ولما كان في الصوفية والفقراء عيسويةٌ مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الشهوات ووقع فيهم من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المُطرِبة ما يُذَمُّون به.
ولما كان في الفقهاء موسويةٌ مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الغضب ووقع فيهم من القسوة والكِبر ونحو ذلك ما يُذَمُّون به.
فصل
جنس القوة الشهوية: الحبُّ، وجنس القوة الغضبية: البغض ، والغضبُ والبغضُ متفقان في الاشتقاق الأكبر، ولهذا قال النبي ﷺ : «أوثق عرى الإيمان: الحبُّ في الله والبغضُ في الله» (١). فإن هاتين القوتين هي الأصل، وقال: «من أحبَّ لله وأبغضَ لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (٢).
ف الحبُّ والبغض هما الأصل ، والعطاء عن الحبّ، وهو السخاء، والمنع عن البغض، وهو الشجاعة. فأما الغضب فقد يقال: هو خصوص في البغض، وهو الشدَّة التي تقوم في النفس التي يقترن بها غَلَيَانُ دمِ القلب لطلب الانتقام، وهذا هو الغضب الخاص ولهذا تَعدِلُ طائفة من
стр. 2837
المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة، ومن قابل الشهوة بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص، فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع إلى الشهوة، فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة الجاذبة الحبيّة.
فصل
فعلُ المأمورِ به صادر عن القوة الإرادية الحبّية الشهوية، وتركُ المنهيِّ عنه صادرٌ عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية، والأمر بالمعروف صادرٌ عن المحبة والإرادة، والنهي عن المنكر صادرٌ عن البغض والكراهة، وكذلك الترغيب في المعروف والترهيب من المنكر والحضُّ على هذا والزجر عن هذا. ولهذا لا تكفُّ النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية، وبذلك يقوم العدل والقسط في الحكم والقَسْمِ وغير ذلك، كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية الشَهوية.
فصل
قد عرف ... (١).
стр. 2838
فصل
المشهور عند أهل السنة القائلين بعدم تخليد الفاسق ورجاء الشفاعة له والرحمة: أنه لا يُحبِطُ العملَ إلّا الكفرُ؛ فإن نصوص القرآن تقتضي حُبُوطَ العمل بالكفر في مثل البقرة والمائدة والأنعام والزمر و ق وغير ذلك. وهذا لأن ما سوى الكفر من المعاصي يثبت معه أصلُ الإيمان، ولابدَّ أن يخرج من النار من كان في قلبه ذرةٌ من إيمان. وأما الكفر فينتفي معه الإيمان الذي لا يُقبَل العملُ إلّا به، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩]، إلى نصوص متعددة يصف فيها بطلان عمل الكافر وتحريم الجنة عليه.
وأما المعتزلة فإنهم يقولون بتخليد الفاسق الملّي، وأنه لا ينعم أبدًا، وأن من استحق العقابَ لا يستحقُّ ثوابًا بحالٍ، ومن استحقَّ الثوابَ لا يستحق العقاب؛ فالتزموا لذلك أن تَحبَطَ جميعُ الأعمال الصالحة بالفسق، كما تَحبَطُ الأعمالُ بالكفر. ثم أكثرهم يُفسِّقون بالكبيرة، فيقولون: تحبط الأعمال بالكبيرة، ومنهم من لا يُفسِّق إلا برجحان السيئات، وهي التي تُحبِط الأعمال. وهذا أقرب.
قلت: الذي يُنفَى من الإحباط على أصول أهل السنة هو حُبوط جميع الأعمال؛ فإنه لا يَحبَطُ جميعُها إلا بالكفر. وأما الفسق فلا يُحبِط
стр. 2839
جميعَها، سواء فُسِّر بالكبيرة أو برجحان السيئات؛ لأنه لابدَّ أن يُثابَ على إيمانه فلم يحبط.
وأما حبوط بعضها وبطلانه إما بما يُفسِده بعد فراغه، وإما بسيئاتٍ يقوم عقابُها بثوابه، فهذا حقٌّ دلَّ عليه الكتاب والسنة، كقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فأخبر أن المنَّ والأذى يُبطِل الصدقة، كما أن الرياء المقترن بها يُبطِلها، وإن كان كلٌّ منهما لا يُبطِل الإيمان، بل يُبطِله ورودُ الكفر عليه أو اقترانُ النفاقِ به.
وقوله في الحديث الصحيح: «إن الذي تفوتُه صلاة العصر فقد حَبِطَ عملُه» (١). وقول ......... (٢): «الحسد يأكلُ الحسنَاتِ كما يأكل الماء البقل» (٣). وقول النبي ﷺ : «من كانت عنده لأخيه مظلمةٌ في عِرضٍ أو مالٍ فليأتِه، فليستحلَّ منه قبلَ أن يأتي يومٌ ليس فيه درهم ولا دينار، وإنما فيه الحسنات والسيئات» (٤). وقوله: «ما تَعدُّون المفلسَ
стр. 2840
فيكم؟»، قالوا: المفلس من ليس له درهم ولا دينار. قال: «ليس ذلك بالمفلس، وإنما المفلس الذي يأتي بحسناتٍ أمثال الجبال، قد أخذ مالَ هذا، وأخذ عِرضَ هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم يبقَ له حسنةٌ أُخِذَ من سيئاتهم، فأُلقِي في النار» (١).
стр. 2841
فصل
قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، وهو ــ والله أعلم ــ من الردِّ بمعنى الترديد والتكرير، كقول النبي ﷺ في القرآن: «لا يَخْلَقُ عن كثرة الردّ» (١). أي تُردَّد أيمانٌ بعد أيمانهم، ليس هو من الردّ الذي هو ردُّ اليمين، كردّ النبي ﷺ اليمينَ على المدَّعَى عليهم في القسامة لما امتنع المدَّعون من الأنصار، وكالردِّ المختلف فيه، لأنه هنا لم يحلف الأول فردّت اليمين على الثاني، فهو رجع لليمين الأول إلى الثاني، وفي مسألة المحايدة قد حلف الأولون عند ظهور اللَّوث وحلف المدعون يمينًا ثانيةً، فهنا تكرير وهناك تحويل، لكن يشتركان في معنى الرد الأصل.
