أعلم منهم، لكن علمه ضار، فإنه كان مستيقنًا بأن للعالمين رب (١)، كما قال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، لكن كان مع علمه معاندًا، فهو أصحّ منهم علمًا وأعظم كفرًا وعنادًا. وهؤلاء أضرُّ منه على الأمة لكن فيهم نوع من الإيمان والإقرار. وقد يكون لما جحد فرعون فهم ضالون لا جاحدون.
وهؤلاء أقرُّوا باسمه وبالتعبد له، وجعلوه هو المخلوقات، وهي إياه، وصرَّحوا بأن من عبدَ الشمسَ والقمرَ والطواغيتَ فما عبد إلا الله، ولا يُتصور أن يُعبَد إلّا الله، وأن العابد هو المعبود ولكن دار على نفسه. وزعموا أنه هو الذي جاءت به الرسل والأنبياء وكبار العارفين، فهم من هذا الوجه أضرُّ على الناس من فرعون. كما يذكره ابن العربي في «فصوص الحكم»، ويذكره القونوي في «مفتاح غيب الجمع والوجود»، وكما يذكره العفيف في «شرح الأسماء الحسنى» وفي «شرح قصيدة ابن الفارض» وفي أشعاره. وإن كان ابن العربي يرى أن المعدوم شيء ثابت في العدم، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والرافضة، ويرى أن عين وجود الحق فاض عليهم، فيرى أن وجود الكائنات عين وجود الحق، وأن الناكح هو المنكوح، والشاتم هو المشتوم. وكما قال بعضهم: من قال لك إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له صاحبه: من الذي كذب؟
стр. 2872
وقد يُبتلى ببعض ذلك حالًا بعض جهال المتصوفة والمتعبدة، فإنهم لما توجهوا بقلوبهم إلى الله وذكروه وأحبوه شهدت قلوبهم الوجود العام بالمخلوقات الصادر عن الحق الذي خلق السموات والأرض، فاعتقدوا أن هذا الحق المخلوق هو الحق الخالق، فأشبهوا من بعض الوجوه مَن رأى شعاعَ الشمس فظنّ أنها هي الشمس، أو رأى الظلَّ فظن أنه الشخص.
وأما صاحبه الصدر الرومي فيرى أن الله هو الوجود المطلق الساري في الكائنات، لا يفرق بين الوجود والماهية، ولا الفائض والمفيض عنه، لكن ليس هو عين كل موجود، فإن المطلق ليس هو المعيَّن. وهذا تعطيل محض، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة. وأما الأول ففيه قسط من ذلك.
وصاحبه التلمساني ونحوه لا يفرق بين مطلق ومعين، ولا بين وجود وماهية، بل عنده أن نفس الأكوان هي الله، وهي أجزاء منه وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر مع البحر، وأجزاء البيت من البيت.
فما البحر إلّا الموج لا شيء غيره ... وإن فرَّقتْه كثرةُ المتعددِ (١)
فهؤلاء في الكفر الصريح، وهم أهل الإلحاد والاتحاد العام، بخلاف من قال بالاتحاد الخاص المقيّد في نبي أو غير نبي، كالنصارى وغالية الرافضة وغالية جهال المتعبدة من الحلَّاجية واليونسية وبعض العدوية
стр. 2873
والحاكمية وغيرهم؛ فإن هؤلاء يقولون بالاتحاد المعيَّن المقيّد.
ثم مع كل فريق من أهل الاتحاد المطلق والمعين فريقًا ثانيًا (١) يقولون بالحلول، أما الحلول المطلق ــ وهو قول من يقول: إن الحق حالٌّ في الأماكن كلها ــ فهذا كفر قديم في الأمة من كفر الجهمية الذين كان السلف ينكرون قولهم، وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ فإن هؤلاء الحلولية إخوان هؤلاء الاتحادية. أولئك قالوا: هو في جميع المصنوعات، وهؤلاء قالوا: هو نفس المصنوعات.
وهؤلاء الاتحادية المطلقة والحلولية المطلقة إنما أوقعهم في ذلك عدم إثباتهم لما جاءت به الرسل من ربّ العالمين، الذي فوق الخلق، الذي استوى على العرش، فإنهم تجهموا في أنه ليس فوق العالم ولا داخلَه ولا خارجَه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي رأوها منطبقةً على الوجود المطلق، وهم عُبَّاد لابدَّ لقلوبهم من شيء تعبده، فلم يجدوا ما يطابق هذه السُّلوب إلا وجود المخلوقات.
وأما المتكلمة الجهمية فإنهم في العلم والكلام ...... (٢)، والعلم يتناول الموجود والمعدوم، فإذا وصفوه بهذه السلوب وكانت إنما تطابق المعدوم لم يَضُرَّهم إذا كان الذي أثبتوه معدومًا، فإنهم لا يعبدون شيئًا،
стр. 2874
كما أخبر السلف بذلك عنهم. فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا، ومتعبدتهم يعبدون كل شيء.
ولقد كان في مبدأ دولة التتار: ابن الخطيب متكلم المعطلة والجهمية والزنادقة، وابن العربي متصوفهم وعارفهم، فاتفقا على جحد ربّ العالمين الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل، وإن كانوا قد أقروا بما ظنوا أنه هو، وحاروا فيه، فإن الحيرة ظاهرة عليهم، لما هم فيه من التناقض. واختلفا بعد ذلك. فالأول أثبت العالم لكن بالكلام الباطل، والثاني لم يثبت العالم لكن بالعقل الفاسد.
فتدبَّر هذا واجمعه مع ما قدَّمتُه من القواعد يتبيَّن لك الأمر. والله أعلم.
وكذلك أهل الحلول الخاص إخوان أهل الاتحاد الخاص، كما افترقت النصارى في المسيح، فإن النسطورية قالوا بحلول اللاهوت في الناسوت، واليعقوبية قالوا باتحاد اللاهوت والناسوت، والملكانية قالوا بالاتحاد من وجه دون وجه. الأولون شبَّهوه بالماء في الإناء، والآخرون شبَّهوه بالماء واللبن، والملكانية شبَّهوه بالنار في الحديد، فقالوا: هما جوهر واحد وأقنومان.
ثم هؤلاء أهل الاتحاد المخصوص يحتاجون أن يقولوا: إن الرب والعبد اتحدا بعد أن كانا اثنين، وأن اللاهوت اتحد أو امتزج أو اختلط أو اتصل بالناسوت بعد أن لم يكن كذلك.
