← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وهذا القول أقوى إن شاء الله، فإن الخطبة هي مخاطبة الخطيب للمخطوبين، ومقام المخاطبة للخلق لا يجب فيه الدعاء، وإنما يجب الدعاء في مقام مخاطبة الخالق ومناجاته، ولهذا شُرِعت الصلاةُ عليه في الصلاة دون الأذان. نعم إذا دعا الخطيب في خطبته فينبغي له أن يَقرِن دعاءه بالصلاة عليه، كما قيل بمثل ذلك في الجنازة، فتكون الصلاة عليه واجبةً مع الدعاء لا دونَه. ولم يحضرني الساعةَ أثرٌ فيه اقترانُ الحمدِ بالصلاة عليه فقط إلّا في كتب المراسلات التي هي مأثورة عن الإمام أحمد وغيره، ففيها: "من فلانٍ إلى فلان، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهلٌ وهو على كل شيء قدير، ونسألهُ أن يُصلِّي على محمد عبدِه ورسوله ﷺ تسليمًا" (١). ... (٢) ففي هذه الرسائل ذكر الحمد لله والصلاة على رسول الله ...... وشهادة [أن لا إله إلا الله وأن] محمدًا عبده ورسوله، .... للشهادة بالرسالة، ويوافقه الحديث المرفوع في السنن (٣): "ما اجتمع قومٌ مجلسًا ثمَّ تفرَّقوا عنه، ولم يذكروا الله فيه، ولم يُصلُّوا على نبيِّهم،

стр. 2907

إلّا كان عليهم تِرةً" ففيه الجمع بين ذكر الله والصلاة على رسوله. كما جاء في الحديث العمري موقوفًا ومرفوعًا وعن علي، ولفظه: "الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك" (١). ولو قيل مثل ذلك في الصلاة المكتوبة لكان حسنًا، والحديث المأثور يؤيِّد ذلك. وأصل هذا أن مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لابُدَّ في الخطبة من ذكرِ الله وذكرِ رسوله ، ثم تكلموا في معنى ذكر الرسول بما فصَّلتُه. وكذلك يقال في ذكر الله أنه معنى الحمد لله، لما رواه أبو داود في السنن (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كل كلامٍ لا يُبدأ فيه

стр. 2908

بحمد الله فهو أجذم". ورواه أحمد وغيره، وفي رواية: "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم". وكذلك خُطَب رسول الله ﷺ المنقولة عنه مفتتحةٌ بحمد الله، كما افتتح الله كتابه بذلك، وجعل ذلك فاتحة الكتاب التي هي السبع المثاني. فصل والشهادة المذكورة هي أول الواجبات في دين الإسلام، كما دلَّت عليه السنن المتواترة، وكما أجمع المسلمون على أن من قال ذلك صار مسلمًا، وإذا ....... (١) بقلبه صار مؤمنًا، وأنه بدون ذلك لا يُقبَل منه عملٌ، وأنه ...... إلى ذلك، وعليه يقاتلون. وهذا الأمر المتواتر المعـ[روف] من دين المسلمين الذي أجمعوا عليه خلفًا بعدَ سلفٍ يُبيِّن لك خطأ مَن أوجبَ قبل ذلك شيئًا غيرَه من المتكلمة، سواء سمَّوا ذلك النظر أو القصد إليه أو الشكّ أو معرفة الله، إلى غير ذلك من المقالات المبتدعة، بل الأمر هو ما عليه الفقهاء وأهل المعرفة وعلماء الحديث وعوامُّ المسلمين، وهو الذي توارثوه عن نبيِّهم الذي تُلُقِّيَ الوجوب من جهته توارثًا معلومًا بالاضطرار، وذلك

стр. 2909

عندهم أظهر وأشهر من جميع الأمور الموروثة عنه. وإنما نشأ هذا الغلطُ من المعتزلة الذين أحدثوا الكلامَ الباطلَ في الدين، وبَنَوا ذلك على أن العقل بمجرده يُوجِب، وأنه يُوجب معرفةَ اللهِ المنعم أولاً، وأنه لا طريقَ إلى ذلك إلّا النظر، فقالوا بوجوبه، وقد بسطتُ القولَ في هذه المسألة في غير هذا الموضع (١)، وبينتُ أن المعرفة المجملة داخلةٌ في أول الواجبات، لا أنها بنفسها وحدها وجبتْ، وأنها وحدها لا بقيدٍ. والشهادة وإن كانت هي أول الواجبات فهي أفضل العبادات، وأرفعُ العلوم والمعارف، وأجلّ القُرَبِ والطاعات، وهي قُوْتُ المؤمن في كل وقتٍ وحال، وهي للإيمان كالنية للعبادات، وإن اكتُفِي باستصحاب حكمها فاستصحابُ ذكرها هو الأصل، ويجب أن يُستصحبَ ذكرُه في المواطن التي يستزلُّ الشيطانُ الناسَ عن حقيقتها، إما بتألُّهِ غيرِ الله أو إخراج الرسولِ عن حقيقة الرسالة، ومزاحمة غيره له، من ملكٍ أو أمير أو عالم أو شيخ أو إمام أو صاحب، فإن هذا يقع فيه خلائق لا يُحصَون ممن مضى ومن غبَر، وهو يخرج عن حقيقة الإيمان وإن كان قد لا يَخرج عن أصلِه. فصل وخصائصُ الشهادتين وعلوُّ قدرِها وفضلها كثير جدًّا، وكذلك فضل التوحيد والتهليل كثير جدًّا في الكتاب والسنة وإجماع الأمة،

