مجموعةُ فتاوى من:
الدُّرَّةِ المضِيَّة في فتاوى ابنِ تيميَّة
انتقاها ابن عبد الهادي
стр. 2627
قال الشيخ الإمام العالم العلامة ابن عبد الهادي ﵀ ورضي عنه: لما رأيت فتاوى الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام وناصر السنة فريد الوقت، وحيد الدهر، بحر العلوم، بقية المجتهدين، حجة المحققين، تاج العارفين، ولسان المتكلمين، رحلة الطالبين، إمام الزاهدين، ومنار المجاهدين، الإمام الحجة النوراني، والعالم الرباني، تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحراني= غايةَ المقاصد، كثيرة الفوائد، سارعت فيما سهَّل الله عليَّ به منها لتكون لي عمدةً أعتمد عليها (١)، وحجةً أستند إليها (٢)، ورتبتها أبوابًا على أبواب الفقه، وسمّيتها: "الدرة المضيّة في فتاوى ابن تيمية" ﵀، وختم لنا وله بخيرٍ بمحمدٍ وآله (٣)، إنه على كل شيءٍ قدير.
стр. 2628
[مسألة: في الجهر بالنية والتكبير والدعاء ، ومسائل أخرى] (١)
مسألة: في جماعة يصلُّون بمسجد من بعض المساجد، هل على الإمام الجهر بالتكبير أو النية؟
أو على الإمام الجهر بالدعاء، أم السرّ أفضل؟
وهل المصافحة بعد العصر والصبح مستحبة، أم لا؟
وهل يجوز التبليغ خلف الإمام إذا كانوا صغيرًا وثلاثة (٢)؟
وهل تعليم الصبيان جائز في المسجد أم لا؟ أفتونا.
الجواب: الحمد لله.
ليس على الإمام الجهر بتكبيرٍ ولا لفظ نية باتفاق المسلمين، ولا يستحب له ذلك أيضًا، لكن التكبير عليه أن ينطق به، وأما النية ليس عليه أن ينطق بها أيضًا باتفاق الأئمة، وليس في ذلك نزاعٌ إلا وجهٌ ضعيفٌ لبعض المتأخرين، بل أئمة الدين متفقون على أن المأموم ليس عليه أن ينطق بالنية، لا في طهارة، ولا في صلاة، ولا صيام، ولا يجوز ذلك، بل تنازع العلماء في استحباب التلفظ بالنية، فمن أصحاب أبي حنيفة
стр. 2629
والشافعي وأحمد من استحب ذلك، قالوا: بأنه أوكد. ومن أصحاب مالك وأحمد وغيرهما من كره التلفُّظ بالنية؛ لأنه بدعة لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولأن النية من أعمال القلوب فقط، ولأن ذلك من جنس العبث، وهذا أصح.
وبكل حال [٦٥] فأكثرهم ينهى عنه (١). والمصرّ على ذلك يستحقّ التعزير. والله أعلم.
* مسألة: (٢) وأما الدعاء في الصلاة، فالسنة المخافتة به إلا ما كان في ضمن القراءة في صلاة الجهر، ودعاء القنوت ــ حيث يجهر به ــ والتأمين.
وأما بعد الصلاة، فالسُّنَّة هو الذِّكْر المنقول عن النبي ﷺ ، وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعًا، فلم يُنقل عن النبي ﷺ ، لكن من العلماء من استحبه، ومنهم من لم يستحبه بعد الفجر والعصر، كما أنَّ منهم من كره للإمام القعود بعد الصلاة، ولم يستحب القعود [و] لا الذكر، ولا الدعاء، وكلا القولين مخالفٌ للسنة، فإن السنة عن النبي ﷺ هي الدعاء في صلب الصلاة، والذكر بعد الصلاة، والداعي يناجي ربه، فدعاؤه وهو يناجي ربه أحبّ من دعائه بعد انصرافه من مناجاته.
стр. 2630
ودعاء الرجل بعد الصلاة سرًّا جائزٌ، والذين استحبوا للإمام أن يدعو بعد الصلاة قالوا: يدعو سرًّا إلا أن يكون في الجهر مصلحة لتعليم بعض المأمومين، وذلك أنَّ الأصل في الدعاء أن يكون سرًّا، كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. ولهذا قال مَنْ قال من السلف: رفع الصوت بالدعاء بدعة.
وأما الذِّكر فتارةً يُسَنُّ الجهر به، كالأذان والتلبية، وتارةً لا يسنّ.
* مسألة: وأما المصافحة عقيب الصلاة، فبدعةٌ لم يفعلها رسول الله ولم يستحبها أحدٌ من العلماء.
* (١) وأما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة، فبدعةٌ (٢) مكروهة باتفاق الأئمة، فإنه لم يكن بلالٌ يبلِّغ خلف النبي ﷺ ، ولا كان الخلفاء الراشدون (٣) يبلّغ أحدٌ خلفهم. ولهذا اتفق الأئمة على أن الإمام هو الذي يُسنّ له الجهر بالتكبير.
كما ذكروا في كتب المذهب، قالوا: إن المأموم يبلغ للحاجة، [و] استدلوا بأن النبي ﷺ في مرض موته لمَّا خرج فصلى جالسًا كان
стр. 2631
أبو بكر يُسْمِع الناسَ التكبير؛ لأجل مرض النبي ﷺ ، وخفاء (١) صوته، وهذا أصل في تبليغ بعض المأمومين لحاجة.