وأما أهل الاتحاد المطلق فإن لفظة الاتحاد عندهم ليست مطابقة
стр. 2875
لمذهبهم؛ فإنه (١) عندهم ما زال واحدًا ولا يزال، لم يكن شيئان فصار واحدًا، ولكن كانت الكثرة والتفرق في قلب الإنسان لما كان محجوبًا عن شهود هذه الحقيقة، فلما انكشف الحجاب عن قلبه شهد الأمر، فالمراتب في اعتقاده وخياله، وأما الكثرة والتفرق الموجود في الخارج فهو عندهم بمنزلة أجزاء الكلّ أو جزئيات الكلّي، كما تقدم.
وهؤلاء إذا أُنْشِد شعرُ بعضهم بصوت ملحَّن كشعر التلمساني وبعض شعر ابن إسرائيل، مثل قوله:
وما أنتَ غيرَ الكونِ بل أنتَ عينُه ... ويَفْهم هذا السرَّ من هو ذائقُ (٢)
وقوله:
وتلتذُّ إن مرَّتْ على جسدي يدي ... لأنِّيَ في التحقيقِ لستُ سِواكمُ (٣)
كان هذا من سماع الذي هو سبب الكفر.
وأما المجمل من الحروف والأصوات فمثلُ كثيرٍ من المنطق والكلام، ومثل الأشعار التي فيها ذكر الحب مطلقًا بتوابعه من الهجر والوصل والصدود والشوق، مثل كثير من شعر ابن الفارض؛ فإن تلك القصيدة يتقبلها الزنديق التلمساني ونحوه ممن يقول: إن الله هو وجود
стр. 2876
المخلوقات. وقد نقلها قوم صحيحو الاعتقاد من الصوفية، وأخذوا ما فيها من وصف الحبّ وأهله، وتنازع الفريقان قولَه:
ولي من أتمِّ النظرتينِ إشارةٌ ... تنزّه عن رأي الحلول عقيدتي (١)
فأولئك المنافقون يقولون: إنه صعد عن الحلول إلى الاتحاد، بل إلى وحدة الوجود، فإن الحلول فيه حال ومحل، وهذا يثبته، وإنما الوجود شيء واحد، فهذا أراد. وهؤلاء المؤمنون يقولون: بل أراد إثباتَ عبوديته لله، وأنه لا يحلّ مخلوقاته، بل هو بائن من خلقه، كما هو مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة.
لكن من تأمَّل بقية هذه القصيدة، وتأمَّل هذه الأبيات وما بعدها وجدها صريحةً في مذهب الاتحادية المنافقين الفرعونية القرامطة، وعلم أن نفَسَه ونفَسَ التلمساني هو نفَس ابن العربي، وأن هؤلاء كلهم قولهم كفر صريح معلومٌ فسادُه بالاضطرار العقلي والشرعي والاضطرار الذوقي أيضًا، ولكن لكثرة ما يصفونَ جنسَ الحبِّ يبقى في كلامهم إبهام.
وكذلك الأصوات المثيرة للوجد والطرب تحرِّك كلَّ قلبٍ إلى مطلوبه، فيشترك فيها: محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الصلبان، ومحب النسوان، ومحب المردان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان. ولهذا لم تجئ الشريعة بهذا السماع، ولا فعلها القرون الثلاثة
стр. 2877
الفاضلة، بل هو مُحدَثٌ في حدود أواخر المئة الثانية، ولهذا امتنع عن حضوره أكابر العارفين وأئمة العلم وأهل الاتباع للشريعة، ونهوا عنه.
وقد حضره جماعات من المشايخ الصالحين وأهل الأحوال، لما تُثير فيهم من وَجْدهم الكامن، فيُثير العزم الساكن، ويُهيّج الوجد القاطن. وكانوا في حضوره على درجات، وشاركهم فيه جماعات من أهل البدع والضلالات، وإن كان لهم أحوالٌ فيها كشوفٌ وتأثيرات، تُنتج لهم أحوالًا غير مرضية للرحمن، مثل تحضير أهل الكفر والفسوق والعصيان، ومثل مغالبة بعضهم بعضًا، والسعي في سلب إيمانه أو حال إيمانه، أو غير ذلك من أنواع البغي والعدوان، فدخلوا بذلك في الإعانة على الإثم والعدوان، وفرَّطوا فيما أُمِروا به من الإعانة على البر والتقوى.
وصار بسبب كونه مشتركًا يشترك فيه المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصدّيق والزنديق، بمنزلة من بنى معبدًا مطلقًا يتعبد فيه كلُّ أهل ملة ونحلةٍ، فيجتمع فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس والمشركون والصابئون، كلٌّ يصلي إلى قبلته، ولا ينهى بعضهم بعضًا، وجعل لهم فيه مطاعم وملابس. فقد يتفقون لما فيه من القدر المشترك من المطعم والملبس والمسكن، ويتفاوتون لما فيه من اختلاف مقاصدهم ونياتهم ووِجَهِهم، فإنّ وِجَهَ القلوب أعظم تفاوتًا من وِجَه الأجساد.
стр. 2878
ولهذا اتفقت الأنبياء والمرسلون على أن وجهة قلوبهم إلى الله وحده لا شريك [له]، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١، ١١٢].
وأما وجهة الأبدان فقد قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقد عمَّم حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
ثم الدخول في الحروف والأصوات المجملة والاشتراك فيها يوجب فسادين:
أحدهما: سقوط خاصية الحروف والأصوات المشروعة لنا المختصة بنا، التي وجبت علينا أو استُحِبَّتْ لنا، وفُضِّلنا بها على غيرنا.
الثاني: الخروج من المجمل المشترك إلى المفصل المختص بأهل الكفر والنفاق، كما وقع في ذلك خلائق كثيرون، حتى إنه في المجمع
стр. 2879
الواحد يُنشَد البيت المجمل والبيت الكفري. والله سبحانه أعلم وأحكم.
