← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

قال فيهم: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، وهم الملائكة في أشهر القولين، وهم رُسُل اللهِ في تنفيذ أوامرِه الكونية والدينية، والعالَمُ كلُّه قائمٌ بأمرِ اللهِ الكوني، كما أن الدياناتِ كلَّها قائمة بأمر الله الديني. وهذا الأصل وإن كانت سورة البقرة تضمَّنته فكذلك كثير من السور بل أكثرها، مثل سورة آل عمران التي قال في أولها: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ١ - ٤]. وذكر في أثنائها ما ذكر من الإيمان بالله ورسله، ثم ختمها بمثل ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. والفرق بين سورتي البقرة وآل عمران أن البقرة جامعة لتقرير جنس الرسالة على الكافرين، ولتقرير رسالة محمد وأصول شريعته على مَن كفر به مِن أهل الكتاب. وأما آل عمران فالمقصود الأكبر فيها تقرير رسالته على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكذلك سورة الأعراف أيضًا، مقصودها الأكبر تقرير الكتاب والرسالة، جنس ذلك وعينه، وذلك بيِّنٌ فيها، وكذلك سورة يونس وهود والرعد وإبراهيم والحجر وسبحان والأنبياء وآل طسم وآل حم ويونس والحديد وغير ذلك من السور.

стр. 2942

وذلك لأن المقصود الذي خلق له هو عبادة الله الجامعة لمعرفته بأسمائه وصفاتِه، ومحبتِه والإنابةِ إليه، وإخلاصِ الدين له، والطريق إلى ذلك هم رُسُل الله تعالى، ف الإيمان بالله ورسوله هما المقصود والوسيلة ، وبدون أحدهما لا يحصل ذلك، فمن أقرَّ بالخالق ولم يؤمن بالرسل لم يَعْلَم ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به، ولا ما يكرهه ويسخطه وينهى عنه، ولم يعرف أيضًا من أسمائه وصفاته ما لا يُعرف إلا من الرسل، سواء في ذلك العلوم والأعمال التي قد يعلمها الإنسان بعقله، فإن هذا القسم ليس بيِّنًا في العقول ولا ظاهرًا للناس، ولا هو مُتَّفقٌ عليه بين أرباب العقل العام، بل مَنْ لم يهتدِ بنورِ الرسالة واكتفى فيه برأيه ورأي بني جنسه فإنه يقع في الشبهات والإشكالات والاختلاف والتفرق الذي لا يُحيط به إلا الله تعالى، كما نجده في الخارجين عن اتباع حقيقة الرسالة من المشركين والمجوس، والمبدِّلين المبتدعين من الصابئين واليهود والنصارى والمسلمين، وهم الذين تفرَّقوا على الأنبياء والرسل، كما قال ﷺ في الحديث المُتَّفَق عليه (١) عن أبي هريرة: «ذَرُوني ما تركتُكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم». وقد قال سبحانه في كتابه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]. وقال تعالى: ﴿كَانَ

стр. 2943

النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣]. وقال بعد أن ذكر قصص الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٢ - ٩٣]. وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ

стр. 2944

سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٤]. وهذا المعنى قد ثنَّاه الله في كتابه يبيِّن فيه أن دينه واحد، وهو الإسلام العام والإيمان العام، وأنه أمر رسلَه بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف، وأمر جميعَ عباده بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف. وهو دين الله الذي أمر به الأولين والآخرين من عباده، فمن خرج عنه فكفر بجميع الرسالة، وهو الكفر بجميع الكتب والرسل، أو آمن ببعض الرسالة دون بعض، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل دون بعض، كما يدعيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو ببعض ما في الكتب والرسل كما عليه الصابئة والمبتدعون من الفلاسفة الذين في المسلمين وغيرهم، ومن سلك سبيلهم من المبتدعة أهلِ التحريف والتبديل في المسلمين واليهود والنصارى، ويَدخلُ في هؤلاء السبعون فرقةً الذين في اليهود، والإحدى والسبعون الذين في النصارى، والثنتان والسبعون الذين في المسلمين، كما قال النبي ﷺ في أحاديث متعددة: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة» (١). وفي رواية: «هو من كان على مثل ما أنا عليه

стр. 2945

وأصحابي» (١). فوصفهم بالاجتماع واتباع أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا هو السنة والجماعة. فكل من خرج عن الدين العام الجامع من الأولين والآخرين فهو من أهل التفرق والاختلاف، الذين اختلفوا في الكتاب، واختلفوا على الأنبياء، وخرجوا عن بعض ما جاءت به الرسلُ عن الله، وهو دين الله العام، وهو دين واحد. والله سبحانه هو الإلاه الواحد، له ما في السماوات وما في الأرض، وهو أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. والإيمان بالله ورسله يتضمن ما أخبرتْ به الرسل من الخبر وما أمرتْ به من العمل، فإن ذلك أيضًا وسيلة ومقصود، والإيمان بما أمرتْ به هو الإيمان بالعمل الصالح، وهو الوسيلة. و الإيمان بالله وباليوم الآخر غايتانِ، والإيمان بالرسل والعمل الصالح وسيلتان . ولما ذكر

стр. 2946

المِلل التي فيها خير قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. ومثل ذلك في المائدة (١). فعُلِم أن هذه الأصول الثلاثة هي جماع ما يجب في الملل كلها، وإنما أمر بقتال أهل الكتاب لخروجهم عن الأصول الثلاثة في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فذكر خروجهم عن حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر وعن العمل الصالح الذي هو فعلُ ما أمر به من الحق وتحريم ما حرَّم الله ورسوله. وقد بسطت ذلك في غير هذا الموضع. فصل ومحمد بن عبد الله هو خاتم الرسل وأفضلهم وأكملهم، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا، ودينُ الله هو ما بعثه الله به من الكتاب والحكمة، وهو الإسلام الخاص والإيمان الخاص، المتضمن للإيمان العام والإسلام العام. وقد أوجبَ الله على جميع أهل الأرض عربهم وعجمهم وإنسِهم وجنِّهم الإيمانَ به وطاعتَه واتباعَه، وتعزيرَه ونصْرَه وتوقيرَه وغيرَ ذلك من حقوقه، وأوجب على الخلق اتباعَ الكتاب

