← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

٦ - فصل: حركات العباد بقلوبهم وأبدانهم لابدّ لها من غاية (ق ٤٦ ب). ٧ - شبه الإباحية (ق ٥٠ ب). ٨ - فصل: تقول طائفة من أهل الكلام ... (ق ٧٣ أ). ٩ - فصل: قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ... ﴾ (ق ٧٧ أ ــ ٧٩ أ). ١٠ - قاعدة: بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق .. (ق ٨٠ أ). ١١ - فصل جامع: أن جماع الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم (ق ١١٣ أ ــ ب). ١٢ - قاعدة في الإجبار على المعاوضات (ق ١٢٥ أ). ١٣ - فصل في ثواب الحسنات والسيئات (ق ١٢٩ أ ــ ١٣٠ ب). ١٤ - فصل: قال تعالى في سورة النساء ... (ق ١٣٤ أ ــ ب). ١٥ - فصل: ثبت في الصحيح .. "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ... " (ق ١٤٤ أ ــ ب). ١٦ - فصل: أثبت أئمة السنة الحدَّ (ق ١٤٥ أ). ١٧ - فصل: الهجرة المشروعة (ق ١٤٥ ب). ١٨ - قاعدة في جماع الدِّين (ق ١٤٦ ب ثم ١٠٥ أ). ١٩ - فصل: في أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان (ق ١٤٧ ب).

стр. 2732

٢٠ - فصل: قال تعالى فيما ذكره من موعظة لقمان لابنه (ق ١٥٧ أ ثم ١٥٦ ب ثم ١٥٦ أ). ٢١ - فصل: قاعدة: أن النفس بل وكلّ حي له قوتان .. (ق ١٥٨ ب ــ ١٥٩ ب). ٢٢ - فصل: باعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم ... (ق ١٦٠ ب ثم ١٦٠ أ). ٢٣ - فصل: المشهور عند أهل السنة أنه لا يحبط العملَ إلّا الكفر (ق ١٦٧ أ ــ ب). ٢٤ - فصل: قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ ... ﴾ (ق ١٩٥ أ). ٢٥ - قوله في حديث الكرب الذي رواه أحمد (ق ١٩٥ ب). ٢٦ - فصل: مما يبين أن طريقة أتباع الأنبياء .. (ق ١٩٩ أ ثم ١٩٨ ب). نشرت منه صفحتان في "مجموع الفتاوى" (٦/ ٦٦ ــ ٦٧). ٢٧ - فصل عظيم المنفعة في أمر المعاد (ق ٢٢٣ أ ــ ٢٢٥ ب). ٢٨ - فصل: قول من يقول: "إن لله عبادًا يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم" حق .. (ق ٢٣٥ أ). ٢٩ - فصل: الحروف والأصوات المكتوبة والمسموعة ... ثلاثة أقسام (ق ٢٤٤ أ ــ ٢٤٥ ب).

стр. 2733

٣٠ - فصل: في بعض الشرح والتقرير لقاعدة أهل السنة والجماعة ... (ق ٢٥٥ أ ــ ب). ٣١ - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ ... (ق ٢٧٥ أ ــ ب). ٣٢ - في المثل والكفو في الكتاب والسنة ولغة العرب (ق ٢٧٦ أ). ٣٣ - أصل كلي جامع [في الشهادتين] (ق ٢٧٦ ب ثم ٤٣ أ ــ ٤٦ ب). • وفي هذا المجموع أيضًا "حكاية المناظرة في الواسطية" (ق ٢٦١ أ ــ ٢٦٢ ب ثم ٢٩٧ أ ــ ب) التي سبق ذكرها. • "فصل: أصل الإيمان والهدى ودين الحق هو الإيمان بالله ورسوله": توجد نسخته الخطية ضمن المجلد ٣٩ من "الكواكب الدراري" لابن عروة في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم [٥٦٧] (الورقة ٨٩ ب ــ ٩٢ أ)، وكتب هذا المجلد من الكواكب سنة ٨٢٧ بخط نسخي دقيق، وناسخه إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي. والنسخة واضحة الخط، نادرة الأخطاء، ومقابلة ومصححة على الأصل المنسوخ منه. • "فصل: وصف الله أفضلَ أهل السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد": يوجد ضمن النسخة المذكورة من "الكواكب" (ق ٩٢ أ ــ ٩٤ أ).