فإنه كما أن الاشتقاق بحسب الحروف ينقسم إلى أكبر وأوسط وأصغر، وهو ما اتحد فيه الحروف ....... (٢)، فكذلك ينقسم بحسب المعاني إلى ما يتحد فيه المعنيان من كل وجه، أعني في القدر المشترك، كما في ضرب وضارب، وإلى ما يتحدانِ في الأصل دون
стр. 2842
الوصف، وإلى ما يتحدانِ في الجنس دون النوع. وهذا كثير لمن تأمله، وعليه تنبني مسائل «الخصائص» و «ألفاظ القرآن» للراغب وغير ذلك ممن يحوم على أن يجعل أصل معنى الحروف شيئًا واحدًا ثمَّ يُفصِّله في تصاريفه.
فأصل «الردّ» الرَّجْع، والرجع يقتضي تصييَره إلى حالٍ ثانية كان عليها، فصار فيه معنى التثنية، وصار الترديد والترجيع يُعبَّر به عن التثنية، كما في قوله: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]. فصارت (١) الرجوع تارةً يُعتبر في ذات فقط وإن اختلفت (٢) محالُّه، كرد اليمين وردّ الفاضل عن الفروض. وتارةً يُعتَبر فيه المحل وهو الأصل والأول إنما يُسمَّى ردًّا بالتقييد، كقوله: ردّه على هذا. ثم تارةً يكون ردُّه ثانيًا مع بقاء الحال الأولى، وتارةً يكون مع بطلانِ الحالِ الأولى، إما الموجودة وإما المقدرة، فيكون الردّ الذي هو خلاف القول من هذا الوجه؛ لأن العمل كان قد ذهب إلى محلّ، فردَّ عن ذلك المحلّ إلى صاحبه، فمن يفهم هذا الباب يكون قد فهِمَ ارتباطَ المعاني والحقائق التي هي مدلول الألفاظ وتناسبها، كما أن فهم الأول يكون من معرفة ارتباط الحروف بعضها ببعض.
стр. 2843
[فصل]
قوله في حديث الكرب الذي رواه أحمد (١) من حديث ابن مسعود: «اللهم إني عبدُك ابنُ عبدِك ابنُ أمتِك، ناصيتي بيدك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خَلْقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي ونورَ صدري وجَلاءَ حزني وذهابَ غمِّي، إلّا أذهبَ اللهُ همَّه وغمَّه، وأبدلَه به فرحًا».
الربيع هو المطر المُنبِت للربيع ، ومنه قوله في دعاء الاستسقاء: «اللهمَّ اسْقِنا غيثًا مُغِيثًا ربيعًا مَرِيْعًا» (٢). وهو المطر الوسميّ الذي يَسِمُ الأرضَ بالنبات، ومنه قول [مالك بن دينار] (٣): القرآن ربيعُ المؤمن.
فسأل الله أن يجعلَه ماءً يحيا به قلبُه كما تَحيَا الأرضُ بالربيع، ونورًا لصدره، و الحياةُ والنورُ جماعُ الكمال ، كما قال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا
стр. 2844
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وفي خطبة أحمد بن حنبل (١): «يُحيُون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بنورِ الله أهل العَمَى»، لأنه بالحياة يخرج عن الموت، وبالنور يخرج عن ظلمة الجهل، فيصير حيًّا عالمًا ناطقًا، وهو كمال الصفات في المخلوق، وكذلك قد قيل في الخالق. حتى النصارى فسَّروا الأب والابن وروح القدس بالموجود الحيّ العالم. والغزالي ردَّ صفاتِ الله إلى الحيّ العالم (٢)، وهو موافق في المعنى لقول الفلاسفة: عاقل ومعقول وعقل. لأن العلم يستتبع الكلام الخبري، ويستلزم الإرادة والكلام الطلبي، لأن كلَّ حيٍّ عالمٍ فله إرادةٌ وكلام، ويستلزم السمع والبصر.
لكن هذا ليس بجيد، لأنه يقال: فالحيُّ نفسه مستلزمٌ لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كان أعظم آيةٍ في القرآن: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهو الاسم الأعظم، لأنه ما من حيٍّ إلا وهو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات. فلو اكتُفِي في الصفات بالتلازم لاكتُفِي بالحيّ. وهذا ينفع في الدلالة والوجود، لكن لا يصحُّ أن يُجعَل معنى العالم هو معنى المريد، فإن الملزوم ليس هو عين اللازم، وإلّا فالذات المقدسة مستلزمة لجميع الصفات.
стр. 2845
فإن قيل: فلم جمع في المطلوب لنا بين ما يوجب الحياة والنور فقط، دونَ الاقتصار على الحياة أو الازدياد من القدرة وغيرها؟
قيل: لأن الأحياء الآدميين فيهم من يهتدي إلى الحق، وفيهم من لا يَهتدي، فالهداية كمال الحياة، وأما القدرة فشرط في التكليف لا في السعادة، ولا يضرُّ فقدُها، ونور الصدر يمنع أن يريد سواه.
ثم قوله: «ربيع قلبي ونور صدري» لأنه ــ والله أعلم ــ الحيا لا يتعدى محلَّه، بل إذا نزل الربيع بأرضٍ أحياها، أما النور فإنه ينتشر ضوؤه عن محله. فلما كان الصدر حاويًا للقلب جُعِل الربيعُ في القلب والنورُ في الصدر لانتشاره، كما قوَّته المشكاة في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، وهو القلب.
стр. 2846
فصل
مما يُبيّن أن طريقة أتباع الأنبياء من أهل السنة هي الموصلة إلى الحق دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين: أن المقصود هو العلم، وطريقه هو الدليل ، و الأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل ، كإثبات الصفات لله مفصلة، ونفي الكفؤ عنه.
والفلاسفة يجيئون بالنفي المفصل: ليس بكذا ولا كذا، فإذا جاء الإثبات أثبتوا وجودًا مجملاً، واضطربوا في أول مقامات ثبوته، وهو أن وجوده هو عين ذاته أو صفة ذاتية لها أو عرضية؟ ونحو ذلك من النزاعات الذهنية اللفظية.
ومعلوم أن النفي لا وجود له، ولا يعلم النفي والعدم إلا بعد العلم بالثبوت والوجود، حتى إن طائفة من المتكلمين نفوا العلم بالمعدوم إلا إذا جعل شيئًا، لأن العلم ــ زعموا ــ لابد أن يتعلق بشيء. والتحقيق أن العلم بالعدم يحصل بواسطة العلم بالموجود ، فإذا علمنا أنه لا إلاه إلا الله تصورنا إلهًا موجودًا، وعلمنا عدم ما تصورناه إلا عن الله.
