الإسلام أو منتزعٌ من سياقه إذ كان نقلًا لقول من يذهب إلى حياته، كما أوضحه الخيضريُّ في كتابه «افتراض دفع الاعتراض».
٤. رسالة إلى الشيخ قطب الدين في الكلام عن ابن عربي وطائفته.
(ق ١٣٩/و-١٤٣ ظ)، نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط عمِّه إبراهيم ابن المحب عن خط شيخ الإسلام.
وهي رسالة كتبها شيخ الإسلام إلى قطب الدين موسى بن أحمد بن الحسين، ناظر الجيوش بالشام ومصر، وكان من رجال الدهر سؤددًا وفضلًا، وتوفي سنة ٧٣٢، بخصوص قضية وقعت سنة ٧٠٤ إذ نشب خلافٌ بين جماعة من المتصوفة ببعلبك في كلام ابن عربي ونحوه من الاتحادية، فقدموا إلى شيخ الإسلام بدمشق، واجتمعوا عنده بدار الحديث السكرية حيث كان يسكن، بحضور جماعةٍ من كبار أصحابه، وجرى الحديث فيما وقع الخلاف فيه من أمر الاتحادية، وقرئ بعض ما به بيان حقيقة أمرهم من كلامهم، ثم اتفقوا على أن تلك المقالات وما أشبهها كفر، وتبرؤوا منها، وكُتِب محضرٌ بذلك وقَّع عليه الحاضرون، وكتب شيخ الإسلام إلى أهل بعلبك رسالة بيَّن لهم فيها الحقَّ وشرح ما وقع في ذلك الاجتماع.
ويظهر أن خبر ذلك الاجتماع وما جرى فيه قد بلغ ناظر الجيش الشيخ قطب الدين، فكتب إلى شيخ الإسلام يسأله عنه، ويحثُّه على جمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ونحو ذلك، فأجابه الشيخ بهذه الرسالة.
والمحضر الذي أشرت إليه ورسالة شيخ الإسلام إلى أهل بعلبك في هذا الأمر كلاهما منشورٌ في «جامع المسائل» (٧/ ٢٤٥ - ٢٥٩).
стр. 3187
٥. فصل في الكلام على الاتحادية.
(ق ١١٢/و- ١١٤/و)، نقله ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط شيخ الإسلام.
وهو فصلٌ نافعٌ في الرد على الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، ابتدأه بفصلٍ منقول من كلام ابن سبعين، ثم شرع في بيان وجوه الكفر في تلك المقالة وأنها جامعة لكلِّ كفرٍ في العالم، ولفساد كلِّ عقلٍ ودين. وفي آخره مقارنةٌ مهمة بين قولهم وقول فرعون لم أقف على نظيرٍ لها فيما رأيت من تراث الشيخ ﵀.
٦. مسألة في الأفعال الاختيارية من العباد.
(ق ١٦٤/و- ١٧٣/ظ)، نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط شيخ الإسلام, وفي صدرها: «مسألة سئل عنها بالشام شيخُ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحرَّاني ﵁ قبل دخوله مصر وسُمِعت من لفظه في رمضان سنة أربع وتسعين وستمئة, في الأفعال الاختيارية من العباد ... ». وفي آخر الجواب قال ابن الحبال: «آخر ما وُجِد بخطه، ومنه نقل الإمام شمس الدين محمد ابن المحبِّ المقدسي الحنبلي تغمده الله تعالى برحمته، وقال: إنه وجده في دُرْجٍ، وفي ظهره مكتوبٌ ما صورته بخطه أيضًا: ... » ثم ساق تتمة مهمة للجواب في ثلاث صفحات.
وقد نُشِرت المسألة في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٨٦ - ٤٠٥) عن أصل كثير التحريف والبياض أشار إليه الشيخ ابن قاسم ﵀ في عدة مواضع (٨/ ٣٩٤، ٤٠١، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٤، ٤٠٥)، وينفرد الأصل الذي معنا
стр. 3188
بتلك التتمة التي أشرنا إليها، وهي الباعث الأساس لنشر المسألة ضمن هذه المجموعة، كما ينفرد بالنص على تاريخ المسألة ومكانها وسماعها من لفظ شيخ الإسلام، بالإضافة إلى تصحيح التحريف واستدراك السقط. وقد انتفعت بمطبوعة «الفتاوى»، وجعلت زياداتها بين معقوفين، وأشرت إلى المهم من قراءاتها وخللها، رامزًا إليها بحرف (ف).
٧. فصل في الكلام على حديث «اللهم إني عبدك بن عبدك ... ».
(ق ٥٠/ظ- ٥٣/و)، وهو شرحٌ لحديث ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أصاب عبدًا قطُّ همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدُك ابن عبدُك ابن أمتك، ناصيتي بيدك ... ».
وقد ذكر ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (١٠٥) في الأحاديث التي شرحها شيخ الإسلام: «وحديث ابن مسعودٍ في درء الهمِّ»، وهو هذا.
واعتمد عليه ابن القيم، ولخَّص عيونه، ونقل كثيرًا من ألفاظه في «شفاء العليل» (٧٤٩ - ٧٦٠).
٨. مسائل عقدية.
وهي سبع مسائل (ق ١٣٥/ظ، ١٣٧/ظ، ٦٣/و- ٦٣/ظ، ٧٩/ظ، ٨٦/و)، جمعتها تحت هذا العنوان لاختصارها:
الأولى: في معتقد أهل السنة في كرامات الأولياء، ومذاهب مخالفيهم فيها. نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط تقي الدين الدريبي. وهي مختصرة بألفاظها في «مختصر الفتاوى المصرية» (٦٠٠).
стр. 3189
الثانية: في من يعتقدُ أن الله يكلِّفُ العباد ما لا يطيقونه.
الثالثة: في جملة أمور سئل عنها شيخ الإسلام، وهي: هل صلى أحدٌ من الأنبياء إلى المشرق، أو المغرب، أو إلى بيت المقدس؟ وهل بعث الله نبيًّا بغير دين الإسلام؟ وما سببُ صلاة نبينا ﷺ إلى بيت المقدس؟ وهل صخرة بيت المقدس أفضل من غيرها من الحجارة؟ وهل يأجوج ومأجوج من ولد آدم ﷺ ؟ وهل طلوع الشمس من مغربها قبل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج؟ فأجاب جوابًا محكمًا مختصرًا عن جميع ذلك.
الرابعة: في المفاضلة بين المسلم والمؤمن.
الخامسة: في أزواج النبي ﷺ أيتهنَّ أفضل؟ وهل فاطمة ﵂ مثلهنَّ في الفضل؟ وما سببُ حياء الملائكة من عثمان ﵁؟
السادسة: في الكلام عن الخطِّ في الرمل، وما ينسبُ فيه إلى النبيِّ إدريس ﵇، ولم أجد لشيخ الإسلام كلامًا في هذه المسألة فيما وصلنا من تراثه سوى هذا الموضع.
