← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

فصل شُبَه الإباحية: اعتقادهم أن لا فائدةَ في الحسنات ولا مضرةَ في السيئات؛ لأن الله لا ينتفع ولا يتضرر. والثانية: أنها وإن كانت منفعة أو مضرة فرحمة الله واسعة، فلا حسابَ، وينعمُ بلا عمل. والثالثة: اعتقادهم أن الذي جاءت به الرسل فوق (١) قوى البشر، لاعتقادهم أنهم طلبوا ترك الشهوات مطلقًا فعسّروا الاعتقاد فرجعوا عنه. الرابعة: اعتقادهم أن القدر يسوق إلى السعادة والشقاء بلا عمل، فهو حلال بالقدر العلمي. الخامسة: اعتقادهم أن ما شاء الله وقضاه فإنه أمر به ويرضاه كما ضلَّت قريش، وهذا القدر العملي. السادسة: اعتقاد من تعبَّد وتزهد ونال أحوالًا من الكشوف والتأثير إما صحيحة أو فاسدة أن ....... (٢) لا يضر مثله، وإن ضرَّت العامة فلا يضرُّهم تركُ واجبٍ ولا فعل محرم.

стр. 2767

السابعة: اعتقادهم أن المقصود من الشرائع قد حصل لهم لوصولهم إلى عين الحقيقة، فما بقيت الأعمال تنفعهم بل ضرتهم. والفرق بين هؤلاء وأولئك أن الأول قد يرى في فعل الحسنات وترك السيئات فائدة لهم، لكن لا يرى ذلك واجبًا، وهؤلاء لا يرون في ذلك فائدة، بل يرون فعل الواجب وترك المحرم مضرةً أو عناء. الثامنة: إنكار ما جاءت به الرسل من الوعيد، وظنُّ أن ذلك تلبيس أو ربط للعامة. التاسعة: ظنُّ أن العلم والعمل حجاب ووقوف مع السبب، والفقير لا يقف مع شيء. العاشرة: اعتقاد كثير من الفلاسفة أن الشرائع لمصلحة الدنيا، إذ الإنسان مدني بالطبع، فلابد من قانون يقوم ...... في معاوضته ومفاوضته، فيجعلونها بمنزلة السياسة الملكية، لكن سياسة الملك المقترنة بزمان ومكان مسلَّمة كولاية القاضي، وسياسة النبي أعم من ذلك بمنزلة فتوى الفقيه وقواعد أئمة المذاهب. وإذا كانت لمصلحة الدنيا فقط، فالمتخلي عن الدنيا لا يكثر منها، والداخل فيها إذا كان فاضلًا أمكنه أن يختص بما لا يضرُّ غيره. وعلى ذلك يتناولون يسير الخمر أو كثيرها أحيانًا، ويرتكبون بعض الفواحش سِرًّا. فجماعهم في السمعيات على باطنٍ يخالف الظاهر، أو خصوصٍ من العموم، ولهذا يسمون الممتثلين للشريعة متمسكين بالظاهر

стр. 2768

وحافظين لمرتبة العموم. و عمدتهم إما شبه قياسية أو ذوقية ، وربما قد يتأولون قياس بعض الظواهر، و حجتهم تقليد كبيرٍ في أنفسهم ذِي فضلِ علمٍ أو ذي حالٍ أو ذي سلطان. وقد صنَّف الغزالي في مخاطرهم كتابًا (١)، لكن أمرهم أكبر من أن يُكتفى فيه بمثل ذلك الكتاب، فإن الرسل إنما بُعثت إلى الخلق بعد حال هؤلاء، إذ هم أعداء الرسل، فإن الرسل بعثت بخبر وطلب، فالخبر له التصديق، والأمر له الطاعة، وهؤلاء انحلُّوا عن طاعة الرسل، وانحلّوا أيضًا عن تصديقهم في كثير مما أخبروا به أو أكثره، فهم الكفار المعادون للرسل، وأولهم إبليس، ومنهم قوم نوح وعاد وثمود وسائر أعداء الرسل، لكن كفر أكثرهم كفر المنافقين، إذ أقاموا في دولة المسلمين فيبطنون خلاف ما يظهرون. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله.

стр. 2769

فصل (١) تقول طائفة من أهل الكلام: إن الحركة وأنواعها كالمجيء والإتيان، وكالنزول والهبوط، وكالصعود والعروج، لا تصحُّ إلّا على الأجسام دون الأعراض، فإن العرض لا يقوم بنفسه، فلو انتقل لفارقَ محلَّه وقام بنفسِه. قلت: ليس الأمر كذلك، بل حركة كل شيء بحسبه، وكذلك إتيانه ونزوله. فكما أن الطعم واللون والريح والقدرة والصحة وغير ذلك إنما وجودها بغيرها، وذاتها لا تكون إلّا متعلقة بغيرها، فكذلك ما يَعرِض لها من الأحوال والحركات هو مشروط بمحلِّها، فإذا قيل: «جاءته العافية والصحة» فهو مجيء الأجزاء البدنية الحاملة للصحة، وتلك الأجزاء هي الحاملة للصحة، ومجيئها فيه حركة وانتقال. وكذلك «جاء النصرُ والظفرُ» هو مجيء الأعيان الحاملة للقوة والظهور التي بها اندفع العدو وضررُه. فلا بدَّ من حركةٍ فيها زوالُ أحد الضدَّين حتى يجيء الآخر. ثم هذه الحركة والمجيء متضمنة للظهور والوضوح والتجلّي، لا كما قال بعضهم: إنها مجرد الظهور. وكذلك إذا قيل: «جاء الشتاء» و «جاء الصيف» و «جاء الليل