стр. 2947

والسنة، وحرَّم اتباعَ ما سوى ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقد ثبت في صحيح مسلم (١) عن جابر أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: «إن أ صدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ». وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضًا في خطبته كلَّ خميس: «إنما هما اثنتانِ: الكلام والهدي، فخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ». وثبت عن النبي ﷺ أنه كان يُعلِّم أصحابَه أن يقولوا في خطبة الحاجة: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضرُّ إلا نفسَه، ولن

стр. 2948

يَضُرَّ الله شيئًا» (١). وذِكرُه لهذه الأصول في خطبة يوم الجمعة وغيرها من قواعد الإسلام وأصول الإيمان، بل ذِكرُه لهذا الكلام بعد قوله: «أما بعد» ــ كما رواه جابر وغيُره ــ دليلٌ على أن هذا هو جماع الدين كما قررناه أولًا، فإنه بعد الحمد والشهادتين يقول: «أما بعد، فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». فعُلِم بذلك كمالُ موقعِ هذا الكلام من الدين، وذلك لأنه مشتمل على أَصْلَي الإيمان: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وشهادةِ أن محمدًا رسولُ الله، على الإيمان بالله ورُسُله. ولكن بيَّن فيه جماع أمور الدين، فإنها نوعان: قولٌ وعمل، كما قال عبد الله بن مسعود: إنما هما شيئانِ: الكلام والهدي. والهديُ: القصد والعمل، يقال: هَدَى يهدي هَدْيًا، كما يقال: مَشَى يمشِي مَشْيًا، وسَعَى سَعْيًا، ويقال: هَدَى غَيرَه يهدِيه هُدًى. ومن الأوّل قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، وقوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]. ومنه قوله: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥] على قراءة من قرأ

стр. 2949

«يَهْدِيْ» (١) على أحد القولين. والهدْي من هَدَي يهدي مثل الدلّ من دلَّ يَدُلّ، ومنه الحديث المأثور في السنن (٢): «الهَدْي الصالح والاقتصاد والسَّمْت جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة». ومنه قول حذيفة: كان عبد الله بن مسعود يُشَبَّه بالنبي ﷺ في هَدْيِه ودَلِّه وسَمْتِه (٣). وكان علقمة يُشَبَّه بعبد الله في هَدْيه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان إبراهيم يُشَبَّه بعلقمة في هَدْيه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان منصور يُشَبَّه بإبراهيم في هَدْيه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان سفيان يُشَبَّه بمنصور في هَدْيه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان وكيع يُشَبَّه بسفيان في هَدْيه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان أحمد بن حنبل يُشَبَّه بوكيع في هَدْيه ودَلِّه وسَمْتِه (٤). وذلك لأن المهتدي لابدَّ له من شيئين: من غايةٍ يقصدها، ومن عملٍ إلى تلك الغاية. وكل إنسان فله قصدٌ وعملٌ، فإن أصدقَ الأسماءِ الحارثُ وهمامٌ، سواءٌ كان قصدُه صوابًا أو خطًا، وسواءٌ سَعَى إليه أو لم يَسْعَ. فمن لم يقصد الحق أو قصدَه ولم يعمل لمقصودِه فليس بمهتدٍ، بخلاف من قصدَه وعمل له فإنه مهتدٍ بالحق. وإذا كان ذلك فالواجب أن يُنظَر في كلِّ كلامٍ، فما وافقَ كتاب الله

стр. 2950

فهو حقٌّ، وما خالفَه فهو باطلٌ، والموافق له وإن كان حقًّا فيُعلَم أن كلام الله أصدقُ الكلام وأحسنُ الحديث. وكذلك يُنظَر في كل عملٍ وحركةٍ باطنةٍ وظاهرة، ويُعلَم أن خير ذلك وأفضلَه هو هَدْيُ رسولِ الله ﷺ نيّتُه وعملُه، فأفضل النيَّات نيَّتُه، وأفضل الأعمال عملُه، فيكون هدْيُه أحسنَ الهدي، كما قال الفضيلُ بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي ما أخلصُه وأصوبُه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (١). فعملُ رسول الله ﷺ أخلصُ الأعمال، لا يَعبدُ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، كما عُلِمَ ذلك من دينه الخاص والعام. كان يقول في دُبُر صلاتِه: «لا إلاه إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاه، مُخلِصين له الدِّينَ ولوكرِه الكافرون. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاه، له النعمة وله الفضلُ وله الثناء الحسن» (٢). بل هو إمام الموحدين المخلصين، لم يُقِمْ أحدٌ من الخلائق دينَ الله وتوحيدَه باطنًا وظاهرًا كما أقامَه، ولم يَدْعُ أحدٌ إلى سبيل ربّه كما دعا إليه، ولم يجاهِدْ في سبيل الله كما جاهدَ في سبيل ربّه. وعملُه أصوبُ الأعمال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي

стр. 2951

هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وكان خُلُقُه القرآن. وهو لم يفعل من العبادة ولم يشرع منها الا ما أمره به ربُّه، ولم يَدعُ إلى سبيل إلا بإذن ربّه، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، وقال عنه: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وقال عنه: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]. ويتفرع على هذا الأصل أن المتكلمين الخائضين في العلوم الإلهية والمعارف الدينية والحقائق العلمية، من جميع الطوائف المتكلمة والمتصوفة والمتفقهة والمتفلسفة وغيرِهم أهلِ الخطاب وأهلِ الكتاب، فإن المهتدي منهم هو المتبع لكتاب الله. والسالكينَ طرقَ العباداتِ والزهاداتِ والأحوالِ القلبية والتألُّهاتِ من جميع الطوائف المتقرئة والمتصوفة والمتفقرة والمتعبدة والمتفقهة وغيرهم، فإن المستقيم منهم هو المتبع لهدْي رسول الله ﷺ . وكذلك أهل النظر في الأمور العامة من الأمراء والعلماء، فإن المصيب منهم هو المتبع لكتاب الله وسنة رسوله. وهذا الأصل يُقِرُّ به المؤمنون جملةً وابتداءً، ولكن قد يغيب عنهم تفصيلُه عندما تُبْهَر عقولُهم من أقوال ذوي الأقوال وأحوالِ ذوي الأحوال وأوامر ذوي العلم والإمارة، وقد لا يكون عندهم أصلٌ من

стр. 2952

السنة يعتصمون به في موارد الاشتباه ومواقع النزاع. والغالب أن أكثر ما تنازع فيه الناس يكون قد لُبِّسَ فيه الحقُّ بالباطل. والمتأخرون قد أحدثوا كلامًا وأقوالًا وأفعالًا وأحوالًا فيه اشتباه وإجمال، فينبغي التبيُّن فيه وتفصيله، كما هو الواقع من أهلِ الحروف والكلام وأهلِ الأصواتِ والعمل، وتجد هؤلاء ينفرون عن بعض ما مع هؤلاء من الحق، والعكس. حتى أهل الحروف والكلام يبغضون المواجيد والأذواق والعبادات، وأهل الأصوات والأعمال يُبغِضون النظر والعقلَ والكلامَ والفقهَ. وفي كل ذلك أمورٌ يُحِبُّها الله ورسولُه، ويرضاها اللهُ ورسولُه، ويأمر بها الله ورسولُه، وذلك لأن أهل الحروف أحدثوا حروفًا وكلامًا لا يحبُّه الله ورسولُه وإن كانوا متأوّلين، وأهل الأصوات والعمل أحدثوا أصواتًا وأعمالًا لا يُحبّها الله ورسولُه وإن كانوا متأوّلين، ف يجبُ ردُّ جميع ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ، ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا.

стр. 2953

فصل وصف الله أفضلَ أهل السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد

стр. 2954

فصل وصفَ الله أفضلَ أهلِ السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد، فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]. وهذا الوصف باعتبارٍ يختصُّ بالمهاجرين على عهد النبي ﷺ ، وباعتبارٍ آخر يَعُمُّ الأنصار، وباعتبارٍ ثالث يعمُّ كلَّ من اتصف بمعنى ذلك إلى يوم القيامة. وذلك أن لفظ «الهجرة» يُراد بها هجرة الوطن، لكن المقصود بها هجرة ما نهى الله عنه، كما ثبت في الصحيحين (١) عن النبي ﷺ : «المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجرَ ما نهى الله عنه». وهذا مَرْوِيٌّ من عدّة طرق، وفي بعضها:

стр. 2955

«المهاجر من هجر السيئات» (١). وهذا المعنى يثبت للأنصار ولكل مؤمنٍ هجرَ ما نهَى الله عنه إلى يوم القيامة، وهجرة الوطن بدون هذه لا تنفع، وهذه الهجرة بدون هجرة الوطن تنفع. لكن مَن هجرَ مع السيئاتِ المباحاتِ لأجل اللّهِ كهجرةِ دارِه ومالِه وأهلِه، فهذا أكمل. فالهجرة الأولى للمقتصدين، وهذه للمقربين. ولهذا كان المهاجرون أكمل في هذا الوصف، فخُصُّوا بهذا الاسم، وقُدِّموا على الأنصار. والأنصار خُصُّوا باسم الأنصار، والمهاجرون أنصارهم أيضًا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. وهذا بعد قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]. وكل المؤمنين مخاطَبون بأن يكونوا أنصارَ الله. وقد قال في صفة المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، فوصف المهاجرين بأنهم ينصرون الله ورسوله. لكن الأنصار كانوا في ديارهم وأموالهم، وهم مجتمعون متناصرون، فكانوا أكمل في وصف النصر، إذ كانوا أقدرَ عليه. والمهاجرون ما قدروا على النصر إلا بهم. ويومَ بدرٍ كان ثلاثة أرباع البدريين من

стр. 2956

الأنصار، ويومَ أُحُد أكثر القتلى كانوا من الأنصار، والقُرَّاء السبعون الذين قنت لأجلهم أكثرهم من الأنصار، ويومَ السقيفة، ويوم مُسيلمةَ أكثر القتلى من الأنصار، وكانوا أكمل بهذا الوصف فخُصُّوا به. وإلَّا فالنصرة هي الجهاد، والمهاجرون مجاهدون، ومقصود الهجرة هجر السيئات، والأنصار هجروا السيئات. فلهذا كان قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٢٠] يتناول الطائفتين، ويتناول كلَّ من اتصف بذلك إلى يوم القيامة. وهذا كنظائره إذا ذُكِر الاسم مفردًا يتناول النوعين، وإذا ذُكِر مقرونًا عُطِف أحدُهما على الآخر، كلفظ الإيمان والعمل، والإيمان والإسلام، ولفظ البِرّ والتقوى، والمنكر والفحشاء، وأمثال ذلك كما بُسِط في مواضع (١). فلما ذُكِر لفظ الأنصار مفردًا في قوله: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ يتناول الطائفتين، ولما ذكر الهجرة والجهاد مقرونًا تناول الطائفتين، وإذا جمع بينهما في مثل قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] مُيِّز بينهما. وكذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. ألا ترى أن الذين آوَوْا ونَصرُوا هم أيضًا آمنوا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم

стр. 2957

وأنفسهم، لكن ذُكروا بأخصِّ أوصافهم، وهما الإيواء والنصر، فإن هذا امتازوا به. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]. قالت طائفة من السلف (١): هذه تتناول المؤمنين إلى يوم القيامة، كما في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. وهؤلاء التابعون وصفهم بالإيمان والهجرة والجهاد، لأن الناس يكثرون والأنصار يقلُّون، وما بقي بالنسبة إلى أولئك دارٌ يُؤْوُون إليها الرسولَ وأصحابَه. لكن هذا المعنى ثابت لكل من هُوجِرَ إليه من المؤمنين فآوَوا مَنْ هاجرَ إليهم ونصروه، كما أنه قد قال: «لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّة» (٢)، أي من أرض مكة وأرضِ العرب، لأنها صارتْ دارَ إسلام. وقد قال: «لا تنقطع الهجرةُ ما قُوتِلَ العدوُّ» (٣) أي من دار الكفر، وكذلك النصرة والجهاد لا يزال مأمورًا به إلى يوم

стр. 2958

القيامة. وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن لفظ «الهجرة» يتناول هَجْرَ ما نهى الله عنه، وقد قال أيضًا: «المجاهد من جاهدَ نفسَه في ذات الله» (١). ومجاهدة العدو الظاهر والباطن لا بدَّ فيه من احتمال المكروه، وهو ما يحصل للمجاهد من الإيلام، كالظمأ والمخمصة والنَّصَب، وكاحتمال أذى العدوّ بالقول والفعل. قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. بل لابدَّ فيه من احتمال المكروه وبذل المحبوبِ: النفسِ والمالِ والأهل، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. والسيئات المنهي عنها تشتهيها النفسُ وتُحِبُّها، فهجْرُها هجر محبوبِ النفس. والمقصود أنه لابدَّ أن يترك المؤمن ما تحبُّه نفسُه لله تعالى، ويحتمل ما تكرهُه نفسُه لله، فبهجْرِ ما تُحِبّه نفسُه لله مما نُهِيَ عنه يكون من المهاجرين، وباحتمالِ ما تكرهه نفسُه لله مما أُمِرَ باحتماله يكون

стр. 2959

مجاهدًا لنفسِه ولعدوِّه. ولابدَّ أن يقع العبدُ في الذنوب التي تَفتِنُه، بل قد يقع فيما يَفتِنه عن الدين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]. وأمرُهم بهذا هو من أعظم نعمِه عليهم، وإذا يَسَّرهم لهذا فقد أتمَّ النعمةَ عليهم، فإن كلَّ ما يحبّه الإنسان يفارقه بالموت، كما في الحديث: «أحبِبْ من شئتَ فإنك مُفارِقُه» (١). فهو يُفارِقُه بغير اختياره، فإذا فارقه باختياره لله كان أنفعَ له في الدنيا والآخرة. والمكاره التي

стр. 2960

تحصُلُ لأهل الإيمان والجهاد يحصُل مثلُها وأعظمُ منها لغيرهم، فإنه لا تتم مصلحةُ أحدٍ إن لم يَنُبْ عن نفسِه وأرضِه، فلابدَّ لكلٍّ إمّا أن يقاتل وإما أن يَذِلَّ لمن يقاتل، فمن لم يقاتل في سبيل الرحمن قاتلَ في سبيل الشيطان، أو كان متهوّرًا مع هؤلاء أو هؤلاء، ومعلومٌ أن كونه عزيزًا خيرٌ من كونِه ذليلًا، ولابدَّ من موتِ الخلق كلِّهم، وخيرُ الموتِ القتلُ في سبيل الله. فلهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]، كسُنَّته فيمن كذَّبَ الرسلَ، فإنه ينتقم منهم بعذابٍ من عنده، أويُسلِّط عليهم عبادَه المؤمنين، فهو معذِّبهم في الدنيا والآخرة كما يذكر الله، وهنا إنما ذكر عذاب الدنيا، فكان ما أُمِروا به من هَجْر المحبوبات المنهيِّ عنها لله، ومن الجهاد واحتمال المكاره فيها، وبَذْل المحبوب لله، هو غاية السعادة في الدنيا والآخرة. ولهذا كان الجهاد سَنَامَ العمل، وفي الأثر: «من ترك أن يُنفقَ دراهمَ في سبيل الله أنفقَ مثلَها في طاعة الشيطان، ومن تركَ أن يمشيَ مع أخيه خُطواتٍ لله مشى مثلَها في طاعة الشيطان، ومن ترك الحج لحاجةٍ حجَّ الناسُ ورجعوا وحاجتُه لم تُقضَ» (١). وذلك أن الله تعالى خلق الخلقَ

стр. 2961

لعبادتِه، فمن لم يستعمل نفسَه ومالَه في عبادة الله استعملها بغير اختياره في طاعة الشيطان، إذ كان لابدَّ لها من عملٍ، ولا بدَّ للمال من مَصْرف، ولو حفظَه مات عنه، فمالُ البخيل لحادثٍ أو لوارثٍ، لا ينتفع به صاحبُه، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]، فهم يُعذَّبون بها، فتزهق أنفسهم وهم كافرون، فإن النفس المعلَّقة بها لا تُفارِق باختيارها، بل تزهق وهي كافرة، لم يؤمنوا ويعملوا صالحًا. وأيضًا فالصبر على ما يحصل باختيار العبد، كصَبْرِ الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على ما يُصيبه في ذلك من المكروه، ولو تركَه لم يُصِبْه، وصَبْر المطيع والممتنع عن المعصية إذا أوذي حتى يَعصِيَ، فصبَر على الأذى ولم يَعْصِ، وصَبْر المؤمن على مفارقة محبوبِه باختياره وعلى احتمال المكروه باختياره= هذا الصبر أفضل من الصبر على المصائب التي لا حيلةَ له في دفعها، كالمرض وموتِ الأقارب، والجائحة التي تذهب بالمال، فإن هذا إن يصبْر وإلا فلا فائدةَ له في الجزع، وهو لم يُمكِنْه دفعُها، ولهذا يشترك الناس في هذه المصائبِ، المؤمنُ والكافر. وأما تلك فإنما حصلتْ بسبب إيمانه وطاعته لله ورسولِه، فعلى ذلك أوذِيَ، فبإرادته واختياره حصلَ الأمرُ المكروه الذي يُريد أن يصبر عليه. فهذا أزكَى نفسًا وأعظمُ محبَّةً وصبرًا على طاعته، وأعظمُ تركًا لمحبوباته وفعلًا لمكروهاته لله. ولهذا كان مَنْ

