← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] لما أضافَ النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ أبو الهيثم ابنُ التيِّهان، وجلسوا في الظلِّ، وأطعمهم الفاكهة واللحمَ، وسقاهم الماءَ البارد، قال: «هذا من النعيم الذي تُسألون عنه» (١). والسؤال عنه لطلب شكرِه، لا إثم فيه، فالله تعالى يطلب من عباده شكرَ نِعَمِه، وعليه أن لا يستعين بطاعته على معصيته، فإذا تركَ ما وجبَ عليه في نعمته من حقٍّ، واستعان بها على محرَّمٍ كان فعلُه بها وتركُه لما فيها سببًا للعذاب أيضًا. فالعذاب استحقَّه بترك المأمور وفعلِ المحظور، لا على النعمة التي هي من فعل الله تعالى، وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره، بعلمه ومشيئته وقدرته وخلقه. فإن حقيقة الأمر أنه نعَّمَ العبدَ تنعيمًا، وكان ذلك التنعيم سببًا لتعذيبه أيضًا، فقد اجتمع في حقه تنعيمٌ وتعذيب، ولكن التعذيب إنما كان بسبب معصيته، حيث لم يُؤدِّ حقَّ النعمة، ولم يتَّقِ الله فيها. وعلى هذا فهذه التنعيمات هي نعمة من وجهٍ دونَ وجهٍ، فليست من النعم المطلقة، ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقِها ومقيَّدِها، فباعتبار ما فيها من التنعيم يَصلُح أن يُطلَب حقُّها من الشكر وغيره، ويُنهَى عن استعمالها في المعصية، فتكون نعمةً في باب الأمر والنهي والوعد والوعيد، وباعتبار أن صاحبها يترك فيها المأمورَ ويفعل بها

стр. 2977

المحظورَ الذي يُربي عذابُه على نعيمها، كانت وبالًا عليه، وكاد أن لا يكون ذلك في حقّه خيرًا له من أن يكون، فليستْ نعمةً في حقِّه في باب القضاء والقدر والخلق والمشيئة العامة، وإن كان ذلك يكون نعمةً في حق عموم الخلق والمؤمنين. وعلى هذا يظهر ما تقدم من خبر الله بأن ذلك استدراج ومكرٌ وإملاءٌ. وهذا الذي ذكرناه من ثبوتِ الإنعام بها من وجهٍ وسلبِه من وجهٍ آخر مثل ما ذكره الله في قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، فأخبر أنه أكرمه وأنكر قول المبتلَى «أكرمني»، واللفظ الذي أخبر الله به مثل اللفظ الذي أنكره الله من كلام المبتلَى، لكن المعنى مختلف، فإن المبتلَى اعتقدَ أن هذا كرامة مطلقة، وهي النعمة التي يقصد بها المنعِمُ إكرامَ المنعَم عليه، والإنعامُ بنعمةٍ لا يكون سببًا لعذابٍ أعظم منها. وليس الأمر كذلك، بل الله تعالى ابتلَى بها ابتلاءً ليتبيَّن هل يطيعه فيها أم يعصيه، مع علمه بما سيكون من الأمرين، ولكن العلم بما سيكون شيء، وكون الشيء والعلم به شيء. وأما قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ فإنه تكريم بما فيه من اللذات، ولهذا قرنَه بقوله: ﴿وَنَعَّمَهُ﴾. ولهذا كانت خوارق العادات التي تسميها العامة كرامةً ليست عند أهل التحقيق كرامةً مطلقة، بل في الحقيقة الكرامةُ هي لزوم الاستقامة،

стр. 2978

وهي طاعة الله، وإنما هي مما يبتلي الله بها عبدَه، فإن أطاعه بها رفعَه، وإن عصاه بها خفضَه، وإن كانت من آثار طاعةٍ أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٦ - ١٧]. وإذا كان في النعمة والكرامة هذان الوجهان (١) فهي في باب الأمر والشرع نعمةٌ يجب الشكر عليها، وفي باب الحقيقة القدرية لم يكن لهذا الفاجر بها إلا فتنة ومحنة استوجبَ بمعصية الله فيها العذاب، وهي في ظاهر الأمر قبلَ أن تُعرَف حقيقةُ الباطن ابتلاءٌ وامتحانٌ، يمكن أن تكون من أسباب سعادته، ويمكن أن تكون من أسباب شقاوته. وظهر بهذا جانبُ الابتلاء بالمرّ، فإن الله يبتلي بالحلو والمرّ، كما قال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، فمن ابتلاه الله بالمرّ بالبأساء والضرَّاء والبأس وقَدَر عليه رزقَه، فليس ذلك إهانةً له، بل هو ابتلاء، فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدًا، وإن عصاه في ذلك كان شقيًّا، كما كان مثلُ ذلك سببًا للسعادة في حقّ الأنبياء والمؤمنين، وكان شقاءً وسببًا للشقاء في حقّ الكفار والفجّار، قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:

стр. 2979

١٧٧]. وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. وكما أن الحسنات وهي المسارّ الظاهرة التي يُبتلَى بها العبدُ تكون عن طاعاتٍ فعلَها العبدُ، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]، وقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨]. ثم تلك المسارّ التي هي ثواب طاعته إذا عصى الله فيها كانت سببًا لعذابه، فالمكاره التي هي عقوبة معصيته إذا أطاع الله فيها كانت سببًا لسعادته.

стр. 2980

فتدبَّرْ هذا لتعلمَ أن الأعمال بخواتيمها ، وأن ما ظاهره نعمةٌ وهو لذة عاجلة قد يكون سببًا للعذاب، وما ظاهره عذاب وهو ألمٌ عاجل قد يكون سببًا للنعيم، وما هو طاعة فيما يرى الناس قد يكون سببًا لهلاك العبد برجوعِه عن الطاعة إذا ابتُلي في ثمرة الطاعة، وما هو معصية فيما يرى الناس قد يكون سببًا لسعادته بتوبة العبد منه وتصبُّرِه على المصيبة التي هي عقوبة ذلك الذنب. فالأمر والنهي يتعلق بالشيء الحاصل، فيُؤمر العبد بالطاعة مطلقًا، ويُنهى عن المعصية مطلقًا، ويؤمر بالشكر على كل ما يتنعمَّ به. وأما القضاء والقدر ــ وهو عِلمُ الله وكتابُه وما طابقَ ذلك من مشيئته وخلقِه ــ فهو باعتبار الحقيقة الآجلة، فالأعمال بخواتيمها. والمنعَم عليهم في الحقيقة هم الذين يموتون على الإيمان. وقد يكثر تنازعُ الناس في هذا الباب، فالمثبتةُ للقضاء والقدر من متكلمة أهل الإثبات وغيرِهم يُلاحِظونَ القدرَ من عِلم الله وكتابه ومشيئته وخلقِه، وقد يُعرِضون عمّا جاء به الأمر والنهي والوعد والوعيد، وعن الحكمة العامة وما في تفصيل ذلك من الحِكَم الخاصة. وأما من لم يلاحظ إلا الأمر والنهي والوعد والوعيد فقط من القدرية ومن ضاهاهم في حاله، فقد كفر بما وجبَ عليه الإيمان به من خلقِ اللهِ وكتابته ومشيئتِه، وتدبيره لعباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحسنى بتدبيرٍ خاص، ومن قضائه على الكفار بما هو سبحانه فيه عَدْلٌ، كما في

