← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

فصل (١) قال الله تعالى في سورة النساء بعد الآية التي أمر فيها بقواعد الشريعة ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦، ٣٧]، وقال في سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢١ ــ ٢٤]. ففي كلا الموضعين وصف المختال الفخور بأنه يبخل ويأمر الناس بالبخل ، وهذا ــ والله أعلم ــ يوافق ما رواه أبو داود (٢) وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "من الخُيَلاء ما يحبُّها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل نفسه في الحرب، واختياله نفسه عند الصدقة ــ أو كما قال ــ، وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر".

стр. 2802

فإنه أخبر أن من الخيلاء ما يحبُّها الله، وهي الخيلاء في السماحة والشجاعة، ولذلك قال لأبي دُجانة يومَ أُحد لما اختالَ بين الصفَّينِ، فقال: "إنها لمشيةٌ يُبغِضها الله إلا في هذا الموطن" (١). ولهذا جوزنا في أحد القولين ما رويناه عن عمر من لُبْسِ الحريرِ في الحرب (٢)، لأن الخيلاء التي فيه محبوبة في الحرب، كما دَلَّ عليه الحديثانِ. وذلك ــ والله أعلم ــ لأن الاختيال من التخيّل، والتخيل من باب التصور الذي قد يكون تصورًا للموجود، وقد يكون تصوُّرًا للمقصود، فإن كان مطابقًا للموجود ومحمودًا في القصد فهو تخيُّلٌ حقٌّ نافع، وإن كان مخالفًا للموجود ومذمومًا في القصد فهو الباطل الضارُّ. والشَجاعة والسماحة لابدَّ فيها من قوةٍ للنفس لا تتمُّ إلّا بتصُّورِ محبوبٍ يَحُضُّه على الشجاعة والسماحة، وإلّا ففي هذا بذلُ النفسِ وفي هذا بذلُ المالِ الذي هو مادة النفس، فإن لم تتصور النفسُ أمرًا محبوبًا يَعتاض به عما يَبذُله من النفس والمال لم يأتِ بالشجاعة والسماحة. فيُحِبُّ الله تخيُّلَ المقاصدِ الرفيعة والمطالبِ العالية التي تَحُضُّ على الشجاعة والسماحة، فإن الله يُحِبّ معاليَ الأخلاقِ ويكره سَفْسَافَها، ويُحبّ معالي الأمور (٣).

стр. 2803

فهذا إذا كان تخيُّلٌ مقصودٌ، وأما إذا كان تخيُّلٌ موجودٌ فلأن الشجاعة التي مضمونُها النصرةُ ودفعُ الباطلِ والضررِ، والسماحة التي مضمونها الرزق وإقامة الحق والنفع، هما عظيمان في أنفسهما، وإليهما ترجع صفات الكمال من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإذا كان تخيُّل الفاعل نفسه عظيمًا عند صدور ذلك منه كان مطابقًا، فكان اعتقادًا صحيحًا نافعًا، ولهذا لم يذكر أن الله يحبه إلّا في الحرب والصدقة، لأنه في هذا الموطن هو صحيح نافع، لأنه يحضُّ على المحبوب، وما أعان على المحبوب محبوب، فأما بعد صدور ذلك منه فإنه فخرٌ أو مَنٌّ، والله لا يُحبّ الفخور ولا المنّان. وصار في هذه المنزلة بمنزلة شهوة الطعام عند الأكل، وشهوةِ النكاح عند مباضعةِ الرجلِ أهله، فإن ذلك نافع، به تحصلُ المصلحةُ، بخلافِ الشهوة في حالِ الزنا وأكلِ مالِ الغير. فلما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٣، ٢٤]، والبخلُ منعُ النافعِ، قيَّد هذا بهذا. وقد كتبتُ فيما قبلَ هذا من التعاليق الكلامَ في التواضع والإحسان والكلامَ في التكبر والبخل.

стр. 2804

فصل ثبتَ في الصحيح (١) عن النبي ﷺ من حديث أم كلثوم أنه قال: "ليس الكذاب الذي يُصلِح بين الناس، فيَنْمِي خيرًا ويقول خيرًا". وثبت عنه أنه قال: "الحرب خدعة" (٢)، وكان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها. وثبتَ عنه أنه قال: "بئسَ أخو العشيرة"، فلما دخلَ ألانَ له القول وقال: "يا عائشة، إن شرَّ الناس مَن وَدَعَه الناسُ اتقاءَ فُحشِه" (٣). قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يُرخِّص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في الحرب والإصلاح بين الناس والرجل يُحدِّث امرأته (٤). فهذه المعاني التي جاءت بها النصوص يجمعُها نوعان: المسالمة لمن أمر الله بمسالمتِه، والمحاربة لمن أمر الله بمحاربته . فالإصلاح بين الاثنين هو من نوع المسالمة الشرعية، وإصلاح الرجل بينه وبين امرأته من أعظم الإصلاح والمسالمة الشرعية، وكذلك إصلاح الرجل بينه وبين من يؤمر بمسالمته من إخوانه ورعيته وأئمته. فإذا كان هو مأمورًا بأن يصلح بين فئتين من المؤمنين غيره، فلأن يُؤمَر أن يُصلِح بينه وبين

стр. 2805

إخوانه من المؤمنين أولى، فإنه إلى هذا أحوج، وهو عليه أوكدُ إيجابًا أو استحبابًا، إذ التأليف بين الناس والإصلاح بينهم فرعُ مؤالفتِه لهم وصلاح حالهِ معهم. قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. والمحاربة الشرعية أصلها ظاهرًا لأهل الحرب من الكفار، وفي الباطن وبعضِ الظاهر للمنافقين، والمرخَّص فيه هو المعاريض بالاتفاق، وقد يسمَّى كذبًا، كما قال ﷺ : "لم يَكذِبْ إبراهيم إلّا ثلاثَ كذباتٍ كلُّهنّ في ذات الله" (١). وهذه الثلاث هي من باب المعاريض. وأما الكذب الصريح ففيه قولان، أظهرهما أنه لا يباح، ولهذا قالت: ولم أسمعه يُرخِّص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث. ومن الحرب المباحة دفعُ المظالم عن النفوس والأموال والأبضاع المعصومة (٢).