ومما يتعلق بهذا أن أصل الصابئة الحروف والأصوات المجملة المشتركة ، كما فعله ابن سينا متكلم الصابئة في الإسلام في كتبه الصابئية «كالإشارات»، فإنه افتتحها بالكلام في المجمل والمشترك وهو المنطق، وختمه بالعبادة والسماع للصوت المطلق المشترك. كما يتكلمون في علم الموسيقى، وهو الصوت المجمل المشترك، فالحروف المنطقية المجملة والأصوات النغمية المجملة هي دين الصابئة، لا تُوجِب الإسلامَ ولا تحرِّمه، ولا تأمر به ولا تنهى عنه، وقد تنفع تارةً وتضر أخرى. و الأصل فيها أنها غير مشروعة ولا مأمور بها . والله أعلم.
стр. 2880
فصل
في بعض الشرح والتقرير لقاعدة السنة والجماعة وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فإن هذه الآية تتضمن الأمر بالسنة والجماعة، فإن قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ هو الجماعة، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ هو السنة.
قد قرَّرتُ في غير هذا الموضع أن الدين أمر ضروري لبني آدم، لا يمكن أن يعيشوا في الدنيا إلا بدينٍ يتضمن أمرًا ونهيًا؛ لأن الإنسان لابدَّ أن يَجتلِبَ إلى نفسه المنفعةَ ويدفعَ عنها المضرَّة، وهذا هو الأمر والنهي، وهو الدين العقلي الذي لا ينكره أحدٌ.
ثم إن كثيرًا من جلب منافعه ودفع مضارِّه لا يتمُّ به وحدَه، بل لابدَّ من التعاون على ذلك من بني آدم، فإن أصل جلب المنفعة له: الطعام، وأصل دفع المضرة عنه: اللباس المتصل، وهو الثياب والجُنَّة، والمنفصل وهو السكن. ولهذا امتنَّ الله في سورة النحل بنعمِه المتضمنة للمطاعم والملابس من النوعين، فقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي
стр. 2881
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ٥ ــ ١٠].
فذكر في أول السورة أصول النعم، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وذكر في أثنائها من اللبن والعسل والأكنان والظلال والخيام ووقاية البأس والحرّ ما هو كمال النعم وتمامها، ولذلك قال: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. ولهذا ــ والله أعلم ــ ذكر في أول السورة ما يُدفِئ فيدفع البرد، وذكر في أثنائها ما يدفع الحرَّ والبأسَ، فإن البرد يَقتُل والحرّ يؤذي، وقد يُمكِن الإنسانَ أن يعيش في البلاد الحارَّة بلا لباسٍ عيشًا ناقصًا، كما قد يَسلَم في الحرب بلا سرابيل، وأما البلاد الباردة فلا يعيش فيها الإنسان إلّا بما يُدفِئه. وكذلك سكن البيوت وبيوت الأنعام كل ذلك من تمام النعمة.
وإذا كان ابن آدم مضطرًّا إلى الطعام واللباس، والواحُد لا يقدر أن يصطنع جميع حاجته من الطعام واللباس، كان حاجته إلى مثله ضرورية، فيكون اجتماعُهم ضروريًّا، وإذا اجتمعوا فلابدَّ من واحدٍ يكون هو مبدأ حركتهم فيما يأتونه ويَذَرونه من جلب المنافع ودفع المضار، فكانت الإمارة فيهم ضرورية. ولهذا أوجب النبي ﷺ في
стр. 2882
السفر أن يؤمِّروا أحدهم (١)، وهو أقلُّ جماعةٍ في أدنى اجتماع، فصارت الجماعة في حقهم رحمةً والفرقةُ عذابًا.
وإذا كانت الجماعة والإمارة فيهم ضرورية لجلب المنفعة ودفع المضرة، والمنفعةُ لا تُجتلَب إلّا بأموالٍ، والمضرة لا تندفع إلا بقوة، ومن المضرة ما يُعادي بني آدم من السباع وغيرها، وفي طباع بعضهم من البَغْي والعدوان ما يُوجِب أنه إن لم يُدفَعْ وإلَّا ضرَّ الباقين= كانوا مضطرين إلى رعاية الأموال ودفع الأعداء، وكانوا أيضًا في بقاء جنسهم مضطرين إلى النكاح، وإذا مات الميتُ منهم وكلُّهم محتاجٌ إلى ماله فلابدَّ من سببٍ يُوجِب تخصيصَ أحدهم.
ولابدَّ لهم أيضًا من دينٍ وإلاهٍ تعبُده قلوبُهم، يجتلبون منه المنفعة ويستدفعون به المضرَّة، فإن هذا من الضروريات اللازمة لهم، فإن أحدهم يحتاج إلى ما هو خارجٌ عن قدرته، فلا بدَّ له من إلاهٍ يَطلُب ذلك منه.
فهذه الأمور وأمثالُها لو وُكِلَ فيها كلُّ واحدٍ إلى رأيِه (٢).
стр. 2883
وكذلك هم متحركون بأرواحهم حركةً دائمة، فلابدَّ لهم من إ لاهٍ صمدٍ هو إلههم الذي هو معبودهم ومنتهى حركاتهم وإراداتهم.
فثبت بذلك أنهم محتاجون إلى الاجتماع، وبعضهم محتاج إلى بعض لجلب المنفعة ودفع المضرة، ومحتاجون إلى ما يطلبون منه الحوائج الخارجة عن قدرتهم، وهو ربهم، وإلى إ لاهٍ هو الغاية والنهاية التي لها يعبدون، ولها يصلون ويسجدون، وإليها يصمدون ويقصدون، وهو إلاههم.
وذلك كله لا يقوم إلّا برأسٍ يُعلِّمهم ويأمرهم، ويُقيمهم على سنة وقانون في أنواع الحاجات ومقاديرها، وأنواع المنافع ومقاديرها، فإن ذلك إن لم يُضبَط لهم وإلّا انتشر الأمرُ وفسدَتْ أحوالُهم. وهذا الأمر لما كان ضرورةً في جميع بني آدم أُلْهِمُوه كما أُلْهِموا الأكلَ والشربَ والنكاحَ. فلابدَّ لكل طائفةٍ من سيّدٍ مُطاعٍ ورئيسٍ وإمام، وإن تنوعت أسماؤه ومراتبُه، إمّا مَلِك وإما أمير وإما شيخ وإما مُفتٍ وإما قاضٍ وإما مقدَّم وإما رئيس قرية، إلى غير ذلك من الأسماء. وكل طائفة فلابدَّ لها من أن توالي أولياءها وتعادي أعداءها.