стр. 2770

والنهار» فهي مجيء أعراض وصفات هي الحرارة والبرودة والضياء والظلمة، وهي حركتها وانتقالها. لكن قد يكون ذلك بانتقالها من موضع آخر، وقد يكون بحدوثها وبكونها في موضعها، وهذان النوعان في الأجسام. كما يقال: جاءني الولدُ وجاءت الثمار وقد أتت الفاكهة، لا يُعنَى بذلك أنها كانت موجودة في مكانٍ آخر فانتقلت عنه، وإنما يُعنَى حدوثُها ووجودها، وهو بحركةٍ، لكنها حركة ابتدائية. فالمقصود أن كلَّ ما يقال في مجيء الأعيان والأجسام من الأنواع يُقال في مجيء الصفات والأعراض، لكن لما كان لابدَّ لهذه من محلٍّ في ذاتها، فكذلك في أحوالها، بخلاف الأجسام، نعم الحيِّزُ للجسم كالمحلِّ للعرض، فالجسم لا يجيء إلا بحيِّز، والعرض لا يجيء إلا بمحلٍّ. والله أعلم.

стр. 2771

فصل (١) قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، كما قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١ - ٢]. فحضَّ سبحانَه على تدبُّر القول كما حضَّ على استماع القول، فإن قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾ استفهام، وأدَاة الاستفهام إذا دخلت على حرف النفي كان للتقرير، كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦]. لكن هذا في الجمل الخبرية. فقوله:

стр. 2772

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾، إن أُجرِيَ على هذا كان المعنى أنهم قد تدبروا القول فوجدوه حقًّا، وإلا كان هذا استفهام إنكار بمعنى الأمر والتحضيض، كقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وهذا أشبه بالمعنى. لكن (١) ثم القول الذي أمر بتدبره وأمر باستماعه هو القرآن، فانحرف قوم من المتكلمة فيما يتدبرونه إلى أقوال محدثة، وانحرف قومٌ من المتعبدة فيما يستمعونه متبعين له إلى سماع أقوال محدثة، وجعل بعضهم قوله تعالى: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ عامًّا لكل قول من الآيات والأبيات، فاستمعوا هذين، وربما رجَّحوا سماع الأبيات ترجيحًا حاليًّا أو اعتقاديًا أيضًا، كما أن الأولين يتدبرون وينظرون نظر انتفاع في الأقوال المشروعة والأقوال غير المشروعة، وربما رجحوا أقوال المتكلمين على قول الله ورسوله اعتقادًا أو حالًا. والقرآن مملوءٌ من الأمر بتدبر القرآن والتفكر فيه والتذكر له وعقله، ومن الأمر باستماعه وتلاوته والبكاء والوجل واقشعرار الجلد منه. وقد وصف سماع الأنبياء وأهل العلم وأهل المعرفة وعموم المؤمنين أنه سماع آيات الله، فقال تعالى لما ذكر الأنبياء عيسى ويحيى وإبراهيم وبنيه وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ

стр. 2773

عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. فتلاوة آيات الرحمن عليهم يعمُّ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، فإن آيات الله نزلت بالعربي وغير العربي مع تنوع المعاني فيها. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. فهذا إخبار عن الذين أوتوا العلم قبل القرآن إذا تُلي عليهم القرآن سجدوا وبكوا وسبحوه على إنجاز وعدِه الذي تقدم أنه يبعثُ هذا الرسولَ ويُنزِل هذا الكتاب. فهذا سماع الذين أوتوا العلم، وكان سبب ذلك من آمن من علماء اليهود. وقال في أهل المعرفة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣]. فهذا سماع أهل المعرفة ممن آمن من النصارى، أخبر أنهم سمعوا وبكوا وطلبوا أن يكونوا مع الشاهدين. والشاهدون كما قال ابن عباس (١): محمد وأمته، فإن لهم وصف

стр. 2774

الشهادة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. ولهذا كان رأس دينهم شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسولُ الله. وقال النبي ﷺ لهم: «أنتم شهداء الله في الأرض، هذه الجنازة أثنيتُم عليها خيرًا فقلتُ: وجبَتْ لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا فقلتُ: وجبَتْ لها النار» (١). وهذا تأييد لما اصطلح عليه الناس من تسمية العلماء الناظرين في الكتب المنزلة «أهل العلم»، وتسمية المشايخ العابدين المتألهين السامعين هنا «أهل المعرفة»، لما في الأولين من الموسوية المشروعة وفي الآخرين من العيسوية المشروعة، فمدح كلا الفريقين بالانقياد للمحمدية الجامعة للأمرين. ولهذا وصف الأولين بالتسبيح المتضمن تصديقهم بما جاء به الرسول لما كانوا يعلمونه، ووصف الآخرين بالدعاء والطلب لأن يكونوا مع محمد وأمته. فظهر في الأولين نعتُ العلم النافع، وهو الخبر الصادق والتصديق بالحق، وفي الآخرين نعتُ العمل الصالح، وهو الدعاء المشروع والعبادة المأمور بها، فإن العُبَّاد يُطلَب منهم الدعاءُ، والعلماء يطلب منهم الثناء، فظهر في الأولين الثناء وفي الآخرين الدعاء.