стр. 2981

الحديث المرفوع: «ماضٍ فيَّ حكمُك، عَدْلٌ فيَّ قضاؤك» (١)، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وإذا عُرِف أن كل واحد من الابتلاء بالسرَّاء والضرَّاء قد يكون في باطن الأمرِ مصلحةً للعبد أو مفسدةً له، وأنه إن أطاع (٢) الله فذلك كان مصلحةً له، وإن عصاه كان مفسدةً له= تبيَّن أن الناس أربعة أقسام: منهم من يكون صلاحُه على السَّراء، ومنهم من يكون صلاحُه على الضرَّاء، ومنه من يصلح على هذا وهذا، ومنهم من لا يصلح على أحدٍ منها. والإنسان الواحد قد يجتمع له هذه الأحوال الأربعة في أوقاتٍ أو وقتٍ واحدٍ، باعتبار أنواع يُبتلَى بها. وقد جاء في الحديث المرفوع: «إن من عبادي من لا يُصلِحُ إيمانَه إلا الغِنى، ولو أفقرتُه لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلِحُ إيمانَه إلا الفقر، ولو أغنيتُه لأفسدَه ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلِح إيمانَه إلا الصحةُ، ولو أسقمتُه لأفسدَه ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلِح إيمانَه إلا السقم، ولو أصححتُه لأفسدَه ذلك، إني أدبِّر عبادي، إني بهم خبير

стр. 2982

بصير» (١). فكما أن التنعُّم العاجل ليس بنعمةٍ في الحقيقة ، بل قد يكون في الحقيقة بلاءً وشرًّا باعتبار المعصية فيه، والطاعةُ المتقدمة قد تكون حابطةً وسببًا للشرِّ باعتبار ما يتعقبها من ردَّةٍ وفتنة، فكذلك التألُّم العاجل قد يكون في الحقيقة خيرًا ونعمةً، والمعصية المتقدمة قد تكون سببًا للخير باعتبار التوبة والصبر على ما يعقبه من محنة، لكن تبدل الطاعة والمعصية. وهذا يقتضي أن العبد محتاجٌ في كل وقتٍ إلى الاستعانة بالله على طاعته وتثبيتِ قلبه، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، وذلك أن الإنسان هو كما وصفه الله بقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩ - ١٠]، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١]، فأخبر أنه عند الضراء بعد السرَّاء ييأس من زوالها في المستقبل، ويكفر بما أنعمَ الله به عليه قبلها، وعند النعماء بعد الضرَّاء يأمنُ عودَ المكروه في المستقبل، وينسى ما كان فيه بقوله:

стр. 2983

﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] على غيره، يفخر عليهم بنعمة الله. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، فأخبر أنه جَزُوع عند الشرِّ لا يصبر عليه، مَنوعٌ عند الخير يبخل به. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، والكنود: الجَحُود الذي يُعدِّد المصائب وينسى النِّعَم. وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقال: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. وقد وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس ، والصابرون في النعماء أيضًا، بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١]. والصبر على السرَّاء قد يكون أشد، ولهذا قال من قال من الصحابة ﵃: ابتُلِينا بالضرَّاء فصَبرنا، وابتُلينا بالسرَّاء فلم نصبر (١). وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من شرِّ فتنة الغنى، ومن شرِّ

стр. 2984

فتنة الفقر (١)، وقال لأصحابه: «واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنافسوها كما تَنافسوها، فتُهلككم كما أهلكتهم» (٢). وفي رواية: «فتُلْهِيَكم» (٣). ف من لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادرٌ وإمّا عاجز ، فإن كان قادرًا أظهرَ ما في نفسه بحسب قدرتهِ من الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله، تكون الدنيا جنتَه بالنسبة إلى ذلك، وذلك أن الكافر صاحب الإرادة الفاسدة إما قادر وإما عاجز، فإن كان قادرًا تعارضتْ إراداتُه حتى لا يمكنه الجمعُ بينها وبينها، ومَلَّ حتى يَقِلَّ التذاذُه بها أو يُعدَم، ولا يمكنه تركُها. ولهذا تجد الملوك من الظالمين أعظمَ الناسِ ضَجَرًا ومللًا وطلبًا لما يُروِّحون به أنفسَهم من مسموعٍ ومنظورٍ ومشمومٍ ومأكولٍ ومشروبٍ، ومع هذا فلا تطمئنُّ قلوبُهم بشيء من ذلك. هذا فيما ينالون به اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أ عظم الناسِ خوفًا، ولا عيشةَ لخائفٍ. وأما العاجز منهم فهو في عذابٍ عظيم، لا يزال في أسفٍ على ما نابَه وعلى ما أصابه. وأما المؤمن فهو مع قدرتِه له من الإرادة الصالحة والعلوم النافعة

стр. 2985

ما يُوجِب طمأنينةَ قلبه وانشراحَ صدره، بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفُه. وهو مع عجزه أيضًا له من أنواع الإرادات الصالحة والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفُه، وكلُّ هذا محسوسٌ مجرَّبٌ. وإنما يقع غلطُ أكثر الناسِ لأنه قد أحسَّ بظاهرٍ من لذات أهل الفجور وذاقَها، ولم يذق لذاتِ أهل البرّ (١) ولم يُحِسَّها، ولكن أكثر الناس جُهَّالٌ لا يسمعون ولا يعقلون. وهذا الجهل لعدم شهود حقيقة الإيمان ووجودِ حلاوته وذوقِ طعمِه انضمَّ إليه أيضًا جَهْلُ كثير من المتكلمين في العلم بحقيقة ما في أمر الله من المصلحة والمنفعة، وما في خلقه أيضًا لعبده المؤمن من المنفعة والمصلحة، فاجتمع الجهلُ بما أخبر الله به من خلقِه وأمرِه، وبما أشهدَه الله عبادَه من موجودِه، فكان هذا الجهلُ مع ما في النفوس من الظلم مانعًا للنفوس عن عظيم نعمة الله وكرامته ورضوانِه، مُوقِعًا لها في بأسِه وعذابه وسخطه. وذلك أن الناس لما خاضوا في مسألة القدر، ولِمَ يخلُق الله ولِمَ يأمُر؟ ونحوِ ذلك، بغير هدًى من الله الذي أنزله إليهم، فرَّقوا دينَهم وكانوا شِيَعًا: فزعم فريقٌ منهم أنه لا يخلق أحدًا من الأشخاص إلا لأجل مصلحة المخلوق، ولا يأمره إلا لأن أمره مصلحةٌ له أيضًا، وإنما العبدُ

