وغيره على راحلته قِبَل أيّ وجهٍ توجّهت به، سواء جهة سيره جهة الكعبة أو غيرها.
وإنما جاز القصر في السفر لأنه ليس سفرًا محرمًا، بل من كان له فيه نية صالحة، وأراد به وجه الله، وقَصَد الجهاد الشرعي= كان ذلك من أفضل أعماله، وذلك لأن جهاد العدوّ الخارجين عن شريعة الإسلام ليكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله هي العليا= من أفضل الأعمال الشرعية.
[٧٩] و سَعْي المسلمين في (١) قَهْر التتار والنصارى والروافض مِنْ أعظم الطاعات والعبادات (٢)، فإنَّ هؤلاء محاربون لله ورسوله، خارجون عن شريعة الله وسبيله، وإن كان التتر والروافض يتكلَّمون بالشهادتين ويتظاهرون ببعض الإسلام، فقد أمر الله ورسوله بجهاد مَنْ هو خير منهم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨ - ٢٧٩]. والربا أحرم ما حرَّم الله في القرآن، وكان أهل الطائف قد أسلموا والتزموا الصيام والصلاة وسائر الشريعة، إلا أنهم قالوا: لا ندع الربا، فأمر الله بجهادهم، وأخبر أنهم يحاربون الله ورسوله (٣).
стр. 2662
فإن كانوا هؤلاء الذين لم ينتهوا عن الربا، قد أمر الله بمحاربتهم، مع أن الربا مالٌ يؤخذ برضا المتعاقدين، فكيف بمن يستحلُّ دماءَ المسلمين وأموالَهم، وإفساد دينهم ودنياهم؟ فطاعتهم (١) ودين الإسلام لا يجتمعان.
ولما توفي النبي ﷺ [و] ارتدَّ مَن ارتدَّ قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (٢) " فقال له أبو بكر: ألم يقل: "إلا بحقها" فإن الزكاة مِنْ حقِّها، والله لو منعوني عناقًا (٣) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيتُ أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق (٤).
فقد قاتل الصحابة من كان مسلمًا لكونه لا يؤدي الزكاة، وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ من غير وجهٍ أنه ذكر الخوارج فقال: "يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق
стр. 2663
السهمُ من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" (١).
فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم أمر النبي ﷺ بقتالهم؛ لكونهم خرجوا عن جماعة المسلمين، واستحلّوا دماء المسلمين وأموالهم، ولا يكفرون أبا بكر وعمر، وإنما يطعنون في عثمان وعلي. والروافضة شر من هؤلاء؛ فإنهم يعاونون اليهود والنصارى، وعاونوهم مع هلاوون (٢) لما قدم إلى بغداد، فأعانوه على قتل بيت النبوة العباسيين وغيرهم من المؤمنين، وأعانوا اليهود والنصارى بالشام نوبة هلاوون وقازان، وغير ذلك، ولا ريب أن ضررهم على المسلمين أعظم من ضرر التتر.
[٨٠] وأما التتار فإنهم وإن أسلموا لم يلتزموا بسائر الشريعة، والله قد أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله لله، فإذا كانت الطائفة الممتنعة تتشهَّد ولا تصلي، قوتلوا حتى يصلوا، ولو قالوا: نصلي ولا نصوم،
стр. 2664
قوتلوا حتى يصوموا. ولو قالوا: نصوم (١) ولا نحج، قوتلوا حتى يحجوا البيت، ولو قالوا: نؤدي الفرائض ولا نحرِّم ما حرَّم الله ورسوله، ولا نحرم الربا أو الخمر أو الفواحش، ونحو ذلك، قوتلوا على ذلك، ولو قالوا: يُحْكَم بيننا بالياساق (٢) ولا يحكم بيننا الله ورسوله، قوتلوا على ذلك. ولو قالوا: نوالي جنسنا من الكفار، ونعادي المسلمين الذين لا يطيعونا، قُوتِلوا على ذلك.
والتتار فيهم من الخروج (٣) عن شريعة الإسلام أمورٌ كثيرةٌ، حتى إن ملكهم قد أظهر الرَّفْض وتزوج ببنت أخيه، ومثل هذا يوجب قتل مستحلِّه باتفاق الأئمة، بل من تزوج امرأة أبيه (٤) قُتِل، كما في "السنن": أن النبي ﷺ بعث أبا بردة بن نِيار (٥) إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمره
стр. 2665
بقتله، وأن يأخذ خُمس ماله (١). فكيف بمن تزوَّج بنت أخيه؟!
ولكن الواجب في جهادهم أن تُعصَم دماء المسلمين وأموالهم وحريمهم الذين في بلادهم، ولا يقاتل إلا من كان معاونًا لهم.
ولا تجوز الإغارة على بلاد الشرق فإنهم مسلمون، كما أن أهل الشام مسلمون، ولكن يشهدهم (٢) العدو، كما قهروا أهل الشام لما دخلوا عليهم، فالواجب إنقاذهم من الدولة الخارجة عن الشريعة حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويعمل بالكتاب والسنة بحسب الإمكان، كما خرج العسكر من مصر لإنقاذ بلاد الشام منهم لما استولوا عليها.