стр. 2806

وإنما جاءت الرخصة في السلم والحرب خاصة؛ لأن هذين الموطنين مبناهما على تأليف القلوب وتنفيرها، فإذا تألفت فهي المسالمة، وإذا تنفَّرت فهي المحاربة، والتأليفُ والتنفير يَحصُل بالتوهُّمات كما يَحصُل بالحقائق، ولهذا يؤثِّر قول الشعر في التأليف والتنفير، بحيث يُحرِّك النفوسَ شهوةً ونفرةً تحريكًا عظيمًا وإن لم يكن الكلامُ منطبقًا على الحق، لكن لأجل تخييلٍ أو تمثيل. فلما كانت المسالمة والمحاربة الشرعية يقوم فيها التوهمُ لما لا حقيقة له، والباطنُ لم يعن إلا الحقَّ= صار ذلك صفاءً وصدقًا عند المتكلم، وموهمًا للمستمع توهُّمًا يؤلِّفه تأليفًا يحبه الله ورسولُه، أو يُنفِّره تنفيرًا يحبُّه الله ورسولُه، بمنزلة تأليفه وتنفيره بالأشعار التي فيها تخييلٌ وتمثيلٌ، وبمنزلة الحكايات التي فيها أمثال مضروبة، فإن الأمثال المنظومة والمنثورة إذا كانت حقًّا مطابقًا فهي من الشعر الذي هو حكمة، وإن كان فيها تشبيهاتٌ شديدة وتخيلات عظيمة أفادت تأليفًا وتنفيرًا.

стр. 2807

فصل أثبتَ أئمة من أهل السنة "الحدَّ"، كما قيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نَعرِف ربَّنا؟ قال: بأنه فوقَ سماواته على عرشِه، بائن من خلقِه، قيل له: بحدٍّ؟ قال: بحدٍّ (١). وكذلك أحمد في أشهر الروايتين عنه، وكثير من أصحابه كالقاضي وابن الزاغوني وغيرهما، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن سعيد الدارمي في ردّه على المريسي (٢) وحكاه عن أهل السنة، وشيخ الإسلام الهروي (٣)، وخلق كثيرين. وأنكر ذلك آخرون من المتكلمين، كأبي المعالي الجويني وطوائف من المعتزلة والأشعرية، وبعض الحنبلية. و فصلُ الخطاب (٤): أن "الحدَّ" له عدة معانٍ تَرجِع إلى أصلين:

стр. 2808

منها ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنها ما هو متفق عليه بين أهل السنة، ومنها ما هو متنازَعٌ فيه؛ فإن "الحدَّ" يكون لحقيقة الشيء النوعية، وهو حدُّ الماهية. ويكون لعينه الذاتية، وهو حدٌّ لوجوده. فالأول هو الحدُّ الذي يتكلم فيه المتكلمون من المنطقيين وغيرهم. والثاني كالحدّ الذي يَنعَتُه الشروطيون (١) في حدود العقار وفي حُلَى الأشخاص. فإذا انحصر نوعُه في شخصه كالشمس مثلاً كان له حدٌّ بالاعتبارين، وهو بالاعتبار الأول كليٌّ، لا يمنع نفسُ تصور معناه من وقوع الشركة فيه. وهو بالاعتبار الثاني عينيٌّ، يمنع تصورُه من وقوع الشركة فيه (٢). وإن قيل: إن وجود كلِّ شيء عينُ ماهيته، أو قيل بذلك في حق الله تعالى فقط، كان الحدُّ الذي هو حقيقته العينية الوجودية هو الحدّ الذي هو الماهية النوعية إذا عُنِي به حقيقةُ المحدود. وإن عُنِي بالحد القول الدالُّ على ماهية الشيء لم يكن لذلك وجودٌ إلّا في الذهن لا في الخارج. والله أعلم. فأما الأول فقد يُعنَى بالحدّ حقيقةُ الشيء، وقد يُعنَى به القول الدال على ماهيته.

стр. 2809

فأما الحدّ بمعنى حقيقة الشيء التي هو بها يتميز عن غيره، فلا ريبَ بين المسلمين أن الله له حقيقة وذات؛ فذلك حدُّه الذي لا يعلمه غيرُه، كما جاء في الأثر: "يا من لا يعلم ما هو إلا [هو]، ولا يبلُغ قدرتَه غيرُه" (١). وهل يقال: له ماهيةٌ لا يعلمها غيرُه، ولا تجرِي ماهيتُه في مقال؟ أو يقال: لا ماهيةَ له؟ على قولين لأصحابنا وغيرهم. والأول قولُ أكثرهم. وأما الحدّ بمعنى القول، فله أسماء تُميِّزه عن غيره، وله حدودٌ بخواصِّه التي تُميِّزه عن [غيره]، كقولنا: رب العالمين، وخالق السماوات والأرض، والأول الآخر، والظاهر الباطن. و أما الحدُّ المركب من الجنس والفصل فلا يجوز في حق الله تعالى. فأما حدّ عينه الذاتية فيُراد به: حدّ بذاته، وحدّ بصفاته، وحدّ بمقداره. فأما الأول فهو بمعنى انفصاله عن غيره وتميُّزه عنه، بحيث لا يختلط به. وهذا داخلٌ فيما قصده ابن المبارك وغيره، خلافًا للجهمية الذين يجعلونه مختلطًا بالمخلوقات. ولهذا قال: بائنٌ من خلقِه بحدٍّ؛ فإن الحدَّ هو الفصل والتمييز بينه وبين غيره. والحدّ بهذا المعنى متفق

стр. 2810

عليه بين أهل السنة القائلين بأن الله فوقَ العرش، بل وعند الذين يقولون: لا داخلَ العالم ولا خارجَه أيضًا؛ فإن الأعراض المختلفة كالطعم واللون والريح إذا قامت بجسم واحدٍ كانت متميزةً بخصائصها وحدودها، وليست متميّزة بأعيانها وذواتها (١). وأما الثاني فهو بمعنى صفاته القائمة به المميِّزة له عن غيره، كما يقال في حلية الموصوف ونُعوته، فله حدٌّ بهذا الاعتبار. وأما الحدّ بمعنى المقدار والنهاية فهذا مورد النزاع، فقيل: لا حدَّ له ولا غايةَ ولا مقدارَ. وقيل: له حدٌّ من جانب العرش فقط. وقيل: له حدٌّ ونهاية لا يعلمها غيرُه؛ إذ لا يُعقَل موجودٌ بدُونِ ذلك. وقد يقال: إن ابن المبارك وغيره قصدوه؛ إذ لو لم يريدوا ذلك لم يكن حاجة إلى قولهم: على عرشه، بل يكفي أن يقال: هو منفصل عن خلقِه متميز عنهم.