وكذلك سائر ما ننفيه لابد أن نتصوره أولاً ثم ننفيه، ولا نتصوره إلا بعد تصور شيء موجود، ثم نتصور ما يشابهه، أو ما يتركب من أجزائه، كتصور بحر زئبق وجبل ياقوت وآلهة متعددة ونحو ذلك، ثم ننفيه، وإلا فتصور معدوم مبتدع لا يناسب الموجودات بوجهٍ لا يمكن العقلَ
стр. 2847
إبداعُه، سواء كان من العلوم النظرية أو العملية، كتصور الفاعل ما يفعله قبل فعله، فإنه في الحقيقة تصور معدوم ليوجد، كما أن غيره تصور معدوم ممكن أو ممتنع، يوجد أو لا يوجد، فالمعدوم الفعلي وغير الفعلي لا يُبْدِعه عقل الإنسان من غير مادة وجودية، كما لا تُبدِع قدرتُه شيئًا من غير مادة وجودية، وإنما الإبداع من خصائص الربوبية، وكيف يعلم؟ وكيف يفعل؟ باب آخر.
فثبتَ بهذا أن العلم بالموجود وصفاته هو الأصل ، وأن العلم بالعدم المطلق والمقيد تبع له وفرع عليه، وأيضًا فالعلم بالعدم لا فائدة للعالم به، إلا لتمام العلم بالموجود، وتمام الموجود في نفسه، إذ تصور «لا شيء» لا يستفيد به العالم صفة كمال، لكن علمه بانتفاء النقائص مثلاً عن الموجود علم بكماله.
وكذلك العلم بنفي الشركاء عنه علم بوحدانيته التي هي من الكمال، وكذلك تصور ما يراد فعله مفضٍ إلى وجود الفعل، وتصور ما يراد تركه مفضٍ إلى الترك الذي هو عدم الشر، الذي يكمل الموجود بعدمه.
وذلك أن هذا الذي ذكرته في العلم والقول يقوم مثله في الإرادة والعمل؛ فإن الإرادة متوجهة إلى الوجود بنفسه الذي هو الفعل، ومتوجهة إلى العدم الذي هو الترك على طريق التبع، لدفع الفساد عن المقصود الموجود. وإلّا فإرادةُ «لا شيء» لا يستفيد به العبد المريدُ فائدة، ولا تُحصِّل له كمالاً ولا لذةً.
стр. 2848
ولهذا سألني بعض الأمراء مرةً: أيُّما أفضلُ: إيصالُ الحق إلى ربِّه أو دفعُ غيرِ ربِّه عنه؟ فقلت: أفضله هو المقصود لنفسه بالقصد الأول، وهذا مقصود لغيره بالقصد الثاني. وكذلك الورع ونفي البدع وكل ما ينفى في الاعتقاد والأقوال أو في الإرادات والأفعال، إنما يُطلَب به تحقيقُ الموجود والمقصودِ من ذلك ونفيُ الفساد عنه. ولذلك كان أهل السنة والورع أصلح اعتقادًا وعملاً من غيرِهم لنفي الفساد، مع ما يستلزم ترك الباطل من الحق الموجود والمقصود.
وأما الدليل فلابدَّ في كل دليل عقلي ــ وهو القياس الشمولي المشتمل على المقدمتين ــ من إيجابٍ وعموم، إمّا مجموعًا في مقدمةٍ وإمّا مفرقًا في المقدمتين، ولذلك كان لا قياسَ عن سالبتينِ ولا جزئيتين. فعُلِمَ أنه لابدَّ في كل دليلٍ من علم وجودي إحَاطِيٍّ، وإلّا فالعلم العدمي لا يُنتج وحدَه، ولو اجتمع منه مقدماتٌ، فلا يكون وسيلةً إلى مطلوبٍ بحالٍ.
فثبتَ أن العلم بالسلوب لا يَستقلُّ في المسائل والأحكام، ولا في الوسائل والأدلة ، بل هو مفتقرٌ إلى العلم بالوجود فيهما، فمن كان الغالب على علمه وكلامه النفي والسلب كان الغالب ما لا يفيد، لا مقصودًا ولا وسيلة، ومن غلبَ على كلامه الإثباتُ والإيجاب كان الغالب عليه هو المفيد مقصودًا ووسيلةً. وهذا كلامٌ شريف برهاني، والذوق يُصدِّقُه والوجود يُحقِّقه.
стр. 2849
وهذا الذي قررناه في العلم والقول في الأحكام والأدلة يجيء مثلُه في القصد والعمل في المقاصد والوسائل، فمن غلبَ عليه في ذلك الوجودُ في المقاصد والأعمال كانت طريقته أنفعَ ممن غلبَ عليه العدمُ فيهما، فالوجود راجح على العدم في نفسه وفي علمه وذكره وقصدِه والسعي إليه.
وكذلك أيضًا في القدرة والسمع والبصر وسائر الصفات، لكن لابدَّ من نفيٍ وعدمٍ يدفع عن الوجود ما يَضُرُّه ويُفسِده، وإلّا فَسَد. فهذا هذا، والله أعلم.
ولهذا إذا ترك المؤمن شيئًا من المكروهات فلابدَّ أن يكون تركُه لإرادة أمرٍ موجود، فيتركه لوجهِ الله وإرادةِ ثوابه، أو للخوف من العقاب الذي يضرُّه. ولهذا اختلف الناس في المطلوب بالنهي: هل هو نفسُ العدم أو الامتناع الذي هو أمر وجودي ؟ والتحقيق أن كلاهما (١) مطلوبٌ للناهي، لكن فائدة الوجود وجودية، وفائدة العدم عدمية.
وقد اتفق الفقهاء على تعليل النفي بالنفي كتعليل الإثبات بالإثبات وتعليل النفي بالإثبات، فإن الوجود قد يقتضي عدمَ أشياء. أما تعليل الوجودِ بالعدم ففيه خلاف، وأصحابنا جوَّزوه، لأن النفي يتضمن الوجود .... (٢) .... وقد يقال: إرادة العدم تقتضي وجودًا ..... والله أعلم.