السابعة: في صحة قول رجل: إن أولياء الله الأبرار يقولون للشيء: كن، فيكون بإذن الله. وهي فتوى محررة تدمغ ما تعلق به بعض أهل الأهواء من إيراد شيخ الإسلام لأثر «يقول الحقُّ : يا عبدي، إني أقول للشيء: كن، فيكون. فإن أطعتني جعلتك تقول للشيء: كن، فيكون» في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٧٧).
وقد اختصرها البعليُّ في «مختصر الفتاوى المصرية» (٥٨٧).
стр. 3190
٩. فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
(ق ٣٤/و- ٣٦/ظ)، نقله ابن الحبال عن خط ابن المحب، وذكره ابن رُشَيِّق في أسماء مؤلفات ابن تيمية (٢٩٠ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام).
١٠. فصل في الكلام على آياتٍ من سورة الشورى.
(ق ٣٦/ظ- ٣٧/ظ)، ابتدأه ابن الحبال بقوله: «فصلٌ: قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني أيضًا ﵁».
١١. فصل في تفسير سورة المسد.
(ق ٤٠/ظ- ٤٤/ظ)، نقله ابن الحبال عن خط ابن المحب، وذكره ابن رُشَيِّق في أسماء مؤلفات ابن تيمية (٢٢١، ٢٣١ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام)، والصفدي في «الوافي» (٧/ ٢٤). ولخص مقاصده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في صفحة واحدة ضمن «المسائل التي لخَّصها من كلام شيخ الإسلام» (١٣/ ٧١ - مجموع مؤلفاته) , وعنه في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٦٠٢).
ولشمس الدين ابن المحب زياداتٌ نفيسة على تفسير شيخ الإسلام، عمادها نقولٌ بديعة استخرجها من دواوين اللغة وأمات كتب الحديث والتفسير وعلوم القرآن وغيرها مما يتصل بتفسير السورة، وطائفةٌ منها من مصادر عزيزة تُذكر اليوم في عداد المفقود من كتب التراث. وقد نشرتها رفقة تفسير ابن تيمية مع دراسةٍ لكليهما عام ١٤٣٦، عن مركز تفسير للدراسات القرآنية، وفي هذه النشرة تصحيحٌ لما فات هناك.
стр. 3191
١٢. مسألة في تفسير استعاذة النبي ﷺ من الهمِّ والحَزَن، والعجز والكسل.
(ق ٥٣/ظ- ٥٤/ظ)، شرح فيها شيخ الإسلام قوله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، والعجز والكسل، والبخل والجُبن، وضِلَع الدَّين وغلبة الرجال» شرحًا بديعًا، انتفع به ابن القيم، وأفاد منه في «مفتاح دار السعادة» (٣١٣)، و «طريق الهجرتين» (٦٠٦)، و «روضة المحبين» (٦١)، و «بدائع الفوائد» (٧١٤)، و «زاد المعاد» (٢/ ٣٥٨).
١٣. مسائل حديثية.
وهي سبع مسائل (ق ٦٦/و، ظ، ٨٠/و، ظ، ٨٣/ظ، ٨٤/ظ)، أجاب فيها عن سؤالاتٍ تتصل بالحكم على بعض الأحاديث والأخبار، ولم يرد السؤال في الأخيرة.
وقد ذكر ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (١٠٧) أن لشيخ الإسلام «أجوبة كثيرة في أحاديث يُسأل عنها، من صحيحٍ يشرحه، وضعيفٍ يبين ضعفه، وباطلٍ ينبه على بطلانه».
وجمعتها تحت هذا العنوان لاختصارها:
الأولى: عن حديث «اتخذوا مع الفقراء أيادي؛ فإن لهم يوم القيامة دولةً وأيَّ دولة»، ومن هم الفقراء؟ وحديث: «مكتوبٌ على كل فرجٍ ناكحُه من حلالٍ وحرام». وهي باختصار في «مختصر الفتاوى المصرية» (٦٠٠).
الثانية: عن صحة القول بأن «الصلاة بخاتم العقيق أفضلُ سبعين درجةً بغير خاتم عقيق».
стр. 3192
الثالثة: عن حديث «المؤمن حُلْوِيًّا، والكافر خَمْرِيًّا»، وحديث «المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء».
الرابعة: عن حديث «آيةٌ من كتاب الله خيرٌ من محمدٍ وآل محمد».
الخامسة: عن عمر ﵁ هل قَتَل أباه؟
السادسة: عن حديث ميمونة في إهداء الزيت إلى بيت المقدس.
السابعة: في حديث: «الصَّلاة في أول الوقت رضوانٌ من الله».
١٤. مسألة في التوبة هل تُسْقِط الفرائض؟
(ق ١٠٦/ظ- ١٠٨/و)، أجاب فيها شيخ الإسلام جوابًا محرَّرًا عن سؤال في من تاب هل يَسْقُط عنه قضاءُ ما فرَّط فيه من الفرائض، كالصلاة والصيام، كما يَسْقُط عن الكافر إذا أسلم؟ وهل تَسْقُط عنه كفَّاراتُ الفطر في رمضان؟
١٥. مسألة في حكم صوم الدهر.
(ق ٢٣٨/و- ٢٣٩/ظ)، سئل فيها شيخ الإسلام عن قول النبي ﷺ : «من صام الدَّهر فكأنه لا صام ولا أفطر»، فأجاب بجواب مبسوط في حكم صوم الدهر، وتفسير حديث النبي ﷺ ، ومذاهب العلماء في ذلك، وتوجيه ما ورد عن بعض السلف من صيام الدهر. وهو أوسع موضعٍ بحث فيه شيخ الإسلام هذه المسألة فيما وصلنا من آثاره.
١٦. رسالة إلى ابن النقيب في حديث «لا تشدُّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد».
(ق ١٣٦/و- ١٣٧/ظ)، نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب عن
стр. 3193
خط عمه إبراهيم ابن المحب عن خط شيخ الإسلام.
وهي رسالة أرسلها شيخ الإسلام من محبسه بقلعة دمشق آخر عمره إلى شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الحسن الخَبَري، المعروف بابن النقيب، المحدث الفقيه، ولد سنة نيف وسبع مئة وتوفي سنة ٧٤٩, جوابًا على رسالة بعثها إليه ابن النقيب يذكر له رواية مسلم لحديث أبي سعيد في حديث شدِّ الرحال بلفظ النهي «لا تشدُّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وأن ذلك مؤيدٌ لما ذهب إليه شيخ الإسلام في فتواه المشهورة بمنع شدِّ الرحال إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وكانت سبب محنته وسجنه.