فمعلومٌ بالعلم اليقين أن السيد المطاع الذي بعثه الله وأنزل إليه من الهداية والعلم والكلام ما يَصلُح به الناسُ أحقُّ بأن يُتَّبع ويُطاع ويُوالَى وليُّه ويُعادى عدوُّه، وهم رُسُل الله المبعوثون إلينا لوجوه:
أحدها: أن هدايتهم وإرشادهم وأمرهم ونهيهم هو هداية الله
стр. 2884
وإرشاده وأمره ونهيه، والله أعلم العالمين وأرحم الراحمين وأحكم الحاكمين. فالإسلام له وإسلامُ الوجهِ إليه أولى من الإسلام لغيرِه وإسلامِ الوجه إليه.
الثاني: أن هذه الهداية والرئاسة كاملة العلم، ليس فيها نقص علمي ، كما يدخل النقص في سائر الرئاسات التي ..... الناس بآرائهم.
الثالث: أنها كاملة الرحمة ، لا تدعُ منفعةً إلّا جَلَبْتها بحسب الإمكان، ولا مضرةً إلّا دفعتْها بحسب الإمكان، بخلاف الرئاسات التي لا تكمل فيها رحمة الخلق ومحبة الخير، بل يكون فيها كِبْرٌ وقسوةٌ. ولهذا قال النبي ﷺ : «ستكون نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون مُلكٌ ورحمة، ثم مُلكٌ وجبريِة، ثم مُلكٌ عَضوض» (١).
الرابع: أنها كاملة الغنى، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، فليس فيها هوى نفسٍ، بخلاف الرئاسة التي فيها هَوًى، إما هَوى السلطان وإما هَوى المال.
الخامس: أنها كاملة القدرة والسلطان، فإن ناصرها ومؤيدها هو الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 2885
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١].
فهذا بعض ما يُبيِّنُ أن العاقل عليه أن يجعل كل رئاسة وإمامة، سواء كانت علمية كالفقه والكلام وغيرهما، أو دينية كالفقر والتصوف والتعبد وغيرها، أو حربية كالملك والإمرة، أو مالية كالوزارة والخراج، إلى غير ذلك، يجعلها جميعَها تابعةً للكتاب والسنة، ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله في شيء من المراتب، فذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً.
ولهذا أمر ولاة الأمر ــ وهم أرباب المراتب والرئاسات كائنةً ما كانت ــ بالردّ إلى ذلك، وبيَّن أن ذلك خير وأحسن عاقبةً في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وهذا الذي ذكرناه تقريرٌ لبعض مضمون هذه الآية.
стр. 2886
[فصل]
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وفي الحديث الصحيح (١) أنه لما أنزل الله ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، شقَّ ذلك عليهم، فقال لهم النبي ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال اليهود أو أهل الكتاب: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا"، فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما ذلَّتْ بها ألسنتُهم أنزل الله الآية الأخرى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ كذلك إلى آخرها.
стр. 2887
فهؤلاء المؤمنون لما سمعوا وأطاعوا خفَّف عنهم وحَطَّ عنهم الإصرَ الذي حمل على من كان قبلهم، وأولئك لما عَصَوا واعتدَوا وقالوا: قلوبنا غُلْف، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، ثم قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ١٦٢]. إذ قد أخبر أن منهم من لا يعلم الكتاب إلا أمانيَّ، ومنهم من يحرِّفه من بعد ما عقلَه، ومنهم من يكذّب ويكتُم ويَلوِي لسانَه ويكتُب بيده، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهؤلاء وإن ذُكِر لهم علم فليسوا براسخين في العلم، إذ الرسوخ في العلم يقتضي الثبات والاستقرار فيه، وذلك مستلزمٌ لاتباعِه والعمل به، كما قيل: العلمُ يَهتِفُ بالعمل، فإن أجابَه وإلّا ارتحلَ (١).
وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبيَّنّا تلازمَ العلم التام والعمل ، وأنهما حيث لم يتلازما فلضعف العلم، مثل علم الرواية باللسان. وفي مراسيل الحسن (٢): "العلم علمان، علم في القلب وعلم على اللسان، فعلمُ القلب العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده".
стр. 2888
وقال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقد يحتج من يقف عند قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ كمجاهد وابن قتيبة، ويذكر رواية عن ابن عباس (١)، على ذلك بأنه سبحانه لم يقل هنا: "والمؤمنون والراسخون في العلم يقولون آمنا به" كما قال في تلك الآية: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. فلو لم يكن المقصود بالآية إلّا الخبر عنهم بأنهم قالوا: آمنا به، لأخبرَ بذلك عن جميع المؤمنين كما في نظائره، مثل قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ ــ ١٢٥].
وقد يُجيب الجمهور الذين يقفون عند قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وقد نُقِل هذا المعنى عن أُبيّ وابن مسعود وابن عباس وعائشة (٢) والجمهور، بأن هذا الموضع كقوله في سورة الحج: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ
стр. 2889
بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ ــ ٥٤]، فإنه ذكر الذين أوتوا العلم هنا فقط، كما قال هناك: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
وإنما ذكر أهل العلم في هذين الموضعين لما فيه من الشبهة بما ألقاه الشيطان في أمنيته وما نزل [من] المتشابهات، فكأنّ الخبر بالإيمان وأن الجميع من عند الله عن أهل العلم دليل على بطلان الشبهة والعلم بأنه لا حقيقة له، ولا مانع أن يكون إذا قال هذا من هو راسخ في العلم أن لا يقوله غيرُه. يُبيِّن ذلك أنه على الوقفين إنما أخبر بقولهم فقط مهنئًا بهم اختصوا بعلم تأويل القرآن، وأخبر بقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ عنهم وحدهم، مع أنه قول كلّ مؤمن، إذ المقصود أن العلم يوجب هذا القول، ومن لم يقله وإن كان له نصيب من العلم فليس براسخٍ فيه. فاليهود الذين أوتوا العلم فلم يؤمنوا بمحمدٍ إيمانَهم ليسوا راسخين في العلم.
وأما تلك الآية فإنما قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي من أهل الكتاب ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ هم المؤمنون من العرب وغيرهم الذين ليسوا أهل كتاب، فإن هؤلاء وإن كانوا بعد مبعث محمد صاروا أو بعضهم أرسخ في العلم من أولئك، فإنهم لم يكونوا قبل سماع القرآن أهل علم بالكتاب، كما كان عند أولئك علمٌ عَلِمُوه من غير القرآن.
