كونه محبوبًا، وكونه قبيحًا من جنس كونه بغيضًا، ويقولون: قد يقوم به المقتضي لحسنه أو قبحه، ولكن يختلف عنه مقتضاه لفوات شرط أو وجود مانع. وهو مبنيّ على مسألة تخصيص العلة، فمن جعل العلَّة الأمرَ المستلزم للحكم لم يخصِّصها، ومن جعلها المقتضي خصَّصها. وهو نزاع لفظي.

стр. 2614

وليس لنفاة الحُسن والقبح العقليين دليلٌ (١) أصلًا، بل جميع أدلتهم باطلة، وليس لمثبتيه دليل يدل على حُسْن وقُبْح بغير اعتبار الملاءمة للفاعل والمنافرة له، بل كلّ ما يذكرونه على إثبات حُسن وقبح بدون ذلك فهو باطلٌ. كما أن أولئك ليس لهم دليل على أن الفاعل المختار يفعل بلا داع، وليس لهؤلاء دليل على أنه يفعل بِداعٍ لا يعود إلا إلى غيره؛ ولهذا لمّا عاد معنى الحسن والقبح إلى هذا أثبتت طائفةٌ الحُسنَ والقبحَ العقليّ في أفعال العباد دون أفعال الله. وهو اختيار الرّازي في آخر عمره. وهو مبنيٌّ على أصلٍ، وهو مشيئة الله، وهل هي نفس محبته ورضاه وسخطه وبغضه، أو بينهما فرق؟ فذهب المعتزلة، والجهمية القدرية الجَبْريّة، والقدرية النافية إلى أن جميع ذلك بمعنى واحد، ثم قالت النفاة: قد ثبت بالنصوص المتواترة إجماع الأمة: أنّ الله لا يحبّ الكفر والفسوق والعصيان، فلا يريده ولا يشاؤه، فيكون في ملكه ما لا يشاء. وقالت المُجْبرة: بل ثبت بالنصّ والإجماع أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكلُّ كائن فهو بمشيئته. وجهم بن صفوان [لا] (٢) يثبت

стр. 2615

لله صفة قائمة به لا إرادة ولا محبّة، بل محبّة عبده (١) ثوابه، وبغضه عقابه، فلم يحتج أن يقول: إنه يحب (٢) كل شيء (٣). وأما الأشعري ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد فقالوا: لله إرادة واحدة تقوم به، وقالوا ــ في أظهر قوليهم ــ: إن إرادته هي حبّه ورضاه (٤)، وكل ما في الوجود فهو مرادٌ له فيكون محبوبًا له مرضيًّا. وذكر أبو المعالي أنّ أول من قال هذا هو الأشعري وأصحابه، وقالوا: إن بغضه وغَضَبه هو إرادته لعقاب المذنب، وهو محبّته لعقاب المذنب مع كونه محبًّا لفعله. ويقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] أي: عباده المؤمنين. وقد يقولون: لا يرضاه دينًا، كما يقولون: لا يشاؤه دينًا. أي: لا يشاء أن يكون صاحبه مثابًا.

стр. 2616

وأما السلف والأئمة وعامّة الفقهاء وأكثر طوائف النظَّار، من الكرَّامية وغيرهم، والحنفية وأئمة المالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث، وأئمة الصوفيّة، وابن كُلّاب، وطائفة من أصحاب الأشعري، فيقولون: إنه خَلَق كلَّ شيء بمشيئته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يحبّ الكفرَ والفسوقَ والعصيان، بل يحبّ ما أمر به. وعلى هذا فهو إذا خلق شيئًا لحكمةٍ فهو يحبّ تلك الحكمة التي خلقه لأجلها، وإن كان هو في نفسه مكروهًا له لا يحبه. وعلى هذا فالحَسَن في حقّه هو ما يحبّه والقبيح ما يبغضه. والفعل ــ ويراد به نفس الفعل، ويُراد به المفعول المخلوق ــ فهذا قد يكون محبوبًا له، وقد يكون مكروهًا له، وأما الأول فلا يكون محبوبًا، وهو لا يفعل إلا ما يحبّه، فلا يفعل إلا الحَسن، والحسنُ يقرّ به وينبهج به ويرضاه ويرضى عن صاحبه. والسيئ يبغضه ويمقته ويمقتُ صاحبَه، وهو منزّه (١) سبحانه أن يفعل شيئًا هو قبيح مطلقًا، بل لا يفعل إلا ما له فيه حكمة لأجلها كان مرادًا له، وإن كان يبغضه من بعض الوجوه. فالخير بيديه [ق ١٩٤] والشرُّ ليس إليه. وعلى هذا القول: فيجب تنزيهه عن كلِّ فعل يناقض كماله، كما يجب تنزيهه عن كلّ وصف يناقض كماله، وهو منزَّه عن الظلم،