стр. 2910

كقوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وقوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]، وقوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب التفسير وكتب الحديث والفقه والرقاق والأذكار والأدعية، كالدعاء للطبراني وغير ذلك. والمقصود هنا أن هذه الكلمة الطيبة العليا هي لا إله إلا الله، ففيها نفي الإلهية عما سواه وإثباتُها له. والإله مَن يُولَهُ رجاءً وخشيةً وإجلالاً وإكرامًا وعبادةً واستعانةً وغير ذلك من معاني الإلهية، وإن كان طائفة من المتكلمين يعتقدون أن الإله هو الخالق، أو هو الرب، أو هو القديم، وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع أو صنع العالم أو نحو ذلك، فهذه كلها صفاتٌ لله سبحانه، بها وجب أن يكون الإله. والإله هو المعبود الصمد المقصود الذي إليه المنتهى، والشركُ الذي حرَّمه الله على ألسُنِ رُسلِه، وحكمَ بكُفْرِ أصحابه عبادةُ إلهٍ سواه، وإن كان العابد له يعتقد ذلك خلقًا من مخلوقاته، فإن هذا قول جميع المشركين من جميع الأمم، لم يكن من المشركين من يقول: إنّ مع الله إلهًا مساويًا له في صفاتِه أو أفعاله، أو أنه شاركه في خلق جميع المخلوقات، بل جمهور من أشرك به يُقِرُّ بأن شريكَه مملوكُه، سواء أشركوا به الملائكة أو الكواكبَ أو الأنبياء أو الصالحين أو الجنّ أو

стр. 2911

الأوثان أو الأصنام أو غير ذلك. ومما كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك" (١). ولهذا قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. ومن لم يُقرَّ بأن شريكَه مملوكُه ــ كطائفةٍ من المجوس ــ يزعم أن الظلمة قديمة مع النور، فهم يقولون إنها ليست مثله ولا تَفعلُ كفعلِه، بل يجعلون ذلك قديمًا شريرًا ملعونًا. وكذلك الصابئة والمتفلسفة الذين يقولون بتولُّد الأرواح التي هي العقول والنفوس، والعرب الذين كانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ الله، والنصارى واليهود الذين يجعلون المسيحَ وعزيرًا ابنَ الله، كلُّ هؤلاء يُقرّون بأنه هو الربُّ الأعلى الفاعل المدبِّر لما جعلوه ولدَه وابنَه. والقرآن قد اشتمل على ذمّ المشركين به والذين جعلوا له ولدًا كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]، وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾

стр. 2912

[الإخلاص: ٣، ٤]. وكلُّ هؤلاء الذين وُجدوا في العالم وكفَّرهم القرآن ممن جعلَ له ولدًا أو شريكًا لم يُثبتوا من يُساويه من جميع الجهات ....... (١) وقد يعبدون ويعتقدون في هؤلاء الشركاء أنهم شفعاء إليه، أو أنهم يُقِّربونهم إليه زُلْفَى، أو أنهم ينفعونهم ويضرونهم لمعانٍ فيهم، أو يَهوَون عبادتهم، كالذي قال الله فيه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. وهذا الاعتقاد الذي اعتقدوه والهوى الذي أحبوه كما قال الله فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، فكانوا جاهلين باعتقادهم ظالمين بهواهم، أفسدوا قوَّتَي النفسِ العلمية النظرية والعملية الإرادية. وإذا كان المقصود بالشهادة سلبَ ألوهيةِ ما سوى الله عن القلب حتى لا يَعبد الإنسانُ إلا الله وحده لا شريك له، فمن أشرك به شيئًا من مخلوقاتِه من كوكبٍ أو قمرٍ أو شمسٍ أو ملَكٍ أو نبيّ أو وثنٍ فهو مُشرِكٌ شركًا خاصًّا، ولهذا تنوع الشرك، فكل قوم من المشركين لهم إلهٌ أو آلهةٌ أشركوها به غير إله الآخرين، مثل وَدٍّ وسُوَاعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونَسْرٍ واللاتِ والعُزَّى ومناةَ الثالثة الأخرى والكوكب والشعرى والشمس والقمر والمسيح وعُزير وغير ذلك مما ذكره القرآن بعينه أو بنوعِه.

стр. 2913

ومن عبد هذه الآلهة كلَّها أو جوَّز عبادتَها فشركُه أعظمُ، ومن أنكر الله وعبدَ ما سواه فهو أكفر وأكفر، فهؤلاء الاتحادية الذين يزعمون أن الله هو الوجود هم يُشركون به جميعَ خليقتِه إن أقروا بوجودِه وزعموا أن وجودَه فاضَ عليها، وإن زعموا أنه هو الوجود المطلق، أو أنه هو عين الموجودات فهم مشركةٌ معطِّلةٌ شركًا عامًا ....... (١)، فإن من هؤلاء من يقصد عبادة الله وحده .... في معرفته، ويقصد اتباع الرسول، وإن غلط في معرفة دينه، فهم من جهة ما وافقوا فيه الرسولَ خيرٌ من الكفار، ومن جهة ما خرجوا به عن دينه قد يكون بعضهم شرًّا من بعض الكفار. ولهذا يذكر عن ابن العربي أن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا، وقال في "الفصوص" (٢) في فصِّ نوح: لما عظم قومه وذكر أنهم كانوا عارفين فقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من عرفه ويجهله من جهله. وفي المحمديين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي حكم، فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهرَ حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية

стр. 2914

في الصورة الروحانية. فما عُبِد غيرُ الله في كلِّ معبود. فالأدنى من تخيَّل فيه الألوهية، والأعلى ما تخيَّل بل قال: هذا مجلًى إلهيٌّ ينبغي تعظيمه، فلا يقتصر. وله من هذا الجنس كلام كثير. وحدثني ابن سالار عن ابن إسرائيل أن الحريري قال له: مذهبُ من نفَى الصانعَ مذهبٌ صحيح، فأنكرتُ ذلك، فأشارَ إلى أن الصانعَ هو الصنع، فوافقه على ذلك، وأن ابن سالار حكى ذلك للأيكي فاستحسن ذلك جدًّا، وقال له: يا ناصر الدين! من أين لك هذه الفوائد الدقيقة؟ أو كلامًا هذا معناه. ولهذا كلاهما وطائفتهم تستحسن الغناء الذي يُنبِت النفاقَ في القلب، حتى إنهم يشتغلون به عن الصلوات في مواقيتها، مع أن هذا قد يفعله من عقيدته في التوحيد صحيحة. فأما هؤلاء فاتحاديةٌ في اعتقادهم إباحيَّةٌ في أفعالهم، أخبثُ من شِرار النصارى الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرّمون ما حرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق. بل هؤلاء القوم أعظم شركًا بالله من النصارى وعبّاد الأصنام، فإن أولئك أشركوا به شيئًا معينًا من مخلوقاته، وهؤلاء أشركوا به كلَّ المخلوقات. وإذا عَبَدُوا الوجود المطلق فهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وعبادة القدر المشترك هو عين الإشراك به، لكن زادوا على إشراك وجود كلِّ ما سواه به أنهم أنكروا حقيقتَه التي هي هو، فجمعوا بين نفيه وجحودِه وبينَ الشرك به كما بينّا.