стр. 2890
وقد يقال: الوقفان كالقراءتين، وقد يقرأ في المكان الواحد بالنفي والإثبات باعتبارين، كقراءة من قرأ ﴿لِتَزُولَ﴾ و ﴿لَتزولُ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، وكالتي فيها الخبر والأمر. وعلى هذا فيكون هنا تأويلان: فتأويل يعلمه الراسخون، وتأويل لا يعلمه إلا الله، وهذا فيه جمعٌ بين أقوال الصحابة والتابعين والأئمة ﵃.
وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع (١) وذكرنا أن معنى لفظ التأويل الذي جاء به القرآن غير معناه في عرف المتأخرين، وذكرنا الاصطلاحات فيه والفرق بينه وبين التفسير. وللإمام أحمد كتاب "الرد على الزنادقة والجهمية مما تأولت فيه من متشابه القرآن"، تكلم على الآيات كلِّها وبيَّن معناها، فمعنى الخطاب وتفسيره يعلمه العلماء، وهذا يُسمَّى تأويلاً، وأما الحقائق الموجودة في الخارج مما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، كما قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فتلك لا تُعلَم إلا بمشاهدتها ......... (٢) وليس لها في هذا العلم ما يناظرها من كل وجه، فلا يعلم حينئذٍ إلا من بعض الوجوه، فيجوز أن يكون لا يعلمه، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وإن عُلِم أنها قرة أعين فإنها لا تُعلَم في الدنيا.
стр. 2891
فنفيُ العلم من وجه وإثباته من وجهٍ حق، وعلى هذا فيصحُّ إثباتُ علم التأويل للراسخين من وجهٍ ونفيُه من وجهٍ، فيصح الوقفان (١).
وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]، ومعلوم أنه قد أعلمهم بنوعهم ووصفهم وأنهم من أهل المدينة والأعراب، لكن لا تعلم أعيانهم. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، نفى قوله أنه يعلم الغيب المطلق، وإن كان الله قد أعلمه مما غاب عن غيره شيئًا كثيرًا. وقال تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]، وكذلك قوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].
وقد قال يعقوب ليوسف: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وقال: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧] أي قبل أن يأتي التأويل، وقال أولئك: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]، ومعلوم التأويل قبل مجيئه، وإنما علمه بالوصف
стр. 2892
كما يعلم بالوصف تأويل القرآن المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، ألا ترى أن كيفية الحدث المدركة بالعيان لم تكن معلومة بمجرد الخبر، فإن المُخْبَر ليس ..... (١).
والتأويل في خبر ابن عباس المراد به تأويل الأمر والنهي، كما قال ابن عباس: السنة تأويل الأمر والنهي. فإن الخطاب نوعان: إخبار وإنشاء، فالإنشاء كالأمر والنهي والتحليل والتحريم يعلم العلماء تأويله وتفسيره، إذ لابد من فعل المأمور به وترك المنهي عنه، وذلك لا يكون إلّا بعد علمه، بل لابدّ من علم المأمور به مفصَّلاً.
ومن هذا قول عائشة: كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك" يتأول القرآن (٢). فقد يقال: اللام في التأويل للتأويل المعهود، وهو تأويل الأمر، وعلى هذا أيضًا قد يحمل قول جابر في حديث صفة الحج الذي في مسلم (٣)، قال: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عملَ به من شيء عَمِلْنا به، فأهلَّ بالتوحيد: "لبَّيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك له"، وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه، ولَزِمَ رسولُ الله ﷺ تلبيته.
стр. 2893
فقوله: "وهو يعرف تأويله" يُشبه قوله: "وعلِّمْه التأويلَ" (١)، إذ قد يقال: ظاهرهما العموم وقد يدَّعى الاختصاص بالأمر والنهي وقد خالفه التأويل. وهو مثل حديث سعد عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ الآية [الأنعام: ٦٥]، قال: "إنها كائنةٌ، ولم يأتِ تأويلُها بعدُ" (٢). لكن ليس فيه أنه كان يعلم هذا التأويل.
لكن يقال: الخبر عما كان في الدنيا مثل قصص الأنبياء ومن آمن بهم ممن لديهم عَلِمَ تأويلَها العلماءُ، إذ لم يبق لها مخبر آخر يجيء فينتظر، وإن لم يعلم معاينةً فله نظير علم منتظر، وكذلك ما سيكون في الدنيا من حوادث فإن علم تأويلها قبل كونه مثل علم تأويل تلك بعد كونه ..... (٣) الأمور الحاضرة، والخبر عن الملائكة والجن والنار، فهذا من الخبر عما سيكون.
ومما ينبغي أن يُعرف أن نفس علم التأويل ليس عامًّا في الدنيا والآخرة، فإنه ما من شيء أخبرنا به في القرآن إلّا ولا بدَّ [أن] نعلمه. فقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إذا وقف هنا لا يراد به: لا نعلمه مطلقًا؛ لأن الناس لابدّ أن يعلموه في الآخرة، حتى أن ي
стр. 2894
روا ربهم في الدار الآخرة، وهذا أكمل طرق العلم.
وأيضًا فالملائكة تعلم من أحوال أنفسها وما وُكِّلتْ من أمر الجنة والنار وغير ذلك ما هو من الأمور المخبر بها مما هو من تأويله كذلك، فصار علم تأويله حاصلاً لبعض الأصناف وفي بعض الأزمنة ....... (١) لا يعلم به، وهذا يقوي أن للمخلوق شيئًا من علم تأويله في الجملة، وإن عُدِم علم بعضهم أو العلم في بعض الأوقات فلا ينفيه مطلقًا.
وأيضًا فإن الله ذمَّ متَّبعي المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فالذم حصل بهذين الوصفين، ولو كان علم التأويل مما قد أيس منه الخلق كلهم لكان طالبه مذمومًا وإن لم يبتغ الفتنة، وكان في قلبه زيغٌ أو لم يكن. والذم إذًا وقع على من يتبعه يبتغي هذا ويبتغي هذا، ولا ريب أن هذا مذمومٌ، وذمه في ابتغاء تأويله لكونه متعذرًا من غير جهة الراسخين في العلم، وقد لا يجد الراسخين أو لا يكون منهم فلا يرى علمه.