وأما إذا أمكن الإمام أن يجهر بحيث يَبْلُغ صوته المأمومين، فهذا هو السنة، وتبليغ المأمومين حينئذٍ مكروهٌ.
وتنازع العلماء هل تبطل صلاة المبلِّغ؟ على قولين في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، لا سيما إذا كان المبلّغ لأجل ذلك يرفع صوته قبل الإمام، ويمدّ صوتَه بحيث لا يسبِّح في الركوع ولا في السجود، ولا يطمئن في الركوع والسجود والاعتدال لأجل اشتغاله بمدّ صوته، [فمن جهر] (٢) لأجل هذه البدعة، فقد ترك ما أُمِر به من الطمأنينة المفروضة، ومن التسبيح الواجب في أحد القولين، ودخل في المسابقة التي قال النبي ﷺ : "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسَه رأس حمار" (٣).
وهذا مما لا يشك (٤) في أن فاعله عاصٍ آثم، بل وصلاته باطلة على أصح القولين عند العلماء.
стр. 2632
وأما تعليم الإمام للمأمومين وغيرهم ما أمر الله به ونهاهم، فإنه (١) فرضٌ على الإمام باتفاق [٦٦] المسلمين. وإذا غلب على ظنّ الإمام أن غيره لا يقوم بهذا الفرض صار فرض عينٍ عليه يأثم بتركه. وقد نصَّ الأئمة على مثل ذلك في الصلاة، حتى قالوا أيضًا: إذا رأى من يسابق الإمام، أو من نسي في صلاته ولم يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر صار شريكًا له في الإثم.
ولهذا جاء في الحديث: "ويلٌ للعالم من الجاهل، وويلٌ للجاهل من العالم، فويلٌ للعالم إذا سكت عن تعليم الجاهل، وويلٌ للجاهل إذا لم يقبل من العالم" (٢).
والحديث: "إن الخطيئة إذا خفيت لم تضرّ إلا صاحبها، وإذا أُعْلَنت الخطيئة فلم تُنْكر ضرَّت العامة" (٣).
فإذا لم يأمر بالصلاة (٤) التي هي عمود الدين، وإقامة واجباتها،
стр. 2633
استحقَّ العذاب بذلك، فإن تضييع الصلاة من أعظم المنكرات، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
فهؤلاء كانوا يصلون، لكن أضاعوا واجبها، ولَهَوا (١) عنها، كالوقت والطمأنينة، ومتابعة الإمام وغير ذلك، كما ثبت في "الصحيح" (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "تلك صلاة المنافقين، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعًا (٣) لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". فجعله منافقًا مع كونه يصلي؛ لكونه ضَيَّع الوقت والطمأنينة.
* فصل: وأما تعليم الصبيان في المسجد بحيث يؤذي (٤) المسجد؛ فيلوّثونه ويرفعون أصواتهم فيه، ويشغلون المصلّي فيه، ويضيِّقون عليه، فهذا مما يجب النهي عنه، والمنع منه، والله أعلم.
стр. 2634
[مسألة في شرائط الصلاة، وصفة صلاة النبي ﷺ ، والسنن الرواتب]
مسألة: ما تقول أئمة الدين فيما يتعلق بالنية في شروط الصلاة، والشرط السابع، وما كان يصلي مع المكتوبات.
الجواب: الحمد لله.
أما شروط الصلاة، فهي الطهارة، والستارة، واستقبال القبلة. والطهارة نوعان: طهارة الحَدَث، وهي الوضوء والاغتسال إن كان جنبًا، أو كانت امرأة حائضًا (١). وطهارة الخَبَث (٢) اجتناب النجاسة في بدنه وثيابه وموضع صلاته، فإن كان معذورًا مثل أن يكون قد نسيها أو جهلها فلا إعادة عليه في أصحِّ القولين للعلماء، وأما طهارة الحَدَث إذا نسيها فعليه الإعادة.
والنية محلُّها القلب، ولا يحتاج الإنسان (٣) أن يتكلم بها باتفاق العلماء، وكلّ من علم ما يريد فعله فلا بدّ له من أن ينويه.
ومن العلماء من استحبَّ التكلّم بالنية، والصحيح أن ذلك لا يستحب، فإن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا يتكلمون بالنية، لا في طهارة، ولا في صيام، ولا نحو ذلك.
стр. 2635
والشرط السابع: هو الوقت للمكتوبات، ولا يصلي المكتوبة إلا بعد دخول الوقت.
ووقت الفجر: من طلوعه إلى طلوع الشمس.
ووقت الظهر: من الزوال إلى أن يصير ظلّ كلّ شيءٍ مثله (١) سِوى ظلّ الزوال عند جماهير الأئمة، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، ومالك، وغيرهم من العلماء، وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .
ووقت العصر: [إلى] أن تصفرّ الشمس في أصحّ قولي العلماء، وإذا صلَّاها قبل الغروب صلَّاها أداءً، وليس له أن يؤخرها إليه ــ يعني الغروب ــ.
ووقت المغرب: إلى غروب الشفَق، في أحد القولين.