стр. 2811

فصل الهجرة المشروعة كقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقوله: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الصافات: ١٧٨]، وقوله: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، وهجرة الصحابة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وهجرة المسلم من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهجرة الناس من دار الفجور والبدعة إلى دار البر والسنة، وهجران المعلنين بالمعاصي والمظهرين للبدع، كما أمر النبي ﷺ بهجرة الثلاثة الذين خُلِّفوا، وأمر عمر بهجر صَبيغ بن عِسْل، وأمر الأئمة بهجران الدُّعاةِ إلى البدع بحيثُ لا يُتَّخذون حُكَّامًا ولا شهودًا ولا أئمةً ولا مفتين ولا محدِّثين، ولا يُجالَسون ولا يُخاطَبون ونحو ذلك. كل هذا له مقصودانِ: أحدهما: اشتمال ذلك على أداء الواجبات وترك المحرَّمات ، فإن هجران الذنوب تركُها، قال النبي ﷺ : "المهاجر مَن هجَر ما نهَى الله عنه" (١). والهجرةُ من دار الحرب ليتمكن المسلمُ من إقامة دينِه ولوائِه الجهاد. ولئلا يقع فيما هم فيه. وكذلك هجرانُ قُرناءِ السُّوءِ، لئلا يرى القبيحَ ويسمعه فيكون شريكًا لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾

стр. 2812

[النساء: ١٤٠]، ولئلا يُوقِعوه في بعض ذنوبهم، فإن "المرء على دين خليله فلينظر أحدُكم من يخالل" (١). فالأول يكون بترك مخالطتهم وقتَ الذنوب، وإن خُولِطوا في غيرِها للضرورة. والثاني يكون بترك عِشْرتهم مطلقًا، فإن المعاشرة قد تَجُرُّ إلى القبيح، فمن كان مضطرًّا إلى معاشرتهم أو كان هو الحاكم عليهم دينًا ودُنيا فهذا لا يُنهَى عن المعاشرة، بخلاف ....... (٢) الذين قد يُفسِدون عقلَه أو دينَه أو نحو ذلك. المقصود الثاني: تضمُّنُها نهي المهجور وتعزيره وعقوبته فيكون جزاءً له ....... (٣) له ولغيره من ضُرَبائه، كسائر أنواع التعزير والعقوبات المشروعة. فهذه الهجرة من جنس العقوبات والتعزيرات لتنكيل المهجور وغيره على ذلك الذنب، وتلك الهجرة من جنس التقوى والاحتراز عن مواقعة المحظور [ات] البدعية والفجورية، فالأولى تحقيق التقوى، والثانية تحقيق الجهاد، فالأولى من فعل الذين هاجروا، والثانية من فعل الذين جاهدوا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].

стр. 2813

ولهذا لا يصلح ...... (١) إلا مع المكنة والقدرة، كما لا تصلُح المعاقبةُ إلا للقادر المتمكن، بخلاف الأولى. ولهذا كانت الأولى مشروعة بمكة، والثانية إنما شُرِعتْ بالمدينة بعد تبوك لما كان الإسلام في غاية القوة، فإن الثانية تتضمن تركَ السلام عليه وتركَ عيادتِه وتقديمِه في شيء من المراتب الدينية، كالإمامة والحكم والشهادة والحديث والفتوى. وهذا إذا كان ممن يؤثر في المهجور حصول المنفعة، وربما كان فيه منفعة ومضرة فيُراعَى ما غلبَ منهما، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأوقات، وتختلف فيه الاجتهادات، وقد يُستغنى عن الهجرة بالتأليف. فالغرض النهيُ عن المنكر بأقرب الطرق، وتحصيلُ المعروف على أكمل الوجه. والله أعلم. وأهل السنة والحديث يهجرون الداعية إلى البدع من الكلام أو الرأي أو العيادة، ولهذا كان أهل السنة قد تجنبوا فيها الرواية عن الدعاة إلى البدع عندهم من أهل الكلام كعمرو بن عبيد وغيره، ومن أهل الرأي كأهل الرأي من أهل الكوفة، وهو فعل أحمد بن حنبل معهم، وهذا تفصيله مذكور في غير هذا الموضع.

стр. 2814

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده لا شريك له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا. قاعدة في جماع الدين قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، أخبر سبحانه أنه أنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديدٌ ومنافع للناس، فالكتاب يهدي والحديد ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا. فأول ما أنزل على الرسول الأمر بقراءة الكتاب بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ

стр. 2815

الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، فلما هاجر إلى دار النصر أذن له أن يقاتل بالحديد، فالكتاب هو العلم، والحديد هو القدرة، وكلاهما سلطان، والكتاب قيام الصلاة، والحديد قيام الجهاد، ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي ﷺ في الصلاة والجهاد، وكان الأمير يتولاهما جميعًا، أمير الحرب هو إمام الصلاة، وكلاهما فيه الصف الذي يحبُّه الله، وكلاهما فيه الطاعة والجماعة. ولهذا كان أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فأول هذه السورة الأمر بالقراءة، وآخرها الأمر بالسجود ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. والصلاة أقوال وأعمال، فأفضل أقوالها القراءة، وهو أوكد أركانها القولية، وأفضل أعمالها السجود، وهو أوكد أركانها الفعلية. وقد اختلف العلماء أيهما أفضل؟ كثرة الركوع والسجود أو طول القيام ؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد، أصحُّها أنهما سواء، فإن فضل الركوع والسجود يُعادِلُه فضل القراءة. ولهذا كان النبي ﷺ يُسوِّي بينهما، فإذا أطال أحدَهما أطال الآخر، كما في قيام الليل وصلاة الكسوف، وبالعكس. وهذان الركنان مشروعان على سبيل الاستقلال، فإن القرآن يُقرأ خارجَ الصلاة، والسجود يُفعَل مفردًا في سجود التلاوة والشكر والسهو، وآخر السور ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، وهو تمام مقصود الجهاد. ولهذا كان خواصُّ الأمة صنفين: العلماء أهل القرآن، والأمراء أهل السيف، وهم أولو الأمر الذين قال الله فيهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فهؤلاء أولو الأمر. وأما أقسام الأمة فقد ذكرهم في سورة المزمل لما نسخَ ما كان افترضه من قيام الليل، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ

стр. 2816

وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فأمرهم بقراءة ما تيسَّر من القرآن، فإن من المسلمين المعذور بالمرض، ومنهم التاجر الضارب في الأرض يطلب فضل الله، ومنهم المقاتل في سبيل الله. ولهذا كانت أصناف الأمة ثلاثة: أهل القرآن، وأهل المال، وأهل السيف، وكانوا يسمون أهل القرآن "القراء"، وهو اسمٌ يجمع عندهم لأهل العلم والدين، فإن العلماء إنما كانوا يتفقهون في القرآن، والعبَّاد إنما كانوا يتعبدون بالقرآن، فأهل العلم والكلام لهم ما أنزله الله من العلم والكلام، وأهل السماع والوجد لهم سماع القرآن والوجد به، وكان هذا الصنف في السلف شيئًا واحدًا قبل تفرق الأمة. ويؤخذ من الآية أن المريض والمسافر والمجاهد يُكتبَ له مثل ما كان يعمل، كما ثبت في الصحيح (١) عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له من العمل مثلُ ما كان يعمل وهو صحيح مقيم". فهذا نصٌّ في المسافر والمريض، وأما المجاهد فأمره أبلغُ من هذا، فإن في الصحيح (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل المجاهد