стр. 2850
فصل عظيم المنفعة
في أمر المعاد
وذلك أن مذهب أهل السنة والجماعة ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه سلفُ الأمة وأئمتُها: الإيمانُ بالقيامة العامة التي يقوم الناس فيها من قبورهم لربّ العالمين، ويَجزِي العبادَ حينئذٍ ويحاسبهم، ويُدخِل فريقًا الجنةَ وفريقًا النارَ، كما هو مبيَّن في الكتاب والسنة.
والإيمان مع ذلك بنعيم القبر وعذابه، وبما يكون في البرزخ من حينِ الموت إلى حين القيامة من نعيم وعذاب، فالإنسان منذُ تُفارِق روحُه بدنَه هو إما في نعيم وإما في عذاب؛ فلا يتأخر النعيم والعذاب عن النفوس إلى حين القيامة العامة، وإن كان كمالُه حينئذٍ، ولا تبقى النفوس المفارقة لأبدانها خارجةً عن النعيم والعذاب ألوفًا من السنين إلى أن تقوم القيامة الكبرى. ولهذا قال المغيرة بن شعبة (١): أيها الناس! إنكم تقولون: القيامة، القيامة، وإنه من ماتَ فقد قامت قيامتُه.
واسم «الساعة» في السُنة قد يَرِد ويُراد به انقراضُ القرن وهلاكُ أهلِه، كما ذكر ذلك البغوي (٢) وغيره، وهو مذكور في أحاديث
стр. 2851
صحيحة: «حتى تقوم الساعةُ» (١) يريد به انخرامَ ذلك القرن؛ فلهذا هو مفسَّرٌ في نفس الحديث الصحيح.
وكذلك مذهب أهل السنة والجماعة: الإقرار ب معاد الأرواح والأبدان جميعًا ، وأن الروح باقية بعد مفارقة البدن منعَّمةً ومعذَّبةً.
وأما أهل الأهواء فكان كثير من الجهمية والمعتزلة ونحوهم يُكذِّب بما في البرزخ من النعيم والعذاب، ولا يُقِرُّ بما يكون في القبر، كما ينكرون أيضًا وجودَ الجنة والنار، ولا يعتقدون نعيمًا ولا عذابًا ولا ثوابًا ولا عقابًا إلّا عند القيامة الكبرى.
ثم منهم من يقول: ليست الروح شيئًا باقيًا بدون البدن. وبعض هؤلاء يُقِرُّ بعذاب القبر ونعيمه للجسد فقط دونَ روحٍ باقية دونه. وهذا كثير في مقالات طوائف من أهل الكلام، وهم يتكلمون في إحداث العالم وإفنائه. وقد يزعمون أن العالم يَفنى بجملته ثم يعاد. ومنهم من يزعم أنه يَفنَى بعد دخول الجنة والنار، وأنهما يَفنَيانِ، كما يُذكَر ذلك عن الجهم بن صفوان. وزعم أبو الهذيل أن حركاتهم تَفنَى، وأمثال هذه المقالات.
وفي مقابلة هؤلاء طوائف من الفلاسفة المشائين وغيرهم ومن قد يتبعهم من الملِّيين يُكذِّبون بالقيامة العامة، وإنما يُقِرُّون بالقيامة التي هي انقراض القرون، والطوفانات العامة، وبأن من ماتَ فقد قامتْ قيامتُه.
стр. 2852
ويُقِرّون بمعاد الأرواح دون الأبدان، ولا يُقِرُّون بتغيير هذا العالم، ولا بشَقِّ السماوات وانفطارها، وتكوير الشمس والقمر، واستحالة الأجسام العلوية، كما جاءت به النصوص. بل يُحرِّفون الكلمَ عن مواضعه، ويتأولون ذلك على أنه أمثال مضروبة لحال المعاد الجزئي، وهو حال النفس عند مفارقة البدن. ولا يُقِرُّون بإحداثٍ ولا إفناء.
وقد تكلمنا من الرد على الطائفتين في غير هذا الموضع بما ليس هذا موضعه، لكن المقصود هنا أن القرآن لما كان هو كتاب الله الذي أنزله وهدى به عبادَه، وجعله تفصيلاً لكل شيء، وبيَّن فيه ما كان وما سيكون، وأخبر فيه من أمر المبدأ والمعاد والخلق والبعث بما فيه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين= كان من بليغ ذلك أنه سبحانه يذكر في السورة الواحدة أمر المعادين جميعًا، والقيامة الكبرى مع الصغرى التي هي الموت، كما ذكر ذلك في سورة الواقعة، فإنه سبحانه في أولها ذكر القيامة الكبرى، وذكر انقسام الناس إلى ثلاثة أصناف، ثم في آخرها ذكر ذلك عند الموت، فقال في أولها: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ
стр. 2853
وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ١ ــ ٥٠].
ثم ذكر من آيات المعاد ما ذكر، ثم قال في آخر السورة: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٨١ ــ ٩٦]. وهذا حال الإنسان عند الموت كما قال: فهلا تردونها، أي تردون النفس عند قبضها.
وكذلك قال سبحانه في سورة الأنعام: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فالأجل المسمى هذا المحدود المقدر هو الذي يشترك فيه العباد، وهو أجل القيامة الكبرى، والأجل الأول هو الموت، ولهذا قيل: قد ينقص من هذا الأجل فتزاد هذه الروح، وقد يُزاد فيه فتنقص هذه الروح، والأجل المسمى لا يزاد ولا يُنقص، وهو وقت القيامة الذي لا يعلمه إلا الله.
ومن ذلك أنه ذكر هذين أيضًا في سورة القيامة، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١، ٢]، فأقسم بالأمرين جميعًا:
стр. 2854
بيوم القيامة وهو يوم الجمع ويوم القيامة الجامعة، وأقسم بالنفس وهي التي أصل القيامة الصغرى، فإن الصابئة الفلاسفة ونحوهم مدار أمرهم في هذا المعاد على إثبات النفس. وقرر أولاً سبحانه القيامة الكبرى فقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٣ ــ ٦]. والإنسان إنما ينكر وينتظر القيامة الكبرى، وأما الموت فكل أحد يعلم به. ولهذا كُره للخطباء أن يقتصروا في خطب الجمع والأعياد على التذكير بالموت ونحوه من الأمور التي لا يختص بها المؤمنون، وأحبوا أن يكون التذكير بما في اليوم الآخر مما أخبرت به الرسل.
ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ في العدد من خطبه ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] لتضمنها ذلك، ويقرأ يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢]، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١]؛ إذ في هاتين السورتين ما يكون في الجمعة من الخلق والبعث؛ إذ فيه خُلِق آدم وفيه تقوم الساعة (١). وهاتان السورتان تضمنتا ذلك.
ثم إنه لما ذكر القيامة قال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)
стр. 2855
وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٦ ــ ٣٠]. وهذا ذِكرٌ لحال الموت. روى أبو بكر ابن المنذر في تفسيره وغيره (١) من حديث هشام الدستوائي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: حتى إذا بلغت التراقي، قال: تُنْتَزعُ نفسُه حتى إذا كانت في تراقيه قالوا: من يَصعد بنفسه؟ ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ فذلك قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾.
وروى أيضًا (٢) عن معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه قال: بلغني عن أبي العالية قال: يختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيُّهم يرقى به.
وذكر طائفة أن الراقي: الطبيب، والطبيب أيضًا إنما يُطلب في الدنيا لا في القيامة، فروى (٣) عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن شبيب عن أبي قلابة: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ قال: مَن طبيبٌ شافٍ؟
وروى أيضًا (٤) عن ابن ثور عن ابن جريج وعن معمر عن قتادة في
стр. 2856
قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، قال: الطبيب.
وعن سهيل عن أبي صالح: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ قال: من طبيب.
وعن الضحاك بن مزاحم (١): ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ قال: هو الطبيب.
وعن أبي عبيدة (٢) ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾: من يرقي.
وعلى القولين فالضمير في «بلغت» للنفس، قال ابن ثور عن ابن جريج (٣) في قوله: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ قال: الحلقوم.
وعن أبي عبيدة (٤): ﴿بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾: صارت النفس بين تراقيه.
ولهذا قال: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾؛ لفراق النفس البدن، وقد روي أيضًا عن سفيان عن عمرو بن دينار أنه كان يقرأ: «وأيقن أنه الفراق».
وعن سعيد عن قتادة (٥) ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾: استيقن أنه الفراق.
وقوله: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ يجوز أن يراد به الطبيب الراقي، والراقي الذي
стр. 2857
يصعد بالنفس ويرقَى بها، إذ كلا القولين يقال، وهذا إمّا على أن اللفظ المشترك يجوز أن يُراد به معنياه، أو على أن الكلمة نزلت مرتين، فأريد بها هذا المعنى في مرة، وهذا المعنى في مرة. مع أن الراقي الذي هو الطبيب أظهر، لقوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، وهذا ذكرٌ لفاعل مخلوق واستفهامٌ عن راقٍ منكَّرٍ. وهذا ظاهر من حال أهل المريض، والملائكة معلومون لله، والله هو الذي يأمرهم بقبض الروح ويعين فاعل ذلك، فلا يكون هناك من يقول: هل من راقٍ؟ ولا اختصام في ذلك.
وذكر سبحانه الراقي دون الطبيب الذي يسقي الدواء ونحوه؛ لأن تعلق النفوس بالرُّقَى أعظم، ولهذا قال في صفة المتوكلين: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» (١). والروح إذا بلغت التراقي قد يتعذر عليها الطعام والشراب، فلا يبقى إلا ما تتعلق به من الاسترقاء والدعاء ونحوه، وكان ذلك أعظم الأسباب.
قال تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، قال الوالبي (٢) في تفسيره عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ يقول: آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلّا من رحم الله.
وروى ابن المنذر من حديث سلمة بن سابور عن عطية عن ابن
стр. 2858
عباس (١): ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، قال: الدنيا بالآخرة. وكذلك قال الضحاك (٢).
وعن ابن جريج عن مجاهد (٣) في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ أمر الدنيا بأمر الآخرة، وإنما لزوم الأمر عند الموت.
ومن حديث حماد بن سلمة عن كثير بن زياد عن الحسن (٤) في قول الله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ قال: ساق الآخرة وساق الدنيا، أما سمعتم الشاعر يقول:
قد قامتِ الحربُ بنا على سَاقْ
قد تبيَّن الفتح لمن هو؟
وعن معمر عن قتادة (٥) في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ قال: الساق للدنيا بساق الآخرة.
وعن أبي عبيدة (٦): ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ قال: مِثل شمَّرتْ عن ساقها.
стр. 2859
وفيها قول ثانٍ عن بشير قال سألتُ الحسنَ (١)، قلت: أرأيتَ قول الله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ الآية، قال: هما ساقاك إذا التفَّتا.
ومن حديث سعيد عن قتادة (٢): ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ قال: أما رأيت إذا حُضِر ضربَ برجلِه رجلَه الأخرى.
ومن حديث شيبان عن قتادة (٣): ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: ماتَتْ ساقاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما جوَّالًا.
وعن داود بن أبي هند عن الشعبي (٤) في قول الله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، قال: ساقا الميت.
وقد يقال: الآية تعمُّ المعنيين جميعًا.
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ قال ابن ثور عن ابن جريج (٥) في قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ قال: في الآخرة.
وقوله: «في الآخرة» لا يمنع أن يكون عند الرب، كما قال مَن قال: التفت ساق الدنيا بساق الآخرة، وهو بالموت. كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا
стр. 2860
جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢]. وقد دخل عثمان على ابن مسعود في مرضه، فقال: كيف تجدك؟ فقال: أجدني مردودًا إلى الله مولاي الحقّ.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠]. وهذا الرد والرجوع مساقُها إلى الله، وهو هذا المعاد الذي يكون عند الموت. وقول المسترجع: «إنا لله وإنا إليه راجعون» يَعُمُّ هذا وغيره. وهذا هو التوفّي، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨]، و ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] ونحو ذلك يتناول هذا وهذا.
وأول ما أنزل الله على رسوله سورة «اقرأ»، ذكر فيها الإيمان بالله واليوم الآخر، وذكر فيها حالَ الإنسان بين مبدئه ومعاده المذموم وحاله الممدوح، فذكر حال الأشقياء والسعداء، إذ قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
стр. 2861
خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ ــ ٣] تقريرٌ للخلق والربوبية، كما بيناه في غير هذا الموضع (١). وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧]، وهو لحاله المذموم، وقوله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ذِكرٌ للمعاد، وما بعد ذلك ذكر حال المؤمن وحاله مع الكافر.