وأيضًا فهم يتبعون المتشابه أي يتحرَّونه، كما في الحديث المتفق عليه (٢) أن النبي ﷺ قال لعائشة: "إذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذرِيْهم". وهذا صَبِيغ بن عِسْل الذي ضربه عمر ونفاه وأمر بهَجْرِه حتى مات بعد حول (٣). وقد رُوي أنه سأل عن
стр. 2895
الذاريات ونحوها (١). وهذا قوي إذا جعل المتشابه من الأمور النسبية، أو قد يتشابه على هذا ما لا يتشابه على غيره. وكلام الإمام أحمد في الرد على من تأوَّل المتشابه على غير تأويله يوافق هذا، فإن الآيات المذكورة إنما تشابهت على بعض الناس، ولما تبيَّن وجهها زالَ التشابه، ومن فسر فقوله لآية بأنه من المتشابه قوبل هذا بأن القرآن كله محكم، كما قال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، وهنا قد وُصِف بالإحكام بعضُه، كما أنه قد وُصِف كلُّه بأنه متشابه، وهنا وُصِف بالمتشابه بعضُه، فعُلِم أن لفظ المتشابه فيه نوع اشتراك وإجمال، وكذلك لفظ الإحكام، وقد قال في الآية الأخرى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
стр. 2896
[فصل]
في المثل والكفو في الكتاب والسنة ولغة العرب
قال تعالى: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقال النبي ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلّا مثلًا بمثلٍ" (١) وذكر الحديث.
وقال عمر بن الخطاب: لأمنعنَّ فروجَ ذواتِ الأحساب إلّا في الأكفاء (٢).
وذكر الفقهاء المكافأة في النكاح وفي القصاص وفي محلل الرمي، فهناك يعتبر كون الزوج كفؤا، وفي القصاص أن يكون المقتول كفؤا،
стр. 2897
وفي السباق أن يكون المحلل يكافئ فرسُه فرسَهما ورميه رميهما.
وذكروا المماثلة في ضمان الأموال بالغَصْب والإتلاف، فإذا كان المال مثلها وهو المكيل والموزون ضُمِنَ بمثله، وفي غيرِه خلاف. وكذلك في الربا العلةُ التماثلُ في المشهور عندنا، فلا تُباع المثليات وهي المكيل والموزون إلا مثلاً بمثلٍ.
وقالت عائشة: مثلي يَغارُ على مِثلك يا رسول الله! (١).
وقال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولستَ له بِمثْلٍ ... فشرُّكما لخيرِكما فِداءُ (٢)
[كل] هذا يدلُّ على أن الأجسام ليست متماثلةً في الكتاب والسنة ولغة العرب، وأن الهواء ليس مثل النار، ولا النبات مثل الحيوان، وأن ما اصطلح عليه بعضُ المتكلمين إما أن يكون فاسدًا في المعنى، وإما أن يكون اصطلاحًا ليس هو لغة العرب، ف لا يجوز حملُ نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف على اصطلاحٍ حادثٍ مخالفٍ لاصطلاحهم.
ويُعرف بهذا أن تسميتهم مُثبتةَ الصفاتِ مشبِّهةً أو مُمثِّلةً إنما على ما حَدُّوا به التماثل و ...... (٣) في الحدود التي خرجوا بها عن حدودها
стр. 2898
في الكتاب والسنة وكلام السلف والعرب. وحينئذٍ فلابدَّ ....... (١) في نصوص الكتاب والسنة، فلا يصف [الله إلّا] باسم ليس في الشرع ما يذمه، فإن الذي حمدُه زَينٌ وذمُّه شَيْنٌ هو الله (٢) ........
وقوله في حديث الصورة: "لا يقولن أحدُكم: قبَّحَ اللهُ وجهَك ووجهَ من أشبَهَ وجهَك" (٣) يدل على أنه ليس ممتنعًا من كل وجهٍ كما هو قول ......... (٤).
стр. 2899
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا [إله إلّا الله وحده لا شريك] له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه، صلى الله [عليه وعلى آله وسلم].
أصل كلّي جامعٌ أول آخر، قال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. أمره أن يُخبر في هذه الآية أنه رسول الله ملكِ العالمين إلى الناس جميعًا، الذي لا إله إلا هو، وأمر بالإيمان به وبرسوله الذي يؤمن بالله وبكلماته، وذلك يَعُمُّ الكلماتِ الكونية والشرعية.
وقد تضمنت هذه الآية أصلَي الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلّا الله وشهادة أن محمدًا رسولُ الله، وقد قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم قال: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨، ٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:
стр. 2900
٢١]، فأمر بعبادة الله تعالى، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، فأمر بالإيمان بالرسول، وقال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [هود: ١٤]، فبيَّن أن عجزهم عن معارضة القرآن يُقرِّر العلم بالرسالة وبالوحدانية.
وهذان العلمان هما أصل الدين: العلمُ بأن ما أنزل بعلم الله، والعلم بأن لا إله إلّا هو. ثم قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ إذ الإسلام نتيجة ذلك، وهو الشهادة بأن لا إله إلا الله، وأن الذي جاء به محمدٌ هو منزلٌ بعلم الله، وهذا استفهام إنكار يقال لما ...... (١) حجته من طلب وخبر.
وهذا مما تواترت به السنةُ تواترًا أبلغ من جميع التواترات، وانعقد عليه إجماع الأمة المعلومُ بالاضطرار بين عامِّها وخاصِّها، ففي الصحيحين (٢) عن معاذ بن [جبل أن] رسول الله ﷺ لما بعثَه إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ [فليكنْ أوّ] لَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأَعْلِمْهم أن الله افترضَ عليهم خمس صلوات" الحديثَ.
وفيهما (٣) عن أبي هريرة وابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أُمِرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"،
стр. 2901
وفي حديث ابن عمر: "ويقيموا الصلاةَ ويُؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلّا بحقِّها، وحسابُهم على الله". وفي حديث أنس (١): "حتى يؤمنوا بالله وبما جئتُ به".
وقال ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن (٢) عن معاذ: "رأسُ الأمر الإسلام، وعَمودُه الصلاة، وذِروةُ سَنامِه الجهادُ في سبيل الله". وهذا اللفظ أجود من اللفظ الذي يقال فيه: "رأسُ الأمر وعمودُه وذروة سنامه الجهادُ".
وفي حديث عكرمة بن أبي جهل (٣) لما أسلم أنه قال له: علِّمني ما أقوله، فقال: "يا عكرمة، قل: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، فقال، فأعادها عليه.