стр. 2915

وهذا قول القونوي والتلمساني وابن سبعين وغيرهم ممن لا يجعل له وجودًا متميزًا عن وجود مخلوقاته، بخلاف قول ابن العربي الذي يجعل له وجودًا متميزًا، ويقول: إن ذلك الوجود فاض على الممكنات. فهذا القول أمثل، ولهذا هو عند الاتحادية أبعد عن التحقيق. هذا إذا اقتصروا على عبادة الوجود المطلق، وأما إن عبدوا الوجود كلَّه المطلق والمعيَّن كما هو قول التلمساني والبلياني وابن سبعين فقد أشركوا به جميعَ الكائنات المطلق والمعين. وهذا القول الثالث أخسُّ أقوالهم، وهو عند غالبهم عين التحقيق. و من بدع ضلالهم وكفرهم أنهم يسمُّون هذا توحيدًا وحقيقةً، ويزعمون أن كبار العارفين إنما أشاروا في توحيدهم وتحقيقهم إلى ذلك، ومعلوم أن هذا جامع لكل شركٍ، فهو أعظم شركًا وأكفر كفرًا من كل شركٍ وكفرٍ. و منشأ التلبيس أن المُشرِك بين شيئين لابدَّ أن يُسوِّي بينهما في شيء يُشركهما فيه، فيتحدانِ فيه، كما قال الكفار: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]. فمن أشرك بالله شمسًا أو قمرًا أو كوكبًا جعله شريك الله في العبادة والإلهية، فاتحدا في الألوهية والعبادة فهو موحِّدٌ للقدر المشترك بينهما عنده. ولذلك كل من قاس شيئًا بشيء وشبَّه شيئًا بشيء، فلابدّ أن يتحد الفرع والأصل المشبَّه والمشبَّه به في معنًى يجمعهما، فهو يشرك فيه توحيد المشترك، ليس فيه

стр. 2916

توحيد الواحد الذي أشرك به غيرَه. وهؤلاء الفرعونية القرامطة لما أشركوا بالله سائر المخلوقات في الألوهية، وقالوا: إن ذلك الوجود المشترك هو الله وهو المعبود، صاروا موحدين الوجود المشترك قائلين بأن وحدة الوجود المشترك هي وحدة الله، وليس هذا توحيد الله الذي أشركوا به خلقَه، وإنما هو توحيدٌ للمشترك بينه وبين خلقه. وكل مشركٍ في العالم فهو موحد هذا التوحيد الشركي الكفري، لكن هؤلاء جمعوا كلَّ شرك. وأما توحيد الله الذي يستحقه على عباده والذي بعث به رسلَه وأنزلَ به كتبَه، فهو توحيده نفسه وإخلاص الدين له، لا توحيد المشترك بينه وبين خلقه. ولهذا كان هذا التوحيد جامعًا لكل تَلْحيدٍ، فإن المسلمين سمَّوا القرامطة ملاحدة، وهؤلاء حقيقة قولهم هو قول الملاحدة الإسماعيلية النصيرية القرامطة الفرعونية النمرودية، وأما مشركو العرب والصابئة الفلاسفة ونحوهم فأحسنُ حالاً من هؤلاء، ولا حُسْنَ في شيء من الشرك، وإنما الغرض أن هؤلاء أكفرُ من ثلاثة أوجهٍ: من جهة أنهم أشركوا به جميعَ الموجودات. ومن جهة أنهم جعلوا المخلوقات هي إياه، وأولئك اعترفوا بأن شركاءهم ملكُه وأنهم ليسوا إياه، وهؤلاء جعلوها إياه وجزءًا منه. ومن جهة أنهم أنكروه وكذّبوا بوجودِه، حيث جعلوه الوجود المطلق أو وجود المخلوقات.

стр. 2917

وهذا الثالث لا يجيء على قول ابن عربي، فإنه يقول: إن له وجودًا وإنه فاض على الممكنات. وإنما يجيء على قول القونوي الذي يقول: هو الوجود المطلق، وعلى قول التلمساني [والبلياني] وابن سبعين الذين يقولون: هو عين الموجودات، فإن التلمساني والبلياني وابن سبعين ما عندهم وجودٌ إلّا عين الحق، فلم يفرقوا بين الوجود المطلق والمعين، ولا بين الوجود والماهيات. وأما القونوي فيفرق بين المطلق والمعين، وعنده أن الله هو الوجود المطلق لا المعين. وأما ابن عربي فعنده أن وجود الحق قائم بنفسه، وأن ماهيات الممكنات أزلية، كقول من يقول من المعتزلة وغيرهم والشيعة: إن المعدوم الممكن شيء. وزاد عليهم بأنه فاض عليها وجود الحق، فوجودها وجودُه، لا أن ماهيتها ماهيته.