стр. 2734

• "فصل في الكلام على النِّعم، وهل هي للكفار أيضًا": توجد نسخته الخطية في دار الكتب الظاهرية بدمشق [٣٨٧٣ عام] (الورقة ٧٤ أ ــ ٩١ ب)، وهي ضمن مجاميع المدرسة العمرية برقم ١٣٨. وهذا الفصل ينقص من أوله ورقة أو أكثر، وهو بخط مغربي، وجاء في آخره: "فرغتُ من تعليقها بالتربة مجاورة الجامع الأعظم بمدينة حُبْراص ــ عمرها الله ــ يومَ الأربعاء العاشر لربيع الثاني سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، على يدي محمد بن باصر (؟) الفقيه ... ". وكتب في الهامش هناك: "بلغ مقابلةً بأصلها المنقول منه قدر الاستطاعة، والحمد لله". • "فصل في آية الربا": توجد منه نسختان، الأولى في برلين برقم [٣٩٦٨] (الورقة ٤٣ ــ ٦٤) ضمن مجموعة من فتاوى ومسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولعلها من مخطوطات القرن الثالث عشر. والثانية في دار الكتب المصرية برقم [٦٩٥] (الورقة ١٢٩ ــ ١٤٦) ضمن أجوبة الشيخ. وهي بخط نسخي جيد، ولا يوجد عليها تاريخ النسخ، ويبدو أنها متأخرة. • "فصل في أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى": توجد منه نسختان: الأولى في مكتبة جامعة السند بباكستان برقم [٣٦٣٧٨]، وهي في ٢٢ ورقة، بخط نسخي جيد، وهي نسخة متأخرة لعلها كُتبت في القرن الثالث عشر، وفيها بعض الأخطاء والتحريفات. والثانية في مكتبة الشيخ بديع الدين شاه الراشدي في السند بباكستان، في ١٥ ورقة بخط فيض محمد نظاماني، في القرن الرابع عشر. وفيها أيضًا أخطاء

стр. 2735

وسقط في مواضع. وقد اعتمدتُ النسخة الأولى أساسًا، ولم أعدل عنها إلّا إذا كان فيها خطأ أو تحريف أو سقط. ويوجد في "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٢٧٦ ــ ٢٧٩) من هذا الفصل قطعة صغيرة، استفدت منها في تصحيح بعض الأخطاء الموجودة في الأصل. • "فصل في توبة قوم يونس": نسخته الخطية ضمن المجلد ٣٩ من "الكواكب الدراري" (الورقة ٨٢ ب ــ ٨٧ ب) بدار الكتب الظاهرية بدمشق [٥٦٧]، وقد سبق وصفها. • "مسألة عن رجل يزعم أنه شيخ ويتوِّب الناسَ ويأمرهم بأكل الحية .. ": توجد ضمن مجموعة فتاوى شيخ الإسلام المخطوطة في المكتبة القادرية ببغداد [٤٩١] في ١٩٣ ورقة، بخط محمد بن علي بن الملا أحمد سبته الذي فرغ من نسخها في ٢١ من شعبان سنة ١٣٠٦. • "مسألة في النسبة إلى الخرقة" هي ضمن المجلد ٣٩ من "الكواكب الدراري" الذي سبق وصفه، وهذه المسألة مكتوبة بخط مختلف عن خط بقية المجلد، وهو أمرٌ مألوف في مجلدات هذا الكتاب التي يشارك أحيانًا في نسخ مجلدٍ واحدٍ منها عدةُ أشخاص بخطوطهم. وقد سبق الكلام على هذه المسألة وما يتعلق بها. • "مسألة في الحضانة": هي من المجلد ١٠١ من "الكواكب الدراري" (ص ١١٠ ــ ١١٦) المصور على الميكروفلم برقم [٧١٤٩] في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وفي هذا المجلد رسائل

стр. 2736

وفتاوى كثيرة للشيخ نُشر أغلبها ضمن "مجموع الفتاوى". وقد نُسخ هذا الجزء عن أصله الموجود في المكتبة الظاهرية بدمشق، كما ذكره الناسخ في آخره: "تم هذا الجزء على يد الحقير حامد بن الشيخ أديب ابن الشيخ أرسلان الشهير لقبًا بالتقي، الأثري مذهبًا، الحسيني نسبًا في ١٨ ربيع الثاني سنة ١٣٢٧، في المكتبة العمومية الكائنة بدمشق الشام في تربة الملك الظاهر (من فقه الحنابلة نمرة ٦٧) ". ثم كتب: "تم مقابلةً على حسب الاستطاعة على يد حامد التقي في ... جمادى الأولى سنة ١٣٢٧". • "مسائل مختلفة": جمعتُ تحت هذا العنوان بعض المسائل الصغيرة التي وجدتها في المجاميع، وأصولها كما يلي: ١ ـ سئل عمن تصيبه جنابةٌ والماء يضره، أو يكون مجروحًا، هل يجوز له أن يصلي بالتيمم أو يقرأ القرآن. ضمن مجموعة بدار الكتب الظاهرية بدمشق [٣٨٧٤ عام] (الورقة ٧٤). وهي من مجاميع المدرسة العمرية برقم ١٣٩، فيها فتاوى شيخ الإسلام وغيرها. انظر أهم محتوياتها في "فهرس مجاميع المدرسة العمرية في دار الكتب الظاهرية بدمشق" (ص ٧٠٧ ــ ٧١٤). ٢ ـ مسألة في رجل دخل في الصلاة وقد أحرم الإمام، ثم ركع الإمام، وقد قرأ الرجل بعض الفاتحة، ولم يتبع الإمام في الركوع حتى قرأ بقية الفاتحة.