ووقت العشاء: إلى ثلث الليل أو نصفه.
وأما أركان الصلاة: فالقيام، والركوع، والسجود، والذكر في أوّلها، كما يفتتح بالتكبير. وهذه أركان باتفاق الأئمة.
وكذلك قراءة الفاتحة، لكن عند أكثرهم، فمن تركها أعاد، وعند بعضهم هي واجبةٌ إن تركها أساء ولا يعيد، وهذا مذهب أبي حنيفة، والأول مذهب الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
стр. 2636
وكذلك الاعتدال إذا قام من الركوع، والقعدة بين السجدتين، والطمأنينةُ في جميع ذلك ركنٌ عند الشافعي وأحمد وغيرهما، وهو واجبٌ عند أبي حنيفة.
والقعود في آخر الصلاة، والتشهد، والسلام ركنٌ أيضًا عند الشافعي وأحمد وغيرهما.
[٦٩] فصلٌ
وأما صلاة النبي ﷺ : فإنه كان يقرأ في الفجر بطوال المفصَّل، مثل ق، والطور، والذاريات، ونحو ذلك. ويقرأ في الظهر بمثل سورة تبارك، والسجدة، وأقلّ من ذلك، ويقرأ في العصر بأقلّ من ذلك، ويقرأ في المغرب بأقلّ من ذلك، ويقرأ في العشاء بنحو صلاة العصر. وكانت صلاته معتدلة، يتم الركوع والسجود.
وكان إذا رفع رأسه من الركوع يقوم حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا قعد بين السجدتين يقعد حتى يقول القائل: قد نسي. ويسبِّح بنحو عشر تسبيحات، وقد ينقص من ذلك أحيانًا، ويزيد على ذلك أحيانًا، بحسب المصلحة.
ويقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم". يكرِّر ذلك. ويقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى". يكرر ذلك. ويقول بين السجدتين: "ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وعافني وارزقني".
стр. 2637
وكان يقول إذا رفع رأسه من الركوع: "ربّنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقّ (١) ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ".
ويدعو في آخر صلاته فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال". وكان لا يدعو دعاءً إلا ختمه بقوله: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
مسألة: وكان يصلّي مع المكتوبات عشر ركعات، أو اثنتي عشرة (٢) ركعة؛ يصلّي قبل الظهر إما ركعتين وإما أربعًا، وبعد الظهر ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ركعتين، وهما أوكد هذه الصلاة، فإنه كان يأمر بذلك، ويأمر بالوتر، وكان وتره و (٣) صلاته بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة (٤) ركعة، وكان مجموع ما يصليه من الفرض والنفل بالليل والنهار نحو أربعين ركعة.
стр. 2638
ولم يكن يصلي قبل العصر والمغرب والعشاء شيئًا، لكنه كان يقول: "بين كلِّ أذانين صلاة" ثم قال في الثالثة: "لمن شاء" (١) كراهية أن يتخذها الناس سنة، وكان أصحابه يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة ركعتين، وهو يراهم ولا ينهاهم. فمن صلّى قبل العصر أو المغرب أو العشاء، فقد أحسن، ولكن ليس ذلك بسنة راتبة.
وكان إذا نام عن صلاة الليل صلّى بالنهار بَدَل ذلك، فإنه كان إذا عمل عملًا أثبته، وكان عمله دِيمةً.
стр. 2639
مسألة
في زيارة القدس أوقات التعريف
стр. 2640
مسألة جليلة كثيرة الفوائد، مبتلًى بها [ق ٧١] كثير من الناس فيمن ينوي زيارة القدس أوقات التّعْرِيف.
* مسألة:
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
ما تقول السّادةُ العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين ﵃ أجمعين، فيمن ينوي زيارة بيت المقدس في أوقات التعريف، ونيتُه أنها قُرْبة وطاعة؟
وفي أقوام يطوفون بصخرة بيت المقدس ويُصلّون في أماكن مشهورة هناك، مثل مهد عيسى، وقُبة المعراج [ق ٧٣] وقُبة السلسلة، وزيارة قبر الخليل، وغير ذلك؟
وما يُستحبّ للزائر وما يحرُم عليه من ذلك ونحوه؟
وهل يستحبّ للنساء أن يزرن في أوقات التعريف مُظْهِراتٍ لزينتهنّ متطيّبات (١)، وهل على أوليائهن منعهنّ؟ أفتونا مأجورين رحمكم الله ورضي عنكم.
стр. 2641
الجواب: الحمد لله رب العالمين.
أصل السفر إلى بيت المقدس للصلاة فيه، والاعتكاف فيه، وقراءة القرآن والدعاء والذِّكْر ونحو ذلك، هو مستحبٌّ مشروع باتفاق المسلمين.
وقد ثبت عن النبي ﷺ في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة (١) وأبي سعيد (٢) أنه قال: "لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة (٣) مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وفي حديث سليمان لمَّا بنى البيتَ ــ أي: بيت المقدس ــ سأل الله ثلاثًا، سأله مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وسأله حُكمًا يوافق حكمَه، وسأله أنه لا يأتي أحدٌ هذا البيت لا يريد إلا الصلاة إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه (٤).