стр. 2775

ولذلك ذكر أن هذا سماع المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وأمر بتلاوته، و التلاوة تجمع معنى التدبر والاتباع ومعنى السماع ، فقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، فهذا أول ما نزل، أمر فيه بالقراءة والصلاة. وقال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [فاطر: ٢٩]، [وقال]: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] إلى قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ

стр. 2776

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال تعالى (١) وذم الذين يُعرِضون عن سماعه وتدبُّره إلى سماع غيره، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٦ - ٧]. هذا في لقمان، وفي الجاثية: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٦ - ٩]. وقد روي عن طائفة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وجابر أنهم تأولوا آية لقمان في سماع الغناء (٢). ورُوي في ذلك حديث مرفوع، رواه الترمذي من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ (٣)، وهي تعمُّ

стр. 2777

ذلك وغيره على ما هو مقرر في موضع آخر. ثم ذم الذين يعرضون عن سماعه (١). وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٧٣]. وقد روي في ذلك آثار تنصُّ أن الغناء من ذلك (٢)، وكذلك الأقوال المزخرفة، كقوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. فنزَّه عباد الرحمن عن حال السماعية والكلامية المبطلين، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]، فوصفهم بالبصر والسمع، ليسوا صُمًّا كالمعرضين عن سماع الآيات، ولا عُمْيًا كالمعرضين عن البصر فيها. فإن أهل السمع والإصغاء الذين لا يسمعون كلام الله ويُصغون إليه وينتفعون به وإن كانوا مُصغِين إلى سماع شيء آخر، وأهل النظر والذكاء الذين لا ينظرون في كلام الله ويبصرونه وينتفعون به= أهل عمًى وإن كان لهم نظر وبصرٌ في كلام آخر. فتدبَّر كيف وصفهم بالإقبال على كلام الله سمعًا وبصرًا، والإعراض عن الزور واللغو سمعًا وقولًا، فمن وافقهم في النعتين فهو

стр. 2778

المؤمن المستقيم، ومن خالفهم فيهما فهو المنافق والكافر، ومن شَرِكَهم في الحق الذي فعلوه وفعل الباطلَ الذي تركوه، كحالِ كثير من الفقهاء والمتكلمين والعبَّاد والصوفية، فهو محمودٌ بما فيه من الحقّ مذمومٌ بما فيه من الباطل، وإن كان قد يغفر له لاجتهادٍ أو تقليد. ولما كان جماع الخير في القرآن والإيمان ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقال النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين (١) عن أبي موسى: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُترجَّة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مرٌّ ولا ريح لها». وضدّ ذلك النفاق والشعر والكذب، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، وقال عبد الله بن مسعود: الغناء يُنبت النفاق في القلب كما يُنبِت الماءُ البقلَ (٢).

стр. 2779

فصل قاعدة: بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق ليُظهِره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، إلى جميعِ الخلق: أهل العلم والعبادة، وأهل الولاية والإمارة من الخاصة، وأكملَ له ولأمته الدينَ، وأتمَّ عليهم النعمةَ، ورضي لهم الإسلامَ دينًا. ف الهدى يدخل فيه العلم النافع، ودين الحق يدخل فيه العمل الصالح ، فعاش السلف في ذلك الهدى ودين الحق. ثم ظهرت البدع والفجور، فصار من الأمة من استمسك بالهدى ودين الحق، ومنهم من عَدلَ عن بعض ذلك، فاستمتعوا بخَلاقِهم كما استمتع الذين من قبلهم بخَلاقهم، وخاضوا كالذي خاضوا. ف المنحرف إما المبتدع في دينه، وإما الفاجر في دنياه ، كما قال الحسن البصري وسفيان الثوري وجماعات من السلف: إن من سَلِم من فتنة البدعة وفتنة الدنيا فقد سلم. وإن كانت البدع أحبَّ إلى إبليس من المعصية . ففتنة البدعة في أهل العلم والدين، وفتنة الدنيا في ذوي السلطان والمال. ولهذا قال بعض السلف (١): صنفانِ إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء . وقد قال أبو محمد الرملي (٢) عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: بالماضينَ ما كان أشبهَه، وعن الدنيا ما كان أصبرَه، أتتْه البدعةُ فنفاها، والدنيا فأباها.

стр. 2780

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. وقال ابن المبارك (١): وهل أفسدَ الدينَ إلا الملوك وأحبارُ سوءٍ ورُهْبانُها فالأمراء من الملوك وأتباعهم يقولون لِما أَحدثوه: سياسة، ويقولون: «شرع وسياسة». والعلماء المتكلمون يقولون: عقليات وكلام، ويقولون: «العقل والشرع». والعبَّاد والفقراء والصوفية يقولون: «حقيقة وشريعة». وسياسة هؤلاء وعقليات هؤلاء وحقيقة هؤلاء أعظم قدرًا في صدورهم من كتاب الله وسنة رسولِه حالًا أو حالاً واعتقادًا. وبإزائهم قوم من الفقهاء والمحدثين والعبَّاد والعامّة ينتسبون إ لى الكتاب والسنة والشرع، وهم لا يعلمون من ذلك ما يُحتاج إليه، بل فيهم من الجهل بحقائق ذلك أو التقليد لبعض رؤسائهم ما أوجب نقصَ الكتاب والسنة والشريعة في قلوب أولئك. فتقصيرُ هؤلاء وعدوانُ أولئك كان سببًا لذهاب ما ذهبَ من الدين، وظهورِ ما ظهر من البدع. والله أعلم.