стр. 2737

توجد ضمن مجموعةٍ بدار الكتب الظاهرية بدمشق [٣٨٧٣ عام] (الورقة ١٢٦ أ ــ ب). وهي من مجاميع المدرسة العمرية برقم ١٣٨. انظر أهم محتوياتها في "فهرس مجاميع المدرسة العمرية" (ص ٧٠٤ ــ ٧٠٧). ٣ ـ مسألة في رجل أدرك الصلاة مع إمام من المسلمين، فلم يصلّ معه، وقال: أنا لا أصلي إلّا خلف من يكون من أهل مذهبي، وفي رجلٍ سئل عن مذهبه فقال: مذهبي اتباع الكتاب والسنة، وفي رجل عُرِض عليه حديث صحيح، فأنكره. أصلها في دار الكتب الظاهرية بدمشق [٣٨٧٣ عام] (الورقة ١٢٦ ب، ١٣٢، ١٢٩، ١٢٧، ١٢٨). وهي مضطربة الأوراق في الأصل كما نرى. والمجموعة من مجاميع المدرسة العمرية برقم ١٣٨. وآخر هذه الفتوى ناقص، ولم نجد لها نسخة أخرى. ٤ ـ مسألة في جماعة حنفية لهم إمام شافعي، فهل تصحّ صلاتهم خلفه أم لا؟ هي أيضًا من المجموعة السابقة [٣٨٧٣ عام] (الورقة ١٢٠، ١١٧، ١٣١) مضطربة الأوراق. ٥ ـ مسألة في إمام مدمن الخمر، هل تصحّ الصلاة خلفه؟ وما صفة مدمن الخمر؟ هي أيضًا من المجموعة السابقة [٣٨٧٣ عام] (الورقة ١٣١ أ).

стр. 2738

٦ ـ مسألة عن امرأة لم تكن تعرف تصلي، أين تكون من زوجها في الآخرة؟ هي ضمن مجموعة الفتاوى المخطوطة في المكتبة القادرية ببغداد [٤٩١]، التي سبق وصفها. ٧ ـ مسألة في عرب البادية الذين يكونون دائمًا في حلّ وترحال، هل يحل لهم القصر؟ ضمن المجموعة السابقة المخطوطة في المكتبة القادرية. ٨ ـ مسائل متفرقة. هي سبع مسائل صغيرة ضمن المجموعة السابقة. وفي الختام أحمدُ الله تعالى على أنه وفقني لإخراج هذه المجموعة، وأدعوه أن يعينني على إخراج ما وصل إلينا من تراث شيخ الإسلام مما لم ينشر ضمن "مجموع الفتاوى"، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه محمد عزير شمس بمكة المكرمة في ٢٩/ ٤/١٤٣١

стр. 2739

نماذج من النُّسخ الخطيَّة

стр. 2740

جامِعُ المَسائلِ لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨) (المجموعة الثامنة) تحقيق محمد عزير شمس

стр. 2741

فصول وقواعد (من مسوّدات شيخ الإسلام ابن تيمية)

стр. 2742

فصل في ذكر الله ودعائه الفاتحة نصفها ثناء وذكر، ونصفها دعاء ومسألة . ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]. قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢]. وفي ذكر إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ الآيات [البقرة: ١٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] أي ليستجيبوا لي إذا أمرتهم، وليؤمنوا أني استجبتُ لهم إذا دَعَوني. ولهذا قيل: الإجابة تحصل من كمالِ الطاعة أكثر من الاستجابة، أو كمالِ المعرفة أكثر من الإيمان. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا

стр. 2743

قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠]. قال عطاء (١): كقول الصبي أَبَهْ أُمَّهْ. إلى آخر الكلام. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة. وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٣٨ - ٤١]. وقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآيتين (٢). وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السورة. وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٠٣]. ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ الآية [النساء: ١٤٢]. وقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].

стр. 2744

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]. وقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ الآية [التوبة: ١١٢]. وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]. وقال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٢ - ٣].

стр. 2745

وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤]. وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ إلى قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٩] وما بعده. وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]. وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]. وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية [الإسراء: ٥٦]. وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]. وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ الآية [الإسراء: ١١٠]. ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].

стр. 2746

وقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]. وقال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦]. وقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣ - ٤]. وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٧]. ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ الآية [الحج: ٢٨]. وقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]. وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦].

стр. 2747

﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]. ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٩ - ١١٨]. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ٦٠ - ٦٥] في موضعين. ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]. ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥].

стр. 2748

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]. ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ الآية [الزمر: ٤٥]. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٦]. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]. ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]. ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].

стр. 2749

فصل كل واحدٍ من اسمي الذكر والدعاء يتناول الآخر ، فالداعي لله ذاكرٌ له، وهذا ظاهر، والذاكر لله داعٍ له أيضًا، كما يقال: «أفضل الدعاء يومَ عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (١)، ودعاء الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ربّ العرش الكريم» (٢). وقول النبي ﷺ : «دعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما قالها مؤمنٌ إلا فرَّج الله عنه» (٣). وكتاب «الدعاء» للطبراني مشتمل على أنواع الأذكار، والفقهاء يسمُّون الأذكار التي في الصلاة أدعية، فيقولون ــ كابن بطة ــ: ما كان من الدعاء ثناء على الله، وما كان مسألةً للعبد.