стр. 2986

هو صَرَفَ عن نفسه مصلحة نفسِه، وفعلَ مفسدة نفسِه، بغير قدرة الربّ وبغير مشيئته. وهم إنما قصدوا بها تنزيهَ الربّ (١) عن الظلم والعبث، ووصفَه بالحكمة والعدل والإحسان، لكن سلبوه علمَه وقدرتَه وكتابَه وخلقَه ونفوذَ مشيئته وعمومَها، فقال قوم منهم: إنه لم يعلم فلم يكتب ما يكون من العباد حتى فعلوه. وقال آخرون: بل علمَ ذلك، وعلم أنهم لا يطيعونه ولا يفعلون إلا ما يضرُّهم، ومع هذا فقصد تعريفَهم بالخلق والأمر للمنفعة الخالصة الدائمة. فقال لهم الناس: مَن عَلِمَ أن مقصوده من الخير لا يكون، وقد سعى في حصوله بمنتهى قدرته، كان من أجهلِ الفاعلين وأسفههم، فنزّهوه عن قليلٍ من السفه بالتزام ما هو أكبر منه، وزعموا أنه لا يقدر إلا على ما فعلَ بهم، فسَلَبوه قدرتَه. فردَّ على هؤلاء طائفةٌ من أهل الإثبات، فأثبتوا عمومَ قدرتِه وعمومَ مشيئتِه وخلقِه وعلمِه القديم، وكل هذا خيرٌ موافق للكتاب والسنة، وهذا من تمام الإيمان بالقدر، بعلم الله القديم ومشيئتِه وخلقِه لكل شيء وقدرتِه. لكن ضمُّوا إلى ذلك أشياءَ ليست من السنة، فإنه من السنة أنه يفعل ما يشاء ويحكمُ ما يريد، وأنه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأنه يأمر العباد بطاعته، ومع هذا فهو يَهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، كما قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].

стр. 2987

فزعموا مع ذلك أنه يخلق الخلقَ لا لحكمةٍ في خلقهم، ولا لرحمةٍ لهم، بل قد يكون خلقهم ليَضُرَّهم كلَّهم. وهذا عندهم حكمةٌ، فلم يُنزِّهوه عمّا نَزَّه نفسَه عنه من الظلم، حيث أخبرَ أنه إنما يجزي الناسَ بأعمالهم، وأنه ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وأنه ﴿مَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. بل زعموا أن كل مقدورٍ عليه فليس بظلم، مثل تعذيب الأنبياء والرسل وتكريم الكفار والمنافقين، وغير ذلك مما نزَّه الله نفسَه عنه، فلم يكن الظلم الذي نزَّه الله عنه نفسَه حقيقة عند هؤلاء، إذ كلُّ ما يمكن ويقدر عليه فليس بظلم. فقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] عندهم بمنزلة قوله: لا يريد ما لا يكون ممكنًا مقدورًا عليه، وهو عندهم لا يَقدِر على الظلم حتى يكون تاركًا له. وزعموا أنه قد يأمر العبادَ بما لا يكون مصلحةً لهم ولا لواحدٍ منهم، لا يكون الأمر مصلحةً، ولا يكون فعلُ المأمور به مصلحةً، بل قد يأمرهم بما إن فعلوه كان مضرَّةً لهم، وإن لم يفعلوه عاقبَهم، فيكون العبدُ فيما يأمره به بين ضررين: ضررٌ إن أطاع، وضررٌ إن عصى، ومن كان كذلك كان أمرُ العباد مضرَّةً لهم لا مصلحةً لهم. وقالوا: يأمر بما يشاء، وأنكروا أن يكون في الأحكام الشرعية من العلل المناسبة للأحكام، من جَلْبِ المنافع ودَفْعِ المضارّ ما هي الشريعة ممتلئةٌ به، حتى كان منهم مَنَ دفعَ عِللَ الأحكام بالكلية، ومنهم من قال:

стр. 2988

العلل مجرد علاماتٍ ودلالاتٍ على الحُكْم، لا أنها أمورٌ تناسبُ الحُكْمَ وتُلائمه. وهم يُجوِّزون مع هذا أن لا يكون للعبد ثوابٌ ومنفعةٌ في فعلِ المأمور به، لكن لما جاءت الشريعة بالوعد قالوا: هو موعود بالثواب الذي وُعِد به، وربما قالوا: إنه في الآخرة فقط، وأما الفعل المأمور به فقد لا يكون مصلحةً للعباد ولا منفعةً لهم بحالٍ، فلا يكون فيه تنعُّمٌ لهم ولا لذةٌ بحالٍ، بل قد تكون مضرَّةً لهم ومفسدةً في حقِّهم، ليس فيه إلا ما يُؤلمهم. ومعلومٌ أنه إذا اعتقد المرءُ أن طاعةَ الله ورسوله فيما أمر به قد لا تكون مصلحةً له ولا منفعةً، ولا فيها نعيم ولذة ولا راحة، بل تكون مفسدةً له ومضرَّةً عليه، ليس فيها إلا ألمه وعذابُه= كان هذا من أعظم الصوارفِ له عن فعلِ ما أ مرَ الله به ورسولُه. ثم إن كان ضعيفَ الإيمان بالوعد والوعيد تركَ الدينَ كلَّه، وإن كان مؤمنًا بالوعيد صارتْ دواعيه متردّدةً بين هذا العذاب وذلك العذاب، وإن كان مؤمنًا بوعد الآخرة فقط لم يَرْجُ أن يكون له في الدنيا مصلحةٌ ولا منفعةٌ، بل لا تكون المصلحة والمنفعة في الدنيا إلا لمن كفرَ وفسقَ وعصَى. وهذا أيضًا وإن كان هو غايةَ حالِ هؤلاء فهو مما يَصرِف النفوسَ عن طاعةِ الله ورسولِه، ويبقى العبدُ المؤمن متردد الدَّواعي بين هذا وهذا، وهو لا يخلو من أمرين:

стр. 2989

إمَّا أن يُرجِّح جانبَ الطاعة التي يستشعر أنه ليس فيها طولَ عمره له مصلحةٌ ولا منفعةٌ ولا لذةٌ، بل عذابٌ وألمٌ ومفسدةٌ ومضرةٌ. وهذا لا يكاد يصبر عليه أحد. وإما أن يُرجِّح جانبَ المعصية تارةً أو تاراتٍ أو غالبًا، ثم إن أَحْسنَ أحوالِهِ مع ذلك أن ينوي التوبةَ قُبيلَ موتِه. ولا ريبَ أنه إن كان ما قاله هؤلاء حقًّا فصاحبُ هذه الحال أكيسُ وأعقلُ ممن مَحَضَ طاعةَ الله طولَ عمرِه، إذ هذا سَلِمَ من عذاب ذلك المطيع في الدنيا. ثم إنه بالتوبة أُحبِطَ عنه العذاب، وبدَّلَ الله سيئاتِه بالحسنات، فصارت جميعُ سيئاتِه حسناتٍ. فكان ثوابُه في الآخرة قد يكون أعظمَ من ثوابِ ذلك المطيع الذي مَحَضَ الطاعة. ولو كان ثوابه دون ذلك لم يكن التفاضل بينهم إلا كتفاضُلِ أهل الدرجات في الجنة. وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب والشقاء والبلاءِ طولَ العمر، إذ هو أمرٌ لا يَصبر عليه أحدٌ، فإن مصابرة العذاب ستين أو سبعين سنةً بلا مصلحةٍ ولا منفعةٍ ولا لذةٍ أمرٌ ليس هو في جبلَّةِ الأحياء، إذا جوَّزوا أن لا يكون في شيء من طاعة الله له مصلحةٌ ولا منفعةٌ طولَ عمرِه. وهؤلاء يجعلون العبادَ مع الله بمنزلة الأُجَراءِ مع المستأجرين، كأنَّ الله استأجرهم طولَ مُقامِهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به، ولا فيه لربهم منفعةٌ ليعوِّضهم عن ذلك بعد الموت بأجرتهم، وفي هذا من التشبيه لله بالعاجز الجاهل السفيه ما يجب تنزيهُ اللهِ عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