وفي هذه الرسالة يشير شيخ الإسلام إلى تلك المحنة، وما يسَّر الله تعالى له فيها من أنواع النعمة والرحمة والحكمة، ثم يعلق على رواية حديث أبي سعيد ودلالتها على المنع ومذاهب العلماء في المسألة.
وأحال فيها على ما كتبه في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم»، وقد أشار ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (٣٩٧) إلى كلام الشيخ عن مسألة شد الرحال في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم»، وذكر أنه أبلغ من تلك الفتيا التي شنَّع بها عليه مخالفوه وأقدم منها بكثير.
١٧. رسالة إلى القاضي محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي في حاجة الناس إلى مذهب الإمام أحمد ومسألة ضمان البساتين.
(ق ٦٣/ظ- ٦٦/و)، نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط بدر الدين بن القاضي عز الدين محمد سليمان، قال: نسخةُ رسالةٍ أُرسِلت إلى والدي محمد بن سليمان بن حمزة من شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 3194
وهي كذلك مما كتبه شيخ الإسلام في محبسه بقلعة دمشق، وذكر فيها خبر تلك المحنة، ونعم الله عليه بسببها، وموقف السلطان الملك الناصر، كما أشار إلى ما كتبه في مسألة المنع من الزيارة البدعية، وأثنى على سلف القاضي عز الدين المقدسي من آل قدامة ومنزلتهم، ثم تحدث عن فضل مذهب الإمام أحمد وحاجة الناس إليه في مسائل متعددة، ومثَّل لذلك بمسائل، ثم تخلَّص إلى الحديث عن مسألة ضمان البساتين وترجيح مذهب أحمد فيها القائم على العدل واتباع الأثر ومنع الحِيَل، وختم الرسالة بشفاعة في النقيب جمال الدين، ولعله كان نقيب القلعة كما ذكرت في حاشيتي هناك، في قضية تتصل بضمان أرضٍ له.
١٨. فصل: إذا استأجر أرضًا لينتفع بها، فتعطلت منفعتها المُسْتَحَقَّة بالعقد.
(ق ٧٤/ظ- ٧٥/ظ)، نقله ابن الحبال عن خط ابن المحب عن خط شيخ الإسلام.
١٩. فصل في انعقاد النكاح بأي لفظٍ يدلُّ عليه.
(ق ١٨٥/و- ١٨٥/ظ)، نقل ابن الحبال قبله عن شيخ الإسلام قوله:
«يجوز عقدُ النكاح، وكتابةُ الصَّداق، ليلًا ونهارًا»، ثم ساق هذا الفصل.
٢٠. قاعدة: الاعتبار بموجب اللفظ والمعنى.
(ق ١٨٣/و- ١٨٥/و)، وهي قاعدة جليلة في تقرير أن من تكلَّم بلفظ العقد يظنُّ أن معناه ومُوجَبُه في الشريعة شيئًا، فتبيَّن بخلافه، فالأصل في مثل هذا أنه لا يثبتُ فيه حكمُ المعنى الذي لم يقصده؛ وذلك لأن اللفظ يَتْبَعُ
стр. 3195
المعنى، والمعنى هو المقصود. وكتب ابن الحبال عنوانًا لها: «الاعتبار بموجب اللفظ والمعنى شرعًا لا ظنًّا».
وقد أحال فيها شيخ الإسلام على ما كتبه في «بيان بطلان التحليل»، و «القواعد الكبار الفقهية الدمشقية» وهي المنشورة بعنوان «القواعد النورانية الفقهية».
٢١. فصل: الشروط في النكاح.
(ق ١٨٢/و- ١٨٢/ظ)، حرَّر فيه شيخ الإسلام القول مختصرًا في ما يصحُّ وما يحرم من الشروط في النكاح، وأثرها في العقد.
٢٢. سؤال منظوم في تحريم نكاح المحلل وبطلانه، وجوابه.
(ق ١٧٩/و- ١٨١/ظ)، وهو سؤال منظوم من بحر الخفيف، أجاب عنه شيخ الإسلام بجواب منظوم من بحره ورويِّه، اشتمل على مسألتين: الأولى في تحريم نكاح المحلِّل وبطلانه، وهي عماد السؤال، والثانية في حكم سابِّ أبي بكر الصديق ﵁ ومُبغضِه.
وذكر ابن الحبال في آخر الجواب قول الحسين بن سونج صاحب شيخ الإسلام: «قابلتُه بنسخةٍ مقروءة على المُجِيب، وعليها خطُّه، على يد أحمد الزُّهري». وترجمتُ في الحاشية هناك لابن سونج والزهري.
٢٣. مسألة في حكم اللعب بالشطرنج.
(ق ١٢٠/و- ١٢١/و)، نقلها ابن الحبال عن خط ابن المحب.
وهي مسألة نافعة، وفيها زياداتٌ في الاستدلال والاحتجاج على غيرها
стр. 3196
من فتاوى شيخ الإسلام المنشورة في الشطرنج، وقد ذكر ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (٧٦)، وابن رشيِّق في «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (٣٠٨ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام) أن له في الكلام عليه قاعدة.
٢٤. سؤال منظوم في حكم الرقص والسماع، وجوابه.
(ق ٦٦/ظ- ٦٨/و)، وهو سؤالٌ منظومٌ من بحر الكامل، لا تخلو أبياته من ضعفٍ ولحنٍ يدلَّان على أن صاحبهما ليس من أهل العلم، سأل عن حكم ما يفعله بعضهم عند السَّماع من الرقص على أصوات الدفِّ والتصفيق، وكأنه يميل إلى استحسان ذلك، إذ يذكر في أبياته أنهم يستفتحون السَّماع بالذكر ويختمونه بالدعاء، ويجتنبون البدع المحدثات! ثم يتساءل: هل يضرُّهم ذلك السماع؟! وهل يوجبُ لهم النار؟ وهل ورد في الكتاب والسنة ما يدلُّ على أن الوجد بدعة أو أنه يُذْهِبُ الحسنات؟ وأيهما أحلُّ: الوجدُ أم أكل لحوم الناس بالغيبة؟! فأجابه شيخ الإسلام جوابًا منظومًا من بحره ورويِّه، بسط فيه القول وحرَّره وبيَّن الفرق بين سماع أولياء الله وذلك السماع المحدث المبتدع.
٢٥. فصل في دفع صيال الحراميَّة.
(ق ٨٩/و- ٨٩/ظ)، وهو فصلٌ مختصر في أحكام دفع صيال الحراميَّة واللصوص الذين يقطعون طريق الحُجَّاج، حرَّر فيه أحوال الدفع وأحكامه، مستدلًّا لذلك، حاكيًا للخلاف والأقوال.
٢٦. مسائل فقهية.