стр. 2817

في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت الذي لا يَفتُر في صلاة ولا صيام". وقال له رجل: أخبرني بعملٍ يَعدِلُ الجهادَ في سبيل الله، قال: "لا تستطيع"، قال: أخبِرْني به، قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهدُ أن تصومَ لا تُفطِر وتقومَ لا تَفتُر؟ " قال: لا، قال: "فذلك الذي يَعدِلُ الجهادَ في سبيل الله" (١). إلى أمثال هذه النصوص. ولما تفرقت الأمةُ صار من جنس أهل القرآن سائرُ أنواع أهل العلم والدين، حتى إنه لما انتشر الأمر صار من جنسهم أهلُ التكلم في العلم والتعبُّد من أهل البدع وغيرهم. ولما ظهرت الدولة الجاهلية دولة المغل جعلوا العالم كذلك ثلاثة أقسام: أهل السيف وهم المقاتلة، وأهل المال والصناعات، ويسمونهم "الصاط" (٢)، وأهل العلم والدين، ويسمونهم "دَانِشْمَنْد"، ويدخل في هذا عندهم الفقيه والزاهد، والقسيس والراهب وعلماء اليهود، والأطباء والحُسَّاب، وعلماء الصابئة والمشركين من المنجمين والنجسية (٣) وغير ذلك. وكذلك صار من جنس أهل الجهاد كل حامل سلاحٍ وأعوانهم، سواء كانوا يقاتلون في سبيل الله أو في سبيل الملوك أو القبائل أو غير ذلك. وكذلك صار من جنس التجّار وُلاة الأموال الخاصة والمشتركة من الكتَّاب والوزراء.

стр. 2818

فصل قد ذكرتُ في غير هذا الموضع أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان: هل هو الجسد وهو الجملة المشاهَدة، كما يقوله أكثر أهل الكلام من أصحابنا وغيرهم، أو هو اسمٌ لمعنًى وراءَ هذه الجملة وهو الروح، كما يقوله كثير من أهل الفلسفة وطائفة من أهل الكلام، أو هو اسمٌ للمجموع؟ على ثلاثة أقوال. والثالث هو الصواب الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، وعليه عامة أهل السنة وجمهور الناس، وإن كان الاسم عند التقييد يتناول الجسدَ فقط، أو الروح فقط، أو أحدهما بشرط الآخر، فيكون الآخر شرطًا تارةً، كما كان شَطْرًا في الأصل. وكذلك اختلفوا في وصفه الظاهر، وهو النطق المذكور في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، هل هو اسمٌ للحروف والأصوات فقط؟ كما هو قول المعتزلة وطائفة من أهل السنة من أصحابنا وغيرهم، أو هو اسمٌ لمعنًى قائمٍ بالنفس وراءَ الحروف والأصوات؟ كما هو قول الكلّابية والأشعرية وبعض أهل الحديث والسنة، أو هو اسمٌ لمجموع اللفظ والمعنى؟ على ثلاثة أقوال. والثالث هو الصواب الذي عليه الأئمة، وهو منصوص أحمد

стр. 2819

وغيره، حيث قد نصَّ على أن كل واحدٍ من المعاني والحروف داخلةٌ في مسمى الكلام، وهو قول جمهور الخلق، وهو مدلول الكتاب والسنة، وإن كان الكلام يقع [على اللفظ] تارةً وعلى المعنى تارةً، إما مجردًا وإما بشرطِ الآخر، وهذا في الحروف كثير، فإن إضافة الكلام والمنطق والقول إلى اللسان ووضع ذلك على الحروف والأصوات كثير. وأما إضافة ذلك إلى النفس والقلب ووضع ذلك على المعاني فمثل قول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عمّا حدَّثتْ به أنفسَها ما لم تتكلَّمْ به أو تعملْ به" (١)، ومثل قول أبي الدرداء: ليحذَرْ أحدُكم أن تلعنَه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر (٢)، وقوله: إنا لنكشِرُ في وجوه أقوامٍ وإن قلوبنا لَتلعنُهم (٣). فأضاف اللعنة إلى القلوب، واللعنة من الدعاء الذي هو أحد نوعي الكلام. ومثل قول الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقَتْ، فإذا لها أسماعٌ وأبصارٌ، فأورثت العلمَ ونطقت بالحكمة. ومثل قول الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب.

стр. 2820

فصل قال الله تعالى فيما ذكره من موعظة لقمان لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، ويُشبهها قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وذلك أن فعلَ الإنسانِ وسائرِ الحيوان إما حركةٌ وإما صوتٌ ، وإن كان يدخل في مسمَّى الحركات والأصوات أمورٌ كثيرة، فأمر لقمان بالقصد في المشي الذي هو الحركة والعمل، وبأن يغض من الصوت، فكان في هذا دلالةٌ على كراهة ما خرجَ عن القَصْدِ والغَضِّ، مثل الصوتين الأحمقين الفاجرين عند النعمة: صوتِ الفرح بالغناء والزَّمْر، وعند المصيبة بالنَّدبِ والنوح. وقال للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وصوتُ الشيطان ما يُحِبُّه ويأمرُ به وإن كان قائمًا بإنسانٍ أو جمادٍ كأصواتِ الملاهي وغيرها، فصوتُ الشيطان يَستفِزُّ الناسَ أي يُحرِّكهم ويُزعِجُهم ويُثِيرُهم. وهذا أثر الصوت وهو التحريك كما أنه صادر عن الحركة، فسببه الحركة وغايتُه الحركة. والأصوات تؤثِّر في الحيوان بحسبها، فإذا كان الحيوان له قوتان: قوة الشهوة والجذب، وقوة الغضب والدفع، كان الصوتُ منقسمًا إلى هذين القسمين: صوت للمحبوب وصوت للمكروه. كما أن الحركة