стр. 2781

فصل جامع قد كتبتُ فيما تقدم في مواضع مثل بعض القواعد وآخر مسودة الفقه أن جماع الحسنات العدلُ، وجماعَ السيئات الظلم، وهذا أصل جامع عظيم. وتفصيل ذلك أن الله خلق الخلقَ لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب بجميع الحسنات، وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله في الآخرة، وإن كان حسنةً من بعض الوجوه له ثواب في الدنيا، وكلّ ما نهي عنه فهو زيغٌ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه، فهو ظلم، ولهذا جمع بينهما سبحانه في قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على أصول الدين والاعتصام بالكتاب، وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كالشرك وتحريم الطيبات، أو خالفوا ما شرعه الله من أمره ونهيه، كإبليس ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون والذين بدّلوا الكتاب من أهل الكتاب. فاشتملت السورة على ذمّ من أتى بدين باطل ككفار العرب، ومن خالف الدين الحق كله كالكفّار بالأنبياء، أو بعضه

стр. 2782

ككفّار أهل الكتاب. وقد جمع سبحانه في هذه السورة وفي الأنعام وفي غيرهما ذنوب المشركين في نوعين: أمْر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونَهْي عما لم ينهَ الله عنه كتحريم الطيبات. فالأول شرْعٌ من الدين لما لم يأذن الله به، والثاني تحريمٌ لما لم يحرّمه الله. وكذلك في الحديث الصحيح (١) حديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ عن الله تعالى: "إني خلقتُ عبادي حنفاءَ، فاجتالتْهم الشياطين، فحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يُشركوا بي ما لم أُنزِلْ به سلطانًا". ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه هو الغالب على النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة، وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة، بل أصل دين اليهود فيه آصارٌ وأغلالٌ من التحريمات. ولهذا قال لهم المسيح: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]. وأصل دين النصارى فيه تألُّهٌ بألفاظٍ متشابهة وبأفعالٍ مجملة. فالذين في قلوبهم زيغٌ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله. وما قررتُ في غير هذا الموضع ــ من أن توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين ــ يرجع إلى

стр. 2783

ذلك، فإن إخلاصَ الدين لله أصل العدل، كما أن الشرك بالله ظلم عظيم، وأصل ذلك العلمُ، فإنه لا يُعلَم العدلُ والظلمُ إلا بالعلم، فصار الدينُ كلُّه: العلم والعدل. وضدُّ ذلك: الظلم والجهل ، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ولما كان ظلومًا جهولاً، وذلك يقع من الرعاة تارةً، ومن الرعية تارةً، ومن غيرهم تارةً= كان العلم والعدل المأمور به: الصبر على ظلمِ الأئمة وجَورِهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة، وكما أمر به النبي ﷺ في الأحاديث المشهورة عنه، كما قال: "إنكم ستَلْقَون بعدي أَثَرةً، فاصبروا حتى تَلْقَوني على الحوض" (١). وقال: "من رأى من أميرِه شيئًا يَكرهُه فليصبْر عليه" (٢). إلى أمثال ذلك. وقال: "أَدُّوا لهم الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم" (٣)، ونَهى عن قتالهم ما صَلَّوا (٤)؛ وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود، وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسناتٌ وتركٌ لسيئاتٍ كثيرة. وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغٍ أو غيرِ سائغ فلا يجوز أن يُزالَ بما فيه ظلم وجور، كما هو عادةُ أكثرِ النفوس، يُزِيل الشرَّ بما هو شرٌّ منه، ويُزِيل العدوانَ بما هو أعدى منه. فالخروج عليهم

стр. 2784

يُوجِب من الظلم والفساد أكثرَ من ظلمهم، فيصبر عليه، كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور المنهيّ في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]، وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وهذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية، إذا أمروا بالمعروف ونَهَوا عن المنكر فعليهم أن يصبروا على ما أُصيبوا به في ذات الله، كما يَصبر المجاهدون على ما يُصابُ من أنفسهم وأموالهم. فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى؛ وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلّا بذلك، وما لا يتم الواجبُ إلّا به فهو واجب. ويندرج في ذلك وُلاةُ الأمور، فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا تتمُّ إلا بذلك. فكما وجب على الأئمة الصبرُ على أذى الرعيةِ وظلمِها إذا لم تتمَّ المصلحةُ إلّا بذلك، أو كان تركه يُفضِي إلى فسادٍ أكثر منه، فكذلك يجب على الرعية الصبرُ على جور الأئمة وظلمهم إذا كان في ترك الصبر مفسدةٌ راجحة. فعلى كلٍّ من الراعي والرعية للآخر حقوقًا (١) عليه أداؤها، كما

стр. 2785

ذكرت بعضه في "كتاب الجهاد والقضاء" (١)، وعليه أن يصبر للآخر ويَحْلُم عنه في أمورٍ. فلابدَّ من السماحة والصبر في كلٍّ منهما، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧]، وفي الحديث: "أفضلُ الإيمان: السماحةُ والصبر" (٢). وفي أسماء الله: الغفور الرحيم، فبالحلم يعفو عن سيئاتهم، وبالسماحة يُوصِل إليهم المنافعَ، فيجمع جلب المنفعة ودفع المضرة. فأما الإمساك عن ظلمهم والعدلُ عليهم فوجوبُ ذلك أظهرُ من هذا، فلا حاجةَ إلى بيانه. والله أعلم.

стр. 2786

فصل قاعدة في الإجبار على المعاوضات إذا لم يكن فيه ضرر، وعلى الغير بتركه ضرر عن سمرة بن جندب أنه كان له نخلٌ في حائطِ رجلٍ من الأنصار، ومع الرجلِ أهلُه، فكان سمرة يدخل إلى النخل، فيتأذَّى به ويَشُقُّ عليه، فطلبَ إليه أن يبيعها منه فأبى، فطلب أن يُنَاقله فأبى، قال: "فهَبْها لي ولك كذا وكذا" أمرًا رغَّبَه فيه، فأبى، فقال رسول الله ﷺ : "أنتَ مضارٌّ"، ثم قال النبي ﷺ للأنصاري: "اذهَبْ فاقلَعْ نَخْلَه". رواه أبو داود (١). فيه من الفقه أن تلك النخلة كانت ملكًا لرجلٍ، وكان بقاؤه في أرضِ الغير يَضُرُّ به، فوجب عليه أن يزيل ضررَ ربِّ الأرض، إمّا بمعاوضةٍ وإما بتبرُّعٍ، فلما امتنعَ جَوَّزَ القَلْعَ؛ لأن تَرْكَ ذلك ضِرارٌ، كما قال ﷺ : "إنما أنت مُضارٌّ"، ثم قال للأنصاري: "اذهَبْ فاقلَعْ نخلَه". وهذا موافق للحديث الذي رواه ابن ماجه (٢) أن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا

стр. 2787

ضرار". فصار هذا الحديث أصلاً في أن المعصوم إذا أصابه ضررٌ لا يندفعُ إلا بمعاوضةٍ من غيرِه وجبت المعاوضةُ على ذلك الغير إذا لم يكن عليه فيها ضررٌ زائدٌ؛ لأن المعاوضة على هذا الوجه إنما فيها تبديلُ المالِ بمثلهِ، وهذا لا يضرُّه فيه، وإزالةُ الضرر عن المسلم واجبة. وهذا نظير إيجاب الشفعة، فإن الشريك عليه بالشركة ضرر الشركة والقسمة، والبائع إذا أراد البيع فهو يأخذ الثمن، فسيّانِ أخذه من هذا أو من هذا، فتبديل مُشترًى بمشترًى سواءٌ عليه. ومن هذا الباب إجبارُ الشريك على القسمة وإن كان فيها شوب معاوضة، لما في ذلك من زوال ضرر الشركة بنوع معاوضةٍ لا ضررَ فيها، فإن كان في قسمة العينِ ضررٌ أُجْبِرَ الممتنع على البيعِ وقَسْم الثمنِ، فإنه إجبارٌ على معاوضةٍ لا ضررَ فيها، لدفعِ ضررِ الشريك بالشركة. وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. ونظيره إيجاب الشريك الممتنع على العمارة في ظاهر المذهب، لأن العمارة من نوع المعاوضة، فإنه يبذل ماله ليحصل له البناء، فإجباره على العمارة نظير إجباره على البيع معه.

стр. 2788

ويُشبِه ذلك من بعض الوجوه السَّراية في العتق، فإن فيها معاوضة، ويدخل في ذلك العِرْق الذي بحقّ، كالبناء والغراس الذي للمشتري والمستأجر والمستعير والبائع ولو وجد من العذاب فإنه لا يُقلع مجانًا؛ لأنه ليس بِعِرْقٍ ظالم، ولكن يُجْبَر ربُّه على المعاوضة، فلربِّ الأرض أن يبتاعه بقيمته كحديث النخلة سواءً، فإن امتنع مالك الغِراس من المعاوضة قُلِعَ مجَّانًا، كما أمر النبي ﷺ الأنصاري بِقَلْعِ النخلة. ويُستدل بالحديث على تحريم المضارَّة مطلقًا ؛ حيث قال: "إنما أنت مُضارٌّ"، وهو كلُّ من كان عملُه مُضِرًّا بغيرِه من غير منفعةٍ له فيه. ويدلُّ عليه قوله: "لا ضرر ولا ضرار"، وقوله في الحديث الذي في الصحيح (١): "من ضارَّ أضرَّ الله به، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه".

стр. 2789

فصل في ثواب الحسنات والسيئات والكلام في نوعين: أحدهما في ترجيح جانب الحسنات ، والثاني في مقادير الحسنات ومقادير السيئات. أما الأول فإن الله كما أخبر عنه نبيُّه ﷺ أنه قال: "سبقتْ رحمتي غضبي ــ وفي روايةٍ: غلبتْ رحمتي غضبي ــ وقد كتب ذلك في كتاب، فهو موضوع عنده فوق العرش" (١). وأخبر عن نفسه في كتابه أنه قال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، كما أخبر عنه رسوله أنه حرَّم الظلمَ على نفسه، وجعلَه محرَّمًا بين عبادِه (٢). وقد دلَّ القرآن على ذلك في مثل قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وفي مثله قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، فجعل المغفرة والرحمة داخلةً في أسمائه التي وصف بها نفسه، وأما شدّة العقاب وألم العذاب فإنما هو من عوارضِ مفعولاته، ولهذا ليس في أسماء الله الحسنى اسمٌ يتضمن صفة الغضب والعذاب ، ولا

стр. 2790

في صفاته صفة تقتضي ذلك، لكن إذا أخبر عن ذلك أتى بالقول العام الشامل له ولغيره، أو حذف فاعله، أو أضيف إلى المخلوق. وأما الرحمن والرحيم والغفور والحليم والكريم ونحو ذلك فكثير في أسمائه. وإنما جاء في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤]، ولم يقل: "منتقم" كما تقوله طائفة ممن تكلم في الأسماء الحسنى، واستدلوا بحديث الترمذي (١) الذي رواه الوليد بن مسلم، فإن المحققين من الحفاظ يعلمون أن ذلك العدد ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو مما أدرجه الوليد بن مسلم في روايته عن شعيب (٢). كما أن ابن ماجه (٣) لما روى الحديث أيضًا من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ذكر فيه (٤) من حديث عبد الرحمن

стр. 2791

الأعرج عن أبي هريرة عدد الأسماء على خلاف ذكر الوليد بن مسلم. وإذا جاء في أسمائه الضار والنافع، والخافض والرافع، والمُعِزُّ والمُذِلُّ، والمعطي والمانع، فإنما تقال مقترنةً مزدوجةً، لا يُفرَدُ الضار عن النافع، ولا المانع عن المعطي؛ إذ المقصود بيان عموم فعلِه وشمولُ عدلِه وفضلِه. وجاء في القرآن: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وفي القرآن: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وفي القرآن: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، وفي حديث الاستفتاح الصحيح (١): "والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك"، فالشر في القرآن إما أن يضاف إلى الرب أو لا، فإن أضيف إليه كان بطريق العموم فقط، وإن لم يُضَف إليه فإما أن يُحذف فاعله أو يضاف إلى السبب. فالأول كقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله: ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ

стр. 2792

الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ ... ﴾ الآية [النساء: ١٣]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ... ﴾ الآية [النساء: ١٤]، وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]. وهذا كثير، إما أن يجمع الاسم والقول العام للنوعين، وإما أن يفصل نوعي الخير والشر من الآلام وأسبابها. وأما إضافته إلى السبب فكقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، وقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] ونظائره. وأما حذف الفاعل فكقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. وهذا مثل قول الصحابة كأبي بكر وعمر وابن مسعود وغيرهم (١): "فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان،

стр. 2793

والله ورسوله برئيانِ منه". وكذلك قول الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾، ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾. وهذا باب واسع ليس هذا موضعه. وإنما المقصود هنا أن جانب الحسنات هو الراجح في خلقه وأمرِه ، أما في خلقه فقد نبه عليه. وأما في أمره وشرعه وثوابه وعقابه فمن وجوه: أحدها: أن الحسنات يُضاعَف قدرُها، والسيئة لا يضاعفُ قدرُها، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ] فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. والأحاديث عن النبي ﷺ بذلك متواترة، مثل قوله: "من صام رمضان وأتبعَه بستٍّ من شوال فكأنما صام الدهر" (١). وقوله: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر يَعدِل صومَ الدهر" (٢). وقوله في الصلاة: "هي

стр. 2794

خمس، وهي خمسون" (١). وقال: "كل عمل ابن آدمَ يُضَاعَفُ له الحسنة بعشر أمثالها" (٢). وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أنه يجزي على الحسنة بألفَي ألفِ حسنة" (٣). وقال: "من تصدَّق بِعدْلِ تَمْرةٍ من كسبٍ طيب، ولا يقبل الله إلّا الطيبَ، فإن الله يُربِّيها له كما يُربِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فَصِيلَه، حتى تكون مثل الجبل العظيم" (٤). وهذا باب واسع. الثاني: أن الجزاء في الحسنات بأفضل أنواعها وصفاتها، بخلاف السيئات ، قال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف: ١٦]. الثالث: أن الهمَّ بالحسنة يُثَابُ عليه، والهمّ بالسيئة لا يُعاقَب عليه ، كما في الصحيح (٥) من حديث أبي هريرة وابن عباس أن النبي ﷺ قال:

стр. 2795

"إذا هَمَّ العبد بحسنةٍ كُتِبتْ له حسنة واحدة، فإن عَمِلَها كتبتْ له عشرُ حسناتٍ إلى أضعافٍ مضاعفةٍ، وإذا هَمَّ بسيئةٍ لم تُكتَب عليه، فإن تركَها لله كتبتْ له حسنة، وإن عَمِلَها كتبت عليه سيئة واحدة". وهذا في الهمّ الذي لا يكون إرادةً جازمةً، فإنّه همُّ قادرٍ لا همُّ عاجزٍ، فلو صار إرادةً مع القدرة لوجد الفعل. قال أحمد بن حنبل: الهمُّ همَّان: همُّ خطراتٍ وهمُّ إصرار. فأما إذا أراد الفعلَ إرادةً جازمةً وإنما منعَه العجزُ فهذا فيه حديث أبي كبشة الأنماري، يقتضي أنه والفاعل سواء، رواه أحمد والترمذي (١) وصححه، عن النبي ﷺ في الأربعة الذين أُعطِي أحدُهم علمًا ومالاً، فهو يعمل فيه بطاعة الله، وآخر أُعطِي علمًا ولم يُعطَ مالاً، فقال: لو أنّ لي مثلَ ما لفلانٍ لعَمِلتُ فيه مثلَ ما يَعملُ فلانٌ، قال: "فهما في الأجر سواء". وآخر أُعطِي مالاً لا علمًا، فهو يعمل فيه بمعصية الله، وآخر لم يُعطَ علمًا ولا مالاً، فقال: لو أنّ لي مثلَ ما لفلانٍ لعملتُ فيه مثلَ ما يعمل فلان، قال: "فهما في الوزرِ سواء". فهذا في المريد الجازم العاجز عن الفعل، كما في الحديث الصحيح (٢): "إن بالمدينة لَرِجالاً ما سِرتُم مَسِيرًا، ولا قطعتم واديًا إلّا كانوا معكم"، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة، حَبَسَهم

стр. 2796

العُذْرُ". ومثل هذا قوله: "المرءُ مع من أحبَّ" (١). فإن قيل: فقد قالوا في المعصية أن لا يقدر، فإذا كان يُعذَّب على الإرادة الجازمة فسواء قدر أو لم يَقدِر، ولأن الرجل لو عزم أن يعمل مثل عمل النبيين والصِّديقين من الصحابة لم يُجْزَ مثلهم. قلت: الإرادة الجازمة مشروطة بالعلم المفصل ، فما لم يتصوره الإنسان كما ينبغي لا يريدُه إرادة جازمة مع عدم القدرة، ونحن لا يمكننا أن نتصور أحوالَ الأنبياء والسابقين من المهاجرين والأنصار. وأيضًا ف الإرادة تقوى وتضعف بحسب القدرة والعجز ، فالنفس لا تطمع من المعاصي غالبًا إلّا فيما هو من جنس مقدورها، فإذا لم تقدر على المعصية فهي في الغالب لا تريدها إرادة جازمة. مع أن هذا الحديث فيه القول مع النية، وبهذا قد يُجاب أيضًا عن قوله الذي في الصحيح (٢): "إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثَتْ به أنفسَها ما لم تتكلم به أو تعمل به". ومن الناس من يقول: التسوية في أصل الأجر لا في قَدْرِه. وقد احتج بعضهم على الإرادة بقوله: "إذا التقى المسلمان بسيفَيْهما فالقاتل والمقتول في النار"، قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بالُ المقتول؟