وهي خمس وتسعون مسألة فقهية مختصرة، وقعت في مواضع متفرقة
стр. 3197
من المجموع (ق ٣٣ - ٣٤، ٥٤، ٧٢ - ٧٤، ٧٥ - ٨٨، ١١٤ - ١١٥، ١٢١، ١٥٣، ١٨١، ١٨٢، ٢٣٩)، وليست كل ما فيه من مسائل، وإنما اقتصرتُ هاهنا على ما لم يسبق نشره منها، فجمعتها تحت هذا العنوان، ورتبتها على أبواب الفقه.
٢٧. جزء فيه جواب سائل سأل عن حرف «لو».
(ق ١٨٧/و- ١٩٧/ظ)، وهي نسخةٌ تامة مقابلة، وفي صدرها تقريظٌ منقولٌ من خط ابن الزَّمْلَكاني، وكذلك هو في «الأشباه والنظائر» النحوية للسيوطي (٣/ ٦٨١ - طبعة مجمع دمشق)، وقد كتب ابنُ الزَّمْلَكاني التقريظ ذاته على كتابَي «إبطال التحليل»، و «رفع الملام عن الأئمَّة الأعلام»، كما في «الرد الوافر» لابن ناصر الدين (٥٦، ٥٧).
وموضوع الجزء هو الكلام على حرف «لو»، وكيف يتخرَّج على معناها المعروفِ القولُ المنسوبُ إلى عمر ﵁: «نِعْمَ العبد صهيب، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه».
وفيه يقول ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (١٠٧) في سياق ذِكْر ما كتبه شيخُ الإسلام من شروح الحديث: «وشَرَح ما رُوِي عن عمر ﵁ أنه قال: نِعْمَ العبد صهيب، لو لم يَخَف الله لم يَعْصِه. وتكلَّم على لو».
وقد انتقى السيوطيُّ في «الأشباه والنظائر» (٣/ ٦٨٢ - ٦٨٩) قطعةً من أول هذا الجواب وقطعةً من آخره، تاركًا ما بينهما ــ وهو ثلاثة أرباع الأصل ــ دون تلخيصٍ أو اختصار، فجاء النصُّ مبهمًا مقطع الأوصال. وهو ينقل من نسخةٍ بخط الحافظ علم الدين البرزالي.
стр. 3198
وعن كتاب السيوطي نشره الأخ الكريم البحاثة المحقق الشيخ محمد عزير شمس في هذا الجامع المبارك «جامع المسائل» (٣/ ٣١٣ - ٣٢٠)، ثم نشره كذلك الدكتور يوسف بن خلف العيساوي عن دار الصميعي.
٢٨. مسألة في الانتماء إلى الشيوخ.
(ق ١٠٣/ظ- ١٠٤/ظ)، وهي مسألة مهمة في الانتماء إلى الشيوخ الذي اعتاده الناس، والفرق بين الانتفاع بعلم الشيخ والاقتداء به في الأعمال الصالحة وبين التعصب الباطل والتفرق المذموم.
٢٩. مسائل متفرقة.
وهي ستُّ مسائل مختصرة متفرقة (ق ١٤٨، ١٤٩، ٧٦/ظ، ٨٠/ظ، ١١٤/ظ) رأيت جمعها تحت هذا العنوان:
الأولى: هل يجوز لوليِّ الأمر أن يُستفتَى؟ وهي من مسائل أدب القضاء وأصول الفقه، وقد نقل بعض عباراتها ابن مفلح في «الفروع» (١١/ ١١٣)، والبعلي في «الاختيارات» (٤٨١).
الثانية: أيُّهما أفضل: العالم العامل، أو المجاهد المخلص؟ وهي فتيا مختصرة، ولشيخ الإسلام قاعدة مفردة في المفاضلة بين مداد العالم ودم الشهيد، ذكرها ابن رشيِّق في أسماء مؤلفاته (٣٠٨ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام)، وابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (٨٠).
الثالثة: في المفاضلة بين طلب العلم وحفظ القرآن، جوابًا على من سأل عن رجل قال: إن العلم أفضل من القرآن.
الرابعة: في الحكم بين رجلين تنازعا في الجهل، فقال أحدهما للآخر: أنت جاهلٌ في الأحكام الشرعية. وفي الجواب بيانُ من هو العالم بالشريعة
стр. 3199
ومن الجاهل بها.
الخامسة: في جنديٍّ يريد أن يصير فقيرًا (أي متصوفًا)، فذكر شيخ الإسلام أن الجنديَّ إذا اتقى الله، وقصد أن ينصر الله ورسوله، ويُعِين على طاعة الله، فهو أفضلُ من أن يتصوَّف ويترك الجهاد بلا منفعةٍ للمسلمين.
السادسة: كلامٌ لشيخ الإسلام في حقيقة الكيمياء، ومن عمل بها. وقد نقله بتمامه كما وقع في الأصل ابن مفلح في «الفروع» (٦/ ٣١٤ - ٣١٥)، وعنه متأخرو الحنابلة، وأسقط اختصارًا أسماء من عمل بها، فاستدركهم ابن قندس في حاشيته.
* ... * ... *
* الأصل الثاني:
مجموعٌ نجديٌّ، استقرَّ به المقام في خزانة العلامة عبد العزيز الميمني التي آلت إلى مكتبة جامعة السند، جامشورو، بحيدراباد، برقم (٣٦٣٧٧)، وعدد أوراقه ٤٦٥ ورقة، وفي أوله فهرسٌ للرسائل والمسائل التي يشتمل عليها المجموع.
وجلُّه بخط محمد بن حمد بن نصر الله، كما قيَّد اسمه في مواضع منه (ق ٨١، ٤٤٩، ٤٥٧)، وهو من مشاهير النسَّاخ بنجد في القرن الثالث عشر، ووُصِف بأنه «الكاتب المشهور»، أي «جميل الخطِّ مضبوطه»، كما يقول الشيخ ابن بسام (١)، وكان مولده في حدود سنة ١٢١٠.
_________
(١). «علماء نجد خلال ثمانية قرون» (٥/ ٥٢٣). وانظر لبعض ما وصلنا من منسوخاته: «صناعة المخطوطات في نجد» للدكتور عبد الله المنيف (٣٠١).
стр. 3200
نَسَخَه في شهر جمادى الأولى من سنة ١٢٢٨، فيما أرجِّح، كما تشير إليه خاتمةٌ ركيكة كتبها لإحدى المسائل (ق ٢٣٥)، قال: «تمت مسألة القدرة، بين الآصال والبكرة، بضع مضين من جمادى الأول، بورك خميس إلى الجمعة تحوَّل، أربع مئين مع أيضًا ثمان، وبضع أفراد ليست مئين، من هجرة خاتم النبيين ... ». وحاصل مجموع ما ذكره هنا: ألف ومئتان وبضع أفراد من السنين.