стр. 2750

وهذا كما أن لفظ «الصلاة» في اللغة بمعنى الدعاء. وقال ابن مسعود (١): ما دُمتَ تذكرُ الله فأنتَ في صلاةٍ، ولو كنتَ في السوق. فلفظ الصلاة يتضمن الثناءَ والدعاء، كما قال الله: «قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين» (٢). فأما الذكر فهو مصدر ذكَرَ يذكرُ ذِكرًا، وهذا يقال في الخبر الذي هو الثناء، وأما الطلب والسؤال فلأن فيه ذكر المسؤول المدعو فيُطلَق عليه الذكر. وأما إطلاق لفظ الدعاء على الثناء وذكر الله فلوجوه: أحدها: أن المُثنِي يتعرض لرحمة الله من جلب المنفعة ودفع المضرة، فصار سائلًا بحالِه وإن كان مُثنيًا بقالِه. وهذا جواب سفيان بن عيينة (٣)، واستشهد بحديث مالك بن الحويرث (٤) وشعر أمية بن أبي

стр. 2751

الصلت (١). وتحقيق ذلك أن الثناء (٢) المتضمن لمعرفة المسؤول وجوده ورحمته، يُورث اللجأَ إليه والافتقارَ إليه والرغبةَ إليه، أعظمَ بكثيرٍ مما يُوجِبُه مجردُ السؤالِ الخالي عن تلك المعرفة والحال. وهكذا الأمر من جانب المعطي، فإن معرفته بحال المُعطَى وصفاتِ استحقاقِه تُوجِب إعطاءَه أعظمَ مما يكون بمجرد السؤال باللسان. ولهذا يكون إظهارُ الفاقةِ والفقرِ إلى الله والحاجةِ والضرورةِ فقط أبلغَ من سؤال شيء معين. فهذا في إخبار العبد بحالِ نفسِه وإقراره بذلك واعترافِه نظيرُ إخبارِه بصفات ربه وثنائه عليه ومدحِه له، وكلاهما خبرٌ يتضمن الطلب. وهذا نوع واسعٌ من الكلام، وهو الخبر المتضمن للطلب، كما أن الطلب يتضمن الخبر. وهذا الوجه يتضمن وجهين: أحدهما: أن الثناء والإخبار كلّه لفظُه لفظ الخبر ومعناه الطلبُ والسؤال حقيقة عرفية، كما يقول الابن لأبيه: أنا جائع، ويقول السائل

стр. 2752

للمسؤول: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، كما قد قيل: إن لفظ الخبر يكون أمرًا، وهو كثير (١). الثاني: أن المُثنِي بنفس ثنائِه سائلٌ بحالِه، فهو جامع بين الثناء القولي والسؤال الحالي، فهو يقصد الثناء والطلب، بخلاف الأول فقصدُه الطلب فقط بلفظ الثناء. الوجه الثالث: أن الدعاء يُراد به دعاء العبادة ودعاء المسألة ، كما قد قررتُه في غير هذا الموضع وبسطتُه. فالمُثني والذاكر داعٍ دعاءَ الصلاة وإن لم يكن سائلًا، ثم يُعطَى أفضلَ مما يُعطاه غيرُه. ف الناطق بلفظ الثناء والذكر له ثلاثة أحوال: إما أن يقصد المسألةَ فقط، وإما أن يقصد اللهَ فقط، وإما أن يقصدهما. ثم إنه وإن قَصَدَ أحدَهما فلا بدَّ أن يحصل الآخر، كما أن السائل بلفظ السؤال لابدَّ أن يحصل له أيضًا تعظيمُ القلبِ ومعرفتُه وخشوعُه، لكن الذي قصد الله وعَبَدَه جعلَ ما سواه وسيلةً إليه، والذي لا يُريد إلا قضاءَ حاجته جعل الله وسيلةً إلى مقصودِه، وهو عابدٌ لله، حيثُ عَلِمَ أن الله هو النافع والضارُّ، لا إلهَ غيرُه ولا ربَّ سِواه.

стр. 2753

فصل قرن الله بين الكتاب والصلاة في مواضع: كقوله في أول ما أنزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، وذكر في أثنائها الصلاةَ، وختَمها بقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق ١٩] (١). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر: ٢٩]. وقرنَ بين ذكرِ الله والقرآن في مواضع: كقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦].

стр. 2754

فصل قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] في سورة، وقال عن مُسْلِمة النصارى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. قال ابن عباس (١): مع محمد وأمته. فلما ثبت لهم وصف الشهادة بالتوسط الذي هو العدل كانوا شهداء مقبولي القول على أهل ملتهم وغير أهلِ ملتهم، بخلاف غيرهم من الملل، فإنه لا تُقبل شهادتهم على من سواهم، لأن الله جعل الشهادةَ على الناس مختصةً بهذه الأمة ، وجعلَ الشهادةَ على الناس كرامةً لهم وفضيلةً امتازوا بها. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أصحابنا وغيرُهم عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجوز شهادةُ ملةٍ على مَن سواهم إلَّا أمتي، فإنه تجوز شهادتهم على من سواهم» (٢).

стр. 2755

وأهل الإسلام المحض هم أهل السنة والحديث، وهم (١) .....