стр. 2797

قال: "إنه أراد قتلَ صاحبِه". ورُوِيَ: "إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه" (١). فهذا في مريدٍ إرادةً جازمة لم يمنعه إلا العجزُ، وقد حاولَ أسبابَ القتل. فهو يوافق حديثَ أبي كبشة من وجهٍ. وأما الإرادة الجازمة من القادر فلا توجد إلا ويُوجَد الفعل، فإنه متى وُجِدت الإرادة التامة والقدرة التامة وجب وجودُ الفعل، فإن ذلك هو سببه التام، فيمتنع عدمُ الفعل بعد وجود سببه التامّ. وحيثُ تعذَّرَ فلخللٍ في القدرة أو في الإرادة. الوجه الرابع: أن الحسنات يتعدى ثوابُها فاعلَها، وأما السيئة فلا يُعاقَبُ عليها إلا فاعلُها ، فإن المؤمن ينفعه الله بصلاة المؤمنين عليه ودعائهم له واستغفارهم، وبما يُفعَل عنه من العبادات المالية كالصدقة والعتق والحج، وكذلك العبادات البدنية عندنا وعند الجمهور، كالصلاة والقراءة والصيام والحج وغير ذلك، كما جاء في ذلك أحاديث معروفة، قطعةٌ منها في الصحيح. وتنفعهم شفاعة النبي ﷺ ، وكذلك أطفال المؤمنين تبعٌ لآبائهم. وأما العقاب فقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، وقال: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]. وقد قررتُ في غير هذا الموضع أن النار لا يدخلها طفلٌ ولا مجنونٌ إلّا بعد أن يَعصِيَ الله ولو في عَرصاتِ القيامة، كما جاء في

стр. 2798

الأحاديث (١). ومن هذا الباب أن الجنة يبقى فيها فضلٌ، فيُنشِئُ الله لها أقوامًا يُدخِلهم الجنَة بفضلِ رحمته (٢)، وأما النار فإنه يُضيِّقها على من فيها مِن الجِنَّةِ والناسِ أجمعين. الوجه الخامس ... (٣). وأما المقادير فإن التفاوت في الحسنات والسيئات يقع من ثلاثة أوجه: أحدها: العمل المباشر، وإن لم يرتب عليه في الظاهر أمر مصلحة ولا مفسدة، بل كان أثره في نفس صاحبه. الثاني: ما تولد عن العمل من المصالح والمفاسد، وإن كان العمل قليلاً. الثالث: من مجموع الأمرين. فالأول كما ذكرناه من تأثير النيات والعزائم الصادقة. والثاني كقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ

стр. 2799

وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١]. فذكر في الآية الأولى أنه يكتب لهم بما تولد عن عملهم عملٌ صالحٌ، وذكر في الثانية أن نفس العمل والإنفاق يكتب لهم. ولهذا كان الصواب أن العمل المتولد ليس هو خارجًا عن فعل العبد وقدرته بكل حال، كما يقوله طائفة من متكلمي أهل الإثبات، ولا هو أيضًا فعلاً للعبد محضًا، كما يقوله المعتزلة، بل هو مشترك بين العبد الذي فعل سببه وبين السبب الخارج المعين على تمامه. فالعبد فاعل بعضه، ولهذا استحق الثواب والعقاب، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وقال ﷺ : "من دَعَا إلى هُدًى كان له من الأجر مثلُ أجورِ من اتبعَه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعَه مِن غيرِ أن ينقص من أوزارهم شيء" (١). وقال ﷺ : "لا تُقتَل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم كِفْلٌ من ذنبها؛ لأنه أولُ

стр. 2800

من سَنَّ القتلَ" (١). وقال ﷺ : "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظنُّ أن تبلُغَ ما بلغتْ، يكتبُ الله له بها رضوانَه إلى يوم يلقاه. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ اللهِ ما يظنُّ أن تبلُغَ ما بلغتْ، يكتب الله له بها سَخَطَه إلى يومِ يلقاه" (٢). قال زيد بن أسلم: كانوا يَرَون ذلك في الكلمة عند الأمراء، وذلك لعموم نفعِ الكلمة وعمومِ مضرَّتِها. فهذا الباب كلُّه إنما الجزاءُ فيه على عمل الإنسان، وذلك المتولد من عمله وعمل غيره، أو من سببٍ غير عمل غيره، هو بمنزلةِ الولد المتولد من الأبوين، هو مشترك بينهما ويُضاف إلى كلٍّ منهما إضافةً كاملة، فإنه لا يمكن وقوعُها إلّا كذلك، لا يمكن أن تنفرد به قدرة العمل وعمله، فإن قدرته لا تُؤثِّر تأثيرًا مستقلًّا إلا في محلِّها، فلما كان هذا هو الممكن منه في مثل هذا العمل كان عاملاً كاملاً كالعازم العاجز وأولى. فصارت المراتب الثلاثة: العازم العاجز، والعازم المعين العاجز عن الانفراد، والفاعل المستقل، وللثلاثة جزاءٌ كامل، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا.

стр. 2801

فصل (١) قال الله تعالى في سورة النساء بعد الآية التي أمر فيها بقواعد الشريعة ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦، ٣٧]، وقال في سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢١ ــ ٢٤]. ففي كلا الموضعين وصف المختال الفخور بأنه يبخل ويأمر الناس بالبخل ، وهذا ــ والله أعلم ــ يوافق ما رواه أبو داود (٢) وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "من الخُيَلاء ما يحبُّها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل نفسه في الحرب، واختياله نفسه عند الصدقة ــ أو كما قال ــ، وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر".