ومَنْ أغار على المسلمين وتعرَّض لدمائهم وأموالهم بغير حقِّها، فهو ظالمٌ معتد، ولا طاعة لمن يأمر بذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله. والله أعلم.
стр. 2666
صورة مكاتبة الشيخ تقي الدين
للسلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين
سنة ثمان وتسعين وستمائة
стр. 2667
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
من الدّاعي أحمد ابن تيمية إلى سلطان المسلمين وولي أمر المؤمنين، نائب رسول الله ﷺ في أمته بإقامة فرض الدين وسنته، أيده الله تأييدًا يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا والآخرة، ويقيم به جميع الأمور الباطنة والظاهرة، حتى يدخل في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
وفي قول النبي ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظله: إمام عادل، وشابّ نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ربَّ العالمين، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١).
وفي قوله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تَبِعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء" (٢).
стр. 2668
وقد استجاب الله دعاء الأمة في السلطان، فجعل فيه من الخير الذي شهدت به قلوب الأمة ما فضَّله به على غيره، والله المسؤول أن يعينه، فإنه أفقر خلق الله إلى معونة الله [٩٨] وتأييده، حتى يدفع عنه كل ضر، ويجلب إليه كلَّ خير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلاحُ أمر السلطان في إقامة سلطان الله، وإنفاذ مرسوم رب العالمين الذي هو كتابه، فإنه سبحانه جعل صلاح أهل التمكين في أربعة أشياء: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
فإذا أقام الصلاة في مواقيتها جميعه (١) هو وحاشيته وأهل طاعته، وأمرَ بذلك جميعَ الرعية، وعاقب من تهاون في ذلك بالعقوبة التي شرعها الله، فقد تمَّ هذا الأصل.
ثم إنه مضطر إلى الله تعالى، فإذا ناجى ربه في السحر واستغاث به، وقال: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث" أعطاه الله من المكنة ما لا يعلمه إلا الله (٢).
ثم كلّ نفع وخير يوصله إلى الخلق هو من جنس الزكاة، فمن أعظم العبادات: سدّ الفاقات، وقضاء الحاجات، ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف، وهو: الأمر بما أمر الله به ورسوله من العدل والإحسان، وأمر نوَّاب البلاد وولاة الأمور باتباع حكم الكتاب والسنة،
стр. 2669
وتعظيم حرمات الله. والنهيُ عن المنكر: النهيُ عما نهى الله عنه ورسوله.
* ومما نهى الله عنه ورسوله: إتيان العراف والكُهّان والمنجم (١)، قال النبي ﷺ : "من أتى عرَّفًا فسأله عن شيء لم يقبل الله له صلاة أربعين يومًا". رواه مسلم في "صحيحه" (٢).
وقال النبي ﷺ : "من اقتبس [علمًا من النجوم اقتبس] شُعبةً من السحر، زاد ما زاد". رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح (٣).
وقد تقدم إلى ولي الأمر بالشام بما يشكره الله وعبادُه المؤمنون (٤) من إبطال هؤلاء ومنعهم من الجلوس بالحوانيت والطرقات، ومن منع الخمر والحشيشة المسكرة، حتى يَعْبد الخلقُ ربَّهم ويتَّكلوا عليه ويستعينوه * (٥).
فإذا تقدم السلطان أيّده الله بذلك في عامة بلاد الإسلام، كان فيه من صلاح الدنيا والآخرة له وللمسلمين ما لا يعلمه إلا الله، والله يوفقه بما يحبه ويرضاه.
стр. 2670
[مسألة في الداء والدواء] (١)
الحمد لله (٢).
سئل شيخ الإسلام ﵁ وأثابه الجنة (٣): ما دواء من تحكَّم فيه الداء، وما الاحتيال فيمن تسلَّط عليه الخَبَال، وما العمل فيمن غلب عليه الكسل، وما الطريق إلى التوفيق، وما الحيلة فيمن سطت عليه الحيرة؟ إن قَصَد التوجُّه إلى الله مَنَعَه هواه، وإن رام الادِّكار غلب عليه الافتكار، وإن أراد يشتغل لم يطاوعه الفشل (٤).
غلب الهوى فتراه في أوقاته ... حيران صاحي بل هو السكران (٥)
إن رام قربًا للحبيب تفرَّقت ... أسبابُه وتواصل الهجران
هجر الأقارب والمعارف عَلَّه ... يجد الغنى وعلى الغناء يُعان
ما ازداد إلا حيرةً وتوانيًا ... أكذا بِهِم (٦) مَنْ يستجير يُهان
стр. 2671
فأجاب ﵁:
دواؤه الالتجاء إلى الله تعالى، ودوام التضرُّع إلى الله سبحانه (١)، والدعاء بأن (٢) يتعلم الأدعية المأثورة، ويتوخَّى الدعاء في مظان (٣) الإجابة؛ مثل آخر الليل، وأوقات الأذان والإقامة، وفي سجوده (٤)، وفى أدبار الصلوات.
ويضم إلى ذلك الاستغفار؛ فإنه من استغفر الله ثم تاب إليه [٩٧] متَّعه متاعًا حسنًا إلى أجلٍ مسمّى.