وذكر تاريخ نسخه أيضًا في آخر مسألة من مسائل المجموع، فقال: «تمت المسائل، وأستغفر الله بكرة وأصائل، وكان الفراغ بين الفروض، وقت خفي صريح الغموض، وهو من الأيام نهار السبت، ومن الأشهر بقين ست من جمادى الأول، وهو من الشهور الأُوَل سنة ١٢٨ من هجرة النبي ﷺ »، ولا ريب أن ثمة رقمًا قد سقط هنا على الناسخ سهوًا، وأظنه الثاني، فيكون صوابه ١٢٢٨.
وظنَّ العلامة الميمني أن الرقم انقلب على الناسخ، فعلَّق: «يريد سنة ٨٢١، كما صرح بذلك في المسائل الكيلانية. وكتب العاجز عبد العزيز الميمني ١٦ أكتوبر ١٩٥٧ م».
والموضع الذي يشير إليه الميمني هو قول الناسخ (ق ٣٠٩) في صدر المسألة الكيلانية: «فصلٌ نُقِل من سؤالٍ قدم من بلاد كيلان في مسألة القرآن إلى دمشق، في سنة أربع وسبعمئة، من جهة سلطان تلك البلاد وعلى يد قاضيها؛ لأجل معرفة الحق من الباطل عندما كثر عندهم الاختلاف والاضطراب، ورغب كلٌّ من الفريقين في قبول كلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في هذا الباب، فأملاه شيخ الإسلام في المجلس، وكتبه أحمد بن
стр. 3201
محمد بن مري الشافعي بخطٍّ جيدٍ قوي، ثم إن كاتب هذه الأوراق اطلع على هذه الفتوى يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثمانمئة، فاخترتُ لنفسي منها مواضع نقلتها في هذه الأوراق ... ».
وهو صريحٌ كما ترى لو كان من كلام الناسخ حقًّا، لكنه في واقع الأمر منقولٌ بحروفه من نسخة ابن عروة (ت: ٨٣٧) التي أودعها كتابه «الكواكب الدراري» (١).
وإنما رجَّحتُ أن الساقط من الرقم الذي كتبه الناسخ هو الرقم الثاني، وإن كان من المحتمل أن يكون الساقط هو الأخير، فيكون ١٢٨٠ مثلًا؛ لأن على أول صفحة من المجموع تملكًا لعلي بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقد توفي سنة ١٢٤٥.
وعلى الأصل تعليقاتٌ متفرقة لبعض قرائه، باقتراح قراءة، واستدراك سقط، ونحو ذلك، وتصحيحاتٌ من آثار المقابلة التي نصَّ عليها الناسخ في مواضع عديدة.
وقد وجدتُ في المجموع مما لم ينشر لشيخ الإسلام ثلاثة نصوص، فحققتها وضممتها لهذه المجموعة من «جامع المسائل»:
١. مسألة في مذهب الشافعي في القرآن وكلام الله.
(ق ٤٥١ - ٤٥٧)، وفي النسخة بعض التحريف والسقط اجتهدت في إصلاحه ورأب صدعه، وكتب الناسخ في طرة خاتمتها: «بلغ مقابلة على نسخة لا تخلو من الغلط».
_________
(١). انظر: «مجموعة الرسائل والمسائل» التي نشرها الشيخ رشيد رضا (٣/ ٢).
стр. 3202
وهي مسألة مهمة في الدفاع عن الإمام الشافعي ودرء فرية بعض الناس عليه في مسألة كلام الله تعالى، وبراءته ممن انتسب إليه وخالف مذهبه، ومفارقة طريقته لطريقة الأشعري ومن تابعه, وبيان اعتقاد أهل السنة في القرآن وكلام الله ، وأن ما زعمه ذلك المفتري لا يوجد في دين أهل الإسلام ولا غيرهم.
٢. فصلان في الإنذار والخوف والرجاء والشفاعة.
(ق ٢٨٨ - ٢٩٨)، وقع هذان الفصلان ضمن مجموعة فصول لشيخ الإسلام: الفصل الأول في الشرك وأنواعه، وهو منشور في «مجموع الفتاوى» (١/ ٨٨ - ٩٦)، وبعده قاعدة الصبر والشكر الآتية، ثم هذان الفصلان في الإنذار والخوف والرجاء والشفاعة، ثم فصل في أصل الإيمان والهدى، وهو منشور في «جامع المسائل» (٨/ ١٩٩ - ٢١٧) عن نسخة ضمن «الكواكب الدراري» لابن عروة.
٣. قاعدة في الصبر والشكر.
(ق ٢٦٤ - ٢٨٨)، وقد وقعت ضمن الفصول التي ذكرتُ قبل قليل، وهي قرينةٌ قوية على نسبتها لشيخ الإسلام، ويؤيد ذلك نقلُ الإمام شمس الدين محمد بن محمد الصالحي المنبجي الحنبلي المتوفى سنة ٧٨٥ عن هذه القاعدة نصوصًا طويلة وتصريحُه بنسبتها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «تسلية أهل المصائب» (١٧٣ - ١٧٦)، ووصلتنا منه نسخة نفيسة بخطه في تشستربيتي برقم (٣٣٢١)، وقد قابلتُ النصوص عليها وأحلتُ إلى المطبوع تيسيرًا على القارئ.
стр. 3203
وللمنبجي عنايةٌ ظاهرة بتراث ابن تيمية، وهو قريب العهد به، وفي دار الكتب المصرية مجموعٌ بخطه نقل فيه كثيرًا من كلام شيخ الإسلام، وطُبع منه أجوبةٌ في حكم الرقص والسماع وكلامٌ على الفطرة ضمن «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٢٧٧ - ٣٣٤).
كما نقل منها الإمام ابن القيم في «طريق الهجرتين» (٢٠٣ - ٢٠٦) دون عزو، على طريقته في تضمين كلام شيخه في تصانيفه.
ولخص منها الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب نصًّا في «تيسير العزيز الحميد» (٤٤٦)، وعزاه لشيخ الإسلام.
والحقُّ أنها غنيةٌ عن هذا لمن كان له بصرٌ بآثار شيخ الإسلام، ومعرفةٌ بتقريراته، وأنسٌ بكلامه، فأسلوبه وعباراته التي يكثر دورانها على قلمه، وحتى أوهامه ومفاريده في رواية بعض الأحاديث والآثار نجدها هنا كما هي في سائر كتبه (١).
وسقطت فاتحة القاعدة من الأصل الذي معنا، فلم نقف على تسميتها أو ما يقوم مقامه، لكن ذكر ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (٦٢)، وابن رشيِّق في «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (٢٩٨ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام) أن لشيخ الإسلام «قاعدة في الصبر والشكر»، وبالنظر إلى موضوع هذه الفصول التي بين أيدينا فإني أرجو أن تكون هي تلك القاعدة.
ولهذه القاعدة والفصلين السابقين نسخة نجدية أخرى ضمن مجموع
_________
(١). كرواية لفظ «مضطهد» في حديث «ثلاثٌ من نجا منهنَّ فقد نجا: موتي، وقتلُ خليفةٍ مضطهد ... »، وغير ذلك. انظر: (ص: ٣٨٤، ٤٠١، ٤٣٢).