стр. 2918

حكاية المناظرة في الواسطية

стр. 2919

[حكاية المناظرة في الواسطية] الحمد لله رب العالمين. لما كان يومُ الاثنين ثامن رجب طلَبني نائبُ السلطان ــ أيَّده الله وسدَّده ــ بمحضرٍ من القضاة والمفتين والمشايخ، وسألني عن اعتقادي، فقلتُ له: الاعتقاد لا يُؤخذ عنّي ولا عمَّن هو أكبرُ مني، ولكن عن كتاب الله وسنةِ رسوله وإجماع سلف الأمة. فقال: أَمْلِ علينا اعتقادَك. فأمللتُ جوامعَ من الاعتقاد، ثم قلتُ: إن بعض الناس قد بلغني أنه يَكذِبُ في هذا الباب عليَّ ويقول: إنه يَكتُم بعضَ الأمر، فنحن نطلب العقيدة التي كتبتُها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر، كتبتُها لقاضٍ قَدِمَ علينا من واسط (١)، وكان قد ألحَّ عليَّ في ذلك، فأحلتُه على ما كتبه الأئمة من العقائد. فقال: أُحِبُّ أن تكتب أنت، فكتبتُ له هذه في قعدةٍ بعد العصر. وأرسلتُ من أحضَرها، وقُرئتْ من أولها إلى آخرها، قرأها غيري كلمةً كلمةً (٢)، ووقع البحثُ والسؤال في مواضعَ منها. وسألني نائب السلطان هل كتبتَ إلى مصر أو غيرها بعقيدة؟ فقلتُ له: لم أكتبْ قطُّ إلى أحدٍ بعقيدةٍ، ولم أكاتب أحدًا بها، إلّا أن ثمَّ مسائل أُسأَل عنها فأجيب، والنسخُ منها موجودة في دمشق ومصر وغيرها، لئلا

стр. 2920

يستطيع أحدٌ أن يُغيِّر بعض النسخ. وكان مما وقع سؤال بعض الجماعة عنه أني لما قلتُ في أولها: «إن أهل السنة يؤمنون بما وصفَ الله به نفسه وبما وصفَه به رسولُه من غير تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكييفٍ ولا تمثيل». قال بعضهم: ما التحريف؟ فقلت: تحريف الكلم عن مواضعه، كما فعلَ بعضُ الجهمية في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، قال: أي جَرحَه تجريحًا بينابيعِ الحكمة، ونحو ذلك من تحريفات القرامطة والباطنية وغيرهم من أهل الأهواء. ولما جاء الحديث الذي في الصحيحين (١) عن أبي سعيد: «أن الله يقول يومَ القيامة: يا آدمُ! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوتٍ»، جرى كلامٌ في مسألة الحرف والصوت. فقلت: هذا الذي يحكيه بعض الناس عن أصحاب الإمام أحمد من أنهم يقولون: إن القرآن هو الحرف والصوت، وهو أصوات التالين ومداد الصحف، وهو القديم= هذا باطلٌ، لم يقله أحمد ولا أحدٌ من علماء أصحابه، ولا يقوله عاقل. وأحضرتُ كلامَ الإمام أحمد وغيرِه من أئمة السنة أنهم يُنكرون على من يقول: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، كما ينكرون على من يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق. فكيف بمن يقول: إن لفظه بالقرآن قديم، أو يقول: صوته بالقرآن قديم، أو المداد قديم؟ وفساد هذا معلوم بالحسّ.

стр. 2921

وأنكرتُ على من ينقل هذا عن العلماء المشهورين في القرآن. وقُرئ ما ذُكِر في العقيدة في مسألة القرآن من «أن القرآن كلام الله منزَّلٌ غير مخلوقٍ، منه بدأ وإليه يعود»، كما اتفق عليه السلف، وذكرت لفظًا أن الجمع في قولهم: القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرفٍ ولا صوتٍ كلاهما بدعةٌ حدثت بعد المئة الثالثة، لم يتكلم الإمام أحمد ولا غيرُه من الأئمة بهذا التركيب نفيًا ولا إثباتًا. وذكرتُ أن لي جوابًا من سنين عن هذه المسألة (١) ....... (٢) وأحضرتُه في المجلس الثاني: أن الله تكلم بالقرآن حقيقةً، وهذا لا خلافَ فيه بين المسلمين، وأن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله حقيقةً؛ لأن الكلام إنما يضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلِّغًا مؤدّيًا. وذكر بعض الحاضرين أن هذا أول شبهةٍ كانت عندهم، وأن هذا تخليصٌ لهذا الموضع. وفي الاعتقاد: «أن الدين و الإيمان قولٌ وعمل ، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح». فقال بعض الحاضرين: إذا ذُكِر أن هذا اعتقاد الفرقة الناجية كان فيه دلالة أن من لم يعتقد هذا يكون من الهالكين، وكثير من العلماء يقول: إن الإيمان هو التصديق. فقلت: مع أن هذا السؤال لا يَرِدُ؛ لأني إنما قلت: إن الدين والإيمان

стр. 2922

قول وعمل، وهذا متفقٌ عليه لا خلافَ أن مجموع الدين والإيمان قول وعمل، لكني قلتُ: أنا ذكرتُ اعتقاد السلف المنقول عن الصحابة والتابعين، ومذهبُهم الثابت عنهم أن الإيمان قولٌ وعمل. وليس من خالفَ القولَ الصحيح الذي يعتقده أهل العلم باجتهادٍ أو تأويلٍ يكون هالكًا، كسائر من يخالف بعض الأحاديث الصحيحة لاجتهادٍ سائغٍ، فإن المجتهد المصيب له أجرانِ، والمجتهد المخطئ له أجرٌ. وقد ذكرتُ في الاعتقاد أن أهل السنة لا يكفّرون أهلَ الذنوب الكبائر مع شمول نصوص الوعيد لهم، لجواز أن يغفر الله لهم ويتوبوا، أو يكون لهم حسنات ماحيةٌ، أو لشفاعة فيهم، أو رحمة الله لهم، وإن كنا نُطلق بأن أهل النجاة هم أهل طاعة الله. وكان في الاعتقاد أن ما ذُكر في القرآن من أنه استوى على عرشه، وأنه مع عباده، كلاهما حقٌّ على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يُصانُ عن الظنون الكاذبة، وأن ما ذُكِر في الكتاب والسنة وحُكِم من قربه ومعيته لا ينافي ما ذُكِر من عُلوِّه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نُعوتِه، وهو عليٌّ في دنوِّه قريبٌ في عُلوِّه. فأنكر بعض الجماعة لفظ الحقيقة، فقلت: قد حكى أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» (١) إجماع أهل السنة على أن هذه الآيات والأحاديث تُجرى على الحقيقة لا على المجاز. وذكرتُ أيضًا ما حكاه