стр. 2642
ولهذا كان عبد الله بن عمر يأتي بيت المقدس، فيدخل فيصلي ركعتين، ثم يخرج ولا يشرب فيه؛ كأنه يطلب دعوة سليمان. وكان لا يأتي الصَّخرة ولا يزورها (١).
وكذلك غيره من سَلَفَ من الأمة؛ كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان وأمثالهم، لم يكونوا يأتون شيئًا من تلك المواضع (٢) التي تُزار في المسجد لا الصخرة ولا غيرها.
ولما فتح عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس قال لكعب: أين ترى أن أبني مصلى للمسلمين أمام الصخرة أو خلفها؟ قال: خلفها. فقال: يا ابن اليهود خالطتك يهودية، بل أبنيه أمامها، إن لنا صدور المساجد (٣).
ولم يكن على عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان على الصخرة هذه [القبة] (٤)؛ لكن بنى تلك القبة عبدُ الملك بن مروان لمَّا كان بينه وبين ابن الزبير ما كان، وكانوا إذا حجّوا بايعوا ابنَ الزبير،
стр. 2643
فيقال: إنّ عبد الملك [لو] منعهم الحجّ فُضِحوا، فبنى القبَّة على الصخرة، وعظَّمَ أمرها، فجعل الناس يعتانون (١) بها.
ولو نذر إتيان بيت المقدس لزمه الوفاء بما ينذره في مذهب مالكٍ والشافعيّ، [و] في قوله الآخر لا يلزم، قالوا: لأنه لا يلزم بالنذر إلا ما كان واجبًا بالشرع، وهو إتيان مكةَ خاصة؛ فإن إتيان مسجد النبي ﷺ وبيت المقدس مستحبٌّ ليس بواجب. والصحيح الأول، فإنه قد ثبت في الصحيح (٢) عن النبي ﷺ أنه "قال: من نَذَر أن يطيع الله فلْيُطِعْه، ومن نذر أن يعصيَ اللهَ فلا يعصه (٣) ".
فصل: إذا عُرف هذا فليس (٤) في بيت المقدس بل ولا في مسجد النبي ﷺ عبادة يختصّ بها، بل العبادات المشروعة فيهما مشروعة في سائر المساجد، كالصلاة والاعتكاف والذِّكر والدعاء والقراءة ونحو ذلك. وهذا بخلاف المسجد الحرام، فإنه مشروعٌ فيه ما لا يُشْرع في غيره؛ وهو الطواف به، واستلام ركنيه اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود الذي فيه. فإن ذلك عبادةٌ تختصّ بالمسجد الحرام باتفاق المسلمين، ولا يُشرَع في غيره من المساجد لا طواف ولا استلام شيء من الأشياء.
стр. 2644
فليس في بيت المقدس ما يُطاف به لا الصخرة ولا غيرها، بل وكذلك مسجد النبي ﷺ ليس فيه ما يُقَبَّل ويُستلَم، لا الحجرة النبوية ــ على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ــ ولا غير ذلك.
وهذا كلّه متفق عليه بين أئمة المسلمين، ليس منهم من استحبّ ببيت المقدس أو بغير المسجد الحرام من المساجد لا طوافًا ولا تقبيلًا ولا استلامًا (١) ونحو ذلك، ولا فَعَل شيئًا من ذلك رسولُ الله ﷺ ، ولا أئمة الأمة، ولا من يُقتدى به من السلف. بل من اتخذ الطوافَ بالصخرة عبادة أو بغير البيت فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.
والتعبّد بها بالطواف أعظم من التعبُّد بالصلاة؛ مع أنها كانت قِبْلة في أول الإسلام، فمَنْ طاف بها كان شرًّا من الصلاة إليها. وكذلك تقبيلها أو تقبيل شيء منها، أو التمسّح بشيء من ذلك. كل ذلك بدعة وضلالةٌ.
ولا فرقَ بين الموضع [المسمى] قدَمَ النبي ﷺ وغيره، وليس في الصلاة عندها [فضيلة] (٢)، فإن خيار السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، وإن كانت قِبلة في أول الإسلام فقد نُسِخت كما نُسخ السبت، فتخصيصها بالتعظيم مع أنها قبلة اليهود فيه تخصيصُ يوم السبت بالتعظيم، ولهذا كره عمر ﵁ والمسلمون أن تكون صلاة
стр. 2645
المسلمين خلفها؛ لئلا يكون في ذلك تشبُّه (١) باليهود.
وليس بالمسجد الأقصى مكانٌ يُقصد بعينه إلا المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب ﵁، وهو الذي تسميه العامة "الأقصى"، وما سوى ذلك مثل الذي يقال له: قبة المعراج، [ق ٧٣] والسلسلة، ومهد عيسى، وأمثال ذلك، فلا يستحبّ قصد شيء من هذه البقاع ولا تخصيصه بعبادة، وعامة ما يُذْكر في ذلك كذب، مثل الحَجَر الذي يقال: إنه مهد عيسى؛ فإنّ هذا كذبٌ واضح. ولكن هذا قيل إنه كان يكون فيه ماء المعمودية للنصارى لما استولوا على بيت المقدس، فإنه بقي في أيديهم مدّة.