стр. 2962

كَمُلَ بهذه الطريق أكملُ مِمَّن كَمُل بتلك من الأنبياء والصالحين، فإن هذا حصل المقصودُ باختياره، وذلك ابتلاه الله بما يحصل المقصود بغير اختياره. وللنوعين أمثلةٌ، فصبر المصيبة مثلُ صبرِ يوسف على فراق أبيه وأهلِه، واسترقاقِ الغير له، وصبر الاختيار مثل صبره على الحبس لئلا يفعل الفاحشة، فهذا الثاني كان أفضل له، ولهذا نُقِل من الأول إليه، فلما كملَ بالثاني مكَّنَه الله. ومثال الأول صبر يعقوبَ عن ابنه يوسف، ومثال الثاني صبر الخليل على أن يذبح ابنَه، فإن الخليل كان يذبح بِكْرَهُ، لم يكن له غيرُه، وأراد أن يذبَحه باختياره، فأسلم الأب والابن لله. وهذا أعظم من حالِ إسرائيل، فإنه فُرِّق بينه وبين يوسف بغير اختياره، وصبرَ حتى ردَّه الله عليه. والله تعالى يبتلي كلَّ واحدٍ بحسب حالِه، فالخليل أعظمُ وأفضل، فاحتملَ هذا البلاء الذي لا يحتمله غيرُه لو ابتُليَ به، بخلاف صبر المصيبة، فإن الصبر عليه موجود كثيرًا. وكذلك صبر نوح وهود وصالح وموسى على تكذيب الكفَّار وأذاهم لهم هو من أعظم النوعين، وكذلك صبر نبينا محمد ﷺ ومَنْ آمن معه على أذى الكفار لهم بأنواع الأذى، ثم صبرهم لما هاجروا على الجهاد. هذا الصبر أفضل النوعين، فلا جرمَ كان أهلُه أفضلَ الخلق عند الله، وهذا لا يحتمله كثير من أولياء الله، فيبتليه الله بمصائبَ يصبر عليها ليبلغ

стр. 2963

بذلك منزلتَه، مثل ما ابتُلِي عثمانُ، وبشَّره النبي ﷺ بالجنة على بلوى تُصِيبه (١). فبهذه البلوى نالَ منزلتَه، إذ لم يكن معه من القوة ما يصبر صبرَ أبي بكر وعمر. وأبو بكر كان أصبرَ من عمر وأعظمَ يقينًا، فلهذا لم يحتجْ إلى مثل الشهادة التي حصلتْ لعمر، وكذلك عليٌّ ثالث الشهداء، أكمل الله بالشهادة أمرَه، وكذلك الحسين وغيرُه، كانت المصائب والشهادةُ في حقِّهم وحقِّ أمثالهم مما أنعمَ الله به عليهم، وبلَّغَهم به من المنازل التي تناسب حالَهم، إذ كان الحسن والحسين لم يحصل لهما من الابتلاء ما حصلَ لأبيهما، لأنهما رُبِّيا في عزّ الإسلام، فابتُلِيا بما رفعَ الله به درجاتهم بحسب حالهم. وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩]. وقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٤٨ - ٥٠]. وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. فأمره أن يصبر الصبرَ الاختياري كما صبر أولو العزم، فيصبر لحكمِ ربه: الحكمِ الأمري بامتثال أمر ربه في تبليغ الرسالة ودعوة الخلق وبيانِ ما بُعِث به، والحكمِ المقدَّرِ بأن يصبر على تكذيب المكذّبين وافترائهم عليه وعداوتهم له. قال

стр. 2964

تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، فلا يجزع ولا يُغاضب، فيحتاج أن يُبتلى بما يَصبِر عليه صبرَ المصائب. فإن ذا النون: ﴿ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧]، و ﴿أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ٤٠ - ٤٤]. والمسبِّح يتناول من كان مسبِّحًا قبل ذلك، ومن كان مسبِّحًا في بطن الحوت. ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٥ - ١٤٨]. وهذا من أعظم البلوى، وهو ﷺ صبر على ما أصابه لما ألقي في بطن الحوت، ودعا ربَّه واعترفَ بذنبه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]. وقد ثبت في الصحيحين (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى»، و «من قال: أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب» (٢).

стр. 2965

وأما أولو العزم الذين أمر الله نبيّه أن يتأسَّى بهم ولا يتشبَّه بذي النون، فقد كان ﷺ إذا أوذي يقول: «قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر» (١). وأهل المصائب إنما يكونون صابرين إذا صبروا عند الصدمة الأولى، كما قال النبي ﷺ : «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٢). وإلا فمن لم يصبْر صبرَ الكرام سَلَا سُلُوَّ البهائم. والعاقل يفعل في أول يومٍ ما يفعله الأحمق بعد ثلاثة أيام. فالإنسان إذا أوذي على إيمانِه وأمْرِه بالمعروف ونهْيِه عن المنكر وتبليغ رسالات الله وإظهارِ دينِ الله، وذمِّ مَنْ يخالف دينَ اللهِ، كما أوذي الرسلُ وأتباعُهم، كان صبره من القسم الأعلى، مثل صبر الرسل وصبر المهاجرين والأنصار. وكثيرٌ من الناس إذا أوذي على الحق تركه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١١ - ١٣].