стр. 2617

والظلمُ: وضعُ الشيء في غير موضعه. وعلى قول الجهمية القدرية المجبرة ومن وافقهم: لا ينزَّه عن فعل شيء ممكن، والظلم هو الممتنع لذاته، وهو غير مقدورٍ له، فإنه إما التصرُّف في غير ملكه، وإما معصية من فوقه، وكلاهما ممتنعٌ في حقه. وعلى قول القدرية النُّفاة من المعتزلة ومن وافقهم فما حَسُن منه حَسُن من عباده، وما قَبُح من عباده قَبُح منه، وما كان ظلمًا منهم كان ظلمًا منه، وهم مُشبّهة الأفعال. وقد ألزمهم الناس بأنه يفعل ما يقبُح في (١) العقل، كتمكينه عباده وإمائه من الظلم والفواحش مع قدرته على المنع، واعتذروا عن ذلك بأنه (٢) عرَّضهم للثواب بالتكليف. فأجاب الناسُ عن ذلك بأنه إذا عَلِم أنه إذا أمرهم ونهاهم لم ينتفعوا بذلك ولم يطيعوا، لم يكن الأمر حسنًا من العبد، بل يجب منعهم بالقهر، أو أنه لا يتملَّك مَنْ هذا سبيله (٣). فكان قياس قولهم يقتضي أن الله يقبُح منه خلقهم وتكليفهم؛ ولهذا قال من قال من الأئمة: ناظِروا القدريّة بالعلم، فإن أقرّوا به خُصِموا، وإن

стр. 2618

جحدوه كفروا (١). وهذا من جهة العلم بعاقبة أفعال العباد يناقض خلقهم وأمرهم إذا قيل بالمخلوق. وقد زعم طائفة: أنه من جهة أنّ العلم يوجب امتناع وقوعٍ بخلاف المعلوم، وامتناع قدرة العبد على خلاف ذلك، كما يذكره الرّازي، وليس كذلك، فإنّ العلم بما يفعله المختار لا يناقض كونه محتاطًا (٢)، فإنّه يعلم أنه يفعل باختياره. وأما العلم بالعاقبة فيناقض أنه أراد خلاف ما عُلِم من العاقبة (٣) أنه لا يكون. فالعلم يناقض أن يُراد بالخلق ما عُلِم أنه لا يكون، لا يناقض القدرة. وعلى القول الأول ــ قول السلف والأئمة والجمهور ــ فإذا خَلَق ما خلق لحكمةٍ يحبّها ويرضاها، وخلقَ ما خلقه من الشرّ فلِما (٤) له في ذلك من الحكمة= لم يمتنع أن يكون فيما خلقه ضررٌ ما (٥) على بعض

стр. 2619

المخلوقات، إذ كان ذلك من لوازم الحكمة المرادة، وامتنع وجود الحكمة المرادة بدون ذلك. وإذا كان العبد لا يقبح منه إيلام الحيوان لحكمةٍ راجحة، فالخالق أولى أن لا يقبُح منه ذلك. وإذا قيل: فقد كان يمكن وجود الحكمة بدون ذلك. قيل: هذا قولٌ بلا علم، فمن أين لكم ذلك؟ وهو على كلِّ شيء قدير، والممتنع ليس بشيء باتفاق العقلاء، فمن أين علمتم أن ذلك ممكن غير ممتنع حين تناوله القدرة؟ وعدمُ العلم بالامتناع غيرُ العلم بعدم الامتناع، وكذلك عدم العلم بالإمكان غير العلم بعدم الإمكان، وعدم العلم بالوجوب غير العلم بعدم الوجوب. ونظائر هذا متعددة. ولكن كثير من الناس يشتبه عليهم هذا، فإذا لم يعلم أحدهم أنَّ الشيء موجود، أو واجبٌ، أو ممكنٌ، أو ممتنعٌ، ظنَّ أنه غير موجود، أو غير واجب ممكن، أو غير ممتنع؛ فيجعلون عدم العلم علمًا بالعدم! وهذا مما نهى الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]. ولهذا كان النافي عليه الدليل، وأما المانع المطالب بالدليل؛ فليس عليه دليل، لأن النافي نفى وأخبر بالنفي، فليس له أن ينفي بلا علم، كما ليس له أن يُثبت بلا علم، بخلاف المانع المطالب، فإنه لم ينف ولم يثبت، بل طالب المثبت بدليل الإثبات.

стр. 2620

والإنسان ليس له أن يتكلم بلا علمٍ، لا في النفي ولا في الإثبات، ولو سكت من لا يدري قلَّ الخلاف (١). فهذا هذا، والله أعلم. وإذا قيل: خَلَق فِعل العبد ثم جازاه عليه، فإنه ظلم. قيل: هذا غلطٌ، فإنه علم بصريح العقل واتفاق العقلاء أن مجازاة الإنسان بنظير عمله من الحكمة والعدل، وأنه لا يجوز التسوية بين العادل والظالم، والجاهل والمحسن والمسيء، بل هذا من الأمور المنزّهة المستقبحة عند العقلاء. ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا [ق ١٩٥] السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨].