стр. 3204
في المكتبة المحمودية (١)، ونسخة نجدية ثالثة في جامعة ليدن، وكلها تؤول إلى أصل واحد، وعن النسخة الثالثة نشرها أحد الباحثين حديثًا، وظنها فريدة، ونسبها لابن القيم، فلم يصب.
* ... * ... *
* الأصل الثالث:
من مكتبة كوبريلي برقم (١١٤٢/ ٤)، (ق ١٨٦ - ١٨٨)، وهو أصلٌ في غاية الحُسن والتحرير والضبط، إلا هنات يسيرة لا يكاد يسلمُ منها ناسخ، كتبه عبد الرزاق بن محمد بن أحمد بن أبي الفتح الحلبي، ولم أقف له على ترجمة، سنة ٧٥٨، كما قيَّده (ق ١٩٧) في آخر رسالة عبد الله بن حامد إلى ابن بُخَيخ الحراني، وهي تلي رسالة شيخ الإسلام التي معنا.
وفي هذا الأصل نصٌّ واحد، هو رسالة شيخ الإسلام إلى ابن ابن عمه عبد العزيز بن عبد اللطيف بن عبد السلام ابن تيمية في فتح جبل كسروان، ألحقه الناسخُ بكتاب ابن عبد الهادي في ترجمة شيخ الإسلام، مع أربعة نصوص أخرى، اثنان منها لابن تيمية، وسبق نشرُهما، وهما: رسالتاه إلى الملك الناصر في فتح الجبل، نُشِر الأول في «العقود الدرية» (٢٣٥ - ٢٤٧)، و «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٩٨ - ٤٠٩)، ونُشِر الثاني في «جامع المسائل» (٥/ ٢٩٣ - ٣٠٥). والنص الثالث: رسالة من عبد الله بن حامد إلى عبد الله بن رُشَيِّق، ونُشِر في «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (٢٤١ - ٢٤٥)، والرابع: رسالة من ابن حامد إلى ابن بُخَيخ الحراني، ونُشِر في «تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (٥٥ - ٦٧).
_________
(١). برقم (١٦٩٦). أرشدنا إليه د. عبد الله بن محمد المديفر، جزاه الله خيرًا.
стр. 3205
وقد أشرت (ص: ٢٥٨) إلى خبر فتح جبل كسروان وسببه ودور شيخ الإسلام فيه، كما ترجمت (ص: ٤٧٣) لابن ابن عمه عبد العزيز بن عبد اللطيف بن عبد السلام ابن تيمية وما كان بينهما من الودِّ والصِّلة.
* ... * ... *
منهج التحقيق:
مضيتُ في تحقيق هذه المجموعة على ما مضت به سنن نشر النصوص في عصرنا، وكان رأس الأمر في عملي الاجتهاد في إقامة النص ليكون أدنى ما يكون إلى صورة ما كتبه مؤلفه، ولذا تجاسرتُ على مخالفة النسَّاخ في بعض المواضع التي تبيَّن لي ذهابهم فيها عن الصواب، مع تنبيهي على ما أتيتُ في الحاشية، ورفوتُ ما ظننت سقوطه من أقلامهم بزيادات تقديرية أو محقَّقة ووضعتُ ما زدته بين قوسين معقوفين، لينظر القارئ في ذلك لنفسه ويأخذ بما اخترته أو يدع على بينة من أمره.
ثم يأتي من بعد ذلك تخريج المنقول من الآي والأحاديث والأخبار والشعر وأقوال العلماء ومذاهبهم، وتفسير الغريب وشرح المصطلحات الحضارية ونحو ذلك مما قد يغمض على كثيرٍ من القراء دون إسرافٍ وتتايعٍ في هذه السبيل.
ومما حرصتُ عليه وتكلَّفتُه الإحالة على كتب شيخ الإسلام وأجوبته في كثير من المواضع، دفعًا لوهم التحريف ودلالةً على ورود نظيره، أو صلةً لمسائل الكتاب بمظانها من سائر ما وصلنا من آثاره، زيادة في الاطمئنان إلى ثقة النسبة، وشفاءً لظامئ لم يقنعه اختصار القول، وعونًا لمن يروم جمع
стр. 3206
المتفرِّق وضمَّ النظير إلى النظير.
وأسأل الله أن يتجاوز عما أخطأنا فيه بجهلنا واغترارنا، وألا يجعل حظَّنا من عملنا لغوبًا ورهقًا، إنه سبحانه أكرم مسؤول.
وكتب
عبد الرحمن بن حسن قائد
الرياض ٢٠ ذي الحجة ١٤٣٦
стр. 3207
نماذج من صور الأصول المعتمدة
стр. 3208
صفحة عنوان الأصل الأول
стр. 3209
تاريخ نسخ الأصل الأول واسم الناسخ
стр. 3210
آخر المسألة الأولى من الأصل الثاني وفيها اسم الناسخ
стр. 3211
تاريخ نسخ الأصل الثاني وتعليق العلامة الميمني
стр. 3212
الصفحة الأولى من رسالة ابن تيمية إلى ابن ابن عمه
стр. 3213
جامِعُ المَسائلِ
لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
(٦٦١ - ٧٢٨)
(المجموعة التاسعة)
стр. 3214
فصل
في "الكلام" الذي ذمَّه الأئمَّة والسَّلف
стр. 3215
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الحرَّاني أيضًا ﵁، ومن خطِّه المبارك نقَل الإمام شمس الدين محمد ابن المحب رحمه الله تعالى، ومنه نقلتُ:
فصل
"الكلام" الذي ذمَّه ونهى عنه الأئمَّة والسَّلفُ الصالح، كما هو مشهورٌ متواترٌ عنهم في كتب السُّنَّة والحديث والتصوُّف وكلام الفقهاء وغيرهم، وقد جمع فيه شيخُ الإسلام الأنصاري كتابه المشهور (١)، ولمالك والشافعي والإمام أحمد وغيرهم في ذلك نصوصٌ مشهورة = قد حصل فيه اضطراب؛ فإن من الناس من يعتقدُ أنهم نَهَوا عن جنس الاستدلال والمجادلة في أصول الدين، ثم تحزَّبوا حزبين، بل ثلاثة:
* حزبٌ رأوا ذلك عجزًا وتفريطًا، وإضاعةً لواجب الدين أو مُسْتَحَبِّه، بل إضاعةً لأصوله التي لا يتم إلا بها؛ فطعنوا في السَّلف ومن اتبعهم، ورأوا لنفوسهم الفضلَ عليهم، مع ما هم فيه من الابتداع والضلال المشتمل على الجهل أو الظلم.