стр. 2923

الخطابي (١) وأبو بكر الخطيب (٢) وغيرُهما أن مذهب السلف إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وذلك أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يُحتذَى فيه حَذْوُه ويُتَّبع فيه مثالُه، فإذا كان معلومًا أن إثبات الذات إثباتُ وجودٍ لا إثباتُ كيفيةٍ، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجودٍ لا إثبات كيفيةٍ. فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا أن معنى السمع العلم، ولا نُشبِّهها بأيدي المخلوقين وأسماعهم ونجعلُها جوارحَ وأدواتٍ للفعل. وفي الاعتقاد: أنه «فوق سماواته على عرشِه، عَليٌّ على خلْقِه». فسأل بعض الحاضرين عن لفظ الفوق، فقلت: هذا اللفظ في كلام النبي ﷺ ، وذكرتُ حديثَ العباس بن عبد المطلب (٣) وهو في الاعتقاد، وفيه: «والعرشُ فوقَ ذلك، والله فوقَ عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه». فقال بعضهم: نقول: «فوق العرش» ولا نقول: «فوق السماوات». فقلت: المعنى واحدٌ، مع أن في الحديث أيضًا «فوق السماوات». فانقضى المجلس على أن أكتب جوابَ هذه الأسولة، ثم طُلِب تأخير ذلك إلى يوم الجمعة.

стр. 2924

قلتُ: كلُّ من نقلَ مذهبَ السلف من أهل الحديث والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم، مثل أبي سليمان الخطابي (١) وأبي بكر الخطيب (٢) وأبي بكر الإسماعيلي (٣) وأبي عثمان الصابوني (٤) والقاضي أبي يعلى (٥) وأبي عمر ابن عبد البر (٦) وأبي محمد البغوي (٧) صاحب «شرح السنة» وأبي القاسم التيمي (٨) صاحب «الترغيب والترهيب» وخلق كثير، نقلوا نحو ذلك. فلفظُ بعضهم: أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرِها، ولفظ بعضهم: حملُها على ظاهرِها، ولفظُ بعضهم: إمرارُها على ظاهرها. وبعضهم يقول: حملُها على الحقيقة دون المجاز. وبعضهم يصرّح عنهم بإثبات ما دلَّت عليه من الصفات، كما نقله الأشعري (٩) وابن خزيمة (١٠) والبيهقي (١١) وسيف

стр. 2925

الدين الآمدي (١). وقد نقل لفظ الحقيقة عن السلف وأهلِ السنة أبو عمر ابن عبد البر وأبو القاسم التيمي الأصفهاني وأبو عبد الله القرطبي في تفسيره، وقال (٢): لم يُنكر أحدٌ من السلف الصالح أن الله استوى على عرشِه حقيقةً. وكلهم يقول: «مع نفي الكيفية والتشبيه عنها»، ويقولون: إذا كانت ذات الله ثابتةً حقيقةً وأسماؤه على ظاهرها مع أنا لا نعلم كيفية ذاتِه وصفاتِه، فكذلك صفاته، إذ العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف، فإذا قال السائل: كيف صفاتُه؟ فقُلْ: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال: لا أعلَمُ كيفيةَ ذاتِه، فقُلْ: لا أعلَمُ كيفيةَ صفاتِه. ونقلَ طائفةٌ منهم القاضي عياض (٣) وغيره أن مذهب السلف إمرارُها كما جاءت مع العلم أن الظاهر غير مراد. قلتُ: يُجمَع بين النقلينِ بأن «الظاهر» لفظ مشترك، فالذي نقلَ نفيَه نفَى ما يظهر لبعض الناس من التشبيه بصفات المخلوقين، وما يقتضي نقصَ الخالق تعالى، مثل أن يقال: ظاهر قوله «في السماء» أن السماء تَحْوِيه أو تَحْمِله. ولا ريبَ أن هذا الظاهر لهذا غير مراد، فإن الله لا يحتاج إلى مخلوقاته ولا يَحصُره شيء، . بل

стр. 2926

قد ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. فمن قال: إنه محتاج إلى ما يَحِملُه ويُقِلُّه، أو أنه في شيء يُحيط به ويُظِلُّه، فهو ضالٌّ مضلّ. والذين نقلوا إثباتَه أرادوا به ما هو الظاهر اللائق بجلالِ الله تعالى الذي لا يقتضي نقصًا ولا حدوثًا. كما أنهم اتفقوا على أن هذا هو الظاهر في حياته وعلمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته، واتفقوا على أنه موجودٌ حقيقةً حيٌّ حقيقةً عليمٌ حقيقةً قديرٌ حقيقةً متكلمٌ حقيقة، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وجرتْ بحوثٌ فيها. وقد قيل: إن هذه الأسماء مثل لفظ الوجود وغيره هل هو يُطلق على الواجب والممكن بطريق الاشتراك اللفظي أو التشكيك أو التواطي؟ فقلت: إن المقصود يحصل على كل قول. وقيل: لفظ العلو والفوقية لا يُفهم منه إلّا الفوقية المختصة بالمخلوق، كفوقية السلطان على السرير. فقلتُ: بل لفظ العلو والفوقية كلفظ الحياة والعلم والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات، فإنه وإن وُصِف الله بها ووُصِف بها العبد وهي