وأما ما يفعله بعضُ الناس من السفر إلى بيت المقدس في عيد النحر، فيعرّفون هناك، ومنهم من يذبح هناك، ومنهم من يحلق رأسه، ومنهم من يطوف بها؛ فهذا كله بدعة منهيٌّ عنه، ليس شيء من ذلك مشروعًا، ولم يستحبّ أحدٌ من أئمة المسلمين قصدَها زمنَ الوقوف للتعرِيف بها، ولا فَعَل ذلك مَن يُقْتَدى به من المسلمين في دينهم.
وكذلك السفر وقت التعريف إلى غير عرفات، مثل الذين يسافرون للتعريف عند قبر المسيح، والذين يعرِّفون عند قبر محمد بن التومرت، وأمثال هذه الأسفار، فإن هذه أسفار غير مشروعة، بل منهيٌّ عنها، بل
стр. 2646
محرّمة. [و] كان ذلك تعبُّدًا بدينٍ لم يشرعه الله، بمنزلة من يُحْرِم ويلبّي إذا سافر إلي بيت المقدس! ومن تعبّد بمثل هذا، فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.
وإذا كان السفر للتعرِيف بها منهيًّا عنه، فالسفر إليها في مواسم الكفَّار، مثل خميس النصارى ونحوه أعظم من ذلك؛ فإنه لو عَظَّم (١) الأزمان التي يعظِّمها الكفار، كعيد الميلاد (٢) وعيد الخميس، لكان ذلك من المنكرات التي يجب النهي عنها، ولو فعل ذلك في بيته. فإنه ليس للمسلم أن يعظِّم شيئًا من الأيام التي يعظِّمها الكفَّار، وليس لتعظيمها أصلٌ في دين الإسلام. ولا تعظيم البقاع التي يعظِّمها الكفار. وهذا أعظم من المواسم (٣) المبتدعة في دين الإسلام، كالرّغائب ونحوها.
فإذا سافر إلى القدس في أعياد الكفار، فقد جمع عدة منكرات، بل لو خصّ الأيامَ التي يعظِّمها الكفار بأمر فيه مزيَّة لها لنُهِي (٤) عن ذلك، حتى كَرِه غيرُ واحدٍ من السلف صومها، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟!
ولا يُسمى بيت المقدس حَرَمًا؛ وإنما الحرم الذي حرَّم الله صيده
стр. 2647
ونباته. والحرم الذي اتفق عليه المسلمون حرمُ مكة، وأما المدينة فلها حرم محرَّم عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد؛ كما استفاضت بذلك الأحاديثُ عن النبي ﷺ . وما سوى ذلك فليس بحرم باتفاق المسلمين، إلا وادي وَجّ (١) الذي بالطائف، فإن الشافعي قال: إنه حرم بحديثٍ رُوي في ذلك رواه أحمد في "المسند" (٢)، وأما جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد فليس ذلك بحرم عندهم، وضعّفوا الحديثَ المرويَّ في ذلك. وما سوى هذه البقاع الثلاثة فليس حرمًا باتفاق المسلمين.
والعلماء قد تنازعوا [ق ٧٤] في تعريف الإنسان بمِصْره، مثل من يذهب عشيّة عرَفَة إلى مسجد بلده يدعو فيه ويذكر الله تعالى، فكَرِه ذلك مالك وأبو (٣) حنيفة وغيرهما، ورخَّص [فيه] أحمد بن حنبل، ولكنه لم يكن يفعله ولا يأمر به، ولم يُنقل عن الشافعي فيه شيء. وأحمد إنما رخَّص فيه قال: لأنه رخَّص فيه ابنُ عباس بالبصرة،
стр. 2648
وعمرو بن حُرَيث (١) بالكوفة. فهذا من تعريف الإنسان ببلده.
فأما السفر إلى مدينة أخرى ليعرِّف بها، مثل أن يسافر إلى بيت المقدس أو مسجد النبي ﷺ وغيرهما من المساجد ليعرّف بها= فهذا حرام ليس مشروعًا باتفاق المسلمين؛ فإنه من جنس بيتٍ يُحجّ غير البيت العتيق.
وأما السفر للتعريف عند (٢) بعض القبور، فهذا أعظم من ذلك، فإن هذا بدعة وشرك؛ فإن أصل السفر لزيارة القبور ليس مشروعًا ولا استحبَّه أحدٌ من العلماء، ولهذا لو نذر ذلك لم يجب عليه الوفاء بلا نزاع بين الأئمة؛ بخلاف مَن (٣) نذر إتيان بيت المقدس، فإنه يجب إتيانُه في أحد القولين ويستحبُّ في الآخر.
ولكن تنازع المتأخرون في السفر لزيارة القبور، فرخّص فيه بعضُهم، وكرهه آخرون، كابن بطة وابن عقيل وغيرهما، حتى قالوا: إنه سَفَر معصية فلا يجوز قَصْر الصلاة فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا تُشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (٤). فلا يُشْرَع شدّ الرحال لزيارة القبور؛
стр. 2649
ولهذا لم يكن أحد من الصحابة والتابعين ــ لا بعد أن فتحوا الشام ولا قبل ذلك ــ يسافرون إلى زيارة قبر الخليل ﵇ ولا غيره من قبور الأنبياء التي بالشام، ولا زار النبيُّ ﷺ شيئًا من ذلك ليلة أُسري به. بل الذي ثبت في "الصحيح": أنه صلى ليلة الإسراء، صلى ركعتين ببيت المقدس (١).