وليتخذ وِرْدًا من الأذكار طَرَفَي النهار ووقت النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف، فإنه لا يلبث أن يؤيّده الله بروح منه، ويكتب الإيمان في قلبه. وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه وظاهره، فإنها عمود الدين. ولتكن هِجِّيراه (٥): "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (٦) "، فإنه بها يُحْمَل الأثقال، ويُكابد
стр. 2672
الأهوال، وينال رفيع الأحوال (١).
ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يُستجاب له ما لم يَعجَل فيقول: قد دعوتُ فلم يستجَبْ لي. وليعلم أن النصرَ مع الصبر، وأنَّ الفَرَج مع الكرب، وأن مع العُسر يسرًا، ولم ينل أحدٌ شيئًا من جسيم (٢) الخير ــ نبيٌّ فمَن دونه ــ إلا بالصبر.
والحمد لله رب العالمين (٣).
стр. 2673
رسالة في الكلام في الحلَاّج
стр. 2674
تكلم في الحلاج وأمثاله شيخُ الإسلام ــ بحرُ (١) العلوم، بقية السلف الكرام، آخر المجتهدين وقدوة المتأخرين، تاج العارفين ولسان المتكلمين، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ﵀ ورضي عنه وأثابه الجنة بفضل رحمته وإيانا أجمعين إنه على كل شيء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة [١١١] إلا بالله العزيز الحكيم ــ[و] على الفِرَق من الطوائف المختلفة كلامًا طويلاً، ثم قال في أثناء كلامه ــ والسياق أصله في الحلاج ــ:
فصل
وأما حكم الله في حقّ هذا المعيَّن، فلا ريب أن الأقوال التي ذُكِر أنه قُتل عليها؛ من الاتحاد، ودعوى الإلهية كفرٌ باتفاق المسلمين. فمن اعتقد في نفسه ما يعتقد النصارى في المسيح، فهو كافر بالله باطنًا وظاهرًا، ولو كان أعْبَد الناس وأزْهَد الناس؛ فإن أنواع العبادات والزهادات، وأنواع الرياضات والمجاهدات لا تُقبل إلا مع الإيمان بالله ورسوله.
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن اليهود والنصارى كفّار وإن كانوا من أعبد الناس. وأنَّ رهبان النصارى لا يقبل الله عباداتهم وزهاداتهم؛ لأنهم خارجون عن دين الإسلام، مع أن معهم من العبادات والزهد ما هو أبلغ.
стр. 2675
وكذلك المشركون في عبادة الأصنام؛ كعبّاد (١) الهند الذين يعبدون الأبداد (٢) وغيرهم كفار بإجماع المسلمين وإن كانوا عُبَّادًا زهَّادًا.
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].
وقد سُئل (٣) عن هؤلاء سعد بن أبي وقاص فقال: هم أهل الصوامع والزيارات. وسئل عنهم علي بن أبي طالب ﵁ فقال: هم أهل حروراء. يعني الخوارج (٤).
وقد ثبت في "الصحيح" (٥) في الخوارج: "يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة".
وهؤلاء قاتلهم أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بأمر
стр. 2676
النبي ﷺ ، وقتلهم مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، فإذا كان هؤلاء يخرجونهم عن السنة والجماعة، فكيف بمن خرج عن أهل الدين بما ينافي التوحيد والرسالة، ودخل فيما عليه النصارى ونحوهم من الضلالة؟
ولو كان لمثل (١) هذا من خوارق العادات ماذا عسى أن يكون، فإنه [إن] لم يلتزم طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا فإنه ضالٌّ مفتون. وقد اتفق أهل طريق الله على أن خوارق العادات مع الخروج عن الكتاب والسنة (٢) لا تغني عن صاحبها شيئًا، وأنَّ الرجل لو طار في الهواء [١١٢] أو مشى على الماء، فلا تغتر به حتى تنظر وقوفه عند الأمر والنهي.
وقد ثبت في "الصحيح" (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قعد أحدكم في التشهد فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال".
والدجال يدَّعي أنه الله ويقول للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخِرْبة أخرجي كنوزك فيخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل الميت ثم يعيش. ومع هذا كله فهو كافر بالله العظيم. فمن اتبع أحدًا في ضلالة لأجل ما يظهر عنه من خارق؛ فقد أصابته فتنة الدجال.
стр. 2677
وقد قال النبي ﷺ لابن صياد: "إني قد خَبَأتُ لك خبيئًا" فقال: الدُّخ، فقال: "اخسأ فلن تعدوَ قَدْرَك (١) " (٢) أي: أنت كاهن. وهذه قاعدة مبسوطة في غير هذا الموضع.
وعامة هؤلاء الخارجين عن شريعة الإسلام؛ كالسهروردي المقتول الحلبي، وابن سبعين (٣) وأمثالهم كانوا يتعاطون السيمياء التي هي من السحر، وحكاياتهم في ذلك مشهورة، وهي من أنواع التخييل. وكانوا فلاسفة يميلون إلى طريقة الحلَّاج وأمثاله. ولابن سبعين خِرْقَة مجهولة الرجال متصلة بالحلَّاج.