стр. 2927

على ظاهرها وحقيقتها في الموضعين= فالمفهوم منها في حق الله تعالى ليس هو ما يختصُّ به المخلوق. فقيل: العلو من الأمور الإضافية بخلاف السمع والبصر ونحوهما. فقلت: إذا كان الاشتراك في الصفة الثبوتية كالحياة أو في الصفة الثبوتية الإضافية كالسمع والبصر لا يقتضي تشبيهًا ونقصًا، فالاشتراك في الإضافة المحضة أولى أن لا يقتضي تشبيهًا ونقصًا، فإن الاشتراك في الصفات الثبوتية أولى بالمشابهة من الصفات الإضافية. وقيل: إن ........ (١) تعالى ذلك هل هو معلوم أو غير معلوم؟ فقلت: هو معلوم من حيث الجملة غير معلومٍ من حيث التفصيل، معلوم من وجهٍ دون وجه، كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهكذا سائر ما يُعلم من معاني أسماء الله وصفاته إنما يعلمه الناس من بعض الوجوه، وأما الإحاطة بحقيقته فليست إلّا لله وحده. قلت: وكذلك ما أخبرتْ به الرسلُ مما في الجنة والنار، بل ونفس الإنسان إنما يعلم ذلك من بعض الوجوه دون الإحاطة بحقيقته. وقيل: إن صفة العلو هل هي صفة كمال ؟ فذكرتُ أن فيها قولين: من الناس من يقول: ليست بصفة نقص ولا كمال، كما يقوله كثير

стр. 2928

من المتكلمين من الأشعرية وغيرهم في صفات الفعل مثل الخلق والرزق، إذ لو كانت صفة كمالٍ لوجب اتصافه بها في الأزل، وهو منزه عن النقائص . ومنهم من يقول: بل هي صفة كمال. ثم منهم من يقول: هي قديمة وإن تأخر أثرُها، كما يقولونه في الصفات الفعلية من الربوبية وغيرها، وصفة العلو استحقاقه للعلو عند وجود المخلوق. ومنهم من يقول: هذه من الأمور النسبية الإضافية، وتجدُّد النِّسَب والإضافات جائز باتفاق العقلاء، وهي صفة كمال لا يستحق لذلك إلّا حينَ وجود المخلوق، وقبلَ وجود المخلوق يمتنع ثبوتها، فلا يقال صفة نقصٍ ولا كمال. وقال لي نائب السلطان ــ أيَّده الله وسدَّده ــ في ضمن الكلام: هذا الذي كتبتَه تقولُه من عندك؟ فقلتُ: ليس في هذا لفظٌ واحدٌ من عندي، وإنما هو من كتاب الله وسنةِ رسوله وألفاظِ سلفِ الأمة أو ألفاظِ مَن نقلَ مذاهب سلف الأمة وأهل السنة من الأئمة الموثوق بهم. وقلتُ أيضًا: أنا أُمهِل من خالفني ثلاثَ سنين، فإن جاء بحرفٍ واحدٍ ثابتٍ عن القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم يُناقِضُ حرفًا مما قلتُه وذكرتُه عنهم رجعتُ عن ذلك. وقال بعضهم: هذا اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل.

стр. 2929

فقلت: هذا اعتقاد جميع سلف الأمة وأهل الحديث ومن سلك سبيلَهم من أتباع الأئمة الأربعة ومشايخ الصوفية وعلماء المتكلمين، وإنما الإمام أحمد بلَّغ العلمَ الذي جاء به الرسولُ، واتبعَ سبيلَ من سبقه من الأئمة، ولو جاء أحد بشيء مخالف لذلك لم يقبل. وأما المتأخرون فمنهم من يوافق السلف، ومنهم من يخالف السلف. وقلت: من أنكر من ذلك شيئًا فليكتُب خطَّه بما ينكره، ولينقلْ ذلك عن سلف الأمة، ويذكر مستنده، أو ليكتبْ عقيدةً تُناقض هذه، وتُعرَضُ الثنتانِ على سلطان المسلمين. وقال لي بعض الحاضرين ــ وقد أحضر كتاب الأسماء والصفات للحافظ أبي بكر البيهقي ــ: هذا قد ذكر فيه عن بعض السلف تأويل صفة الوجه. فقلت: لعلك تعني قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. فقال: نعم، قد ذكر عن مجاهد والشافعي أنها قبلة الله (١). فقلت: هذا صحيح، وليست هذه من آيات الصفات، بل سياقُ الكلام يدلُّ على المقصود حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أي فثمَّ جهةُ الله، فإن الوجه والجهة والوِجهة في مثل

стр. 2930

هذا بمعنى واحد، كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] أي يستقبلها. ويقال: أيَّ وجهٍ تريد؟ أي أيَّ ناحيةٍ تُريد. فقوله: أينما تولوا، أي أينما تتولَّوا أي تتوجَّهوا وتستقبلوا فثمَّ جهةُ الله أي قبلةُ الله. وهذا ظاهر الكلام الذي يدلُّ عليه سياقُه، وقد يَغلَط بعضُ الناس فيُدخِل في الصفات ما ليس منها، كما يَغلَط بعضُ الناس فيجعلُ من التأويل المخالف للظاهر ما هو ظاهر اللفظ، كما في هذه الآية ونحوها. ومثل ذلك قوله: «الحجر الأسود يمينُ الله في الأرض، فمن صافحه واستلمه فكأنما صافحَ الله وقبَّل يمينَه» (١). فقال لي بعض الحاضرين: فقد روي عن مالك أنه قال في حديث النزول: ينزل أمره (٢). فقلت: هذا رواه حبيب كاتبه، وهو كذاب (٣).