стр. 2990

والحق الذي يجب اعتقادُه أن الله سبحانه إنما أرسلَ رسولَه رحمةً للعالمين، وأن إرسالَ الرسل وإنزالَ الكتب رحمةٌ عامَّةٌ للخلق [أعمُّ] من إنزال المطر وإطلاع الشمس، وإن حصل بهذه (١) الرحمة تضرُّرُ بعض النفوس. ثم إنه كما قال قتادة وغيره من السلف: لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجتِه إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا به، بل أمرهم بما فيه صلاحُهم، ونهاهم عما فيه فسادُهم. وفي الحديث الصحيح (٢) حديثِ أبي ذر عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمتُه، فاستطعموني أُطعِمكم، يا عبادي! كلكم ضالّ إلا من هديتُه، فاستهدوني أَهْدِكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسَكم وجنّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسان منهم مسألتَه ما نقصَ ذلك من ملكي إلا كما ينقصُ البحر إذا غُمِسَ فيه المِخْيَطُ غمسةً واحدةً، يا عبادي! إنما

стр. 2991

هي أعمالكم أُحصِيها لكم، ثمّ أُوفّيْكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلُومَنَّ إلا نفسَه». وقد قال تعالى في وصف النبي الأمي: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال تعالى لما ذكر الوضوء: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. فأخبر أنه لا يريد أن يجعل علينا من حرج فيما أمرنا به، وهذا نكرةٌ مؤكَّدةٌ بحرف «من»، فهي تَنفِي كلَّ حرج، وأخبر أنه إنما يريد تطهيرَنا وإتمامَ نعمتِه علينا. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. فقد أخبر أنه ما جعل علينا في الدنيا من حرج نفيًا عامًّا مؤكَّدًا. فمن اعتقد أن فيما أمر الله به مثقال ذرَّةٍ من حرجٍ فقد كذَّب الله ورسوله، فكيف بمن اعتقد أن المأمور به قد يكون فسادًا وضررًا لا منفعةَ فيه ولا مصلحةَ لنا. ولهذا لما لم يكن فيما أمر الله به ورسوله حرجٌ علينا لم يكن الحرج في ذلك إلا من النفاق، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا

стр. 2992

فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقال فيما أمر به من الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فإذا كان لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا، فكيف يريد ما يكون ضررًا وفسادًا لنا بما أمرنا به إذا أطعناه فيه؟ ثم إنه قد أخبر أن الإيمان والطاعة خيرٌ من الكفر والمعصية للعبد في الدنيا والآخرة، وإن كان لجهله يظنُّ أن ذلك خير له في الدنيا، كما يقوله هؤلاء الذين فيهم شعبة وَهَلٍ (١) ونفاقٍ، الذين يقولون: إن المأمور به قد لا يكون فيه للعبد مصلحةٌ ولا منفعةٌ طولَ عمرِه، بل يكون ذلك في المنهيّ عنه، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقال عن الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، الذين طلبوا ما في ذلك من نعيم الدنيا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فأخبر أنهم يعلمون أن هذه الأمور لا تنفع بعد الموت، بل لا يكون لصاحبها نصيبٌ في الآخرة، وإنما طلبوا بها منفعةَ الدنيا، وقد يسمّون ذلك العقل المعيشي، أي العقل الذي يعيش به الإنسان في الدنيا عيشة طيبة.

стр. 2993

فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]. أخبر أن أولياءه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣]، يُثيِبهم على ذلك ما هو خير لهم مما طلبوه في الدنيا لو كانوا يعلمون، فيحصل لهم في الدنيا من الخير الذي هو المنفعةُ ودفعُ المضرَّة ما هو أعظمُ مما يُحصِّلونه بذلك من خير الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦]، ثم قال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧ - ١٤٨]. وقال عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. وقد قال تعالى ما يبيِّن به أن فعلَ المكروه من المأمور به خيرٌ من تركه في الدنيا أيضًا، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. وهذا في سياق حال ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ

стр. 2994

أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]. وهؤلاء منافقون من أهل الكتاب والمشركين، وحالهم أيضًا شبيهٌ بحال الذين نبذوا ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٢]، فإن أولئك عَدَلوا عما في كتاب الله إلى اتباع الجبت والطاغوت: السحر والشيطان، وهذه حال الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت. وحالُ الذين يتحاكمون إلى الطاغوت من المُظْهِرين للإيمان بالله ورسُلِه، فيها من حالِ هؤلاء بقدر ذلك. والطاغوت: كل معظَّم ومتعظّم بغير طاعةِ الله ورسوله من إنسانٍ أو شيطانٍ أو شيء من الأوثان. وهذه حال كثير ممن يُشبِه اليهودَ من المتفقهة والمتكلمة وغيرِهم ممن فيه نوع نفاقٍ من هذه الأمة، الذين يؤمنون بما خالفَ كتابَ الله وسنةَ رسوله من أنواع الجبت والطاغوت، والذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير كتاب الله وسنةِ رسولِه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ

стр. 2995

بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦١ - ٦٢]. أي هؤلاء لم يقصدوا ما فعلوه من العدول عن طاعة الله ورسوله إلى اتباع ما اتبعوه من الطاغوت، إلا لِما ظنُّوه من جلب المنفعة لهم ودَفْعِ المضرَّة عنهم، مثل طلب علمٍ وتحقيقٍ كما يُوجَد في صنف المتكلمين، ومثل طلب أذواقٍ ومواجيدَ كما يُوجَد في صنف المتعبدين، ومثل طلب شهواتٍ ظاهرة وباطنةٍ كما يُوجَد في صنف الذين يريدون العلوَّ والذين يتبعون شهواتِ الغيِّ. قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. أي ضلُّوا عن مطلوبهم الذي هو جلب المنفعة ودفع المضرة، فإن ذلك إنما هو في طاعة الله ورسوله دون اتباع الطاغوت. فإذا عاقبهم الله بنقيض مقصودهم في الدنيا، فأصابتهم مصيبةٌ بما قدَّمت أيديهم قالوا: ما أردنا بما فعلنا إلا إحسانًا وتوفيقًا. أي أردنا الإحسانَ إلى نفوسنا لا ظُلْمَها، وتوفيقًا أي جمعًا بين هذا وهذا، لنجمعَ الحقائقَ والمصالحَ. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] من الاعتقادات الفاسدة والإرادات الفاسدة: الظنّ وما تهوى الأنفسُ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]. ثم قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق إلى التوبة، وهذا من