وقد استفاض مِن نَقْل العلماء ونصوصهم أنّ الحلَّاج كانت له مخاريق، فلا يجوز لأحدٍ أن يستدلّ بمخارقه على أنه ولي لله، وأنه قُتِل مظلومًا. فإن كثيرًا من الجُهَّال من يفعل هذا، ويبني عليه ثلاث مقدمات باطلة:
أحدها (٤): أنه كانت له كرامات.
والثانية: أن صاحب الكرامات التي هي خرق العادات وليّ لله.
والثالثة: وليّ الله لا يقول إلا حقًّا ولا يعمل إلا خيرًا. فهذه الثلاثة
стр. 2678
باطلة في حقه وحق أمثاله.
أما الأولى، أنه (١) كانت له كرامات، فأكثر ما يُحكَى يكون كذبًا من باب الحيل والمخاريق، كما ذكر الناس (٢) في أخبار الحلَّاج أنه كان صاحب مخاريق، فيكون ما يدعيه من خرق العادات كذبًا، وما كان منه صدقًا كان له من الأسباب، كالسحر والعين والأحوال الفاسدة، ما يخرجه عن أن يكون من جنس كرامات أولياء الله.
وبهذا يظهر فساد المقدمة الثانية، وهو أنه ليس كلّ من كان له خرق عادة يكون وليًّا لله، كالدجال وأمثاله.
وأما الثالثة، فليس من شرط وليّ الله أن يكون معصومًا، بل يجوز عليه الخطايا والذنوب، وكلّ واحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ .
وأولياء الله هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. والتقوى هي: أداء الواجبات وترك المحرَّمات، وقد يكون معها صغيرة بلا إصرار [١١٣] وكبيرة مع توبة واستغفار.
стр. 2679
وإذا عُرِف ذلك، فمن اعتقد ذلك، أو قال قولًا يخالف دين الإسلام؛ من الاتحاد الذي قُتِل (١) عليه الحلَّاج وأمثاله، مثل قوله: إني أنا الله، ونحو ذلك، إن عاقلًا يعلم ما يقول، وإن كان مخالفًا لدين الإسلام= فلا ريبَ أنه كافر باطنًا وظاهرًا. وإن كان قد غُلِب على عقله لفساد مزاجه أو حالٍ ورد عليه، فجُعِل كالسكران وأوقعه في الفتن والاصطلام= فهذا ارتفع عقله بسبب يُعْذَر فيه [و] لم يكن مأثومًا، فإنّ النبيّ ﷺ قال: "رُفِعَ القلم عن المجنون حتى يفيق" (٢).
فإذا كان زوال عقله لسماع القرآن ونحوه، كان معذورًا، كما يكون المُغْمى عليه بالمرض معذورًا.
وإن كان زوال عقله بسبب محظور، كالسماع المنهيّ عنه؛ كمن زال عقله بشُرْب محرَّم كالخمر والحشيش. وهذا إذا تكلم بالكفر في تلك الحال فهل يكفر؟ على قولين مشهورين للعلماء في السكران، لكن الأظهر أنه لا يكفر.
стр. 2680
ثم منهم من فرَّق بين من يزول عقله بسبب يُشْتَهى كالخمر، وسبب لا يُشتهى كالبنج، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة، وهو المنصوص عن أحمد، [ومنهم من لم يُفرِّق] (١) كالشافعي، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد كأبي الخطاب. وبكلِّ حال فإذا صحا من سُكْره وتاب مما قال تاب الله عليه باتفاق العلماء.
فمن خرج في سُكْره إلى شطحٍ هو كفر، وكان زوال عقله بسبب يُعْذَر فيه فلا إثم عليه. وإن كان بسبب محظور ثم تاب تاب الله عليه. وأما من أصرَّ على ذلك في حال صحوه وحضور عقله، فهذا كافر زنديق باطنًا وظاهرًا، وهذا هو الذي ثبت في حال الحلَّاج وأمثاله. وقد عُلِم أنه قُتِل على الزندقة، فإذا تاب قبل أن يموت فيما بينه وبين الله [تاب الله عليه] (٢) باتفاق المسلمين، وهذا مما يُشكّ فيه في حال الحلّاج، فإنه يمكن أن يكون قبل الموت تاب فيما بينه وبين الله، ويمكن أنه لم يتب، فإن تاب قَبِل الله توبته على صالح عمله.
وأيضًا فالزندقة ليست صفة لازمةً للعبد، فقد يكون في حال مؤمنًا وفي حال منافقًا، ففي حال نفاقه متكلم بالكفر وفي حال إيمانه يتوب منه. وهذا الحال يشبه حال أبي العلاء المعرِّي وأمثاله ممن ثبت عنه أنه
стр. 2681
تكلم بكلمات كفرية، مع تكلّمه بكلمات إيمانية تنافي ذلك.
والواحد من هؤلاء قد تكون عاقبته باعتبار أحوال إيمانه (١)، ومن ذمّه فباعتبار نفاقه واستصحابٍ لحال (٢) نفاقه إلى الموت، وتفاصيل أحوالهم المعيَّنة إلى الله، لكن يجب الجزم بكفر الكلام المنقول عنهم الذي يخالف دين الإسلام من مقالات [١١٤] أهل الاتحاد (٣) ونحوها.