стр. 2756

فصل حديث حكيم بن حزام المتفق عليه (١) لما قال له: «يا حكيم، إن هذا المال خَضِرةٌ حلوةٌ، فمن أخذه بسخاوةِ نفسٍ بُورِك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يَشبَعُ، واليد العليا خير من اليد السفلى»، قال حكيم: فقلت: يا رسولَ الله! والذي بعثك بالحق لا أَرْزَأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيمًا لِيُعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه لِيُعطيه، فيأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين ــ وفي رواية: إني أشهدكم يا معشر المسلمين ــ إني أعرِضُ على حكيم حقَّه الذي قسَم الله له في هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه. فلم يَرْزَأ أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ . قلت: هذا نصٌّ في جواز عدم الأخذ إذا عُرِضَ على الرجل المالُ وإن كان حقّه، كمال الفيء. وقد سُئل أحمد مرةً عن الحجة في الردّ، فلم يحضُرْه إذ ذاك من السنة، مع كثرة ردّه. وقوله: «لا أَرْزَأ» معناه: لا أنقُص أحدًا، وهو تنبيه على أن الأخذ ينقُص الناسَ ما في أيديهم، فيتركه كاملًا لهم. ولا ريبَ أن أخذ المال وصرفَه في مواضعه خيرٌ من تركه حيث لا ينفع ، لما في الأول من

стр. 2757

الصدقة والزكاة التي هي من أفضل العمل ونفع الناس التي لا تقوم مصلحتهم بدونه، وتطهيرهم والأخذ من أموالهم، كما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. بل هذا عمل النبي ﷺ وخلفائه، فإنهم كانوا يأخذون الصدقة من الأغنياء، فيدفعونها إلى الفقراء، وما كان مشروعًا لم يختص بالأئمة كله، إلا إذا كانوا منهم، لكن يشرع لغيرهم حيث يُشرَع لهم بشروطه. ثم قد يكون في الأخذ مفسدة يكون تركه أفضل، وأما أخذه للنفس فليس أفضل إلا عند الحاجة إذا لم يكن فيه مفسدة، وإلا فالغِنَى عن المال خيرٌ من أخذ الإنسان لنفسه. فنقول: إذا بُذِل للإنسان مالٌ لنفسه فقد يتركُه استعلاءً على المعطي وارتفاعًا، وقد يتركه لئلا يَستعليَ المعطي عليه ويرتفع، فإن اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، فالأول مذموم، فإن التكبر على الناس وإرادة العلو عليهم مذمومة. وأما الثاني فلا بأس به، فإن الإنسان لا يُذَمُّ بأن يحبّ أن يعلو عليه غيره ولا بأن يحبّ أن لا يعلو عليه غيره، بل هذا يُحْمَد، فإنّ علوَّ الغير عليه فيه ذُلٌّ لدينه، ونقصٌ له، واستعبادُ غيرِ الله له. وهذه هي العزة التي قصدها من لم يقبل المالَ، كقول أحمد: دَعْنا نعيشُ في عِزِّ الغِنَى عن الناس. فإنه كما قال القائل: ما وضعتُ يدي في قصعةِ أحدٍ، إلا ذَللتُ له. ولا ريبَ أن من نصرَكَ أو رزقك كان له سلطانٌ عليك، فالمؤمن

стр. 2758

يُؤثِرُ أن لا يكون عليه سلطانٌ إلّا لله ولرسوله ولمن أطاع الله ورسوله، وقبولُ مالِ الناس فيه سلطانٌ لهم عليه، فإذا قَصَدَ دفعَ هذا السلطانِ وهذا القهر عن نفسه كان حسنًا محمودًا، يصحُّ له دينُه بذلك، وإن قصدَ الترفعَ عليهم والترؤُّس والمراآة بالحال الأولى كان مذمومًا. وقد يقصد بترك الأخذ غِنَى نفسِه عنهم وترك أموالهم لهم. فهذه أربع مقاصد صالحة: غِنى نفسه وعزَّتها، حتى لا يفتقر إلى الخلق ولا يذلَّ لهم، وسلامة مالهم ودينهم، [فكما] (١) يتألفون بالعطاء لهم، فكذلك في إبقاء أموالهم، وقد يكون في ذلك أيضًا حفظُ دينهم، فإنهم إذا قُبِل منهم المالُ قد يطمعون هم أيضًا في أنواعٍ من المعاصي ويتركون أنواعًا من الطاعات، فلا يقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي ذلك منافع ومقاصد أخرى صالحة، حتى لا ينقص عليهم أموالهم، فلا يُذهِبُها عنهم ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يُكْرَه لهم من الاستيلاء عليه، ففي ذلك منفعة له أن لا يذلَّ ولا يفتقر إليهم، ومنفعةٌ لهم أن يبقَى لهم مالُهم ودينُهم. وقد يكون في ذلك منفعة تأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم هم حتى يقبلوا. وأما إذا كان الأخذ يُفضِي إلى طمعٍ فيه حتى يُعاوِنه في معصية أو يمنع من طاعة، فتلك مفاسد أخرى، وهي كثيرة ترجع إلى ذلهِ وفقرِه لهم، فإنهم لا يتمكنون من منعِه من طاعة إلَّا إذا كان ذليلًا لهم أو فقيرًا