стр. 2821

تنقسم إلى هذين القسمين. ثم إما أن يكون الصوت والحركة لطلب المحبوب أو دفع المكروه أو لحصول المحبوب أو لحصولِ المكروه، فصارت الأصوات أربعة: صوت شوق، وصوت غضب، وصوت فرح، وصوت حزن. فالشوق والفرح من بابٍ، والغضب والحزن من باب. ولهذا نهى النبي ﷺ عن الصوتين الأحمقين الفاجرين: صوتِ الحزن وصوتِ الفرح (١)، ولهذا استُحِبَّ خفضُ الصوتِ في المواطن الثلاث: موطن الغضب والحزن وموطن الذكر، قال قيس بن عُبَاد: كانوا يستحبون خفضَ الصوتِ عند الذكر وعند الجنائز وعند التحام الحرب (٢). وقد ابتدع الناسُ عند الذكر رفعَ أصواتٍ وعند الجنائزِ أيضًا، وعند الحرب بُوقاتٍ ودَبادِبَ، وابتدعوا المكاء والتصدية المضارع للذكر، وحصل عنده أصواتٌ وحركاتٌ. ورخِّص في الصوت عند الفرح الشرعي، واستحبَّ عند النكاح لإعلانه. فالذي يحصل من الرقص والحركات هو خلاف القصد في المشي، والذي يحصل من الغناء والمزامير خلاف غضّ الصوت، ولهذا

стр. 2822

يحصل بهذا خلافُ ما ذكر الله في قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٢، ٧٣]، فإنهم يُصغُون إلى اللغو ويخرّون عند آيات الله صمًّا وعميانًا، والصوت المطلق أو المتضمن لنوع تشويق أو تحزين أو تفريح أو تغضيب يُوجب حركةً مطلقةً، لا إلى معبود معيَّن ولا لعبادة معينة، فلذا تجد غالبَ المتنغمين للصوت المطلق أربابَ حركةٍ مطلقةٍ ضالِّين، لا يَعرِفون من يعبدون ولا بماذا يعبدون. لكن قد يحصل لهم تأثيرات شيطانية لاستفزاز الشيطان. فظهر بالانحراف اليهودي صوت الغضب بالحاجات العلمية، وبالانحراف النصاري صوت بالمطربات الجالبة الخطأ لمعترض (١). وأما سببه فقد يكون حركة حيوان، وقد يكون حركة غير حيوان، إما طبعية وإما قَسْرية، ولكن القسرية الطبعية فرع الاختيارية، فإن الحيوان ...... (٢) إلا عن حيوان. يبيِّن ذلك أنه لما حصل في المنحرفين إلى شبهٍ من النصرانية التحركُ عن الصوت المطلق، سواء كان بالآيات أو بأبيات، بل منهم من يُرجّح السماع لصوت الأبيات، لما تتضمنُه من مطلق وصف الشوق والوصل والهجر وأحوال الحبّ المطلق أو الحزن المطلق، بل قد

стр. 2823

يُرجِّح سماعَ الصوتِ المحض الذي لا حروفَ معه، سواء كان صوت إنسانٍ بمجرده أو مقترنًا بالأبواق والصفّارات والدُّفوف المصلصلة والأوتار وغير ذلك، لما في الصوت من تحريكه وتهييجه والتذاذه به بحسب حاله، كما يُصيب المتحرك عن الشراب والطعام الجسماني من الخمر والحشيشة، أو عن العيان النفساني في الشاهد ونحوه. وهذا الانحراف إنما وقع في النصارى من الصابئة الفلاسفة الذين هم أئمة صناعة الصوت التي يسمونها الموسيقى، دخل بسبب هذا القدر المشترك بينهم وبين الصائبة قومٌ من الصابئة في اسم التصوف ونحوه، وقرروا الانحرافات الصابئية. قال الشافعي ﵁: خلَّفتُ ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، يصدُّون به الناسَ عن القرآن (١). فإن إحداث التغبير إنما هو من المتفلسفة الزنادقة، ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي في "مسألة السماع" عن ابن الراوندي أنه قال: اختلفَ الفقهاءُ في السماع هل هو حلال أو حرام؟ وأنا أقول: هو واجب (٢). وهذا قول الزنادقة كما ذكره الشافعي. ولهذا قرَّر ابن سينا في الإشارات (٣) وغيرُه من المتفلسفة أمْرَ سماع الألحان وعشْق الصور، وجعلوه من جملة الطريق التي تُوصِلُ إلى الله

стр. 2824

وتُزكِّي النفوس، وهاتان الآفتان هي التي دخل بها الشيطانُ في المتصوفة، كما قال (١): رأيتُ إبليسَ فقلت: يا عدوَّ الله، نَجَوْنا منك، فإنا تركنا الدنيا التي تصطاد بها الناس، أو كلامًا هذا معناه. فقال: ولكن بقي لي فيكم لطيفة السماع وصحبة الأحداث. لكن العقلاء إذا وقعوا في ذلك علموا أنه من هَوَى النفوس، وأنه من الذنوب التي يجب على صاحبها التوبة والاستغفار. وأما الضالُّون فاتخذوه دينًا، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١]، فلَهَوْا عن الحق ولعبوا بالباطل. وهذا شأن هذه السيئات المنهي عنها من الأغاني ونحوه كالخمر، فإنها تَصُدُّ عن الحسنات المأمور بها من الذكر والصلاة والعلم النافع والعمل الصالح، وتُوقِع في مفاسدَ بحسبها، كما تُوقِع الخمرُ في العداوة والبغضاء، إما في زنًا وإما في نفاق، كما قال ابن مسعود: الغناء يُنبتُ النفاقَ في القلب كما يُنبت الماءُ البقلَ (٢). فخَمرُ الجسم هي الشرابُ وتُسكِر صاحِبَها، وخمرُ النفس هي الصور والعشق، وهي تُسكِر صاحبَها، وخمرُ الأرواح الصوتُ المطرب

стр. 2825

وسماعُه، وهو يُسكِر صاحبَه. ولهذا قد يَحصلُ لأهلِه مع الأحوال من العداوة والبغضاء والعَربدة، من جنسِ ما يحصُل للشَّرْبِ (١) المجتمعين على الحُمَيَّا. وكما دخلت الصابئةُ بسبب انحراف بعض أصحابنا الصوفية إلى القدر المشترك في الصوت والصُّور، دخلوا أيضًا في الشرك من تعظيم القبور وغير ذلك، كما فعله ابن سينا وابن الخطيب وقاضي حَماة ابنُ واصل وغيرهم في تقرير الاستغاثة بالموتى، بناءً على أن الروح المفارقةَ تَعضُد الأرواحَ المستغيثةَ بها، وهذا مبدأ الشرك وعبادة الأوثان، وتعدَّت العامة ذلك إلى رسم عبادة الأصنام والأوثان، كما فعل ابن الخطيب في كتاب الطلاسم والسحر، وقصدوا أصل الشرك الذي بعث الله الرسل بتحريمه وجعله أصل الشرك، وغيَّروا بذلك ملة التوحيد التي هي أصل الدين، كما فعله قدماء المتفلسفة الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. ومن أسباب ذلك الخروجُ عن الشريعة الخاصة التي بعث الله بها محمدًا ﷺ إلى القدر المشترك الذي فيه مشابهة الصابئين أو النصارى أو اليهود، وهو القياس الفاسد المشابه لقياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، فيريدون أن يجعلوا السماعَ جنسًا واحدًا، والتألُّه جنسًا واحدًا، ولا يميزون بين مشروعه ومبتدعه، ولا بين المأمور به والمنهي عنه.