فإذا تبيَّن هذا فالذي لا ريب فيه أن الحلَّاج بدا منه من الأقوال ما هي محرَّمة في دين الإسلام، موجِبة للقتل باطنًا وظاهرًا، وأن الرجل لم يكن على الصراط المستقيم، ولا ملازمًا (٤) لطريقة الكتاب والسنة، ولا هو ممن يجوز الاقتداء به ولا اتخاذه إمامًا، ولا يجوز التعصُّب له والانتصار له بدعوى ضد ذلك بكون (٥) كان له عبادات وزهادات، فيمكن أنه تاب فيما بينه وبين الله مما هو كفر، فيكون قد مات على الإيمان وهو من أهل الكبائر، ويمكن أنه لم يتب من ذلك فيكون منافقًا، ويمكن أنه تاب من الكفر والبدعة والفسوق فمات تائبًا لا ذنب له، ويمكن أنه لم يتب من ذلك فيكون حكمه (٦) حكم فساق أهل الملة إن
стр. 2682
شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له. ويمكن أنه بقي مصرًّا على خطأ هو ذنب أو خطأ هو مغفور.= فهذه كلها أقسام ممكنة (١)، والجزم بواحد منها بلا دليل قولٌ بغير علم، [و] هو كلام فيما لا يعنينا. فإن الذي يجب علينا أن نثبت (٢) ما أثبته الكتاب والسنة وننكر ما أنكره الكتاب والسنة، وهذا يظهر بذكر الحكم فيما يُنْقل عنه من الأقوال نظمًا ونثرًا.
فنقول: إنه قد نُقِل عن الحلَّاج من المقالات أنواع كثيرة لا ريب أن كثيرًا منها كذب عليه، فإنه قد صار له شهرة، فمن الناس من قد يبالغ في ذمه حتى يَنْقل عنه ما لم يقله، ومن الناس من يريد ينفق المقالات الباطلة فيحكيها عنه ليقبلها من يحسن الظن.
وهذا قد فُعِل بغير الحلَّاج من علماء الدين وأئمة الهدى، نُقِل عنهم من الكلمات المكذوبة أنواع، تارةً بغرض (٣) الذمّ وتارة بغرض المدح، وتارة بغرض القبول لقول سيَّد (٤) ولد آدم رسول الله ﷺ ! وكذلك نُقِل عن علي بن أبي طالب ﵁ من الأكاذيب ما الله به عليم، وعن جعفر بن محمد الصادق، وغير هؤلاء من أئمة الهدى.
وينقل عن يزيد والحجاج وأمثالهما من الأكاذيب في الذمِّ ما لم
стр. 2683
يقولوه ولم يفعلوه، وإن كان لهما ما لهما فما الشر ما يقع مثل هذا (١).
وكذلك الحلَّاج نُقِل عنه نظمًا ونثرًا من مقالات الاتحاد ومقالات أهل الاتحاد ما (٢) الله به عليم، وصار ذلك فتنةً لمن يظنه من أولياء الله المتقين، وعلوم الأسرار والحقائق (٣)، بمنزلة ما نُقِل عن علي ﵁ من هذه الأحاديث، وبمنزلة ما نُقِل عن أبي يزيد إما كذبًا عليه وإما غلطًا منه.
لكن إذا نُقِل عن رجل له قبول في الإسلام، كان الضلال به أكثر بخلاف [١١٥] ما يُنقل عن الحلاج وأمثاله، فإن القائل قد قُتل على الزندقة، ومن قُتل على الزندقة سقطت حُرمة أقواله.
وينبغي أن يكون عند المسلم من هذا قاعدة عامة، وهو أن الرسول ﷺ معصوم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لا يقول على الله إلا الحق، ولا يخرج من بين شفتيه إلا حق، وهو حجة الله على عباده. هذا قول مالك بن أنس الإمام ﵁: كلُّ (٤) أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ . وأنه ليس لأحدٍ من المشايخ والعلماء أو
стр. 2684
الملوك أو الأمراء أو غيرهم طريق إلى الله غير اتباعه [ومن ظنَّ أن لأحدٍ من أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ باطنًا وظاهرًا فلم يتابعه] (١) فهو كافر.
ومن زعم أن من أولياء الله (٢) من يخرج عن اتباعه وطاعته كما خرج الخضر عن اتباع موسى وطاعته فإنه كافر. فإن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر بل كان نبيًّا إلى بني إسرائيل، ومحمد ﷺ رسول الله إلى جميع العالمين عربهم وعجمهم، وجنهم وإنسهم. مع أنَّ الذي فعله الخضر لم يكن خارجًا عن الشريعة، بل كان له أسباب إذا عَلِمها العبد تبيَّن له أنه جائز في الشريعة، ولهذا لما بيَّن الخضر (٣) تلك الأسباب لموسى عَلِم موسى أن تلك الأفعال جائزة في الشريعة.
ومن زعم أن من [أهل] الصُّفَّة من خرج عن طاعة النبي ﷺ أو قاتَلَه (٤) أو سمع ما أُلقي إليه ليلة المعراج؛ فهو ضالٌّ مفترٍ.
ولا يكون العبدُ مؤمنًا حتى يكون كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
стр. 2685
حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. ومثل هذا في القرآن كثير في نحو أربعين موضعًا.