وقد ذكرنا أنه ذكر من أول السورة: القيامةَ والنفس جميعًا، وقد أقسم بهما، كما روى ابن المنذر عن الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير (٢)، وفي روايةٍ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (٣) قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: يقسم ربكم بما شاء من خلقه.
وعن الحسن البصري وسعيد أيضًا (٤): ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: أُقسِم.
وكذلك عن أبي عبيدة، قال (٥): مجازه: أُقسِم بيوم القيامة وأُقسِم بالنفس اللوامة.
وأما النفس اللوَّامة فقد فُسِّرت بأنها التي تُلام وأنها التي تلوم،
стр. 2862
وذلك أن صيغة «فعَّال» قد تكون للنسبة والإضافة، كما يقال: حدَّاد ونجَّار وخبَّاز وتمَّار ولبَّان وخيَّاط، أي صاحب كذا، فإذا قيل: «لوَّام» بهذا الاعتبار كان معناه صاحب لومٍ كثير، واللوم مصدر يضاف إلى الفاعل تارةً وإلى المفعول أخرى.
وقد تكون صيغة «فعَّال» توكيدَ فاعل، كعلَّام وضرَّاب وأكَّال ونحو ذلك، ومنه النفس الأمَّارة.
ولفظ «الفاعل» أيضًا يكون للنسبة، كتامرٍ ولابنٍ، وعلى هذا فما يقال: إن «فاعل» يكون بمعنى المفعول، مثل ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ونحوه، قد يقال: إنه من هذا الباب بمعنى النسبة والإضافة.
ففي تفسير ابن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس (١): قوله: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾ يقول: مذمومة.
ومن حديث شيبان عن قتادة (٢): ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: يقسم الله بما شاء من خلقه، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ الفاجرة، قال: يقسم بها.
وروى ابن المنذر من حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس (٣): النفس اللوامة التي تلوم على الخير، تقول: لو فعلت كذا وكذا.
стр. 2863
وعن قرة بن خالد عن الحسن (١): ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال: إن المؤمن لا تراه إلّا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلمتي، ما أردتُ [بأكْلَتي]، ما أردتُ بحديثي نفسي، ولا تراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قُدُمًا لا يُعاتب نفسه.
وعن ابن ثور عن ابن جريج عن مجاهد (٢) في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال: تندم على ما فات وتلوم عليه.
وبه عن ابن جريج عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (٣) مثل ذلك. وهذا صحيح متصل عنه موافق لرواية عكرمة، وكلٌّ منهما أصح من رواية الوالبي، فإنها منقطعة، إذ الوالبي لم يسمع من ابن عباس.
قلت: وعلى هذا فاللَّوامة نحو الندَّامة والتوَّابة، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مذمومة قبل الندم بذمها وندمها، ملومة على ذلك، وهي ممدوحة بعد توبتها ولومها لنفسها. وفي مسند الإمام أحمد (٤) عن علي عن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب العبد المفتَّن التواب».
стр. 2864
وقد قيل: اللوم في الآخرة. روى ابن المنذر عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح (١) في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال: ما من أحد إلا وهو لائم نفسَه يوم القيامة، مُحسِن لا يكون زادَ في إحسانه، ومُسِيءٌ لا يكون أقلعَ عن سيئاته، مما يرى من عِظَم عقوبة الله.
والآية قد تتناول هذا المعنى، وهذه صفة لازمة للنفس، فإنها لابدّ أن تأتي ما تُلام عليه، ولابدّ أن تلومَ نفسَها، فإن لم يتب وإلا لامَ نفسَه في الآخرة، مع أن كل امرئ لابد أن يلوم نفسه في الدنيا ولو لم يكن تائبًا إلى الله، إذ قد يفعل ما يندم عليه كما ندم ابن آدم القاتل على ترك دفن أخيه وإن لم يندم على قتله.
وكونها لوَّامةً قبل كونها أمَّارةً، وكثير من المتصوفة ونحوهم يجعل هذا في حال وهذا في حال، ويجعل الحال الثالثة أنها مطمئنة، ويقول: النفوس ثلاثة بهذا الاعتبار: أمَّارة ولوَّامة ومطمئنة، فالنفس المنتقلة إلى الحال الثالثة تتصف بالأوصاف الثلاثة، وأما غيرها فقد لا تكون مطمئنة.
والتحقيق: أن كونها أمَّارة ليس بملامٍ لها، فإن الله إنما أخبر عمن أخبر عنه أنه قال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، فالنفس التي رحمها ربي ليست أمَّارة بالسوء، فالأمارة خاص،
стр. 2865
وكذلك المطمئنة خاص. وأما اللوامة فعند هؤلاء هي أيضًا خاص ببعض النفوس. والتحقيق: أن اللوامة إذا كانت بمعنى التوابة فكل أحدٍ توّاب إلى الممات، فتكون النفس أبدًا لوَّامةً، وإذا لم تكن لوامة فهي تُلام وتَلوم في الآخرة وفي الدنيا أو الدين، فكل نفسٍ لوَّامة، ولهذا جاءت معرَّفةً بقوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (١).
стр. 2866
فصل (١)
قول من يقول: «إن لله عبادًا يَرضى لرضاهم ويغضبُ لغضبهم» حقٌّ، لكن هذا لا يستمرُّ في جميع أنواع رضاهم وغضبهم، فإن ذلك إنما يكون لمن لا ذنبَ له أصلاً، لكن قد يكون في غالب رضاهم وغضبهم. وذلك لأن من كان رضاه وغضبه موافقًا لرضَى الله وغضبه فإن الله يَرضَى لرضاه ويغضب لغضبِه، وهذا يقع من الطرفين، تارةً يَرضَون لرِضى الله ويغضبون لغضبه، وتارةً يَرضى الله لرضاهم ويغضب لغضبهم.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يَروي عن ربه قال: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسمع به، وبَصَرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطِينَّه، ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعلُه تردُّدي عن قبضِ نفسِ عبدي المؤمن، يكرهُ الموتَ وأكرهُ مساءتَه، ولابدَّ له منه».
فقد أخبر أنه من عادى وليَّه فقد بارزه بالمحاربة، وفي المعاداة
стр. 2867
مغاضبةٌ ومباغضة، ثم قال: «فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه» إلى آخره، إلى أن قال: «وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموتَ وأكرهُ مساءتَه، ولابدَّ له منه». فأخبرَ أنه يكره ما يكرهُ عبدُه الموت، حتى يكره مساءتَه بالموت، مع أنه لابدَّ له منه، ويُحِبّ ما يُحِبُّ. والحبّ والكراهة أصلُ الرضا والغضب.