стр. 2802

فإنه أخبر أن من الخيلاء ما يحبُّها الله، وهي الخيلاء في السماحة والشجاعة، ولذلك قال لأبي دُجانة يومَ أُحد لما اختالَ بين الصفَّينِ، فقال: "إنها لمشيةٌ يُبغِضها الله إلا في هذا الموطن" (١). ولهذا جوزنا في أحد القولين ما رويناه عن عمر من لُبْسِ الحريرِ في الحرب (٢)، لأن الخيلاء التي فيه محبوبة في الحرب، كما دَلَّ عليه الحديثانِ. وذلك ــ والله أعلم ــ لأن الاختيال من التخيّل، والتخيل من باب التصور الذي قد يكون تصورًا للموجود، وقد يكون تصوُّرًا للمقصود، فإن كان مطابقًا للموجود ومحمودًا في القصد فهو تخيُّلٌ حقٌّ نافع، وإن كان مخالفًا للموجود ومذمومًا في القصد فهو الباطل الضارُّ. والشَجاعة والسماحة لابدَّ فيها من قوةٍ للنفس لا تتمُّ إلّا بتصُّورِ محبوبٍ يَحُضُّه على الشجاعة والسماحة، وإلّا ففي هذا بذلُ النفسِ وفي هذا بذلُ المالِ الذي هو مادة النفس، فإن لم تتصور النفسُ أمرًا محبوبًا يَعتاض به عما يَبذُله من النفس والمال لم يأتِ بالشجاعة والسماحة. فيُحِبُّ الله تخيُّلَ المقاصدِ الرفيعة والمطالبِ العالية التي تَحُضُّ على الشجاعة والسماحة، فإن الله يُحِبّ معاليَ الأخلاقِ ويكره سَفْسَافَها، ويُحبّ معالي الأمور (٣).

стр. 2803

فهذا إذا كان تخيُّلٌ مقصودٌ، وأما إذا كان تخيُّلٌ موجودٌ فلأن الشجاعة التي مضمونُها النصرةُ ودفعُ الباطلِ والضررِ، والسماحة التي مضمونها الرزق وإقامة الحق والنفع، هما عظيمان في أنفسهما، وإليهما ترجع صفات الكمال من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإذا كان تخيُّل الفاعل نفسه عظيمًا عند صدور ذلك منه كان مطابقًا، فكان اعتقادًا صحيحًا نافعًا، ولهذا لم يذكر أن الله يحبه إلّا في الحرب والصدقة، لأنه في هذا الموطن هو صحيح نافع، لأنه يحضُّ على المحبوب، وما أعان على المحبوب محبوب، فأما بعد صدور ذلك منه فإنه فخرٌ أو مَنٌّ، والله لا يُحبّ الفخور ولا المنّان. وصار في هذه المنزلة بمنزلة شهوة الطعام عند الأكل، وشهوةِ النكاح عند مباضعةِ الرجلِ أهله، فإن ذلك نافع، به تحصلُ المصلحةُ، بخلافِ الشهوة في حالِ الزنا وأكلِ مالِ الغير. فلما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٣، ٢٤]، والبخلُ منعُ النافعِ، قيَّد هذا بهذا. وقد كتبتُ فيما قبلَ هذا من التعاليق الكلامَ في التواضع والإحسان والكلامَ في التكبر والبخل.

стр. 2804

فصل ثبتَ في الصحيح (١) عن النبي ﷺ من حديث أم كلثوم أنه قال: "ليس الكذاب الذي يُصلِح بين الناس، فيَنْمِي خيرًا ويقول خيرًا". وثبت عنه أنه قال: "الحرب خدعة" (٢)، وكان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها. وثبتَ عنه أنه قال: "بئسَ أخو العشيرة"، فلما دخلَ ألانَ له القول وقال: "يا عائشة، إن شرَّ الناس مَن وَدَعَه الناسُ اتقاءَ فُحشِه" (٣). قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يُرخِّص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في الحرب والإصلاح بين الناس والرجل يُحدِّث امرأته (٤). فهذه المعاني التي جاءت بها النصوص يجمعُها نوعان: المسالمة لمن أمر الله بمسالمتِه، والمحاربة لمن أمر الله بمحاربته . فالإصلاح بين الاثنين هو من نوع المسالمة الشرعية، وإصلاح الرجل بينه وبين امرأته من أعظم الإصلاح والمسالمة الشرعية، وكذلك إصلاح الرجل بينه وبين من يؤمر بمسالمته من إخوانه ورعيته وأئمته. فإذا كان هو مأمورًا بأن يصلح بين فئتين من المؤمنين غيره، فلأن يُؤمَر أن يُصلِح بينه وبين

стр. 2805

إخوانه من المؤمنين أولى، فإنه إلى هذا أحوج، وهو عليه أوكدُ إيجابًا أو استحبابًا، إذ التأليف بين الناس والإصلاح بينهم فرعُ مؤالفتِه لهم وصلاح حالهِ معهم. قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. والمحاربة الشرعية أصلها ظاهرًا لأهل الحرب من الكفار، وفي الباطن وبعضِ الظاهر للمنافقين، والمرخَّص فيه هو المعاريض بالاتفاق، وقد يسمَّى كذبًا، كما قال ﷺ : "لم يَكذِبْ إبراهيم إلّا ثلاثَ كذباتٍ كلُّهنّ في ذات الله" (١). وهذه الثلاث هي من باب المعاريض. وأما الكذب الصريح ففيه قولان، أظهرهما أنه لا يباح، ولهذا قالت: ولم أسمعه يُرخِّص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث. ومن الحرب المباحة دفعُ المظالم عن النفوس والأموال والأبضاع المعصومة (٢).
следующие страницы →