стр. 2759

إليهم، ولا يتمكنون من استعماله في المعصية إلا مع ذُلِّه أو فقرِه، فإن العطاء يحتاج إلى جزاءٍ ومقابلةٍ، فإذا لم يجعل مكافأة دنيوية من مالٍ أو نفعٍ لم يبقَ إلا ما ينتظر من المنفعة الصادرة منه إليهم. وللردّ وجوه مكروهة مذمومة: منها: الردُّ مراآة بالتشبه بمن يَرُدُّ غنًى وعزَّةً ورحمةً للناس في دينهم ودنياهم. ومنها: التكبر عليهم والاستعلاء، حتى يستعبدهم ويستعلي عليهم بذلك، فهذا مذمومٌ أيضًا. ومنها: البخل عليهم، فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم ويقضي حوائجهم، فقد يترك الأخذَ بخلًا عليهم بالمنافع. ومنها: الكسل عن الإحسان إليهم. فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء: الكبر والرياء والبخل والكسل. فالحاصل أنه قد يُترَك قبولُ المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنها، أو لجلبِ المنفعة للناس، أو دفع المضرة عنهم، فإن في ترك أخذه غِنى نفسِه وعزّها، وهو منفعة لها، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم له، ودفع الضرر المتولد عليهم إذا بذلوا بذلًا قد يضرُّهم. وقد

стр. 2760

يتركه لمضرة الناس أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم كما تقدم، وقد يكون في الترك أيضًا مضرَّة نفسِه أو ترك منفعتها، إما بأن يكون محتاجًا إليه فيضرُّه تركُه، أو يكون في أخذه وصرفِه منفعةٌ له في الدين والدنيا، فيتركها من غير معارض مقاوم. ولهذا فصلت هذه المسألة، فإنها مسألة عظيمة، وبإزائها مسألة القبول أيضًا، وفيها التفصيل، لكن الأحسن أن ترك الأخذ أجود من القبول، ولهذا يعظِّم الناس هذا الجنس النزر، وإذا صحّ الأخذ كان أفضل، أعني الأخذ والصرف إلى الناس.

стр. 2761

فصل احتجَّ بعضُ المُبطِلين في جواز السجود لغير الله من الملوك والشيوخ والوالدين بثلاث حجج: أحدها: أنه سجودُ تحيةٍ وذلَّةٍ ومسكنةٍ، لا سجودُ عبادةٍ، ولهذا يسمُّونه تقبيلَ الأرض، فإن ذلك يُشترط له شروط الصلاة. الثاني: أنه و إن كان في الصورة سجودًا للبشر فهو في المعنى سجودٌ لله الذي خلقه وأحياه وأقامه، كما قد قيل في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]: إنه قسم بربِّ الشمس. وهو بمنزلة السجود إلى الكعبة. الثالث: أن العبد فقير يحتاج إلى الله، والكائنات قائمةٌ بالله، أو هي الله على زعم هذا المبطل، فإنه من الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، فينبغي له أن يخضع لكلِّ شيء مستعينًا به مستمدًّا منه. فانظر إلى هؤلاء الكفّار الضالين، بينما أحدهم يزعم أنه هو الله وأنه ما ثَمَّ غيرُه، ويصعَدُ فوقَ الأنبياء والصديقين، إذ جعلَ يخضعُ لكلِّ موجودٍ من الكفار والمنافقين والكلاب والخنازير وغير ذلك إذا صحَّح دليلَه وطَرَد علَّته، وإلّا بطلتْ، وتمسَّك بسجود الملائكة لآدم ويعقوب وبنيه (١)

стр. 2762

ليوسف، وزعمَ على زندقته أن الملائكة هي القوى الروحانية، وإبليس والشياطين هي الأحكام الطبيعية، والإنسان هو الجامع الذي سجدتْ له القوى جميعُها. وبطلانُ هذا الكلام ظاهرٌ، بل كفرُ صاحبه ظاهر، فإن نصوص السنة وإجماع الأمة تُحرِّم السجودَ لغير الله في شريعتنا تحيةً أو عبادةً، كنهيه لمعاذ بن جبل أن يسجد لما قدمَ من الشام وسجدَ له سجود تحية، وأخبر بها عن رؤساء النصارى، وقوله: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجدَ لزوجها» (١). بل قد نهى النبي ﷺ عن قيام أصحابه في الصلاة خلفَه، وقال: «لا تُعظِّموني كما تُعظِّم الأعاجمُ بعضُها بعضًا»، رواه مسلم (٢). ونهى عن الانحناء وقتَ التحية (٣)؛ لأنه ركوعٌ، وهو دون السجود.

стр. 2763

وأما تفريقه بينه وبين سجود الصلاة فلا يفيده، لأنَّ الجنس المأمور به يُشترط له شروط، وأما المنهي عنه فيُنْهَى عنه بكل حال، فإن عبادة الله وطاعته تُفعَل على وجه ... (١) ألا ترى أنه يحرم السجود للشمس والقمر والطواغيت إلى الكعبة وغيرها بوضوءٍ وغير وضوءٍ؛ لأن النهي يعمُّ كلَّ ما يُسمَّى سجودًا. ثم السجود الواجب لله يشترط له شروط يكون بها أخصَّ، بل العبادة الواجبة لله يُشترط لها شروط شرعية، والعبادة لغيره محرَّمة على كلّ حال. وهذا بابٌ واسع، فإن الجنس المنقسم إلى مأمورٍ به ومنهيٍّ عنه يختصُّ المأمورُ به بقيودٍ وشروطٍ، و يعمُّ المنهيُّ عنه كلَّ ما دخلَ في اللفظ أو المعنى. ولهذا اعتبرنا ذلك في كتاب الأيمان أيضًا، ففرَّقنا بين الفعل إذا حلفَ ليفعلنَّه أو إذا حلفَ لا يفعله. وأما الثاني والثالث فهذيان، بل كفر صريحٌ مخالفٌ للعقل والدين. وقصة آدم ويعقوب منسوخ بشرعنا، وتفسير الملائكة والشياطين بما ذكر قرمطةٌ وزندقةٌ معروفة من الفلاسفة.