فالإسلام أصلان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله. وإذا أقرَّ بذلك فليعلم أن القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ هي الحق وما خالفها باطل، فإنَّ هذا نقلٌ مصدَّق عن قائل معصوم، وما يخالف هذا من أقوال أو أفعال تُحكى عن بعض المشايخ أو العلماء وغيرهم فقد يكون الناقل غير مصدَّق، وإن كان الناقل صادقًا فالقائل غير معصوم في مخالفة الناقل المصدَّق عن القائل المعصوم.
فهذا القول يجب على المؤمن أن يعتصم به، ويَزِن جميع ما يَرِد عليه [١١٦] على هذا الأصل. فما يجده من التنازع (١) في بعض المشايخ
стр. 2686
والعلماء والملوك أو غيرهم في حمده وذمّه، فلا يخلو إما أن يكون المراد به معرفة حقيقة ذلك الرجل عند الله، فهذا لا حاجة بنا إلى معرفته، وقد لا يمكن معرفته. وإما أن يكون المراد حُكْم ما يُذْكَر عنه من أقوال وفعال. فهذا كله معروض على الكتاب والسنة، فما وافقه فهو الحق، وإن كان ذلك القائل فاسقًا أو زنديقًا، وما خالفه فهو الباطل وإن كان ذلك القائل صالحًا بل صدِّيقًا، كما كان معاذ بن جبل ﵁ يقول في وصيته: "اقبلوا الحقَّ مِنْ كلّ مَن جاء به وإن كان كافرًا و (١) احذروا زيغة الحكيم" فقالوا: كيف نعرف أن الكافر يقول الحق؟ وأن الحكيم يزيغ؟ (٢) فقال: "إن على الحقّ نورًا" (٣). يريد: أن الحق معه مِنَ البرهان ما يتبين أنه حق، فهذا مقبول من كل قائل.
و (٤) كثير من الناس يزن الأقوال بالرجال، فإذا اعتقد في الرجل أنه معَظَّم قَبِل أقوالَه وإن كانت باطلةً مخالفةً للكتاب والسنة، بل لا يصغي حينئذ إلى مَنْ يردّ (٥) ذلك القول بالكتاب والسنة. بل يجعل صاحبه كأنه
стр. 2687
معصوم (١). وإذا ما اعتقد في الرجل أنه غير معَظَّم ردَّ أقوالَه وإن كانت حقًّا، فيجعل قائل القول (٢) سببًا للقبول والرد من غير وزن بالكتاب والسنة.
وقد قال علي بن أبي طالب ﵁ للحارث بن حوط (٣) لما قال له: يا عليّ أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل وأنت على حق؟ [فقال]: لا [يا] حارِ (٤) إنه ملبوس عليك، اعرف الحق تعرف أهله، إن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يُعرفون بالحق (٥).
وكلّ من اتخذ شيخًا (٦) أو عالمًا متبوعًا في كلّ ما يقوله ويفعله، يوالي على موافقته ويعادي على مخالفته غير رسول الله ﷺ ؛ فهو مبتدع ضالّ خارج عن الكتاب والسنة، سواء كان من أهل العلم والدين؛
стр. 2688
كالمشايخ والعلماء [أ] وكان من أهل الحرب والديوان؛ كالملوك والوزراء.
بل الواجب على جميع الأمة طاعة الله (١) ورسوله، وموالاة المؤمنين على قدر إيمانهم، ومعاداة الكافرين على قدر كفرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وقال النبي ﷺ : "مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو واحد (٢) تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (٣). وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا وشبَّك بين أصابعه" (٤).
[١١٧] وفي "الصحيح" (٥) عنه أنه قال ﷺ : "إنّ الله يرضى لكم (٦) ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا
стр. 2689
تفرقوا (١)، وأن تناصحوا من ولَّاه الله أمركم". ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٧].
قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفرقة (٢).
وهذا هو الأصل الفارق بين أهل السنة والجماعة، وبين أهل البدعة والفرقة. فإنّ أهل السنة والجماعة يجعلون رسول الله ﷺ هو الإمام المطلق، الذي يتبعونه في كلِّ شيء ويوالون من والاه ويعادون من عاداه. ويجعلون كتاب الله هو الكلام الذي يتبعونه كلَّه ويصدِّقون خبره كلَّه، ويطيعون أمره كلّه. ويجعلون خير الهدي والطريق والسنن والمناهج هي سنة رسول الله ﷺ .
وأما أهل البدعة فينصبون لهم إمامًا يتبعونه، أو طريقًا يسلكونه، يوالون عليه ويعادون عليه، وإن كان فيه ما يخالف السنة، حتى يوالوا
стр. 2690
مَن وافقهم مع بُعْدِه عن السنة، ويعادون من خالفهم مع قُرْبه من السنة.
فإذا عُرِف الصراط المستقيم لم يكن بنا حاجة إلى معرفة حقيقة هؤلاء الرجال الذين اشتهوا عنهم (١). وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا الله العزيز الحكيم.
آخر الفصل، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2691
فصل
فيما يجمع كليات المقاصد
стр. 2692
فصل فيما يجمع كليات المقاصد، لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد ابن تيمية الحراني ﵀ ورضي عنه وأثابه الجنة بفضل رحمته، إنه على كلّ شيء قدير.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
والبِرّ: ما حضّ (١) الله به من واجب ومستحب.