стр. 2826

ف السماع الشرعي الديني سماعُ كتاب الله وتزيين الصوتِ به وتحبيره، كما قال ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" (١)، وقال أبو موسى: لو علمتُ أنك تسمعُ لحبَّرْتُه لك تحبيرًا (٢). والصُّوَر: الأزواج والسراري التي أباحَها الله تعالى، والعبادة: عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]. وهذا المعنى يقرر قاعدة اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحابِ الجحيم، وينهى أن يشبه الأمر الديني الشرعي بالطبعي البدعي لما بينهما من القدر المشترك، بل يُعلَمُ أن القدر المشترك كالصوت الحسن ليس هو لوحده مشروعًا، حتى يَنضَمَّ إليه القدر المميّز كحروف القرآن، فيصير المجموع من المشترك والمميز هو اللين النافع.

стр. 2827

فصل (١) قاعدة: قد عُرِف أن النفس بل وكل حيّ له قوتان: قوة الحب وقوة البغض، وهاتان القوتان جنسان عاليان تحتهما أنواعٌ، ولهما توابعُ تختلف أسماؤها وأحكامُها، مثل الشهوة والغضب اللذين للحيوان مطلقًا، ومثل الطمع والرجاء والرغبة التابع للحب، والخوف والفَرَق والرهبة التابع للبغض، فإن الحي لا يرغب ويرجو إلّا ما يحبُّه ويشتهيه، ولا يخاف ولا يرهَب إلّا ما يبغضه وينفر عنه. قال الله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. و كل وعد ووعيدٍ في القرآن فهو ترغيب وترهيب وتخويف وترجيةٌ، فإن النعيم محبوبٌ للحيّ، والعذاب مكروه له. والرجاء والخوف يتعلق بالمحبوب والمكروه قبل وقوعه، وكل منهما مركب من قوة علميةٍ وهو تجويز الوقوع، وعمليةٍ وهو الحب والبغض. ومن ذلك اللذة والفرح والسرور والنعيم، فإنه متعلق بحصولِ المحبوب واندفاع المكروه، والألمُ والغمُّ والحزنُ والعذابُ فإنه متعلق

стр. 2828

بحصولِ المكروه واندفاعِ المحبوب. فالحبّ والشهوة كالسبب الفاعل في المطلوبات، والفرح واللذة كالعلة الغائية. ومن ذلك أن الإرادة والرحمة والصلاة على الشيء من جنس المحبة، والكراهة والغضب واللعنة من جنس البغض. وكذلك الحسد ــ الذي هو كراهة النعمة وتمنِّي زوالِها ــ من جنس البغض، يخالف الغبطةَ التي قد تُسمَّى حسدًا، وهي محبةٌ لمثل نعمةِ الغير، فإنها من جنس المحبة، ولهذا حُرِّم الأول دون الثاني، وشُرِعَ الثاني في العلم والمال المُنْفَقَينِ في سبيل الله. ومن ذلك أن المغفرة ودفع المكروه والرحمة فعلٌ لمحبوب، ومن ذلك أن الموالاة والمصادقة والمؤانسة والمعاشرة ونحو ذلك هي من توابع المحبة، والمعاداة والمجانبة والمواحشة والمهاجرة هي من توابع البغض. ولهذا قال ﷺ : "من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنعَ لله فقد استكمل الإيمان" (١)؛ لأن هاتين القوتين في القلب الذي هو يملك الحسد والعطاء والمنع في المال، فإذا كان جميع الأفعال في النفس والمال لله صار العبد كلُّه لله، وذلك هو كمال الإيمان. واعلم أن المقصود بالقصد الأول هو فعل المحبوب، وهو عبادة

стр. 2829

الله وحده لا شريك له، فإن الجن والإنس خُلِقوا لذلك، لكن لا يتم ذلك إلّا بدفع المكروه ، والأول قوة الرزق والثاني قوة النصر، ولا غِنًى لأحدهما عن الآخر، فإن اندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدمٌ، إذ لا محبوب ولا مكروه، وحصول المحبوب والمكروه وجودٌ فاسدٌ، إذ قد حصلا معًا، وهما متقابلان في الترجيح، فربَّما تختار بعضُ النفوس هذا وتختار بعضُها هذا، وهذا عند التكافؤ. وأما المكروه اليسير مع المحبوب الكثير فيترجح فيه الوجود، كما أن المكروه الكثير مع المحبوب اليسير يترجح فيه العدم. لكن لما كان المقتضي لكل واحدٍ من المحبوب والمكروه الذي هو الخير والشرّ موجودًا، وبتقدير وجودِهما يحصل الضرّ كالرزق مع الخوف، صار يعظم في الشرع والطبعِ دفعُ المكروه، أما في الشرع فبالتقوى، فإن اسمها في الكتاب والسنة والإجماع عظيم (١)، والعاقبة لأهلها والثواب لهم. وأما في الطبع فتعظيم النفوس لمن نصرهم بدفع الضرر عنهم من عدوّ أو غيره، فإن أهل الرزق معظِّمون لأهل النصر أكثر من تعظيم أهل النصر لأهل الرزق. وذلك ــ والله أعلم ــ لأن النصر بلا رزقٍ ينفع، فإن الأسباب الجالبة للرزق موجودة تعملُ عملَها، وأما الرزق بلا نصرٍ فلا ينفع، فإن الأسباب الناصرة تابعة. وفي هذا نظرٌ، فقد يقال: هما متقابلان، فإن أهل النصر يحبون أهل