стр. 2931

فقال: قد رُوي من غير طريق حبيب، من طريق مطرف. وجواب هذه الرواية المنقولة عن مالك كجواب الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في مثل ذلك، فإنه نُقِل عنه يومَ مناظرته للجهمية أمامَ الخليفة أنه قال في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أنه أمره. فقيل: الراوي غلط عليه، وقيل: إنه قاله على سبيل الإلزام لهم لما احتجُّوا بمجيء القرآن على [أنه] مخلوق، فقال لهم: إنما مجيء ثوابه كما قلتم في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]: إنه أمره. وقيل: بل هذه رواية عنه أنه يتأول صفات المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك بمعنى القصد، ولا يتأوَّل غيرها. وبعضهم [جعلها] رواية مخرجة عنه في بعض أحاديث الصفات التي يجب تأويلها عند هذا القائل، وهو ابن ...... (١)، فالكلام في المنقول عن مالك وأحمد سواء. وهذا إذا كان قولاً صحيحًا ثابتًا عن السلف لم يضرَّني، لأني لم أذكر في العقيدة لفظ التأويل نفيًا ولا إثباتًا، وإنما قلت: «من غير تحريف»، والتفسير الصحيح المأثور عن السلف الذي تقوم عليه الحجة الموجبة لقبوله ليس بتحريف، بل هو مثل ما يُنقل عنهم من تفسير القرآن والحديث. فهذا إذا ثبت ليس مخالفًا لما ذكرتُه. وقلتُ للسادة الحاضرين: هل في شيء من هذه الأقوال والكلام

стр. 2932

كفرٌ أو فسقٌ؟ فصرَّح أكثرهم بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ، حتى من كان يُكِثر النزاعَ قبلَ ذلك المجلس ويدَّعي الكفر اعترفَ بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ. وقال بعضهم: هذا بدعة. فأنكر جمهور الحاضرين عليه هذا القول، وطلب ...... الجمع بدعة أو أنه من البدع المستحسنة، وغلَّظ بعضهم الإنكار لهذا القول. فقلت: الكتاب والسنة لا يكون بدعة، إنما البدعة مثل اعتقاد ابن التومرت (١) ونحوه، والسلف إنما كرهوا الكلام المخالف للكتاب والسنة، كما قال الشافعي ﵁: حكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد ويُطافَ بهم في القبائل والعشائر، ويقالَ هذا جزاءُ من تركَ الكتابَ والسنةَ وأقبلَ على الكلام (٢). فإنما عابوا على من ترك الكتاب والسنة. فقال بعضهم: قد كره مالكٌ رواية مثل هذا. قلت: المنقول عن مالك أنه كره لمحمد بن عجلان رواية حديث الصورة (٣)، وقد تكون كراهته مخصوصةً خشيةَ ضلالِ بعض الناس به،

стр. 2933

كما قال [عبد الله بن مسعود]: ما من رجلٍ يُحدِّثُ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولهم إلّا كان فتنةً لبعضهم (١). وإلّا فقد حدَّثَ به سائر الأئمة، وهو في الصحاح (٢). وهذا الحديث ليس في هذا الاعتقاد، وقد روى مالك في [الموطأ] حديث النزول والضحك (٣). قلت: وأنا لم أخاطبْ عامّةً ولا دعوتُ أحدًا إلى اعتقاد، وإنما كتبت لبعض القضاة. وبلغني أنه بعد المجلس أخرج بعضهم حديث عائشة وقول النبي ﷺ : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم» (٤). وجوابه أن الله ذمَّ من اتبع المتشابه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويله، لم يَذُمَّ أهلَ العلم الذين يقولون: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا، فالذمُّ يقع [على] المنازع الذي يسأل عن الكيفية، ويطلب التأويل كما يُعلِّمه المتأولون المخالفون للنص والإجماع، ويطلب الفتنة بالتشكيك.

стр. 2934

قال لي بعضهم: أتُؤمن أن الله ينادي يومَ القيامة بصوتٍ؟ فقلتُ: هذا قاله نبيُّك إن كنتَ مؤمنًا به (١)، وهكذا قال الرسول الذي أُرسِلَ إليك إن كنتَ مصدِّقًا بأنه رسولُ الله. فقال آخر: الحديث «يُنادَى». فقلت: أما غالبُ الرواة فإنهم قالوا: «يُنادي»، وقد رواه بعضهم «يُنادَى» كما حكاه القاضي عياض (٢)، ولا منافاة، فإن الروايتين الصحيحتين في الحديث كالقراءتين الصحيحتين في القراءات، فذلك مثل قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، وتُسَيَّرُ الجبالُ (٣).

стр. 2935

فصل أصل الإيمان والهدى ودين الحق هو الإيمان بالله ورسوله

стр. 2936

فصل أصل الإيمان والهدى ودين الحق وما يدخل في ذلك من العلم النافع والعمل الصالح هو الإيمان بالله ورسوله، وهو أول ما أوجبَه الله على عباده وأمرهم به، وقد قررتُ ذلك فيما تقدم من القواعد، كما قال النبي ﷺ : «أُمِرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها» (١). وكما قال لمعاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن: «إنك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فليكن أول ما تدعوهم إليهم شهادة أن لا إله إلا الله» (٢). وكما تواتر بالنقل العام، وعُلِمَ بالاضطرار من دين الرسول، واتَّفقتْ عليه الأمة أن أصلَ الإسلام وأولَ ما يؤمر به الخلقُ شهادةُ أن لا إله إلا الله وشهادةُ أن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، والعدوُّ وليًّا، والمباحُ دمُه ومالُه معصومَ الدم والمال. ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانهِ دونَ قلبه فهو في ظاهر الإسلام دونَ باطن الإيمان، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤].

стр. 2937

وكما أن هذين (١) أصلا الدين فهما أيضًا جماعُ الدين وكمالُه وتمام فروعه، فهما الفارقانِ بين أهل الجنة وأهل النار، والسعداء والأشقياء، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]. ولما ذكر النبي ﷺ درجاتٍ في الجنة عاليةً فقالوا: تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم، فقال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين» (٢). وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥ - ٣٦]. وقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى﴾ [الزمر: ٧١]. وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ

стр. 2938

عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. وقال في الآية الأخرى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩]. وقد أخبر في غير موضع من كتابه أن المُعذَّبين في الدنيا والآخرة هم المُعرضون عن اتباع رسل الله، كقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]. وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ

стр. 2939

حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ الآية [القصص: ٥٩]. وأخبر تعالى بأنه أرسل إلى جميع خلقِه الرسلَ، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. وقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]. وذِكرُ الإيمانِ بالله ورسله في القرآن كثير جدًّا في أنواع من الأصول، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩]. وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. وقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وسورة الحديد قد ثنَّى فيها هذا الأصل مَرّةً بعد مَرَّةٍ. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا

стр. 2940

بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٨ - ٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية [المائدة: ١٢]. وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧]. وقال في آخر السورة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال في أول السورة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٤]. ف سورة البقرة جماعها في تقرير الرسالة ، فإن تقرير الرسالة متضمنة للإيمان بجميع الكتب والملائكة الذين هم رسلٌ أيضًا، كما قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. ولفظ «الملَك» يقتضي الرسالة، فإنه من الأَلُوكَة، والألوكة هي الرسالة، والمأْلُك: الرسالة. وهذه المادة (أ ل ك) و (ل أ ك) تقتضي الرسالة، وقد

стр. 2941

قال فيهم: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، وهم الملائكة في أشهر القولين، وهم رُسُل اللهِ في تنفيذ أوامرِه الكونية والدينية، والعالَمُ كلُّه قائمٌ بأمرِ اللهِ الكوني، كما أن الدياناتِ كلَّها قائمة بأمر الله الديني. وهذا الأصل وإن كانت سورة البقرة تضمَّنته فكذلك كثير من السور بل أكثرها، مثل سورة آل عمران التي قال في أولها: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ١ - ٤]. وذكر في أثنائها ما ذكر من الإيمان بالله ورسله، ثم ختمها بمثل ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. والفرق بين سورتي البقرة وآل عمران أن البقرة جامعة لتقرير جنس الرسالة على الكافرين، ولتقرير رسالة محمد وأصول شريعته على مَن كفر به مِن أهل الكتاب. وأما آل عمران فالمقصود الأكبر فيها تقرير رسالته على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكذلك سورة الأعراف أيضًا، مقصودها الأكبر تقرير الكتاب والرسالة، جنس ذلك وعينه، وذلك بيِّنٌ فيها، وكذلك سورة يونس وهود والرعد وإبراهيم والحجر وسبحان والأنبياء وآل طسم وآل حم ويونس والحديد وغير ذلك من السور.

стр. 2942

وذلك لأن المقصود الذي خلق له هو عبادة الله الجامعة لمعرفته بأسمائه وصفاتِه، ومحبتِه والإنابةِ إليه، وإخلاصِ الدين له، والطريق إلى ذلك هم رُسُل الله تعالى، ف الإيمان بالله ورسوله هما المقصود والوسيلة ، وبدون أحدهما لا يحصل ذلك، فمن أقرَّ بالخالق ولم يؤمن بالرسل لم يَعْلَم ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به، ولا ما يكرهه ويسخطه وينهى عنه، ولم يعرف أيضًا من أسمائه وصفاته ما لا يُعرف إلا من الرسل، سواء في ذلك العلوم والأعمال التي قد يعلمها الإنسان بعقله، فإن هذا القسم ليس بيِّنًا في العقول ولا ظاهرًا للناس، ولا هو مُتَّفقٌ عليه بين أرباب العقل العام، بل مَنْ لم يهتدِ بنورِ الرسالة واكتفى فيه برأيه ورأي بني جنسه فإنه يقع في الشبهات والإشكالات والاختلاف والتفرق الذي لا يُحيط به إلا الله تعالى، كما نجده في الخارجين عن اتباع حقيقة الرسالة من المشركين والمجوس، والمبدِّلين المبتدعين من الصابئين واليهود والنصارى والمسلمين، وهم الذين تفرَّقوا على الأنبياء والرسل، كما قال ﷺ في الحديث المُتَّفَق عليه (١) عن أبي هريرة: «ذَرُوني ما تركتُكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم». وقد قال سبحانه في كتابه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]. وقال تعالى: ﴿كَانَ

стр. 2943

النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣]. وقال بعد أن ذكر قصص الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٢ - ٩٣]. وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ

стр. 2944

سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٤]. وهذا المعنى قد ثنَّاه الله في كتابه يبيِّن فيه أن دينه واحد، وهو الإسلام العام والإيمان العام، وأنه أمر رسلَه بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف، وأمر جميعَ عباده بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف. وهو دين الله الذي أمر به الأولين والآخرين من عباده، فمن خرج عنه فكفر بجميع الرسالة، وهو الكفر بجميع الكتب والرسل، أو آمن ببعض الرسالة دون بعض، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل دون بعض، كما يدعيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو ببعض ما في الكتب والرسل كما عليه الصابئة والمبتدعون من الفلاسفة الذين في المسلمين وغيرهم، ومن سلك سبيلهم من المبتدعة أهلِ التحريف والتبديل في المسلمين واليهود والنصارى، ويَدخلُ في هؤلاء السبعون فرقةً الذين في اليهود، والإحدى والسبعون الذين في النصارى، والثنتان والسبعون الذين في المسلمين، كما قال النبي ﷺ في أحاديث متعددة: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة» (١). وفي رواية: «هو من كان على مثل ما أنا عليه

стр. 2945

وأصحابي» (١). فوصفهم بالاجتماع واتباع أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا هو السنة والجماعة. فكل من خرج عن الدين العام الجامع من الأولين والآخرين فهو من أهل التفرق والاختلاف، الذين اختلفوا في الكتاب، واختلفوا على الأنبياء، وخرجوا عن بعض ما جاءت به الرسلُ عن الله، وهو دين الله العام، وهو دين واحد. والله سبحانه هو الإلاه الواحد، له ما في السماوات وما في الأرض، وهو أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. والإيمان بالله ورسله يتضمن ما أخبرتْ به الرسل من الخبر وما أمرتْ به من العمل، فإن ذلك أيضًا وسيلة ومقصود، والإيمان بما أمرتْ به هو الإيمان بالعمل الصالح، وهو الوسيلة. و الإيمان بالله وباليوم الآخر غايتانِ، والإيمان بالرسل والعمل الصالح وسيلتان . ولما ذكر
следующие страницы →