والتقوى: حفظ حدود الله بأن لا يتعدى الواجب والمستحب والجائز. فالبِرّ في الجنس، والتقوى في المقدار.
وضد (٢) ذلك: الإثم، وهو: جنس ما نهى الله عنه، والعدوان هو ما تعدَّى الحدود في الواجب والجائز والمستحبّ. فالعدوان ضد التقوى، كما أن الإثم ضد البر.
وفي "صحيح مسلم" (٣) عن النوّاس بن سمعان قال: سألت (٤) رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: "البرّ حُسْن الخلق، والإثم ما حاك (٥) في نفسك وكرهتَ أن يطلع عليه الناس".
стр. 2693
وقد بسطنا القول في هذا في غير هذا الموضع، والمقصود هنا أن الله أمر بالتعاون على هذا، ونهى عن التعاون على هذا. فالإنسان فيما أُمِر به ونُهي عنه لا يخلو من أربعة أقسام:
* إما أن يفعل المأمور والمحظور جميعًا، فيعين على هذا وهذا، كمن يعاون الذين يفعلون الظلم والفجور على هذا وعلى هذا، ويدخل في ذلك أعوان الظَّلَمة [١١٨] من الأئمة والأمة إذا أعانوهم على البر وعلى الإثم.
* وإما أن يترك المأمور والمحظور جميعًا، فلا يعين على برٍّ ولا على إثم، كحال كثير ممن يتخلّى عن الناس إما كسلاً وإما بخلاً وإما زهدًا وورعًا فاسدًا، وإما لغير ذلك.
* وإما أن يعين على الإثم والعدوان دون البر والتقوى؛ كحال من يعين الظالمين والفاسقين على ظلمهم وفسقهم، ولا يعين على البر.
* وإما أن يعين على البر والتقوى ولا يعين على الإثم والعدوان. فهذا هو المؤمن التقي الذي أطاع الله ورسوله.
وهذا حالُ الناس في كل جنسٍ أمَرَ الله بأحد نوعيه (١) وحرَّم الآخر، بل حكمهم في أمر الله ونهيه؛ فمنهم من يأتي بالمأمور والمحظور،
стр. 2694
ومنهم من يأتي بالمأمور دون المحظور (١).
وهذه الأقسام تعرض للإنسان الواحد بحسب أحواله (٢)، بل تعرض له في اليوم الواحد فيأتي بالأنواع الأربعة.
فأما الذي (٣) يأتي بطاعة الله دون معصيته، أو يأتي بمعصيته دون طاعته؛ فحكمهما ظاهر، وإن كان في بعض أنواعهما وأعيانهما تنازُعٌ واشتباه. لكن الجامع بين الطاعة والمعصية والتارك لهما كثيرًا ما يضطرب الناس في أمرهما. والتحقيق: أنه يوزَن ثواب طاعة الله هنا (٤) مع عقاب معصيته.
وأما التارك لهما فننظر فيما تركه من طاعة، هل كان واجبًا يستحق على تركه عقابًا؟ [و] فيما تركه من المعصية، هل قصد تركه على وجهٍ يكون فيه ثواب؟ فإن كان كذلك له ثواب وعقاب كالأول. وإن لم يكن المتروك من الطاعة واجبًا ولا المتروك من المعصية بقَصْد يُثاب عليه، فهما لا له ولا عليه. فإن رجحت حسناتُ الأولين فهما خيرٌ منه، وإن رجحت سيئاته فهو خير منهما.
стр. 2695
والمقصود أن الله إذ (١) أوجب الإعانة على البر والتقوى، فقد دخل في ذلك فِعْل كل مأمور فإنه من البر، وحِفْظ حدود الله في كل شيء فهو التقوى.
وجِماع ذلك القسط والعدل في كل شيء، فتجبُ الإعانة على حُسْن الخلق. وكما أمر الله بالإعانة على ذلك فأمر بالتناجي به فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩].
والإثم والعدوان جِماعُه الظلم؛ ظلم النفس أو ظلم العبد لنفسه أو لغيره مع نفسه، والظلم في حقّ الله. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢].
فالإعانة على هذه المحرمات هي الإعانة على الإثم والعدوان، والإعانة على الفواحش يدخل فيه الذي تسميه الناس: قيادة، مثلما كانت امرأة لوط ــ العجوز التي تُرِكت في الغابرين ــ تعينُ قومَها قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث، وكانت تدلهم على الأضياف الذين يأتون إلى لوط ﵇.
فالدالُّ على الفواحش [١١٩] من الرجال والنساء، والجامع بين
стр. 2696
الناس على الفواحش بكلامه أو عمله أو مكانه أو غير ذلك له نصيب من هذا، حتى من يبيع ما يستعين به على المعصية، كما لعن النبي ﷺ في الخمر عشرة، لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها (١). حتى قال الإمام أحمد: إن بيع الخبز واللحم والفاكهة لمن يستعين به على الفاحشة والإثم من هذا الباب.