стр. 2996

رحمته بعباده، يأمرهم قبل المعصية بالطاعة وبعد المعصية بالاستغفار، وهو رحيم بهم في كلا الأمرين، وأمرُه لهم بالطاعة أولًا من رحمته، وأمرهم ثانيًا بالاستغفار من رحمته، فهو سبحانه رحيمٌ بالمؤمنين الذين أطاعوه أولًا، والذين استغفروه ثانيًا. فإذا كان رحيمًا بمَن يطيعه، والرحمةُ توجب إيصالَ ما ينفعهم إليهم ودفْعَ ما يضرُّهم عنهم، كيف يكون المأمور به مشتملًا على ضررِهم دون منفعتهم؟ وقوله: ﴿جَاءُوكَ﴾ المجيء إليه في حضوره معلومٌ كالدعاء إليه، وأما في مغيبه ومماتِه فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وهو الردُّ والمجيء إلى ما بُعِث به من الكتاب والحكمة. وكذلك المجيء إليه لمن ظلمَ نفسَه هو الرجوع إلى ما أمَره به، فإذا رجع إلى ما أمره به فإنّ الجائي إلى النبي ﷺ في حياته ممن ظلم نفسَه يجيء إليه داخلًا في طاعته راجعًا عن معصيته، كذلك في مغيبِه ومماتِه. واستغفارُ الله موجودٌ في كل مكان وزمان، وأما استغفار الرسول فإنه أيضًا يتناول الناسَ في مغيبِه وبعدَ مماتِه، فإنه أُمِر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وهو مطيعٌ لله فيما أمَره به. والتائب داخلٌ في الإيمان، إذ المعصيةُ تَنقُص الإيمانَ، والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها، فيكون له من استغفار النبي ﷺ بقدر ذلك. فأما مجيءُ الإنسانِ إلى عند قبرِه، وقولُه: استغفِرْ لي أو ادعُ لي، أو

стр. 2997

قولُه في مغيبه: يا رسولَ الله ادعُ لي أو استغفِرْ لي أو سَلْ لي ربَّك كذا وكذا، فهذا لا أصلَ له، ولم يأمر الله بذلك، ولا فَعَلَه أحدٌ من الصحابة ولا سَلَفِ هذه الأمة المعروفين في القرون الثلاثة، ولا كان ذلك معروفًا بينهم، ولو كان هذا مما يُستحبّ لكان السلف يفعلون ذلك، ولكان ذلك معروفًا عنهم بل مشهورًا بينهم ومنقولًا عنهم، فإن مثل هذا ــ إذا كان طريقًا إلى غفران السيئات وقضاء الحاجات ــ ممّا تتوفَّر الهِمَمُ والدواعي على فعلِه وعلى نقلِه، لا سيما فيمن كانوا أحرصَ الناس على الخير، فإذا لم يُعرَف أنهم (١) كانوا يفعلون ذلك ولا نقلَه أحدٌ عنهم عُلِمَ أنه لم (٢) يكن مما يُستحبّ ويُؤمَر به. بل المنقول الثابت عنهم ما أمرَ به النبي ﷺ من نهيِه عن اتخاذ قبرِه عيدًا (٣) ووثنًا (٤)، وعن اتخاذ القبور مساجدَ (٥). وأما ما ذكره بعضُ الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتى قبرَ النبي ﷺ وقال: يا خيرَ البرية! إن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٤]، وإني قد جئتُك. وأنه رأى النبيَّ ﷺ في

стр. 2998

المنام وأمرَه أن يُبشِّر الأعرابيَّ (١) = فهذه الحكاية ونحوها مما يُذكرَ في قبرِ النبي ﷺ وقبرِ غيرِه من الصالحين، فيقع مثلُها لمن في إيمانِه ضعفٌ، وهو جاهل بقدرِ الرسول وبما أمرَ به، فإن لم يُسعَفْ مثلُ هذا بحاجتِه، وإلا اضطربَ إيمانُه وعَظُمَ نفاقُه، فيكون في ذلك بمنزلة المؤلَّفةِ قلوبُهم بالعطاءِ في حياة النبي ﷺ ، كما قال: «إني لأَتألَّفُ رجالًا لما في قلوبهم من الهلَع والجزع، وأَكِلُ رجالًا إلى ما جعلَ الله في قلوبهم من الغنى والخير» (٢). مع أنّ أخذَ ذلك المال مكروهٌ لهم، فهذا أيضًا مثل هذه الحاجات. وإنما المشروع الذي وردتْ به سنتُه فهو دعاء المسلم ربَّه متوسِّلًا به [في حياته]، لا دعاؤه في مماته ومغيبه أن يفعلَ، ولا دعاؤه في مماتِه ومغيبه أن يَسأل، كما في الحديث الذي رواه الترمذي (٣) وصححه أن النبي ﷺ علَّم رجلًا أن يقول: «اللهمَّ إني أسألك وأتوسلُ إليك بنبيك محمدٍ نبيِّ الرحمة، يا محمد! يا نبيَّ الله! إنّي أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليَقْضِيَها لي، اللهمَّ فشفِّعْه فيَّ».

стр. 2999

وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، ثم قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فأقسمَ بنفسه على نفي إيمانِ من لم يجمع أمرين: تحكيمه فيما شجر بينهم وأن لا يجد في نفسه حرجًا، وهذا يُوجِب أنه ليس في أمرِه ونهيِه ما يُوجب الحرجَ ..... (١) امتثلَ ذلك ...... حكمه لا بدَّ فيه من أمرٍ ونهيٍ، وإن كان فيه ....... أيضًا. فلو كان المأمور به والمنهي عنه ....... ومفسدةً وألمًا بلا لذةٍ راجحةٍ، لم يكن العبدُ مَلُومًا على وجود الحرج فيما هو مضرَّةٌ له ومفسدة. ولهذا لم يتنازع العلماء أن الرِّضا بما أمرَ الله ورسولُه واجبٌ، بحيث لا يحبون كراهةَ ذلك ولا سخطَه، وأن محبة ذلك واجبةٌ، بحيث يُبغِضُ ما أبغضه الله، ويسخط ما سخطه الله من المحظور، ويُحِبُّ ما أحبَّه الله، ويَرضَى ما رَضِيَه الله من المأمور. وإن تنازعوا في الرضا بما قدَّره الحقُّ من الألم كالمرض والفقر، فقيل: هو واجب، وقيل: مستحب، وهو أرجح. والقولان في أصحاب أحمد وغيرهم. وأما الصبر على ذلك فلا نزاعَ أنه واجب. وقد قال في الأول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ

стр. 3000

اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٨ - ٥٩]. فجعل من المنافقين مَن سَخِطَ فيما منعَه اللهُ إياه ورسولُه، وحضَّهم بأن يَرضَوا بما آتاهم الله ورسوله. والذي آتاه الله ورسولُه يتناولُ ما أباحه دونَ ما حظَره، ويدخل في المباح العامّ ما أوجبَه وما أحبَّه. وإذا كان الصبر على الضرَّاء ونحوِ ذلك مما أوجبه الله وأحبَّه، كما أوجب الشكر على النعماء وأحبَّه، كان كلٌّ من الصبر والشكر مما تجبُ محبتُه وعملُه، فيكون ما قُدِّر للمؤمنين من سَرَّاءَ معها شكرٌ وضرَّاءَ معها صبرٌ خيرًا له، كما قال النبي ﷺ : «لا يَقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتْه سرَّاءُ فشكَرَ كان خيرًا له، وإن أصابتْه ضرَّاءُ فصبرَ كان خيرًا له» (١). وإذا كان ذلك خيرًا فالخير هو المنفعةُ والمصلحةُ، الذي فيه النعيم واللذة كما تقدمَّ، فيكون كلُّ مقدورٍ قُدِّر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسولِه خيرًا له، وإنما يكون شرًّا لمن عمل بمعصية الله ورسوله، وقبلَ ذلك فهو محنةٌ وفتنةٌ وبلاءٌ، قد يَعملُ فيه بطاعة الله، وقد يعمل فيه بمعصية الله، فلا يُوصف بواحدٍ من الأمرين. آخره، والحمد لله (٢).

стр. 3001

فصل في آية الربا

стр. 3002

فصل في آية الربا قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨٠]. قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: مما كان قبضَه من الربا جعله له. ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ قد قيل: الضمير يعود إلى الشخص، وقيل: إلى «ما»، وبكل حالٍ فالآيةُ تقتضي أن أمره إلى الله، لا إلى الغريم الذي عليه الدَّين، بخلاف الباقي فإنّ للغريم أن يطلب (١) إسقاطَه، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ

стр. 3003

أَمْوَالِكُمْ﴾، أي: ذَرُوا ما بقي من الربا (١) في ذِمَمِ الغُرماء، ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: رأس المال من غير زيادة. فقد أمرهم بترك الزيادة وهي الربا، فيسقط عن ذمة الغريم ولا يُطالب بها، وهذه للغريم فيها حقُّ الامتناع من أدائها والمخاصمة على ذلك وإبطال الحجة المكتتبة بها. وأما ما كان قبضَه فقد قال: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، فاقتضى أن السالف له للقابض، وأن أمره إلى الله وحدَه لا شريكَ له، ليس للغريم فيه أمرٌ. وذلك أنه لما جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى كان مغفرةُ ذلك الذنب والعقوبة عليه إلى الله، وهذا قد انتهى في الظاهر، فله ما سلفَ، وأمرُه إلى الله، إن علمَ من قلبه صحةَ التوبة غفَرَ له، وإلَّا عاقبَه. ثم قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فأمرَ بترك الباقي، ولم يأمر بردِّ المقبوض. وقال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، لا يشترط منها ما قبض. وهذا الحكم ثابتٌ في حقّ الكافر إذا عاملَ كافرًا بالربا، وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا (٢)، فإن ما قبضَه يُحكَم له به كسائرِ ما قبضَه الكفّارُ بالعقود التي يعتقدون حِلَّها، كما لو باعَ خمرًا وقبضَ ثمنَها، ثم أسلمَ، فإن ذلك يَحِلُّ له، كما قال النبي ﷺ : «مَن أسلمَ على شيء فهو له» (٣).

стр. 3004

وأما [المسلم] فله ثلاثة أحوال: تارةً يعتقدُ حِلَّ بعضِ الأنواع باجتهادٍ أو تقليد. وتارةً يُعامِل بجهلٍ، ولا يعلم أن ذلك ربًا محرَّم. وتارةً يقبض مع علمه بأن ذلك محرَّم. أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبيَّن له فيما بعدُ أن ذلك ربًا محرَّم، قيل: يردُّ ما قبضَ كالغاصب، وقيل: لا يردُّه، وهو الأصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلالٌ، والكلام فيما إذا كان مختلفًا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يُغفَر له ما استحلَّه ويُباح له ما قبضَه، فالمسلم المتأول إذا تاب يُغفَر له ما استحلَّه ويُباحُ له ما قبضَه؛ لأن المسلم إذا تاب أَوْلى أن يُغفَر له إن كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حِلِّ ذلك، فهو في تأويله أعذَرُ من الكافر في تأويله. وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شرًّا من الكافر. وقد ذكر فيما يتركه المسلم الجاهل من الواجباتِ التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما أنه لا قضاء عليه. وأصل ذلك أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب ؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره. ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل، أو صلَّى وقد أكل لحم الجزور، ثم تبين له

стр. 3005

النصّ، هل يعيد؟ على روايتين. وقد نصرتُ في موضع أنه لا يُعيد (١)، وذكرتُ على ذلك أدلةً متعددة: منها: قصة عمر وعمار لما كانا جُنُبَيْنِ، ولم يُصلِّ عمر، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة (٢). ومنها: أبو ذر لم يأمره أيضًا بالإعادة (٣). ومنها: المستحاضة (٤) التي قالت: مَنَعتْني الصوم والصلاة. ومنها: الأعرابي المسيء في صلاته، الذي قال: واللهِ ما أُحْسِنُ غير هذا. فأمره أن يعيد الصلاة الحاضرة؛ لأن وقتها باقٍ وهو مأمور بها، ولم يأمره بإعادة ما صلّى قبل ذلك (٥). ومنها: الذين أكلوا حتى تبيَّن لهم الخيط الأبيض والأسود، ولم يُؤمَروا بالإعادة (٦).