стр. 2830

الرزق أكثر مما يحبّ أهلُ الرزق لأهل النصر، فإن الرزق محبوب والنصر معظَّم. وقد يقال: بل النصر أعظم كما تقدم، فإن اندفاع المكروه محبوب أيضًا، وهو لا يحصل إلا بقوة الدفع التي هي أقوى من قوة الجذب، فاختص الناصر بالتعظيم لدفعه المعارضَ، وأما الرازق فلا معارضَ له، بل له موافق، فالناصر محبوب معظَّم. وقد يُقابَل هذا بأن يقال: وثواب المحبوب مكروه أيضًا، والمحبوب لا يحصل إلا بقوة الجذب، ولا يُسلَّم أن قوة الدفع أقوى، بل قد يكون الجذب أقوى، بل الجذب في الأصل أقوى؛ لأنه المقصود بالقصد الأول، والدفع خادمٌ تابعٌ له. وكما أن الدافع دفعَ المعارضَ فالجاذبُ حصَّل المقتضي، وترجيح المانع على المقتضي غير حق، بل المقتضي أقوى بالقول المطلق، فإنه لابدَّ منه في الوجود. وأما المانع فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض، وقد لا يكون معارضٌ. فالمقتضي والمحبة هو الأصل والعمدة في الحق الموجود والحق المقصود، وأما المانع والبغضة فهو الفرع والتابع. ولهذا كتب الله في الكتاب الموضوع عنده فوق العرش: "إن رحمتي تَغلِب غضبي" (١). ولهذا كان الخير في أسماء الله وصفاته، وأما الشرُّ ففي الأفعال كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ

стр. 2831

عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]. يبقى أن يُقال: فلِمَ عُظِّمت التقوى؟ فيقال: لأنها هي تحفظ الفطرةَ وتمنع فسادها، واحتاج العبد إلى رعايتها، لأن المحبة الفطرية لا تحتاج إلى تحريك. ولهذا كان أعظم ما دعت إليه الرسلُ الإخلاص والنهي عن الإشراك، لأن الإقرار الفطري حاصل، لوجود مقتضيه، وإنما يحتاج إلى إخلاصه ودفْعِ الشرك عنه. ولهذا كانت حاجة الناس إلى السياسة الدافعة لظلم بعضهم عن بعضٍ، والجالبةِ لمنفعة بعضهم بعضًا، كما أوجبَ الله الزكاة النافعة وحرَّم الربا الضارَّ. وأصل الدين هو عبادة الله، الذي أصله الحبُّ والإنابة والإعراض عمَّا سواه، وهو الفطرة التي فطر عليها الناس، وهذه المحبة التي هي أصل الدين انحرف فيها فريقٌ من منحرفة الموسوية من الفقهاء والمتكلمين، حتى أنكروها وزعموا أن محبة الله ليست إلّا إرادة عبادته. ثم كثيرٌ منهم تاركون للعمل بما أُمِروا به، فيأمرون الناسَ بالبر وينسون أنفسهم، وهذا فاشٍ فيهم، وهو عدم المحبة والعمل. وفريقٌ من منحرفة العيسوية من الصوفية والمتعبدين، حتى خلطوها بمحبة ما يكرهه، وأنكروا البغض والكراهية، فلم يُنكروا شيئًا ولم يكرهوه، أو قصَّروا في الكراهة والإنكار، وأدخلوا فيها الصور والأصوات ومحبَّة الأنداد.

стр. 2832

ولهذا كان لِغُواةِ الأولين وصفُ الغضب واللعنة الناشئ عن البغض، لأن فيهم البغض دون الحب، وكان لِضُلَّالِ الآخرين وصفُ الضلال والغلو، لأن فيهم محبةً لغير معبودٍ صحيح، ففيهم طلب وإرادة ومحبة، لكن لا إلى مطلوب صحيح ولا مرادٍ صحيح ولا محبوب صحيح، بل قد خلطوا وغَلَوا وأشركوا، ففيهم محبة الحق والباطل، وهو وجود المحبوب والمكروه، كما في الآخرين بغض الحق والباطل، وهو دفع المحبوب والمكروه. والله سبحانه يهدينا صراطَه المستقيم، فنحمد من هؤلاء محبةَ الحق والاعتراف به، ومن هؤلاء بُغضَ الباطل وإنكاره.

стр. 2833

فصل وباعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم التي هي أفضل الجنس الإنساني، وهم العرب والروم والفرس، فإن هذه الأمم هي التي ظهرت فيها الفضائل الإنسانية، وهم سكان وسط الأرض طولاً وعرضًا، فأما من سواهم كالسودان والترك ونحوهم فتَبَعٌ. فغلبَ على العرب القوة العقلية النطقية، واشتُقَّ اسمُها من وصفها، فقيل لهم «عرب» من الإعراب، وهو البيان والإظهار، وذلك خاصة القوة المنطقية. وغلبَ على الروم القوة الشهوية من الطعام والنكاح ونحوهما، واشتُقَّ اسمُها من ذلك، فقيل لهم «الروم»، فإنه يقال: رُمْتُ هذا أرومُه، إذا طلبته واشتهيته. وغلبَ على الفرس القوة الغضبية من الدفع والمنع والاستعلاء والرئاسة، واشتُقَّ اسمُها من ذلك فقيل «فُرس»، كما يقال: فَرَسَه يَفرِسُه إذا قَهَره وغَلَبه. ولهذا توجد هذه الصفات الثلاثة غالبةً على الأمم الثلاث حاضِرَتِها وبادِيَتِها، ولهذا كانت العرب أفضل الأمم، ويليها الفرسُ؛ لأن القوة الدفعية أرفع، ويليها الروم.

стр. 2834

فصل وباعتبار هذه القوى كانت الفضائل ثلاثًا: فضيلة العقل والعلم والإيمان التي هي كمال القوة المنطقية. وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية، وكمال الشجاعة هو الحِلْم كما قال النبي ﷺ : «ليس الشديدُ بالصُّرَعَةِ، وإنما الشديد الذي يَملِكُ نفسَه عند الغضب» (١). والحلم والكرم مَلْزُوزَانِ في قَرَنٍ، كما أن كمال القوة الشهوية العفة. فإذا كان الكريم عفيفًا والشجاع حليمًا اعتدلَ الأمر. وفضيلة السخاء والجود التي هي كمال القوة الطلبية الحُبِّية، فإن السخاء يَصدُر عن اللين والسهولة ورطوبة الخلق، كما تَصدُر الشجاعةُ عن القوة والصعوبة ويُبْسِ الخلق. فالقوة الغضبية هي قوة النصر، والقوة الشهوية هي قوة الرزق، وهما المذكوران في قوله: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]. والرزق والنصر مفسران في الكتاب والسنة وكلام الناس كثيرًا. وأما الفضيلة الرابعة التي يقال لها العدالة فهي صفة منتظمةٌ للثلاث، وهو الاعتدال فيها. وهذه الثلاث الأخيرات هي الأخلاق