стр. 2621

وسواءٌ قُدِّر أنّ أفعالَ العباد مخلوقةٌ لله أو لم تكن، فإنّ كون العادل يستحقّ الإكرام، والظالم يستحقّ الذّمَّ والإهانة= أمرٌ فُطِر عليه بنو آدم، مع كونهم مفطورين (١) على أنَّ الله خالق كلِّ شيء؛ ولهذا كان جماهير الأمم من العرب وغيرهم مُقِرّين بهذا وهذا، وليس في فطرة أحد رفع الذم والعقاب عن الظالم مطلقًا، لكن فعلَه مخلوقٌ (٢) لله، والظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه. فوضع العقاب على من لم يُسئ ظلمٌ، والحكمةُ: وضع الشيء في موضعه، والله لا يظلم أحدًا شيئًا، ولا يجزي أحدًا بظلم إلا بعمله. وكونه خالقًا لأعمال العباد من كمال قدرته ومشيئته وربوبيته، وجزاؤه بعمله من كمال حكمته وعدله وربوبيته، وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وله في ذلك من الحكمة البالغة ما لو جُمِعت عقولُ جميع العقلاء لم يدركوا غاية حكمته. وتوهّم المتوهِّم إمكان حصول كمال الحكمة بدون ذلك ظنٌّ منه، وكلامٌ بلا علم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٨]. * * * في آخر النسخة ما نصه: "قال كاتبه: إلى هاهنا وجدت في نسخة الأصل، فاعلم ذلك. والله أعلم".

стр. 2622

مسألة في عقيدة أهل گيلان

стр. 2623

ذكر من شاهد بخط الشيخ الإمام المحدّث عبد الله الإسكندري ما صورته ــ وقد حدثني به غير مرة ــ: حَضَر الشيخ شمس الدين محمد بن الرضي خطيب گيلان (١) يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة خمس عشرة (٢) وسبعمائة بدمشق المحروسة، بعد قضاء نُسكه في عَوده إلى بلده، إلى بين يدي الشيخ ــ يعني تقي الدين أحمد ابن تيمية ــ فسلّم عليه، وفاتحه الشيخُ فيما يقولون عن أهل كيلان في نزول الربّ إلى الأرض والطرقات؟ فقال: والله الذي لا إله غيره هذا شيءٌ (٣) ما سمعته لا من خواصّ الناس ولا من عامّتهم. ثم سأله عن النزول إلى السماء الدنيا؟ فقال: سمعنا عن شيخ الإسلام الأنصاري أنه قيل له: ما تقول في النزول؟ فقال: نزولٌ لا يعرفه الكروبيّون، أعرفه؟ وهذا جوابنا عن النزول.

стр. 2624

فسأله الشيخ عن القول في المصحف؟ فقال: الورق مخلوق وكلام الله غير مخلوق. فقال الشيخ: هكذا تقول؟ فقال: هذا اعتقادنا، نعم هكذا نقول. فقال الشيخ: الصوت، ما تقولون فيه؟ فقال: نحن نقول: صوت القرآن غير صوت الناس. فقال الشيخ: أنا إذا قلتُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ما هو؟ فقال: كلام الله. فقال الشيخ: بصوتي أم بصوت الله القائم بذاته سمعت ذلك في هذه الساعة؟ فقال: سمعت القرآن بصوت القرآن. فقال الشيخ: بل سمعت القرآن بصوتي، الكلامُ كلام الباري، والصوتُ صوت القاري. هذا هو الحق، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم» (١).

стр. 2625

صورة خط الشيخ عبد الله الإسكندري: نعم الأمرُ على ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد ابن تيمية ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة مأواه. كتب عبد الله الإسكندري. *** كتب بعده بخط الأصل: قال الشيخ تقيّ الدين أحمد ابن تيمية شيخنا ﵁: ليس لأحد أن يتكلّم في أحدٍ بلا علم، ولا بهوى النفس، فإن الإنسان مسؤولٌ عن ذنوب نفسه لا عن ذنوب غيره.