стр. 2966

ثم هؤلاء إذا أُوذوا على الحق فرجعوا عنه، ثم تابوا وجاهدوا في سبيل الله قَبِلَ الله ذلك منهم، قال تعالى لما ذكر المرتدّين طوعًا وكرهًا: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. فمن حصل له إيمانٌ وطاعة، ففتَنه شياطينُ الإنس والجنّ حتى رجع عن ذلك، ثم إنه هاجر فهجرَ تلك السيئات، ثم جاهدَ العدوَّ، وصبرَ على الإيمان والطاعة فلم يرجع، وصبرَ على ظلم الظالم له، ثم إنه هجرَ ما له من المباحات للّهِ ليُتِمَّ إيمانَه، فهذا أعلى. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤١ - ٤٢]. فهَجْرُ السيئاتِ فرضٌ على كل أحد، وهجرُ المباحات من الوطن والأهل والمال إن لم يَتمَّ الواجبُ إلا به كان واجبًا، وإن لم يتم المستحبُّ إلا به كان مستحبًّا. ولهذا تجب الهجرةُ على من يُمنَع من الواجبات وتُستحبُّ لغيره. وفي الصحيحين (١) أن أعرابيًّا سأل النبيَّ ﷺ عن الهجرة، فقال: «ويحَكَ! إن الهجرة شأنُها شديد، فاعملْ من وراء البحار، فإن الله لن يَتِرَك من عمِلك شيئًا».

стр. 2967

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وفي حديث بريدة الذي في صحيح مسلم (١): «وإذا حاصرتَ أهلَ حِصْنٍ فادْعُهم إلى الإيمان، ثمَّ ادْعُهم إلى التحوُّل إلى دار المهاجرين، وإلا كانوا كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكمُ الله الذي يجري على أعراب المسلمين، وليس لهم في الفيء نصيبٌ». وهذه الأمور لبسطِها موضع آخر، والمقصود أن معنى الهجرة العامة هي هجر السيئات، وهجرها بعدَ الدخول فيها هو التوبة، فهذا المعنى يُلْحَظُ في هذا اللفظ. ولهذا لما قال النبي ﷺ : «يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلَمُهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمُهم سِنًّا» (٢) = جعلَ طائفةٌ من العلماء مما يدخل في تقدم الهجرةِ تقدُّمَ التوبة وتقدُّمَ الإسلام، فإذا كان الرجلان قد أسلم أحدهما قبل صاحبه، أو تاب من السيئات قبلَ صاحبِه، فهذا أقدمُ هجرةً وأركانًا في وطنَيْهما، فإن المقدَّم أسبقُهما إلى الطاعة باختياره، ثم أسبقُهما إلى الطاعة بفعل الله تعالى، وهو كِبَرُ السِّنِّ. والله أعلم.

стр. 2968

فصل في الكلام على النِّعم، وهل هي للكفار أيضًا

стр. 2969

يقولون (١): ما نعم به الكافر فهو نعمة تامَّة كما نعم به المؤمن سواء؛ إذ ليس عندهم لله نعمةٌ خصّ بها المؤمن دون الكافر أصلًا، بل هما في النِّعم الدينية (٢) سواء، وهو ما بيَّنه من أدلة الشرع والعقل، وما خلقه من القدرة والألطاف، ولكن أحدهما اهتدى بنفسه بغير نعمةٍ أخرى خاصة من الله، والآخر ضلَّ بنفسه بغير خذلانٍ يخصُّه من الله. وكذلك النعم الدنيوية هي في حقهما على السواء. والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربَّما زادوا في المناظرة نوعًا من الباطل، وإن كانوا في الأكثر على الحق، فكثيرًا (٣) ما يردُّ مناظرُ المبتدعِ باطلًا عظيمًا بباطلٍ دونَه، ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك، ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة، وأن لا يُردَّ باطلٌ بباطلٍ دونَه، فقال كثير من هؤلاء: ليس لله على الكافر نعمة دنيوية، كما ليس له عليه نعمة دينية محضة، إذ اللذةُ المتعقبةُ ألمًا أعظمَ منها ليست بنعمة، كالطعام المسموم، وكمن أعطى غيرَه أموالًا ليطمئنَّ ثم يقتله أو يُعذِّبه. قالوا: والكافر كانت هذه النعم سببًا لعذابه وعقابه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ

стр. 2970

حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤ - ٤٥]. وخالفهم آخرون من أهل الإثبات والقدر أيضًا، وقالوا: بل لله على الكافر نعمٌ دنيوية. والقولان في عامة أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. قال هؤلاء: والقرآن قد دلَّ على امتنانه على الكفار بنعمِه، ومطالبتِه إياهم بشكرها، فكيف يقال: ليستْ نِعَمًا؟ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إلى قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وكيف يكون كفورًا من لم يُنْعَم عليه؟! قالوا: ولازمُ قولِ هؤلاء أن الكفار لم يجب عليهم شكر اللهِ؛ إذ لم يكن قد أنعم عليهم عندهم. وهذا القول يُعلَم فسادُه بالاضطرار من دين

стр. 2971

الإسلام، فإن الله قد ذمَّ الإنسانَ بكونِه كَفَّارًا غيرَ شَكورٍ، إذ يقول: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، وقال: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩ - ١٠]، وقد قال هود ﵇ لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال صالح لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤]. وقال في الآية الأخرى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٣٤]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾

стр. 2972

[النحل: ٨٠ - ٨٣]. قال الأولون: وقد قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]، والكفار لم يدخلوا في هذا العموم، فعُلِمَ أنهم خارجون من النعمة. وقد قال في خطابه للمؤمنين: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ في آيات كثيرة، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: ٧]. وقال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعمٌ ولذة وسرور، ولم تُسمَّ في حقّهم نعمةً على الخصوص، وإنما تُسمَّى نعمةً باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم، لأن المؤمن سعِدَ بها في الدنيا والآخرة، والكافر تنعَّمَ بها في الدنيا. وذلك أن كفر الكافر نعمةٌ في حق المؤمنين، فإنه لولا وجود الكفر والفسوق والعصيان، ولولا وجود شياطين الإنس والجن، لم يحصل للمؤمنين من بُغض هذه الأمور ومعاداتها ومجاهدةِ أهلها ومخالفةِ الهوى فيها، ما ينالون به عَلِيَّ الدرجات وعظيمَ الثواب. والإنسانُ فيه قوة الحبّ وقوة البغض، وسعادتُه في أن يُحِبَّ ما يحبُّه الله ويُبغِض ما يُبغِضه الله، فإن لم يكن في العالم ما يُبغِضه ويجاهد أصحابَه لم يَتمَّ إيمانُه وجهادُه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا

стр. 2973

بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. قالوا: ولو كانت هذه اللذاتُ نِعمًا مطلقًا لكانت نعمةُ الله على أعدائه في الدنيا أعظمَ من نعمته على أوليائِه، ونعمة الله التي بدَّلوها كفرًا هي إنزالُ الكتاب وإرسالُ الرسول، حيث كفروا بها وجَحدوا أنها حق، كما قال علي ﵁: هما الأفجرانِ من قريش (١). وكذلك قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، هم الذين كفروا بما أنزله الله من الكتاب وبالرسل، وتلك نعمة الله العظيمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وحقيقة الأمر أن هذه الأمور فيها من النعم باللذة والسرور في الدنيا ما لا نزاع فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥]، وقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا

стр. 2974

وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وقال: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]، وقال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]، وقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وهذا أمر محسوس، لكن الكلام في أمرين: أحدهما: هل هي نعمةٌ أم لا؟ والثاني: أن جنسَ تَنعُّمِ المؤمنِ في الدنيا بالإيمان وما يَتْبَعه هل هو مثل تَنَعُّم الكافر أو دونَه أو فوقَه؟ وهذه المسألة المتقدمة. فأما الأول فيقال: اللذات في أنفسها ليستْ نفسَ فعلِ العبد، بل قد تَحدُثُ عن فعلِه مع سبب آخر، كسائر المتولّدات التي يخلقها الله تعالى بأسباب، منها فعلُ العبد. لكن هذه اللذات تارةً تكون بمعصيةٍ مِنْ تركِ مأمورٍ أو فعلِ محظورٍ، كاللذة الحاصلة بالزنا وتوابِعه، وبظلمِ الناس، وبالشرك، والقولِ على الله بغير علم. فهنا المعصيةُ هي سبب العذاب الزائد على لذة العقل، لكن ألم العذاب قد يتقدم ويتأخر، وهي تُشبِه أكلَ الطعام الطيب، الذي فيه من السُّموم ما يُمرِض أو يَقتُل. ثم ذلك العذاب يمكن دفعُه بالتوبة وفعلِ حسناتٍ أُخَر. لكن يقال: تلك اللذة الحاصلة بالمعصية لا يكون مقاوِمًا لها ما في التوبة عنها والأعمال الصالحة من المشقة والألم، ولهذا قيل: تركُ

стр. 2975

الذنب أيسرُ من التماسِ التوبة (١)، وقيل: رُبَّ شهوةِ ساعةٍ أورثَتْ حُزْنًا طويلًا. ولكن فعل التوبة والحسنات الماحية قد تُوجِب من الثواب أعظمَ من ثوابِ ترك الذنب أولًا، فيكون ألمُ التائب أشدَّ من ألم التارك إذا استويا من جميع الوجوه، وثوابُه أكثر. وكذلك ما يُكفِّر الله به الخطايا من المصائب مرارتُه تزيد على حلاوة المعاصي. وتارةً تكون اللذات بغير معصية من العبد، لكن عليه أن يطيع اللهَ فيها فيعصيه فيها بتركِ مأمورِه وفعل محظورِه فيما يُؤتاه العبدُ من المالِ والسلطان، ومن المآكل والمناكح التي ليست بمحرمة. والله سبحانه أمر مع أكل الطيبات بالشكر، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وفي صحيح مسلم (٢) عن النبي ﷺ : قال: «إنّ الله لَيَرضى عن العبد أن يأكلَ الأكْلةَ فيحمده عليها، ويَشربَ الشَّربةَ فيحمدَه عليها». وفي الأثر: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر». رواه ابن ماجه (٣) عن النبي ﷺ . وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ

стр. 2976

النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] لما أضافَ النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ أبو الهيثم ابنُ التيِّهان، وجلسوا في الظلِّ، وأطعمهم الفاكهة واللحمَ، وسقاهم الماءَ البارد، قال: «هذا من النعيم الذي تُسألون عنه» (١). والسؤال عنه لطلب شكرِه، لا إثم فيه، فالله تعالى يطلب من عباده شكرَ نِعَمِه، وعليه أن لا يستعين بطاعته على معصيته، فإذا تركَ ما وجبَ عليه في نعمته من حقٍّ، واستعان بها على محرَّمٍ كان فعلُه بها وتركُه لما فيها سببًا للعذاب أيضًا. فالعذاب استحقَّه بترك المأمور وفعلِ المحظور، لا على النعمة التي هي من فعل الله تعالى، وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره، بعلمه ومشيئته وقدرته وخلقه. فإن حقيقة الأمر أنه نعَّمَ العبدَ تنعيمًا، وكان ذلك التنعيم سببًا لتعذيبه أيضًا، فقد اجتمع في حقه تنعيمٌ وتعذيب، ولكن التعذيب إنما كان بسبب معصيته، حيث لم يُؤدِّ حقَّ النعمة، ولم يتَّقِ الله فيها. وعلى هذا فهذه التنعيمات هي نعمة من وجهٍ دونَ وجهٍ، فليست من النعم المطلقة، ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقِها ومقيَّدِها، فباعتبار ما فيها من التنعيم يَصلُح أن يُطلَب حقُّها من الشكر وغيره، ويُنهَى عن استعمالها في المعصية، فتكون نعمةً في باب الأمر والنهي والوعد والوعيد، وباعتبار أن صاحبها يترك فيها المأمورَ ويفعل بها