стр. 3006

والشريعة أمرٌ ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب وكذلك النهي، فمَنْ فعلَ شيئًا لم يعلم أنه محرم، ثم علم لم يُعاقَبْ. وإذا عامل معاملاتٍ ربويةً يعتقدها جائزةً وقبضَ منها ما قبضَ، ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرًّا من الكافر، ولو كان قد باع خمرًا أو حشيشةً أو كلبًا لم يَعلم أنها حرام وقبضَ ثمنَها. وسَمُرةُ لما باع وقبضَ ثمنها قال عمر: قاتل الله سمرةَ! ألم يَعلم أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله إذا حَرَّمَ على قومٍ أكلَ شيء حَرَّمَ عليهم ثمنَه»؟ (١). وكانوا يقبضون الخمر جزيةً عن أهل الذمة ثم يبيعونهم إياها، فقال عمر: وَلُّوهم بيعَها ثمَّ خذوا ثمنها (٢). وما قبضه سمرة لم يذكر أن عمر أمر بردِّه، وكيف يردُّه وقد أخذوا الخمر، ولا نهاه عن الانتفاع به؟ وذلك أن هذا الذي قبضه قبل أن يعلم أنه محرم لا إثمَ عليه في قبضه، فإنه لم يكن يعلم أنه محرم، والكافر إذا غُفِر له قبضُه لكونه قد تابَ، فالمسلم أَولى بطريق الأَولى. والقرآن يدل على هذا بقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه، فقد

стр. 3007

جعل الله له ما سلف. ويدل على أن ذلك ثابت في حق المسلم ما بعد هذا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، فأمرهم بترك ما بقي، ولم يأمرهم بردِّ ما قبضوه، فدلَّ على أنه لهم مع قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، والله يقبل التوبة عن عباده. فإذا قيل: هذا مختص بالكافرين. قيل: ليس في القرآن ما يدلُّ على ذلك، إنما قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وهذا يتناول المسلم بطريق الأولى. وعائشة قد أدخلت فيه المسلمَ في قصة زيد بن أرقم لما قالت لأم ولده: بئسَ ما شريتِ، وبئسَ ما اشتريتِ، أخبري زيدًا أنه قد حَبِطَ جهادُه مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأسَ مالي؟ فقالت عائشة: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١). بل قد يقال: إن هذا يتناول مَن كان يعلم التحريم إذا جاءته موعظة من ربه فانتهى، فإن الله يغفر لمن تاب بتوبته، فيكون ما مضى من الفعل وجوده كعدمه، والآية تتناوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ويدل على ذلك قوله بعد هذا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ

стр. 3008

كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. والتوبة تتناول المسلم العاصي كما تتناول الكافر، ولا خلاف أنه لو عامله بربا يحرم بالإجماع لم يقبض منه شيئًا، ثم تاب، أن له رأس ماله، فالآية تناولته، وقد قال فيها: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، ولم يأمر بردّ المقبوض، بل قال قبل ذلك: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾. وهذا وإن كان ملعونًا على ما أكله وأوكله، فإذا تاب غُفِر له. ثم المقبوض قد يكون اتّجر فيه وتقلب، وقد يكون أَكَلَه ولم يبقَ منه شيء، وقد يكون باقيًا، فإن كان قد ذهب وجعل دينًا عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفِّرًا عن التوبة، وهذا الغريم يكفيه إحسانًا إليه إسقاطُه ما بقي في ذمته وهو برضاه أعطاه، وكلاهما ملعون. ولو فُرِض أن رجلًا أمر رجلًا بإتلافِ مالِه وأتلفَه لم يَضمنْه وإن كانا ظالمين، وكذلك إذا قال: اقتل عبدي. هذا هو الصحيح، وهو المنصوص عن أحمد وغيره. فكذلك هذا هو سلط ذاك على أكل هذا المال برضاه، فلا وجهَ لتضمينه وإن كانا آثمين، كما لو أتلفه بفعله، إذ لا فرقَ بين أن يتلفه بأكله أو بإحراقه، بل أكلُه خير من إحراقه، فإن لم يضمنه في هذا بطريق الأولى. وأيضًا فكثير من العلماء يقولون: إن السارق لا يغرم؛ لئلا يجتمع عليه عقوبتان من أن الحد حقٌّ لله والمال حقٌّ لآدمي. وهذا أولى، لئلا

стр. 3009

يجتمع على المُرْبِي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل. وإن كان عين المال باقيًا فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق الغاصب، بل قبضه باتفاقهما ورضاهما بعقدٍ من العقود، وهو لو كان كافرًا ثم أسلم لم يردّه، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. وقد يقال: لا يكون لواحدٍ منهما، كما لو كان ثمنَ خمرٍ أو مهرَ بَغيٍّ أو حُلوانَ كاهنٍ، فإن هذا إذا تاب لا يعيده إلى صاحبه، بل يتصدَّق به في أظهر قولي العلماء. وكذلك لو استأجر رجلًا لحمْلِ خمرٍ، نصَّ أحمد على أنه يُقضَى له بالكراء ولا يأكلُه، لأن الحمل عملٌ مباح فيستحقُّ أجرتَه، ولكن لقصد المستأجر لا يأكله. وكذلك لو باع عنبًا أو عصيرًا ممن يتخذه خمرًا، فإنه يُقضَى له بالثمن بلا ريب إذا تعذَّر ردُّ العنب والعصير، ولا يقول عاقل: إن الذي أخذ العنب وعَصَرَه خمرًا يُعطَى مع ذلك الثمن، لكن غاية ما يقال: إن هذا يتصدق بالثمن. فإن قيل مثل هذا في الربا قياسًا على هذا، فقد يقال: هنا التحريمُ لحقِّ الله، لأن نَفْسَ عِوَضِ الخمر محرَّم، وهناك التحريم لما فيه من ظلم الآدمي، وإن كان لو رضي به لم يجز؛ لأنه سفيهٌ في ذلك. وأيضًا ففي ردِّه عليه تسليطٌ لمَنْ يحتال على الناس بأن يأخذها بعقود ربوية فينتفع بها، ثم يطالبهم بما قبضوه، وقد انتفع برأس مالِه مدةً

стр. 3010

بغير رضاهم، فإنهم لم يُعطُوه قرضًا. وهذه المسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق، وأما الذي لا ريبَ فيه عندي فهو ما قبضَه بتأويلٍ أو جهلٍ فهنا له ما سلف بلا ريب، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يقال: طَرْدُ هذا أن من اكتسب مالًا من ثمنِ خمرٍ مع علمه بالتحريم فله ما سلف. وكذلك كلّ مَنْ كسب مالًا محرمًا ثم تاب، إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغيِّ وحُلوانِ الكاهن. وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تُفرّق بين التائب وغير التائب، كما في قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وهذا في الكفار ظاهر متواتر عن الرسول ﷺ ، متفق عليه بين المسلمين، فإن الكافر إذا أسلم لم يجب عليه قضاء ما تركه من صيام وصلاة وزكاة، ولا يحرم ما اكتسبه من الأموال التي كان يعتقدها حلالًا، ولاضمانَ عليه فيما أتلفَه، لأنه كان يعتقد حِلَّ ذلك. وأما المسلم إذا تاب ففي قضاء الصلاة والصيام نزاع، ومما يُقوّي هذا أن هذا المال لا يتلف بلا نزاع، بل إما أن يتصدق به، وإما أن يدفع إلى الزاني والشارب الذي أخذ منه مع كونه مُصِرًّا، وإما أن يُجْعَل لهذا القابض التائب. فإذا دفعه إلى الزاني والشارب فلا يقوله مَن يتصوَّر ما يقول، وإن