стр. 2764

فصل حركات العباد بقلوبهم وأبدانهم لابدَّ لها من غاية هي المقصود، ولابدَّ لها من وسيلة إلى ذلك المقصود. فالمقصود هو الله، والوسيلة رسولُ الله، فجماع الأمر في شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا عبده ورسوله. أما الأول فقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فلا معبود إلّا هو، لا إله إلا هو، والمعبود الإله هو الذي يُقصَد لنفسه، فتبتغي إليه الوسيلة؛ أو تقصده لنفسك، فترجوه وتخافه، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]. فالرجاء لجلب المنفعة ودفع المضرة رزقًا ونصرًا، والخوف من حصول المضرة وزوال المنفعة. وهذا لابدَّ للبشر منه، وإذا عبدتَه لنفسه وأحببتَ ذاتَه فتلك منفعة تصل إليك، وأنت ترجوه أن يُعطِيكَها وتخاف أن يَسلُبكَها، وذلك مجتمع في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع أن العبادة متضمنةٌ للخوف، وأن الاستعانة متضمنةٌ للرجاء. وهذا صحيح باعتبار، وأما باعتبار [آخر] فالعبادة هي ابتغاء الوسيلة إليه والتقرب إليه، وأما الاستعانة ففيها رجاء

стр. 2765

رحمته وخوف عذابه، لأن الراجي يأمل إعانة الله له على نيل مطلوبه ودفعِ مرهوبه. والخوف متضمن للرجاء، لأن الخائف إن لم يرجُ السلامةَ لم يكن خائفًا، بل آيسًا قانطًا، وكذلك الراجي إن لم يخف الفوتَ لم يكن راجيًا بل آمنًا. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، وقال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. فثبتَ أن كل خوفٍ فإنه مستلزمٌ للرجاء، وكل رجاء فإنه مستلزمٌ للخوف، لكن قد يغلب أحدهما، والكمال هو الاعتدال. قال أحمد بن حنبل: ينبغي أن يكون خوفُ العبد ورجاؤه سواءً، فإذا زاد أحدهما على صاحبه هلك. لكن الرجاء يتعلق بالحبيب المطلوب، والخوف يتعلق بالمكروه، بمنزلة الأمر والنهي، وإن كان كلٌّ منهما مستلزمًا للآخر، إذ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، والنهي عن الشيء أمرٌ بما لا بدَّ لخلقه من أضداده. فكل راجٍ أو خائف يجب أن يكون مستعينًا. وهذه العبادات القلبية هي مما يجب فيها الإخلاصُ لله، فلا يجوز أن يُفعل لا للملائكة ولا للبشر، لا للنبيين ولا للصالحين، خلاف ما عليه المشركون ومن ضَاهاهم من النصارى، وما عليه هذه الأمة من الرافضة وبعض المتصوفة والمتفقرة والمتفقهة. والله أعلم.

стр. 2766

فصل شُبَه الإباحية: اعتقادهم أن لا فائدةَ في الحسنات ولا مضرةَ في السيئات؛ لأن الله لا ينتفع ولا يتضرر. والثانية: أنها وإن كانت منفعة أو مضرة فرحمة الله واسعة، فلا حسابَ، وينعمُ بلا عمل. والثالثة: اعتقادهم أن الذي جاءت به الرسل فوق (١) قوى البشر، لاعتقادهم أنهم طلبوا ترك الشهوات مطلقًا فعسّروا الاعتقاد فرجعوا عنه. الرابعة: اعتقادهم أن القدر يسوق إلى السعادة والشقاء بلا عمل، فهو حلال بالقدر العلمي. الخامسة: اعتقادهم أن ما شاء الله وقضاه فإنه أمر به ويرضاه كما ضلَّت قريش، وهذا القدر العملي. السادسة: اعتقاد من تعبَّد وتزهد ونال أحوالًا من الكشوف والتأثير إما صحيحة أو فاسدة أن ....... (٢) لا يضر مثله، وإن ضرَّت العامة فلا يضرُّهم تركُ واجبٍ ولا فعل محرم.