стр. 2977

المحظورَ الذي يُربي عذابُه على نعيمها، كانت وبالًا عليه، وكاد أن لا يكون ذلك في حقّه خيرًا له من أن يكون، فليستْ نعمةً في حقِّه في باب القضاء والقدر والخلق والمشيئة العامة، وإن كان ذلك يكون نعمةً في حق عموم الخلق والمؤمنين. وعلى هذا يظهر ما تقدم من خبر الله بأن ذلك استدراج ومكرٌ وإملاءٌ. وهذا الذي ذكرناه من ثبوتِ الإنعام بها من وجهٍ وسلبِه من وجهٍ آخر مثل ما ذكره الله في قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، فأخبر أنه أكرمه وأنكر قول المبتلَى «أكرمني»، واللفظ الذي أخبر الله به مثل اللفظ الذي أنكره الله من كلام المبتلَى، لكن المعنى مختلف، فإن المبتلَى اعتقدَ أن هذا كرامة مطلقة، وهي النعمة التي يقصد بها المنعِمُ إكرامَ المنعَم عليه، والإنعامُ بنعمةٍ لا يكون سببًا لعذابٍ أعظم منها. وليس الأمر كذلك، بل الله تعالى ابتلَى بها ابتلاءً ليتبيَّن هل يطيعه فيها أم يعصيه، مع علمه بما سيكون من الأمرين، ولكن العلم بما سيكون شيء، وكون الشيء والعلم به شيء. وأما قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ فإنه تكريم بما فيه من اللذات، ولهذا قرنَه بقوله: ﴿وَنَعَّمَهُ﴾. ولهذا كانت خوارق العادات التي تسميها العامة كرامةً ليست عند أهل التحقيق كرامةً مطلقة، بل في الحقيقة الكرامةُ هي لزوم الاستقامة،

стр. 2978

وهي طاعة الله، وإنما هي مما يبتلي الله بها عبدَه، فإن أطاعه بها رفعَه، وإن عصاه بها خفضَه، وإن كانت من آثار طاعةٍ أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٦ - ١٧]. وإذا كان في النعمة والكرامة هذان الوجهان (١) فهي في باب الأمر والشرع نعمةٌ يجب الشكر عليها، وفي باب الحقيقة القدرية لم يكن لهذا الفاجر بها إلا فتنة ومحنة استوجبَ بمعصية الله فيها العذاب، وهي في ظاهر الأمر قبلَ أن تُعرَف حقيقةُ الباطن ابتلاءٌ وامتحانٌ، يمكن أن تكون من أسباب سعادته، ويمكن أن تكون من أسباب شقاوته. وظهر بهذا جانبُ الابتلاء بالمرّ، فإن الله يبتلي بالحلو والمرّ، كما قال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، فمن ابتلاه الله بالمرّ بالبأساء والضرَّاء والبأس وقَدَر عليه رزقَه، فليس ذلك إهانةً له، بل هو ابتلاء، فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدًا، وإن عصاه في ذلك كان شقيًّا، كما كان مثلُ ذلك سببًا للسعادة في حقّ الأنبياء والمؤمنين، وكان شقاءً وسببًا للشقاء في حقّ الكفار والفجّار، قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:

стр. 2979

١٧٧]. وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. وكما أن الحسنات وهي المسارّ الظاهرة التي يُبتلَى بها العبدُ تكون عن طاعاتٍ فعلَها العبدُ، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]، وقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨]. ثم تلك المسارّ التي هي ثواب طاعته إذا عصى الله فيها كانت سببًا لعذابه، فالمكاره التي هي عقوبة معصيته إذا أطاع الله فيها كانت سببًا لسعادته.

стр. 2980

فتدبَّرْ هذا لتعلمَ أن الأعمال بخواتيمها ، وأن ما ظاهره نعمةٌ وهو لذة عاجلة قد يكون سببًا للعذاب، وما ظاهره عذاب وهو ألمٌ عاجل قد يكون سببًا للنعيم، وما هو طاعة فيما يرى الناس قد يكون سببًا لهلاك العبد برجوعِه عن الطاعة إذا ابتُلي في ثمرة الطاعة، وما هو معصية فيما يرى الناس قد يكون سببًا لسعادته بتوبة العبد منه وتصبُّرِه على المصيبة التي هي عقوبة ذلك الذنب. فالأمر والنهي يتعلق بالشيء الحاصل، فيُؤمر العبد بالطاعة مطلقًا، ويُنهى عن المعصية مطلقًا، ويؤمر بالشكر على كل ما يتنعمَّ به. وأما القضاء والقدر ــ وهو عِلمُ الله وكتابُه وما طابقَ ذلك من مشيئته وخلقِه ــ فهو باعتبار الحقيقة الآجلة، فالأعمال بخواتيمها. والمنعَم عليهم في الحقيقة هم الذين يموتون على الإيمان. وقد يكثر تنازعُ الناس في هذا الباب، فالمثبتةُ للقضاء والقدر من متكلمة أهل الإثبات وغيرِهم يُلاحِظونَ القدرَ من عِلم الله وكتابه ومشيئته وخلقِه، وقد يُعرِضون عمّا جاء به الأمر والنهي والوعد والوعيد، وعن الحكمة العامة وما في تفصيل ذلك من الحِكَم الخاصة. وأما من لم يلاحظ إلا الأمر والنهي والوعد والوعيد فقط من القدرية ومن ضاهاهم في حاله، فقد كفر بما وجبَ عليه الإيمان به من خلقِ اللهِ وكتابته ومشيئتِه، وتدبيره لعباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحسنى بتدبيرٍ خاص، ومن قضائه على الكفار بما هو سبحانه فيه عَدْلٌ، كما في
следующие страницы →