وهذه طريقة كثيرٍ من أهل الكلام المتفلسفة، لا سيما المتكلمون الذين لا يعظِّمون أهل الفقه والحديث، مثل كثيرٍ من المعتزلة والمتفلسفة؛ فإن لهم في هذا الضلال مجالًا رحبًا.
* وحزبٌ رأوا أن ما فهموه من كلام الأئمَّة والسَّلف هو الصواب، لِمَا علموه من فضلهم؛ فأعرضوا عن جنس النظر والاستدلال في ذلك، وعن
стр. 3216
جنس المحاجَّة والمجادلة، ورأوا ذلك هو السَّلامة والورع والاتباع، فوقعوا في التفريط في جنب الله، وإضاعة بعض العلم بدين الله وبعض الكلام فيه، ولزم من ذلك استيلاء أهل التحريف والإلحاد عليهم وعلى المسلمين، فوقعوا هم في الجهل البسيط، ووقع أولئك ومن اتبعهم في الجهل المركَّب (١).
وكان من سبب ذلك أنهم فهموا من كلام السَّلف أعمَّ مما أرادوه، كما قررتُ نظير ذلك في "قاعدة السُّنَّة والبدعة" (٢).
وقد يؤول بهم الأمر إلى الإعراض عن آيات الله تعالى، وترك اتباع هدى الله، فإما أن يعرضوا عن ألفاظ النصوص فلا يقولونها ولا يسمعونها، وإما أن يكتفوا بمجرَّد قول اللفظ وسماعه من غير تدبرٍ له ولا فقهٍ فيه، ويرون أن عدم معرفة معاني الكتاب والسُّنَّة هي الطريقة التي سلكها السَّلف وأمَروا بها وعَنَوها في مواضع.
* وحزبٌ ثالث اعتقدوا فضلَ الأئمَّة والسَّلف، واعتقدوا الحاجة والانتفاع والاستحسان (٣) لِمَا خاضوا فيه من الكلام في أصول الدين؛ فقالوا: الذي نهى عنه السَّلف ﵃ هو الكلام الذي انتحله أهلُ البدع من
стр. 3217
المعتزلة ونحوهم ممن يخالفُ السُّنَّة، لا الكلام الذي تُنْصَرُ به السُّنَّة. وهذه طريقة البيهقي (١).
أو قالوا: الكلام يُنهى عنه في غير وقت الحاجة، ومع من يُفْسِدُه الكلام، ويؤمر به وقت الحاجة، ومع من ينفعُه الكلام. وهذه الطريقة قد يشير إليها ابن بطه (٢)، والقاضي (٣)، والغزالي (٤)، وآخرون.
فصل
و التحقيق أن الذي نهى عنه السَّلف هو الكلام المبتدَع الذي لم يَشْرَعه الله ولا رسوله، كما قد قرَّرتُ في "قاعدة السُّنَّة والبدعة" أن البدعة هي ما لم يُشْرَع من الدين (٥).
وغلبةُ اسم "الكلام" على الكلام المبتدَع كغلبة اسم "السَّماع" على السَّماع المبتدَع؛ فإن ناسًا لما أحدثوا سماع القصائد والتَّغبير، لتحريك قلوبهم وصلاحها، وإثارة مقاصدها ومَواجِدها، وأحدثَ آخرون كلامًا ونظرًا، لعِلْم قلوبهم، وصلاح عقائدهم، وتحقيق مقالهم = كان هؤلاء فيما
стр. 3218
أحدثوه من الأصوات المسموعة شبيهًا بهؤلاء فيما أحدثوه من الحروف المنطوقة.
وعبَّروا هم والمسلمون عن ذلك بأعمِّ صفاته، وهو السَّماع، والكلام، فإذا أُطلِق اسمُ "السَّماع" عند كثيرٍ من الناس، أو قيل: فلانٌ يحضر السَّماع، أو يقول به، وفلانٌ ينكر السَّماع وينهى عنه، انصرف الإطلاقُ إلى السَّماع المُحْدَث الذي هو موردُ النزاع.
وإن [كان] (١) السَّماع المشروع المأمور به، الذي هو واجبٌ تارةً ومستحبٌّ أخرى، هو سماعًا أيضًا، بل هو السَّماع المعروف في كلام من حَمِدَ السَّماعَ وأثنى عليه من المُحْتَذِين طريقة السَّلف ﵃.
وكذلك إذا أُطلِق لفظُ "الكلام" الذي يذمُّه وينهى عنه قوم، ويمدحُه ويأمر به آخرون، فإنه عندهم هو الكلام المُحْدَث.
وإن كان الكلامُ الذي أنزله الله تعالى هو أصدقَ الكلام وخيرَه وأفضلَه، وكلامُ النبي ﷺ والصَّحابة والتابعين والأئمَّة كلامًا (٢).
لكن خُصَّ المُحْدَثُ من النوعين باسم "الكلام" و"السَّماع"؛ لأن هذا الاسم بمجرَّده تعبيرٌ عنه، لا يدلُّ على حمدٍ ولا ذم، ولا أمرٍ ولا نهي، واللام فيه تنصرفُ إلى المعهود.
بخلاف ما كان من الكلام والسَّماع مشروعًا، فإن ذاك يُعَبَّر عنه بأخصِّ أسمائه، مثل: عِلم، وقرآن، وسماع القرآن، ونحو ذلك؛ لأن من عادة العرب
стр. 3219
وغيرهم في الخطاب: إذا كان تحت الجنس نوعان عبَّروا عن أشرفهما باسمه الخاصِّ، وتركوا الاسم المشترك للنوع المرجوح، كما فعلوا ذلك في مثل لفظ: دابة، وحيوان، وذوي الأرحام (١).
وقولنا: "كلام" أو "سماع" إنما هو تعبيرٌ عنه بالاسم المشترك بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغيِّ والرشاد، فإذا كان عندهم متميزًا بما يدل على أنه حقٌّ وهدًى ورشادٌ عبَّروا عنه بالاختصاص، كما أنه إذا كان متميزًا بما يقتضي أنه باطلٌ وضلالٌ وغيٌّ عبَّروا عنه بالاختصاص.
ولا ريب أن المُحْدَث من النوعين ليس حقًّا وهدًى ورشادًا من كلِّ وجه، ولا باطلًا وضلالًا وغيًّا من كلِّ وجه.
وهذا باتفاق جميع الطوائف؛ فإن القائلين بالكلام والسَّماع المُحْدَثَيْن يسلِّمون أن فيه (٢) ما هو باطلٌ وضلال، وأن كثيرًا من أهل الكلام ضلَّ، وكثيرًا من أهل السَّماع غوى، ويميِّز هؤلاء الكلامَ الصوابَ بصفاتٍ قد يكون في بعضها نزاعٌ بينهم، كما يميِّز أولئك السَّماعَ النافعَ بصفاتٍ يكون في بعضها نزاعٌ عند بعضهم.