ولهذا كانت الشهادتان ركنًا في شعار الإسلام الذي هو الأذان والإقامة، وفي تشهد الصلاة التي هي عماد الدين، وفي الخطب جميعها. قال ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود (٤) عن أبي هريرة
стр. 2902
قال: قال رسول الله ﷺ : "كل خطبة ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء" قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وفي المسند (١) في حديث الأسود أن الله قال له: " [﴿وَرَفَعْنَا لَكَ] ذِكْرَكَ﴾، فلا أُذكر إلّا ذُكِرْتَ معي، ولا يصح لأمتك الخطبة و [الصلاة إلّا بشهادة] أنك عبدي ورسولي".
وهي مشروعة عند انقضاء الطهارة، فمن قالها [فُتِحت له] أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيِّهما شاء (٢).
والخطبة تعُمُّ خُطبَ الجُمَع التي هي أعياد أهل الإسلام الأسبوعية، وتعمُّ خُطبَ الأعياد الحـ[ولية] كعيد الفطر والأضحى، وخُطبَ الحج، والخطبَ العارضة، مقرونةً بالصلاة كخطبة الاستسقاء، أو مفردةً عن الصلاة كخطب الأئمة والعلماء وذوي الحاجات في مخاطبة بعضهم بعضًا في أمور الدين والدنيا، كما قال ابن مسعود في الحديث الذي رواه أبو داود (٣) عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان إذا [تشهد] قال:
стр. 2903
"الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضِلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يُطع الله ورسوله فقد رَشَد، ومَن يَعصِهما فإنه لا يَضُرُّ إلا نفسه ولا يضرُّ اللهَ شيئًا".
وروى أحمد وأهل السنن (١) عن رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: "الحمد لله، نستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني محمدًا عبده ورسوله" ويقرأ ثلاث آيات ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وهذه خطبة رسولِ الله ﷺ التي كان يخطب بها في الجمعة، وخطب بها لما جاءه المتطبِّبُ ضِمَاد الأزدي، فروى مسلم في صحيحه (٢) عن ابن عباس أن ضِمادًا قدمَ مكةَ وكان من أزد شَنُوءةَ، وكان يَرقِيْ من هذه الريح، فسَمِعَ سُفهاءَ [من أهل] مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيتُ هذا [الرجل] لعل الله يَشفِيه على
стр. 2904
يدي، قال: فلَقِيَه وقال: يا محمد، إني أرقي من هذه [الريح، وإن الله يَشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد". فقال: أَعِدْ عليَّ كلماتِك هؤلاء، فأعادهن عليه رسولُ الله ﷺ [ثلاثَ مراتٍ، قال: فقال: لقد سمعتُ قولَ الكهنةِ وقولَ السحرةِ وقولَ الشعراء، فما سمعتُ مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوسَ البحر. قال: فقال: هاتِ يَدَك أبايِعْك على الإسلام. قال: فبايعه]، فقال رسول الله ﷺ : "وعلى قومك"، قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله ﷺ سريةً فمرُّوا بقومِه، فقال صاحبُ السرِيَّة للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجلٌ من القوم: أصبتُ منهم مِطْهَرةً. فقال: رُدُّوها، فإن هؤلاء قومُ ضِماد.
ولهذا رجَّحتُ أن الشهادة ركن في الخطب الواجبة ، كما دلَّتْ عليه هذه النصوص وغيرها، ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقول: الواجب الصلاة على رسول الله ﷺ ، ومنهم من خيَّر بين التشهُّد والصلاة. وكلا القولين ضعيف، فإن النصوص المأثورة عن النبي ﷺ قولاً وفعلاً تُبيِّنُ وجوبَ اشتمالِ الخطبة على الشهادتين، وأن الاكتفاء عن ذلك بمجرد الصلاة عليه لا يُجزِئ.
وأيضًا فإن الأذكار الواجبة كالأذان والتحية يجب اشتمالها على الشهادتين، ولو عُوِّض عن ذلك بالصلاة عليه لم يَجُزْ، فكذلك هذا
стр. 2905
الذكر.
وأيضًا فإن الشهادتين أصل الإيمان وفرعه، وأول واجبات الدين وأعظمها، وأما الصلاة عليه فمن فروع الشريعة التي هي زيادة في حقّه، فكيف يُجزِئ الاقتصارُ على هذا الفرع أو يكون هو الواجب في أمر الرسول دونَ الأصل الذي لا يتمُّ الإيمان إلّا به ....... ؟ ولو صلَّى الرجل عليه ولم يَشهَدْ له بالرسالةِ لم يكن مؤمنًا، ولو شهد له بالرسالة [ولم يصلِّ عليه كان] مؤمنًا.
وأيضًا فالصلاة عليه من جنس الدعاء والأعمال، لا من جنس العقائد والأصول الخبرية، ولهذا كان شَرْعها مقرونًا بالدعاء، كما في الصلاة عليه أمام الدعاء في الصلاة وفي صلاة الجنازة ونحو ذلك. فأما أصول الكلام وقواعد الخطاب فإنما تُشرَع معها الشهادتان التي هي الفارقةُ بين أهلِ الإيمان وأهلِ الكفر، وأهل الجنة وأهل النار، وبين السُّعداء والأشقياء.
ثم هل تَجبُ الصلاةُ عليه في الخطبة كما تجب في الصلاة عند من يقول بذلك؟ هذا محلُّ اجتهاد، فيحتمل أن يقال به قياسًا على الصلاة، ويحتمل أن لا يقال به قياسًا على الأذان. مع أن الخطب المنقولة عنه لم تشتمل إلّا على الشهادتين، وكذلك الخطبة التي علَّمها لأصحابه خطبة ابن مسعود، وكذلك قوله: "كلُّ خطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء" (١).
стр. 2906
وهذا القول أقوى إن شاء الله، فإن الخطبة هي مخاطبة الخطيب للمخطوبين، ومقام المخاطبة للخلق لا يجب فيه الدعاء، وإنما يجب الدعاء في مقام مخاطبة الخالق ومناجاته، ولهذا شُرِعت الصلاةُ عليه في الصلاة دون الأذان. نعم إذا دعا الخطيب في خطبته فينبغي له أن يَقرِن دعاءه بالصلاة عليه، كما قيل بمثل ذلك في الجنازة، فتكون الصلاة عليه واجبةً مع الدعاء لا دونَه.