стр. 2835

العملية، كما جاء في حديث سعد لما قال فيه العَبْسي: إنه لا يَقْسِم بالسَّوِيَّة، ولا يَعدِل في القضية، ولا يخرج في الشهادة (١). فصل و باعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث المسلمون واليهود والنصارى ، فإن المسلمين فيهم العقل والعلم والاعتدال في الأمور، فإن معجزة نبيهم هي علم الله وكلامه، وهم الأمة الوسَط. وأما اليهود فأُضعِفَت القوة الشهوية فيهم، حتى حُرِّم عليهم من المطاعم والملابس ما لم يُحرَّم على غيرهم، وأُمِروا من الشدة والقوة بما أُمِرُوا به، ومعاصيهم غالبُها من باب القسوة والشدة لا من باب الشهوات. والنصارى أُضْعِفَتْ فيهم القوة الغضبية، فنُهُوا عن الانتقام والانتصار، ولم تُضعف فيهم القوة الشهوية، فلم يُحرَّم عليهم من المطاعم ما حُرِّم على من قبلهم، بل أُحِلَّ لهم بعض الذي حُرِّم عليهم، وظهر فيهم من الأكل والشرب والشهوات ما لم يظهر في اليهود، وفيهم من الرقة والرأفة والرحمة ما ليس في اليهود. فغالبُ معاصيهم من باب الشهوات لا من باب الغضب، وغالب طاعاتهم من باب النصر لا من باب الرزق.

стр. 2836

ولما كان في الصوفية والفقراء عيسويةٌ مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الشهوات ووقع فيهم من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المُطرِبة ما يُذَمُّون به. ولما كان في الفقهاء موسويةٌ مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الغضب ووقع فيهم من القسوة والكِبر ونحو ذلك ما يُذَمُّون به. فصل جنس القوة الشهوية: الحبُّ، وجنس القوة الغضبية: البغض ، والغضبُ والبغضُ متفقان في الاشتقاق الأكبر، ولهذا قال النبي ﷺ : «أوثق عرى الإيمان: الحبُّ في الله والبغضُ في الله» (١). فإن هاتين القوتين هي الأصل، وقال: «من أحبَّ لله وأبغضَ لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (٢). ف الحبُّ والبغض هما الأصل ، والعطاء عن الحبّ، وهو السخاء، والمنع عن البغض، وهو الشجاعة. فأما الغضب فقد يقال: هو خصوص في البغض، وهو الشدَّة التي تقوم في النفس التي يقترن بها غَلَيَانُ دمِ القلب لطلب الانتقام، وهذا هو الغضب الخاص ولهذا تَعدِلُ طائفة من

стр. 2837

المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة، ومن قابل الشهوة بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص، فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع إلى الشهوة، فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة الجاذبة الحبيّة. فصل فعلُ المأمورِ به صادر عن القوة الإرادية الحبّية الشهوية، وتركُ المنهيِّ عنه صادرٌ عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية، والأمر بالمعروف صادرٌ عن المحبة والإرادة، والنهي عن المنكر صادرٌ عن البغض والكراهة، وكذلك الترغيب في المعروف والترهيب من المنكر والحضُّ على هذا والزجر عن هذا. ولهذا لا تكفُّ النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية، وبذلك يقوم العدل والقسط في الحكم والقَسْمِ وغير ذلك، كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية الشَهوية. فصل قد عرف ... (١).

стр. 2838

فصل المشهور عند أهل السنة القائلين بعدم تخليد الفاسق ورجاء الشفاعة له والرحمة: أنه لا يُحبِطُ العملَ إلّا الكفرُ؛ فإن نصوص القرآن تقتضي حُبُوطَ العمل بالكفر في مثل البقرة والمائدة والأنعام والزمر و ق وغير ذلك. وهذا لأن ما سوى الكفر من المعاصي يثبت معه أصلُ الإيمان، ولابدَّ أن يخرج من النار من كان في قلبه ذرةٌ من إيمان. وأما الكفر فينتفي معه الإيمان الذي لا يُقبَل العملُ إلّا به، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩]، إلى نصوص متعددة يصف فيها بطلان عمل الكافر وتحريم الجنة عليه. وأما المعتزلة فإنهم يقولون بتخليد الفاسق الملّي، وأنه لا ينعم أبدًا، وأن من استحق العقابَ لا يستحقُّ ثوابًا بحالٍ، ومن استحقَّ الثوابَ لا يستحق العقاب؛ فالتزموا لذلك أن تَحبَطَ جميعُ الأعمال الصالحة بالفسق، كما تَحبَطُ الأعمالُ بالكفر. ثم أكثرهم يُفسِّقون بالكبيرة، فيقولون: تحبط الأعمال بالكبيرة، ومنهم من لا يُفسِّق إلا برجحان السيئات، وهي التي تُحبِط الأعمال. وهذا أقرب. قلت: الذي يُنفَى من الإحباط على أصول أهل السنة هو حُبوط جميع الأعمال؛ فإنه لا يَحبَطُ جميعُها إلا بالكفر. وأما الفسق فلا يُحبِط

стр. 2839

جميعَها، سواء فُسِّر بالكبيرة أو برجحان السيئات؛ لأنه لابدَّ أن يُثابَ على إيمانه فلم يحبط. وأما حبوط بعضها وبطلانه إما بما يُفسِده بعد فراغه، وإما بسيئاتٍ يقوم عقابُها بثوابه، فهذا حقٌّ دلَّ عليه الكتاب والسنة، كقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فأخبر أن المنَّ والأذى يُبطِل الصدقة، كما أن الرياء المقترن بها يُبطِلها، وإن كان كلٌّ منهما لا يُبطِل الإيمان، بل يُبطِله ورودُ الكفر عليه أو اقترانُ النفاقِ به. وقوله في الحديث الصحيح: «إن الذي تفوتُه صلاة العصر فقد حَبِطَ عملُه» (١). وقول ......... (٢): «الحسد يأكلُ الحسنَاتِ كما يأكل الماء البقل» (٣). وقول النبي ﷺ : «من كانت عنده لأخيه مظلمةٌ في عِرضٍ أو مالٍ فليأتِه، فليستحلَّ منه قبلَ أن يأتي يومٌ ليس فيه درهم ولا دينار، وإنما فيه الحسنات والسيئات» (٤). وقوله: «ما تَعدُّون المفلسَ

стр. 2840

فيكم؟»، قالوا: المفلس من ليس له درهم ولا دينار. قال: «ليس ذلك بالمفلس، وإنما المفلس الذي يأتي بحسناتٍ أمثال الجبال، قد أخذ مالَ هذا، وأخذ عِرضَ هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم يبقَ له حسنةٌ أُخِذَ من سيئاتهم، فأُلقِي في النار» (١).
следующие страницы →