و الإعانة على الإثم والعدوان أعظم من السكوت عن تغيير ذلك، فإنّ السكوت عن تغيير ذلك هو ترك لإنكار (٢) المنكر، والإعانة على المنكر أعظم من السكوت عن إنكاره. والله قد أوجب على الرجل أن يغار على أهله ويصونهم عن الفواحش، فإذا سكت عن تغيير ذلك كان ديُّوثًا، وهو الذي جاء فيه الحديث: "لا يدخل الجنة ديُّوث" (٣). وهو ضد الغيور. و الغيرة التي يحبها الله هي الغيرة في
стр. 2697
الريبة، فإذا لم يَغَرْ مِن فِعْل الفاحشة كان ذلك دياثة. لكن الغيرة على أهل الرجل أوجب من الغيرة على غير أهله. وكذلك الدياثة في حق أهله أعظم جرمًا. وذلك أنه مَنْع لمشاركة (١) غيره له في أهله، وذلك أمر يختصّ به ويعود (٢) ضرره عليه ونفعه له بخلاف (٣) فعل غيره الفاحشة.
ولهذا جعل الله [في] بني آدم وغيرهم من الحيوان النُّفْرةَ (٤) من أن يُشارَك الرجل في محلّ استمتاعه بخلاف نفورهم عن فاحشة غير أهله، حتى يزني الرجل الفاجر بنساء الناس وأبناء الناس ومماليكهم، ويعظُم عليه (٥) أن يرى مثل ذلك في نسائه وأولاده ومماليكه؛ لِما في النفوس من الغيرة وكراهة المشاركة في محلّ المتعة، وإن كانت النفوس عن ذلك قد (٦) محرومة. والله أعلم.
стр. 2698
[مسائل فقهية مختلفة]
مسألة: [٧٠] فيمن ينوي الغسل، فتوضأ، ثم اغتسل هل يجزيه، أم يتوضأ ثانيًا بعد فراغه من الغسل؟
الجواب: الحمد لله.
قد ثبت عن النبيّ ﷺ أنه كان إذا اغتسل من الجنابة يتوضأ أولًا، فتارةً يكمل الوضوء بغسل رجليه، ثم يغسل سائر بدنه (١). وتارةً يؤخّر غسل رجليه إلى آخر الغسل. ولم يكن يعيد وضوءًا آخر بعد الغسل، بل ولا يعيد الماء على أعضاء الوضوء، بل يكفي مروره عليها أولًا. فإذا نوى الجنب بالغسل أنه يرفع الحدثين: الأصغر والأكبر، وتوضأ أولًا، لم يحتج إلى وضوء ثاني باتفاق الأئمة ﵃ أجمعين. والله أعلم.
***
مسألة في الصلاة (٢): هل تجب أن تكون [النية] مقارنةً للتكبير ؟ والسؤال أن يوضَّح لنا كيفية مقارنتها التكبير، كما ذكر في الشافعي (٣)؟
стр. 2699
وأنه لا تصحّ الصلاة إلا بمقارنتها مع التكبير، وهذا يعسُر على الناس.
الجواب: الحمد لله، أما مقارنة (١) النية للتكبير، فللعلماء فيه قولان مشهوران:
أحدهما: لا يجب، كما هو مذهب أحمد وغيره.
الثاني: تجب، كما هو مذهب الشافعي وغيره.
والنية الواجبة محلّها القلب باتفاق الأئمة، إلا خلافًا شاذًّا، وأما بعض المتأخرين [فـ]ـأوجب اللفظَ بها، وهو مسبوقٌ بالإجماع قبله. ولكن تنازع العلماء هل يستحبّ اللفظ بها؟ كمن (٢) استحبَّه من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ولم يستحبّه آخرون من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما، وهذا أقوى؛ فإن ذلك بدعة لم يفعلها رسول الله وأصحابه، ولو كان من تمام الصلاة لفعلوه.
والمقارنة المشروطة قد تفسَّر بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن (٣) لا صعوبة فيه، بل عامّة الناس إنما يصلّون هكذا، بل هذا أمرٌ ضروري، لو كُلِّفوا تركه لعجزوا عنه.
وقد تفسَّر بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها
стр. 2700
مع أوّله وآخرها مع آخره، وهذا لا يصحّ؛ لأنه يقتضي عزوب كمال (١) النية في أوّل الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة.
وقد تفسَّر بحضور جميع النية مع جميع أجزاء التكبير، وهذا تُنوزِع (٢) في إمكانه؛ فمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن ولا مقدور للبشر، فضلًا عن وجوبه، ولو قيل بإمكانه فهو متعسِّرٌ، [٦١] فيسقط بالحَرَج (٣).
وأيضًا فما يبطل هذا والذي قبله: أن المكبِّر ينبغي له أن يتدبّر التكبير ويتصوّره، فيكون قلبه (٤) مشغولًا بمعنى التكبير، لا بما يشغله عن ذلك من استحضار المَنْويّ، ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدّم العبادة، ويستمرّ حكمها إلى آخرها؛ كالطهارة وغيرها. والله أعلم.
***
مسألة (٥): في رجلٍ إذا صلّى بالليل ينوي ويقول: أصلّي لله نصيب الليل . فهذا ما سمعناه من العلماء، ولا سمعنا إذا صلّى الرجل الفرائض والسنن، كقيام الليل وغيره ينوي ويقول: أصلّي لله تطوعًا. فقال له الرجل: لا، ما