ولم يحضرني الساعةَ أثرٌ فيه اقترانُ الحمدِ بالصلاة عليه فقط إلّا في كتب المراسلات التي هي مأثورة عن الإمام أحمد وغيره، ففيها: "من فلانٍ إلى فلان، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهلٌ وهو على كل شيء قدير، ونسألهُ أن يُصلِّي على محمد عبدِه ورسوله ﷺ تسليمًا" (١).
... (٢) ففي هذه الرسائل ذكر الحمد لله والصلاة على رسول الله ...... وشهادة [أن لا إله إلا الله وأن] محمدًا عبده ورسوله، .... للشهادة بالرسالة، ويوافقه الحديث المرفوع في السنن (٣): "ما اجتمع قومٌ مجلسًا ثمَّ تفرَّقوا عنه، ولم يذكروا الله فيه، ولم يُصلُّوا على نبيِّهم،
стр. 2907
إلّا كان عليهم تِرةً" ففيه الجمع بين ذكر الله والصلاة على رسوله.
كما جاء في الحديث العمري موقوفًا ومرفوعًا وعن علي، ولفظه: "الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك" (١).
ولو قيل مثل ذلك في الصلاة المكتوبة لكان حسنًا، والحديث المأثور يؤيِّد ذلك.
وأصل هذا أن مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لابُدَّ في الخطبة من ذكرِ الله وذكرِ رسوله ، ثم تكلموا في معنى ذكر الرسول بما فصَّلتُه. وكذلك يقال في ذكر الله أنه معنى الحمد لله، لما رواه أبو داود في السنن (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كل كلامٍ لا يُبدأ فيه
стр. 2908
بحمد الله فهو أجذم". ورواه أحمد وغيره، وفي رواية: "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم". وكذلك خُطَب رسول الله ﷺ المنقولة عنه مفتتحةٌ بحمد الله، كما افتتح الله كتابه بذلك، وجعل ذلك فاتحة الكتاب التي هي السبع المثاني.
فصل
والشهادة المذكورة هي أول الواجبات في دين الإسلام، كما دلَّت عليه السنن المتواترة، وكما أجمع المسلمون على أن من قال ذلك صار مسلمًا، وإذا ....... (١) بقلبه صار مؤمنًا، وأنه بدون ذلك لا يُقبَل منه عملٌ، وأنه ...... إلى ذلك، وعليه يقاتلون.
وهذا الأمر المتواتر المعـ[روف] من دين المسلمين الذي أجمعوا عليه خلفًا بعدَ سلفٍ يُبيِّن لك خطأ مَن أوجبَ قبل ذلك شيئًا غيرَه من المتكلمة، سواء سمَّوا ذلك النظر أو القصد إليه أو الشكّ أو معرفة الله، إلى غير ذلك من المقالات المبتدعة، بل الأمر هو ما عليه الفقهاء وأهل المعرفة وعلماء الحديث وعوامُّ المسلمين، وهو الذي توارثوه عن نبيِّهم الذي تُلُقِّيَ الوجوب من جهته توارثًا معلومًا بالاضطرار، وذلك
стр. 2909
عندهم أظهر وأشهر من جميع الأمور الموروثة عنه.
وإنما نشأ هذا الغلطُ من المعتزلة الذين أحدثوا الكلامَ الباطلَ في الدين، وبَنَوا ذلك على أن العقل بمجرده يُوجِب، وأنه يُوجب معرفةَ اللهِ المنعم أولاً، وأنه لا طريقَ إلى ذلك إلّا النظر، فقالوا بوجوبه، وقد بسطتُ القولَ في هذه المسألة في غير هذا الموضع (١)، وبينتُ أن المعرفة المجملة داخلةٌ في أول الواجبات، لا أنها بنفسها وحدها وجبتْ، وأنها وحدها لا بقيدٍ.
والشهادة وإن كانت هي أول الواجبات فهي أفضل العبادات، وأرفعُ العلوم والمعارف، وأجلّ القُرَبِ والطاعات، وهي قُوْتُ المؤمن في كل وقتٍ وحال، وهي للإيمان كالنية للعبادات، وإن اكتُفِي باستصحاب حكمها فاستصحابُ ذكرها هو الأصل، ويجب أن يُستصحبَ ذكرُه في المواطن التي يستزلُّ الشيطانُ الناسَ عن حقيقتها، إما بتألُّهِ غيرِ الله أو إخراج الرسولِ عن حقيقة الرسالة، ومزاحمة غيره له، من ملكٍ أو أمير أو عالم أو شيخ أو إمام أو صاحب، فإن هذا يقع فيه خلائق لا يُحصَون ممن مضى ومن غبَر، وهو يخرج عن حقيقة الإيمان وإن كان قد لا يَخرج عن أصلِه.
فصل
وخصائصُ الشهادتين وعلوُّ قدرِها وفضلها كثير جدًّا، وكذلك فضل التوحيد والتهليل كثير جدًّا في الكتاب والسنة وإجماع الأمة،
стр. 2910
كقوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وقوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]، وقوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب التفسير وكتب الحديث والفقه والرقاق والأذكار والأدعية، كالدعاء للطبراني وغير ذلك.
والمقصود هنا أن هذه الكلمة الطيبة العليا هي لا إله إلا الله، ففيها نفي الإلهية عما سواه وإثباتُها له. والإله مَن يُولَهُ رجاءً وخشيةً وإجلالاً وإكرامًا وعبادةً واستعانةً وغير ذلك من معاني الإلهية، وإن كان طائفة من المتكلمين يعتقدون أن الإله هو الخالق، أو هو الرب، أو هو القديم، وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع أو صنع العالم أو نحو ذلك، فهذه كلها صفاتٌ لله سبحانه، بها وجب أن يكون الإله.
والإله هو المعبود الصمد المقصود الذي إليه المنتهى، والشركُ الذي حرَّمه الله على ألسُنِ رُسلِه، وحكمَ بكُفْرِ أصحابه عبادةُ إلهٍ سواه، وإن كان العابد له يعتقد ذلك خلقًا من مخلوقاته، فإن هذا قول جميع المشركين من جميع الأمم، لم يكن من المشركين من يقول: إنّ مع الله إلهًا مساويًا له في صفاتِه أو أفعاله، أو أنه شاركه في خلق جميع المخلوقات، بل جمهور من أشرك به يُقِرُّ بأن شريكَه مملوكُه، سواء أشركوا به الملائكة أو الكواكبَ أو الأنبياء أو الصالحين أو الجنّ أو