وأيضًا ففي صحيح مسلم (١) عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفرٍ، فقالوا: ما أخذَتْ سيوفُ الله من عُنُقِ عدوِّ الله مأخذَها. فقال أبو بكر: تقولون هذا لشيخِ قريش وسيِّدهم؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: «يا أبا بكرٍ لعلك أغضبتَهم، لئن كنتَ أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربَّك»، فأتاهم، فقال: يا إخوتَاهْ! أغضبتُكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أُخَيَّ أبا بكر.
فقد أخبر النبي ﷺ أبا بكرٍ أنه إن كان أغضبَ أولئك المؤمنين الذين قالوا لأبي سفيان ما قالوا، وهم بلال وصهيب وسلمان ومن معهم من أهل الإيمان والتقوى، الذين أُمِرَ النبي ﷺ (٢) أن يَصبر نفسَه معهم وإن كانوا مستضعفين، وأن لا يُطيعَ من أغفلَ قلبَه عن ذكر الله واتبعَ هواه وإن
стр. 2868
كان من الرؤساء= فقد أغضبَ الله. ولا ريبَ أنه لو أغضبَهم فإنه كان يكون ذلك انتصارًا لأبي سفيان لرئاستِه في قومه، وأولئك هم أولياء الله الذين يَغضَبون لله ويَرضَون له، فإغضابُهم إغضابٌ لله.
стр. 2869
فصل
الحروف والأصوات المكتوبة والمسموعة ــ سواء جمعَ الوصفين كالحرف المسموع، أو أحدهما كالحرف المكتوب والصوت الذي ليس بحرف ــ إذا كانت متعلقةً بالدين فلا تخلو عن ثلاثة أقسام:
إما أن تكون سببًا للإيمان.
وإما أن تكون سببًا للكفر.
وإما أن تكون مجملةً تَصلُح لهذا ولهذا.
ف الأول كلام الله وكلام رسله وأنبيائه وخلفائهم بلفظه ومعناه، فإن السامع إذا سمع القرآن كان سماعه سببًا للهدى، فيوجب الهدى إذا لم يكن مانع. وإذا نظر فيه وتدبَّره كان ناظرًا في دليلٍ هادٍ يُوصله إلى العلم والمعرفة إذا كان النظر صحيحًا. فأهل النظر من أهل العلم والكلام إذا كان نظرهم فيه وكلامهم منه اهتدَوا، وأهل السماع والوجد إذا كان سماعهم له ووَجْدُهم به رشدوا؛ ولهذا حضَّ سبحانه على تدبره وعلى سماعه، فهو أحسن الحديث وخير الكلام، وقال النبي ﷺ : «زيِّنوا القرآن بأصواتكم» (١)، وقال: «للّهُ أشدُّ أَذَنًا إلى الرجل الحسنِ الصوتِ
стр. 2870
بالقرآن من صاحِب القَينةِ إلى قَينتِه» (١).
وأما النوع الثاني فالكلام المتضمن للكفر والنفاق، لاسيما إذا زُخرِف بالعبارات والشُّبهات، وحُسِّن باللحون والأصوات، من نظمٍ ونثرٍ، مثل كلام القرامطة والإسماعيلية، وكلام التلمساني نظمه ونثره، وكلام ابن سبعين والبلياني وغيرهم من الملاحدة؛ فإن حروفهم سبب لاعتقاد الضلال، وهو اعتقاد أن الله هو المخلوقات، وأنه ليس وراء المخلوق خالقٌ خَلَقَه متميزٌ عنه، كحقيقة قولِ فرعون والقرامطة من جحود خالقِ الخلقِ؛ لكن فرعون نفاه بقوله ظاهرًا وباطنًا، فهو أكفر من هذا الوجه، ومن جهة أنه كان معاندًا جاحدًا. وهؤلاء قد يكون أحدهم ضالًّا يعتقد أنه على هدًى. ففرعون أكفر منهم من جهة أنه نفاه مطلقًا، وأنه كان معاندًا في نفيه وجحوده مستكبرًا عليه.
وهؤلاء قد يكون أحدهم مُقِرًّا بوجوده ومعتقدًا أنه هو الذي يثبته، ويحسب أنه مهتدٍ في ذلك وأن هذا هو دين الأنبياء، لكن هؤلاء أضرُّ على الأمة من فرعون؛ لأنهم يرون أن هذا دين الأنبياء. وفرعون كان
стр. 2871
أعلم منهم، لكن علمه ضار، فإنه كان مستيقنًا بأن للعالمين رب (١)، كما قال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، لكن كان مع علمه معاندًا، فهو أصحّ منهم علمًا وأعظم كفرًا وعنادًا. وهؤلاء أضرُّ منه على الأمة لكن فيهم نوع من الإيمان والإقرار. وقد يكون لما جحد فرعون فهم ضالون لا جاحدون.
وهؤلاء أقرُّوا باسمه وبالتعبد له، وجعلوه هو المخلوقات، وهي إياه، وصرَّحوا بأن من عبدَ الشمسَ والقمرَ والطواغيتَ فما عبد إلا الله، ولا يُتصور أن يُعبَد إلّا الله، وأن العابد هو المعبود ولكن دار على نفسه. وزعموا أنه هو الذي جاءت به الرسل والأنبياء وكبار العارفين، فهم من هذا الوجه أضرُّ على الناس من فرعون. كما يذكره ابن العربي في «فصوص الحكم»، ويذكره القونوي في «مفتاح غيب الجمع والوجود»، وكما يذكره العفيف في «شرح الأسماء الحسنى» وفي «شرح قصيدة ابن الفارض» وفي أشعاره. وإن كان ابن العربي يرى أن المعدوم شيء ثابت في العدم، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والرافضة، ويرى أن عين وجود الحق فاض عليهم، فيرى أن وجود الكائنات عين وجود الحق، وأن الناكح هو المنكوح، والشاتم هو المشتوم. وكما قال بعضهم: من قال لك إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له صاحبه: من الذي كذب؟
стр. 2872
وقد يُبتلى ببعض ذلك حالًا بعض جهال المتصوفة والمتعبدة، فإنهم لما توجهوا بقلوبهم إلى الله وذكروه وأحبوه شهدت قلوبهم الوجود العام بالمخلوقات الصادر عن الحق الذي خلق السموات والأرض، فاعتقدوا أن هذا الحق المخلوق هو الحق الخالق، فأشبهوا من بعض الوجوه مَن رأى شعاعَ الشمس فظنّ أنها هي الشمس، أو رأى الظلَّ فظن أنه الشخص.