стр. 2626

مجموعةُ فتاوى من: الدُّرَّةِ المضِيَّة في فتاوى ابنِ تيميَّة انتقاها ابن عبد الهادي

стр. 2627

قال الشيخ الإمام العالم العلامة ابن عبد الهادي ﵀ ورضي عنه: لما رأيت فتاوى الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام وناصر السنة فريد الوقت، وحيد الدهر، بحر العلوم، بقية المجتهدين، حجة المحققين، تاج العارفين، ولسان المتكلمين، رحلة الطالبين، إمام الزاهدين، ومنار المجاهدين، الإمام الحجة النوراني، والعالم الرباني، تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحراني= غايةَ المقاصد، كثيرة الفوائد، سارعت فيما سهَّل الله عليَّ به منها لتكون لي عمدةً أعتمد عليها (١)، وحجةً أستند إليها (٢)، ورتبتها أبوابًا على أبواب الفقه، وسمّيتها: "الدرة المضيّة في فتاوى ابن تيمية" ﵀، وختم لنا وله بخيرٍ بمحمدٍ وآله (٣)، إنه على كل شيءٍ قدير.

стр. 2628

[مسألة: في الجهر بالنية والتكبير والدعاء ، ومسائل أخرى] (١) مسألة: في جماعة يصلُّون بمسجد من بعض المساجد، هل على الإمام الجهر بالتكبير أو النية؟ أو على الإمام الجهر بالدعاء، أم السرّ أفضل؟ وهل المصافحة بعد العصر والصبح مستحبة، أم لا؟ وهل يجوز التبليغ خلف الإمام إذا كانوا صغيرًا وثلاثة (٢)؟ وهل تعليم الصبيان جائز في المسجد أم لا؟ أفتونا. الجواب: الحمد لله. ليس على الإمام الجهر بتكبيرٍ ولا لفظ نية باتفاق المسلمين، ولا يستحب له ذلك أيضًا، لكن التكبير عليه أن ينطق به، وأما النية ليس عليه أن ينطق بها أيضًا باتفاق الأئمة، وليس في ذلك نزاعٌ إلا وجهٌ ضعيفٌ لبعض المتأخرين، بل أئمة الدين متفقون على أن المأموم ليس عليه أن ينطق بالنية، لا في طهارة، ولا في صلاة، ولا صيام، ولا يجوز ذلك، بل تنازع العلماء في استحباب التلفظ بالنية، فمن أصحاب أبي حنيفة

стр. 2629

والشافعي وأحمد من استحب ذلك، قالوا: بأنه أوكد. ومن أصحاب مالك وأحمد وغيرهما من كره التلفُّظ بالنية؛ لأنه بدعة لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولأن النية من أعمال القلوب فقط، ولأن ذلك من جنس العبث، وهذا أصح. وبكل حال [٦٥] فأكثرهم ينهى عنه (١). والمصرّ على ذلك يستحقّ التعزير. والله أعلم. * مسألة: (٢) وأما الدعاء في الصلاة، فالسنة المخافتة به إلا ما كان في ضمن القراءة في صلاة الجهر، ودعاء القنوت ــ حيث يجهر به ــ والتأمين. وأما بعد الصلاة، فالسُّنَّة هو الذِّكْر المنقول عن النبي ﷺ ، وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعًا، فلم يُنقل عن النبي ﷺ ، لكن من العلماء من استحبه، ومنهم من لم يستحبه بعد الفجر والعصر، كما أنَّ منهم من كره للإمام القعود بعد الصلاة، ولم يستحب القعود [و] لا الذكر، ولا الدعاء، وكلا القولين مخالفٌ للسنة، فإن السنة عن النبي ﷺ هي الدعاء في صلب الصلاة، والذكر بعد الصلاة، والداعي يناجي ربه، فدعاؤه وهو يناجي ربه أحبّ من دعائه بعد انصرافه من مناجاته.

стр. 2630

ودعاء الرجل بعد الصلاة سرًّا جائزٌ، والذين استحبوا للإمام أن يدعو بعد الصلاة قالوا: يدعو سرًّا إلا أن يكون في الجهر مصلحة لتعليم بعض المأمومين، وذلك أنَّ الأصل في الدعاء أن يكون سرًّا، كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. ولهذا قال مَنْ قال من السلف: رفع الصوت بالدعاء بدعة. وأما الذِّكر فتارةً يُسَنُّ الجهر به، كالأذان والتلبية، وتارةً لا يسنّ. * مسألة: وأما المصافحة عقيب الصلاة، فبدعةٌ لم يفعلها رسول الله ولم يستحبها أحدٌ من العلماء. * (١) وأما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة، فبدعةٌ (٢) مكروهة باتفاق الأئمة، فإنه لم يكن بلالٌ يبلِّغ خلف النبي ﷺ ، ولا كان الخلفاء الراشدون (٣) يبلّغ أحدٌ خلفهم. ولهذا اتفق الأئمة على أن الإمام هو الذي يُسنّ له الجهر بالتكبير. كما ذكروا في كتب المذهب، قالوا: إن المأموم يبلغ للحاجة، [و] استدلوا بأن النبي ﷺ في مرض موته لمَّا خرج فصلى جالسًا كان
следующие страницы →