стр. 3011

كان من الفقهاء مَن يقوله، فإنّ في هذا فسادًا مضاعفًا، فإن ذلك كان ممنوعًا من الشرب والزنا ولو بذل العِوَض، فإذا كان قد فعله بعِوَض وأُعِيد إليه العِوَض كان ذلك زيادةَ إعانةٍ له وإغراء له بالسيئات. وأما الصدقة فهي أوجَهُ، لكنْ يقال: هذا الباب أحقُّ به من غيره، ولا ريب إن كان صاحب هذا الباب فقيرًا فهو أحقُّ به من غيره من الفقراء، وبهذا أفتيتُ غير مرةٍ، وإذا كان التائب فقيرًا يأخذ منه حاجته، فإنه أحقُّ به من غيره، وهو إعانة له على التوبة، وإن كُلِّف إخراجَه تضرَّر غايةَ التضرُّر ولم يتُبْ. وأيضًا فلا مفسدةَ في أَخْذِه، فإنّ المال قد أخذه وخرج عن حكم صاحِبه، وعينُه ليست محرمة، وإنما حرم لكونه استُعِين به على محرم، وهذا قد غُفِر بالتوبة فيحلُّ له مع الفقر بلا ريب، وأخذُ ذلك له مع الغنى وجهٌ، وفيه تيسيرُ التوبة على من كسب مثل هذه الأموال. وأما الربا فإنه قبض برضا صاحبه، والله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولم يقل: فمن أسلم، ولا من تبيَّنَ له التحريم، بل قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾، والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه، قال الله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣].

стр. 3012

وأيضًا فهذا وَسَطٌ بين الغريمين، فإن الغريم المدين ينهى أن يسقط عنه الزيادة، وهذا عنده غاية السعادة، وذلك لا ينهى أن يبقى له ما قبض، وقد عفا الله عما مضى. وأما تكليف هذا إعادة القرض فذلك مثل مطالبة الغريم بما بقي، وكلاهما فيه شططٌ وشدَّةٌ عظيمة، فهذا هذا. والله أعلم. فصلٌ في الربا قد تدبّرتُ مرَّاتٍ عَوْدًا على بدءٍ، وما فيه من النصوص والمعاني والآثار، فتبيَّن لي ــ ولا حول ولا قوة إلا بالله ــ بعد استخارة الله أن أصل الربا هو الإنْسَاء ، مثل أن يبيع الدراهم إلى أجلٍ بأكثر منها، ومنها أن يؤخر دينه ويزيد في المال. وهذا هو الربا الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية. وقد سُئِل أحمد بن حنبل عن الربا الذي لا شك فيه، فذكر هذا، وهو أن يكون له دَينٌ فيقول له: أتَقضِي أم تُربِي؟ فإن لم يَقضِه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل، فيربو المال على المحتاج من غير نفع حصل له، ويزيد مال المربي من غير نفع حصل منه للمسلمين. فهذا حرَّمَه الله تعالى؛ لأن فيه ضررًا على المحاويج، وفيه أكل المال بالباطل. وقد كان من العلماء المشهورين في زماننا غير واحدٍ يقولون: لا نعرف حِكَمَ تحريم الربا، وذلك أنهم نظروا في جملة ما يحرم، فلم يروا فيه مفسدةً ظاهرة. والتحقيق أن الربا نوعان: جلي وخفي ، فالجليّ حُرِّمَ لما فيه من الضرر والظلم، والخفيّ حُرِّمَ لأنه ذريعة إلى الجلي.

стр. 3013

ف ربا النَّسَاء من الجليّ ، فإنه يَضُرّ بالمحاويج ضررًا عظيمًا ظاهرًا، وهذا مُجرّب، والغَنِيّ يَأكل أموال الناس بالباطل؛ لأن ماله رَبَا من غيرِ نفعٍ حصلَ للخلق، ولهذا جعل الله الربا ضدَّ الصدقات، فقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. وقال لنبيه ﷺ في أول ما أنزل عليه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٤]. فنهى عن الربا الذي فيه ظلم الناس، وأمر بالإحسان إلى الناس المضاد للربا. وفي الصحيحين (١) عن ابن عباس عن أسامة أن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة». وهذا الحصر يراد به حصول الكمال، فإن الربا الكامل هو في النسيئة، كما قال ابن مسعود: إنما العالم الذي يخشى الله. وكما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢]، ومثل ذلك كثير. فأما ربا الفضل فإنما نُهِيَ عنه لسدِّ الذريعة، كما في المسند مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث سعد: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإن

стр. 3014

أخاف عليكم الرَّمَاءَ. والرماء هو الربا» (١). وقد تنازع السلف والخلف في ربا الفضل ، فطائفة من السلف أباحَتْه ولم تُحرِّم منه شيئًا، وهذا مشهور عن ابن عباس، وهو مروي عن ابن مسعود ومعاوية، بل قد رُوي عنه أنه باعَ المَصُوغَ إلى أجلٍ، وبسبب ذلك فارقَهُ عبادة بن الصامت، وذهبَ إلى عمر ﵁ شاكيًا منه (٢). ويَروي عبادة حديث النبي ﷺ في الأصناف الستة (٣)، وقد قيل: كانوا في غزوة قبرص، وليس كذلك، فإن قبرص إنما غزاها معاوية في خلافة عثمان باتفاق الناس، وكانوا قد استأذنوا عمر فيها، فنهى لأجل ركوب البحر، ثم استأذنوا عثمان فأذِنَ لهم. وفيها تُوفِّيَتْ أمُّ حرام بنت مِلْحان، وقد ذكر النبي ﷺ هذه الغزاة (٤)، وبها احتجوا على جواز الغزو في البحر، مع ذكره غزو البحر في حديث (٥). لكن شكوى عبادة إلى عمر قد كان قبل ذلك في بعض المغازي،

стр. 3015

فإن معاوية فتح قَيْسَاريةَ، وكانت مدينة بالساحل عظيمة، ولعلّ النزاع كان فيها، وقد غنم المسلمون آنيةً من ذهب وفضة، فصار في الخُمُسِ منها ما صار، فباعَهم معاوية ذلك إلى العطاء. فصار بيع الإناء الذي وزنُه عشرون درهمًا بثلاثين درهمًا لأجل صيغتِه، والناس رغبوا في ذلك؛ لأنه إلى العطاء مؤخر عنهم، ويأخذون ذلك الساعة وينتفعون بها، فأنكر ذلك عبادة، وتقاولَ هو ومعاوية في ذلك، والقصة مشهورة (١). ولما أنكر أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة ذلك على ابن عباس، روى أبو سعيد حديث خيبر لما قال له وكيلُه: إنما نبتاعُ الصاعَ من التمر الجَنِيْب وهو جيد التمر، بالصاعين من الجمع وهو المخلوط، فقال: «إنه عين الربا، ولكنْ بِعِ الجمْعَ بالدراهم، ثم ابتَعْ بالدراهم جَنِيْبًا»، وقال في الميزان مثل ذلك (٢). ثم اتفق الناس على تحريم ربا الفضل في الأعيان الستة التي جاءت بها الأحاديث، وهي من أفراد مسلم (٣) من حديث عبادة وغيره عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ سواءً بسواءٍ يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبِيعُوا حيث شئتم إذا كان يدًا بيدٍ».
следующие страницы →