стр. 2767

السابعة: اعتقادهم أن المقصود من الشرائع قد حصل لهم لوصولهم إلى عين الحقيقة، فما بقيت الأعمال تنفعهم بل ضرتهم. والفرق بين هؤلاء وأولئك أن الأول قد يرى في فعل الحسنات وترك السيئات فائدة لهم، لكن لا يرى ذلك واجبًا، وهؤلاء لا يرون في ذلك فائدة، بل يرون فعل الواجب وترك المحرم مضرةً أو عناء. الثامنة: إنكار ما جاءت به الرسل من الوعيد، وظنُّ أن ذلك تلبيس أو ربط للعامة. التاسعة: ظنُّ أن العلم والعمل حجاب ووقوف مع السبب، والفقير لا يقف مع شيء. العاشرة: اعتقاد كثير من الفلاسفة أن الشرائع لمصلحة الدنيا، إذ الإنسان مدني بالطبع، فلابد من قانون يقوم ...... في معاوضته ومفاوضته، فيجعلونها بمنزلة السياسة الملكية، لكن سياسة الملك المقترنة بزمان ومكان مسلَّمة كولاية القاضي، وسياسة النبي أعم من ذلك بمنزلة فتوى الفقيه وقواعد أئمة المذاهب. وإذا كانت لمصلحة الدنيا فقط، فالمتخلي عن الدنيا لا يكثر منها، والداخل فيها إذا كان فاضلًا أمكنه أن يختص بما لا يضرُّ غيره. وعلى ذلك يتناولون يسير الخمر أو كثيرها أحيانًا، ويرتكبون بعض الفواحش سِرًّا. فجماعهم في السمعيات على باطنٍ يخالف الظاهر، أو خصوصٍ من العموم، ولهذا يسمون الممتثلين للشريعة متمسكين بالظاهر

стр. 2768

وحافظين لمرتبة العموم. و عمدتهم إما شبه قياسية أو ذوقية ، وربما قد يتأولون قياس بعض الظواهر، و حجتهم تقليد كبيرٍ في أنفسهم ذِي فضلِ علمٍ أو ذي حالٍ أو ذي سلطان. وقد صنَّف الغزالي في مخاطرهم كتابًا (١)، لكن أمرهم أكبر من أن يُكتفى فيه بمثل ذلك الكتاب، فإن الرسل إنما بُعثت إلى الخلق بعد حال هؤلاء، إذ هم أعداء الرسل، فإن الرسل بعثت بخبر وطلب، فالخبر له التصديق، والأمر له الطاعة، وهؤلاء انحلُّوا عن طاعة الرسل، وانحلّوا أيضًا عن تصديقهم في كثير مما أخبروا به أو أكثره، فهم الكفار المعادون للرسل، وأولهم إبليس، ومنهم قوم نوح وعاد وثمود وسائر أعداء الرسل، لكن كفر أكثرهم كفر المنافقين، إذ أقاموا في دولة المسلمين فيبطنون خلاف ما يظهرون. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله.

стр. 2769

فصل (١) تقول طائفة من أهل الكلام: إن الحركة وأنواعها كالمجيء والإتيان، وكالنزول والهبوط، وكالصعود والعروج، لا تصحُّ إلّا على الأجسام دون الأعراض، فإن العرض لا يقوم بنفسه، فلو انتقل لفارقَ محلَّه وقام بنفسِه. قلت: ليس الأمر كذلك، بل حركة كل شيء بحسبه، وكذلك إتيانه ونزوله. فكما أن الطعم واللون والريح والقدرة والصحة وغير ذلك إنما وجودها بغيرها، وذاتها لا تكون إلّا متعلقة بغيرها، فكذلك ما يَعرِض لها من الأحوال والحركات هو مشروط بمحلِّها، فإذا قيل: «جاءته العافية والصحة» فهو مجيء الأجزاء البدنية الحاملة للصحة، وتلك الأجزاء هي الحاملة للصحة، ومجيئها فيه حركة وانتقال. وكذلك «جاء النصرُ والظفرُ» هو مجيء الأعيان الحاملة للقوة والظهور التي بها اندفع العدو وضررُه. فلا بدَّ من حركةٍ فيها زوالُ أحد الضدَّين حتى يجيء الآخر. ثم هذه الحركة والمجيء متضمنة للظهور والوضوح والتجلّي، لا كما قال بعضهم: إنها مجرد الظهور. وكذلك إذا قيل: «جاء الشتاء» و «جاء الصيف» و «جاء الليل

стр. 2770

والنهار» فهي مجيء أعراض وصفات هي الحرارة والبرودة والضياء والظلمة، وهي حركتها وانتقالها. لكن قد يكون ذلك بانتقالها من موضع آخر، وقد يكون بحدوثها وبكونها في موضعها، وهذان النوعان في الأجسام. كما يقال: جاءني الولدُ وجاءت الثمار وقد أتت الفاكهة، لا يُعنَى بذلك أنها كانت موجودة في مكانٍ آخر فانتقلت عنه، وإنما يُعنَى حدوثُها ووجودها، وهو بحركةٍ، لكنها حركة ابتدائية. فالمقصود أن كلَّ ما يقال في مجيء الأعيان والأجسام من الأنواع يُقال في مجيء الصفات والأعراض، لكن لما كان لابدَّ لهذه من محلٍّ في ذاتها، فكذلك في أحوالها، بخلاف الأجسام، نعم الحيِّزُ للجسم كالمحلِّ للعرض، فالجسم لا يجيء إلا بحيِّز، والعرض لا يجيء إلا بمحلٍّ. والله أعلم.
следующие страницы →