والحديث الذي قيل فيه: "هذا قبر أبيك إبراهيم فانزل فصلّ فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصلّ فيه" (٢) كذبٌ لا حقيقة له.
وأصحاب رسول الله ﷺ الذين يسكنون الشام، أو دخلوا إليه ولم يسكنوه مع عمر بن الخطاب ﵁ وغيره، لم يكونوا يرون شيئًا من هذه البقاع والآثار المضافة إلى الأنبياء، بل ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان في سفر فرأى قومًا يتَّخذون مكانًا يصلون فيه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان (٣) صلى فيه رسول الله ﷺ ، فنحن نريد الصلاة فيه. فقال: ومكان صلى فيه رسول الله ﷺ ! أتريدون أن تتخذوا (٤) آثار أنبيائكم مساجد! إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من
стр. 2650
أدركته الصلاة فيه فليصلّ وإلا فليمض (١).
ونبينا محمد ﷺ أفضل الخلق، ولم يتخذ (٢) الصحابة شيئًا من آثاره مسجدًا، ولا يزار غير ما بناه من المساجد. ولم يكونوا يزورون غار حراء الذي [ق ٧٥] نزل عليه فيه الوحي، ولا غار ثور المذكور في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]. ولا مكان ولادته، ولا الشِّعب الذي حُوصر فيه، وأمثال ذلك.
وكذلك إبراهيم الخليل ﵇؛ إنما اتخذوا من آثاره ما شَرَعه الله لهم من المناسك، ومقامه الذي قال الله فيه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] مع أنهم لم يكونوا يقبِّلون المقام ولا يتمسّحون به.
و العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ لما استلم الحجرَ الأسود: والله إني لأعلم أنك حَجَر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقبِّلك ما قبلتك (٣).
стр. 2651
هذا، و (١) الحديث والزيارة المنسوبة إلى علي ﵁ ليست ثابتة.
وقد أنكر (٢) السلف على من سافر لزيارة الطور الذي كلَّم الله عليه موسى، وهو الوادي المقدَّس والبقعة المباركة (٣). فكيف بغيره من مقامات الأنبياء؟ حتى إن قبر النبي ﷺ لم يثبت عن النبيِّ ﷺ لفظٌ (٤) بزيارته؛ وإنما صحّ عنه الصلاةُ عليه والسلام موافقةً لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ولقوله ﷺ في الحديث الذي في "سنن أبي داود" (٥): "ما من رجل يُسلِّم عليَّ إلّا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردّ ﵇". وفي "سنن أبي دود" (٦) عنه ﵇ أنه قال: "أكثروا عليَّ مِنَ الصلاة يوم الجمعة وليلة
стр. 2652
الجمعة فإن صلاتكم معروضةٌ عليّ". قالوا: يا رسول الله كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرِمْتَ؟ أي: بَليتَ، قال: "إنّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".
وأما الأحاديث التي يرويها بعضُ الناس، مثل ما يروون (١) أنه قال: "من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنتُ له على الله الجنة" (٢). و"من زارني وزار اليسع ... " (٣) ونحو ذلك= فهي أحاديث مكذوبة موضوعة، وكذلك اللفظ فيه: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن زارني بعد مماتي ضمنتُ له على الله الجنة، ومن حجَّ ولم يزرني فقد جفاني" (٤). وكلُّ هذه الأحاديث ضعيفة بل موضوعة.
وقد كره مالك وغيره من أهل العلم أن يقول القائل: زرتُ قبر النبي ﷺ ؛ وذلك يبين (٥) أنّ هذا اللفظ كان بدعة عند أهل المدينة، الذين هم أعلم الناس بسنة رسول الله ﷺ ، وأشدّهم تعظيمًا لقدره. ولهذا لم يكن
стр. 2653
على عهد الصحابة والتابعين مشهدٌ يزار، لا على قبر نبيّ ولا غير نبيّ، فضلاً عن أن يُسافَر إليه؛ لا بالحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا مصر ولا المشرق، وإنما حدثت هذه الأمور بعد انقراض خيار القرون. وذلك لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ النهي عن هذه الأمور، كما في "الصحيحين" (١) عن [عائشة] (٢) [ق ٧٦] عنه أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يُحَذّر ما فعلوا". قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يُتَّخَذ مسجدًا.
وفي "صحيح مسلم" (٣) عن جندب أن النبي ﷺ قال قبل أن يموت بخمس: "إنّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد؛ ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".
وفي "المسند" و "صحيح أبي حاتم" عنه أنه قال: "إنّ من شِرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" (٤).
стр. 2654
ولهذا لم يذكر الله تعالى في كتابه إلا المساجد دون المشاهد فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. ولم يقل: المشاهد. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]. وأمثال ذلك.
وأصل دين الإسلام: أنهم ليس لهم بقعة يقصدونها بالعبادة فيها؛ إلا أن يكون مسجدًا. فليس من دينهم قصد مغارةٍ بجبل ولا أثر نبي ولا غير ذلك، ولكن جُعِلت الأرضُ كلها لهم مسجدًا. وبحكم العموم والإباحة فلهم أن يصلوا حيث شاءوا من غير قصد تخصيص بقعة إلا المواضع المنهي عنها (١) كأعطان الإبل والمقبرة والحمام.