وأما صاحبه الصدر الرومي فيرى أن الله هو الوجود المطلق الساري في الكائنات، لا يفرق بين الوجود والماهية، ولا الفائض والمفيض عنه، لكن ليس هو عين كل موجود، فإن المطلق ليس هو المعيَّن. وهذا تعطيل محض، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة. وأما الأول ففيه قسط من ذلك.
وصاحبه التلمساني ونحوه لا يفرق بين مطلق ومعين، ولا بين وجود وماهية، بل عنده أن نفس الأكوان هي الله، وهي أجزاء منه وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر مع البحر، وأجزاء البيت من البيت.
فما البحر إلّا الموج لا شيء غيره ... وإن فرَّقتْه كثرةُ المتعددِ (١)
فهؤلاء في الكفر الصريح، وهم أهل الإلحاد والاتحاد العام، بخلاف من قال بالاتحاد الخاص المقيّد في نبي أو غير نبي، كالنصارى وغالية الرافضة وغالية جهال المتعبدة من الحلَّاجية واليونسية وبعض العدوية
стр. 2873
والحاكمية وغيرهم؛ فإن هؤلاء يقولون بالاتحاد المعيَّن المقيّد.
ثم مع كل فريق من أهل الاتحاد المطلق والمعين فريقًا ثانيًا (١) يقولون بالحلول، أما الحلول المطلق ــ وهو قول من يقول: إن الحق حالٌّ في الأماكن كلها ــ فهذا كفر قديم في الأمة من كفر الجهمية الذين كان السلف ينكرون قولهم، وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ فإن هؤلاء الحلولية إخوان هؤلاء الاتحادية. أولئك قالوا: هو في جميع المصنوعات، وهؤلاء قالوا: هو نفس المصنوعات.
وهؤلاء الاتحادية المطلقة والحلولية المطلقة إنما أوقعهم في ذلك عدم إثباتهم لما جاءت به الرسل من ربّ العالمين، الذي فوق الخلق، الذي استوى على العرش، فإنهم تجهموا في أنه ليس فوق العالم ولا داخلَه ولا خارجَه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي رأوها منطبقةً على الوجود المطلق، وهم عُبَّاد لابدَّ لقلوبهم من شيء تعبده، فلم يجدوا ما يطابق هذه السُّلوب إلا وجود المخلوقات.
وأما المتكلمة الجهمية فإنهم في العلم والكلام ...... (٢)، والعلم يتناول الموجود والمعدوم، فإذا وصفوه بهذه السلوب وكانت إنما تطابق المعدوم لم يَضُرَّهم إذا كان الذي أثبتوه معدومًا، فإنهم لا يعبدون شيئًا،
стр. 2874
كما أخبر السلف بذلك عنهم. فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا، ومتعبدتهم يعبدون كل شيء.
ولقد كان في مبدأ دولة التتار: ابن الخطيب متكلم المعطلة والجهمية والزنادقة، وابن العربي متصوفهم وعارفهم، فاتفقا على جحد ربّ العالمين الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل، وإن كانوا قد أقروا بما ظنوا أنه هو، وحاروا فيه، فإن الحيرة ظاهرة عليهم، لما هم فيه من التناقض. واختلفا بعد ذلك. فالأول أثبت العالم لكن بالكلام الباطل، والثاني لم يثبت العالم لكن بالعقل الفاسد.
فتدبَّر هذا واجمعه مع ما قدَّمتُه من القواعد يتبيَّن لك الأمر. والله أعلم.
وكذلك أهل الحلول الخاص إخوان أهل الاتحاد الخاص، كما افترقت النصارى في المسيح، فإن النسطورية قالوا بحلول اللاهوت في الناسوت، واليعقوبية قالوا باتحاد اللاهوت والناسوت، والملكانية قالوا بالاتحاد من وجه دون وجه. الأولون شبَّهوه بالماء في الإناء، والآخرون شبَّهوه بالماء واللبن، والملكانية شبَّهوه بالنار في الحديد، فقالوا: هما جوهر واحد وأقنومان.
ثم هؤلاء أهل الاتحاد المخصوص يحتاجون أن يقولوا: إن الرب والعبد اتحدا بعد أن كانا اثنين، وأن اللاهوت اتحد أو امتزج أو اختلط أو اتصل بالناسوت بعد أن لم يكن كذلك.
وأما أهل الاتحاد المطلق فإن لفظة الاتحاد عندهم ليست مطابقة
стр. 2875
لمذهبهم؛ فإنه (١) عندهم ما زال واحدًا ولا يزال، لم يكن شيئان فصار واحدًا، ولكن كانت الكثرة والتفرق في قلب الإنسان لما كان محجوبًا عن شهود هذه الحقيقة، فلما انكشف الحجاب عن قلبه شهد الأمر، فالمراتب في اعتقاده وخياله، وأما الكثرة والتفرق الموجود في الخارج فهو عندهم بمنزلة أجزاء الكلّ أو جزئيات الكلّي، كما تقدم.
وهؤلاء إذا أُنْشِد شعرُ بعضهم بصوت ملحَّن كشعر التلمساني وبعض شعر ابن إسرائيل، مثل قوله:
وما أنتَ غيرَ الكونِ بل أنتَ عينُه ... ويَفْهم هذا السرَّ من هو ذائقُ (٢)
وقوله:
وتلتذُّ إن مرَّتْ على جسدي يدي ... لأنِّيَ في التحقيقِ لستُ سِواكمُ (٣)
كان هذا من سماع الذي هو سبب الكفر.
وأما المجمل من الحروف والأصوات فمثلُ كثيرٍ من المنطق والكلام، ومثل الأشعار التي فيها ذكر الحب مطلقًا بتوابعه من الهجر والوصل والصدود والشوق، مثل كثير من شعر ابن الفارض؛ فإن تلك القصيدة يتقبلها الزنديق التلمساني ونحوه ممن يقول: إن الله هو وجود