ثم المساجد قد حرَّم الله عليهم أن يبتنوها على قبر، وأن يتخذوا القبر مسجدًا؛ فإن ذلك من أصول الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤] قال طائفة من السلف: هؤلاء كانوا
стр. 2655
قومًا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوَّروا تماثيلَهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم (١).
ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية: مقصودها السلام على الميت والدّعاء إن كان الميت مؤمنًا، وتذّكر الموت سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "استأذنتُ ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور أمي فأذن لي؛ فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" (٢).
وكان يعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين مِنّا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية" (٣).
والزيارةُ لقبر المؤمن ــ نبيًّا كان أو غير نبيّ ــ من جنس الصلاة على جنازته، يُدعى (٤) له إذا صُلّي على جنازته (٥).
стр. 2656
وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة النصارى المشركين، مقصودها الإشراك [ق ٧٧] بالميت؛ مثل طلب الحوائج منه، أو التمسّح بقبره وتقبيله، أو السجود له ونحو ذلك. وهذا ونحوه لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا استحبّه أحدٌ من أئمة المسلمين، ولا كان أحدٌ من السلف يفعله لا عند قبره (١) ﷺ ولا عند غيره.
بل قد أجدبوا واستسقوا، ولم يكونوا يأتون إلى قبر النبي ﷺ يدعون عنده لا في ذلك الوقت ولا غيره. بل ثبت في "الصحيح" أنهم لما أجدبوا على عهد عمر ﵁ استسقى بهم فقال: اللهم إنا إذا كنا أجدبنا توسّلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسَّلُ إليك بعمّ نبينا فاسقنا، فيُسقون (٢).
فكانوا في حياته يتوسّلون إلى الله بدعائه وشفاعته، فلما مات ﷺ بقوا يتوسلون بدعاء العباس.
ولم يكونوا يُقْسمون على الله بأحد من خلقه لا نبيّ ولا غيره، ولا يسألون ميتًا ولا غائبًا، ولا يستعينون بميت ولا غائب، سواء كان نبيًّا أو غير نبي. بل كان فضلاؤهم لا يسألون غير الله شيئًا؛ تحقيقًا لقوله:
стр. 2657
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]. وقال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استغنت فاستعن بالله" (١).
وفي "المسند" (٢) أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحدٍ: ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناسَ شيئًا. وكذلك كان عوف الأشجعي وغيره ممن وصّاهم النبي ﷺ : أن لا تسأل الناسَ شيئًا (٣).
وهذا لأن جِماع (٤) الدين أن لا يعبدَ (٥) الناسُ إلا الله، وأن يعبدوه بما شرع، لا يعبدوه بالبدع، كما قال الفُضَيل بن عياض في قوله : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] قال الفُضَيل: أخْلَصه وأَصْوَبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم
стр. 2658
يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالصُ: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنَّة (١).
وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع (٢).
وأما خروج النساء إلى المساجد مظهرات الزينة، فإنّ ذلك منهيٌّ عنه باتفاق الأئمة؛ إذا كانت خارجة إلى صلاة الجماعة. وأما خروجهن في المجامع المبتدَعَة، مثل التعرِيف ببيت المقدس وأمثال ذلك مع (٣) إظهار الزينة والطيب؛ فهذا منكر من وجوهٍ عدةٍ، وليس لزوجها ولا أبيها ولا نحوهما تمكينها من ذلك، بل عليهم أن يمنعوها من ذلك فضلاً عن إعانتها على ذلك.
وأما زيارة المرأة لبيت (٤) المقدس في غير موسم من غير سفر (٥) فلا بأس بذلك.
стр. 2659
مَسْألة في عَسْكَر المنصور المتوجِّه
إلى الثغور الحلبية سنة ٧١٥ هـ
стр. 2660
مسألة في العسكر
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين، ما النية في هذه الغزوة التي يخرج فيها عسكر المنصور إلى الثغور الحلبية سنة خمس عشرة، وذكر وليّ الأمر أنها غزوة شرعية، فهل تكون النية سفر طاعة، فهل يستحب القصر فيه، أم لا؟ وهل يجوز الجمع في أوقات جدّ السير، بينوا لنا ذلك والحالة هذه؟
الجواب: الحمد لله.
نعم هو سفر طاعة يجوز فيه القصر، والقصر للمسافر سُنّة راتبة، فإن النبي ﷺ لم يكن يصلي في سفره إلا قصرًا، لم يصلِّ (١) الظهر والعصر والعشاء في السفر أربعًا قط. فأما الجمع فهو رخصة عارضة، فإنه لم يكن يجمع في غالب الأوقات، وإنما يجمع عند الحاجة، كما جمع بعرفة ومزدلفة، وكما كان يجمع إذا جدَّ به السير (٢)، وكان إذا سافر قبل أن ترتفع الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فصلاهما جمعًا. وأما في حال نزوله في السفر فما نُقِل عنه الجمع إلا مرة واحدة.
وكان يصلي في السفر الوتر، وركعتي الفجر، وكان يصلي التطوّع
стр. 2661
وغيره على راحلته قِبَل أيّ وجهٍ توجّهت به، سواء جهة سيره جهة الكعبة أو غيرها.
وإنما جاز القصر في السفر لأنه ليس سفرًا محرمًا، بل من كان له فيه نية صالحة، وأراد به وجه الله، وقَصَد الجهاد الشرعي= كان ذلك من أفضل أعماله، وذلك لأن جهاد العدوّ الخارجين عن شريعة الإسلام ليكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله هي العليا= من أفضل الأعمال الشرعية.
[٧٩] و سَعْي المسلمين في (١) قَهْر التتار والنصارى والروافض مِنْ أعظم الطاعات والعبادات (٢)، فإنَّ هؤلاء محاربون لله ورسوله، خارجون عن شريعة الله وسبيله، وإن كان التتر والروافض يتكلَّمون بالشهادتين ويتظاهرون ببعض الإسلام، فقد أمر الله ورسوله بجهاد مَنْ هو خير منهم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨ - ٢٧٩]. والربا أحرم ما حرَّم الله في القرآن، وكان أهل الطائف قد أسلموا والتزموا الصيام والصلاة وسائر الشريعة، إلا أنهم قالوا: لا ندع الربا، فأمر الله بجهادهم، وأخبر أنهم يحاربون الله ورسوله (٣).
стр. 2662
فإن كانوا هؤلاء الذين لم ينتهوا عن الربا، قد أمر الله بمحاربتهم، مع أن الربا مالٌ يؤخذ برضا المتعاقدين، فكيف بمن يستحلُّ دماءَ المسلمين وأموالَهم، وإفساد دينهم ودنياهم؟ فطاعتهم (١) ودين الإسلام لا يجتمعان.
ولما توفي النبي ﷺ [و] ارتدَّ مَن ارتدَّ قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (٢) " فقال له أبو بكر: ألم يقل: "إلا بحقها" فإن الزكاة مِنْ حقِّها، والله لو منعوني عناقًا (٣) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيتُ أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق (٤).
فقد قاتل الصحابة من كان مسلمًا لكونه لا يؤدي الزكاة، وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ من غير وجهٍ أنه ذكر الخوارج فقال: "يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق
стр. 2663
السهمُ من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" (١).
فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم أمر النبي ﷺ بقتالهم؛ لكونهم خرجوا عن جماعة المسلمين، واستحلّوا دماء المسلمين وأموالهم، ولا يكفرون أبا بكر وعمر، وإنما يطعنون في عثمان وعلي. والروافضة شر من هؤلاء؛ فإنهم يعاونون اليهود والنصارى، وعاونوهم مع هلاوون (٢) لما قدم إلى بغداد، فأعانوه على قتل بيت النبوة العباسيين وغيرهم من المؤمنين، وأعانوا اليهود والنصارى بالشام نوبة هلاوون وقازان، وغير ذلك، ولا ريب أن ضررهم على المسلمين أعظم من ضرر التتر.
[٨٠] وأما التتار فإنهم وإن أسلموا لم يلتزموا بسائر الشريعة، والله قد أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله لله، فإذا كانت الطائفة الممتنعة تتشهَّد ولا تصلي، قوتلوا حتى يصلوا، ولو قالوا: نصلي ولا نصوم،
стр. 2664
قوتلوا حتى يصوموا. ولو قالوا: نصوم (١) ولا نحج، قوتلوا حتى يحجوا البيت، ولو قالوا: نؤدي الفرائض ولا نحرِّم ما حرَّم الله ورسوله، ولا نحرم الربا أو الخمر أو الفواحش، ونحو ذلك، قوتلوا على ذلك، ولو قالوا: يُحْكَم بيننا بالياساق (٢) ولا يحكم بيننا الله ورسوله، قوتلوا على ذلك. ولو قالوا: نوالي جنسنا من الكفار، ونعادي المسلمين الذين لا يطيعونا، قُوتِلوا على ذلك.
والتتار فيهم من الخروج (٣) عن شريعة الإسلام أمورٌ كثيرةٌ، حتى إن ملكهم قد أظهر الرَّفْض وتزوج ببنت أخيه، ومثل هذا يوجب قتل مستحلِّه باتفاق الأئمة، بل من تزوج امرأة أبيه (٤) قُتِل، كما في "السنن": أن النبي ﷺ بعث أبا بردة بن نِيار (٥) إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمره
стр. 2665
بقتله، وأن يأخذ خُمس ماله (١). فكيف بمن تزوَّج بنت أخيه؟!
ولكن الواجب في جهادهم أن تُعصَم دماء المسلمين وأموالهم وحريمهم الذين في بلادهم، ولا يقاتل إلا من كان معاونًا لهم.
ولا تجوز الإغارة على بلاد الشرق فإنهم مسلمون، كما أن أهل الشام مسلمون، ولكن يشهدهم (٢) العدو، كما قهروا أهل الشام لما دخلوا عليهم، فالواجب إنقاذهم من الدولة الخارجة عن الشريعة حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويعمل بالكتاب والسنة بحسب الإمكان، كما خرج العسكر من مصر لإنقاذ بلاد الشام منهم لما استولوا عليها.
ومَنْ أغار على المسلمين وتعرَّض لدمائهم وأموالهم بغير حقِّها، فهو ظالمٌ معتد، ولا طاعة لمن يأمر بذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله. والله أعلم.