والمنكرين (٣) للسَّماع والكلام المُحْدَثَيْن لا ينكرون أن في كلام المتكلمين ما قد يكون حقًّا وصوابًا، وأن السَّماع قد تحصُل به رقةٌ ومنفعةٌ
стр. 3220
للقلب، وإن كان تحصُل به أيضًا مضرَّة، كالخمر والميسر التي قال الله فيهما: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
ولهذا يقولون: فلانٌ صاحبُ علم، وفلانٌ صاحبُ كلام. وهذا كثيرٌ في كلامهم، مثل قول الإمام أحمد عن ابن أبي دؤاد: "لم يكن يعرفُ العلم ولا الكلام" (١)، وقوله: "عليكم بالعلم" (٢).
فصل
إذا عُرِف هذا، ف الكلام المبتدَع المذموم هو الذي ليس بمشروعٍ [ولا] مسنون ، وليس بحقٍّ ولا حسن، وهذان الوصفان متلازمان، فإن كلَّ مشروعٍ مسنونٍ فهو حقٌّ حسن، وكلَّ ما هو حقٌّ حسنٌ فهو مشروعٌ مسنون، وكذلك بالعكس.
وذلك أن الكلام نوعان: إنشاء، وإخبار.
فأما الإنشاء، فمثل: الأمر والنهي، فكلُّ أمرٍ ونهيٍ لا يكون موافقًا لأمر الله تعالى ونهيه فهو ضلالٌ وغيٌّ.
وأما الإخبار، وهو الغالبُ على فنِّ الكلام المتنازع فيه، فإنه إخبارٌ عن حقائق الأمور الموجودة والمعدومة، كالإخبار عن الله تعالى وصفاته
стр. 3221
وأفعاله، وعن المعاد وما يكون بعد الموت، وعما مضى قبلنا، وما سيكون بعدنا (١).
والإخبار عن هذه الأمور إن كان مطلوبًا فهو المسائل والأحكام، وإن كان طريقًا إلى المطلوب فهو الوسائل والأدلة.
فالكلام يشتمل على هذين الصنفين: المسائل، والدلائل، والذمُّ والنهيُ واقعٌ في هذين الجنسين:
* أما المسائل، فكلُّ جواب مسألةٍ خالف الكتابَ والسُّنَّة وما كان عليه السلف فهو بدعةٌ وضلالة، وهو من الكلام المذموم المنهيِّ عنه، سواءٌ كانت المسألة نفيًا أو إثباتًا، مثل: إنكار صفات الله أو بعضها الذي جاء به الكتابُ والسُّنَّة، وإنكار قَدَر الله وقدرته ومشيئته، أو إنكار محبَّته ورضاه وخُلَّته وتكليمه وعلوِّه على عرشه، أو إنكار فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والحوض والميزان والشفاعة والصراط ونحو ذلك من عقود أهل السُّنَّة التي أثبتتها نصوص الكتاب والسُّنَّة وآثار السَّلف.
ثم المُنْكِر لذلك أو بعضه هو مفترٍ (٢)، ولهذا كان السَّلف ﵃ يسمُّونهم: "أهل الفِرَى" (٣)، ويتأوَّلون فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾
стр. 3222
[الأعراف: ١٥٢]، قال أبو قلابة ﵁: "هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة" (١).
وهو مفترٍ من وجهين:
أحدهما: نفيُ ما أثبته الكتابُ والسُّنَّة، أو إثبات ما نفاه.
والثاني: تحريفُ النصوص بما يوافقُ ظنَّه وهواه، ودعواه أن ذلك هو معناها.
فهو مخبرٌ عن الأمور بخلاف ما هي عليه، ومخبرٌ عن النصوص بخلاف ما دلَّت عليه، فافترى في الوجودَين: العيني، والعِلْمي.
* وأما الدلائل، فإنهم كثيرًا ما يستدلُّون ويحتجُّون على الحقِّ الذي جاء به الكتابُ والسُّنَّة بحججٍ مُحْدَثةٍ باطلة، ثم تلك تُوقِعُهم في البدع المخالفة للكتاب والسُّنَّة، بمنزلة الذي يجاهد الكفَّار بقتالٍ محرَّم في الشريعة، فيزيل باطلًا بباطل (٢).
ولهذا كان السَّلف إذا قيل: فلانٌ يردُّ على فلان، قالوا: بكتابٍ وسنة؟ فإن قال: "نعم" صوَّبوه، وإن قال: "لا" قالوا: ردَّ بدعةً ببدعة (٣).
стр. 3223
وكثيرًا ممَّا أوقعهم ــ أو أكثر ما أوقعهم ــ في البدع المخالفة للكتاب والسُّنَّة احتجاجُهم لنوعٍ من الحقِّ بحجَّة مبتدعةٍ اعتقدوا أنها لا تَسْلَمُ من المناقضة والمعارضة إلا بما التزموه لتصحيحها من اللوازم التي قد يخالفون بها الكتابَ والسُّنَّة.
وكان مبدأ ذلك تكلُّمهم في "الجسم، والجوهر، والعَرَض"، وظنُّهم (١) أن بهذا التقسيم والترتيب يَثْبُت لهم وجودُ الصانع، وحدوثُ العالم، ونحو ذلك.
ف لم ينكر السَّلفُ مجرَّد إطلاق لفظٍ له معنًى صحيح ، كما يعتقده قومٌ من الناس من أهل الكلام وغيرهم؛ فإنَّا عند الحاجة إلى الخطاب نخاطبُ الرجل بالفارسية والرُّومية والتُّركية.
والنبيُّ ﷺ لما كتب إلى أهل اليمن، كتب إليهم بلغتهم التي يتخاطبون بها، وليست هي لغة قريش.
ولما قَدِمت أمُّ خالدٍ من أرض الحبشة، وكانت قد سمعت لغتهم، قال لها لما أعطاها الخَمِيصة: "يا أم خالد، هذا سَنَا" (٢)، والسَّنا بلسان الحبشة: الحَسَن، أراد مخاطبتَها بذلك إفهامًا لها وتطييبًا لنفسها.
ولا بأس أن يخاطِبَ المسلمُ كلَّ قومٍ بلغتهم التي يعرفون؛ لِقَصْدِ إفهامهم، إذا لم يحصُل المقصودُ بخطابهم بالعربية.
стр. 3224
لكن كَرِه السَّلفُ والأئمَّة، كمالك والشافعي والإمام أحمد التخاطبَ بغير العربية لغير حاجة (١)؛ لأنها شعارُ أهل القرآن والإسلام، وبها يَعْرِفون ما أُمِروا بمعرفته من أمر دينهم، ولمعاني أُخَر ذكرتُها في "اقتضاء الصِّراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم" (٢).
فلم تكن كراهةُ السَّلف لمجرَّد اللفظ.
ولا كَرِهوا أيضًا معنًى صحيحًا يكون دليلًا على حقٍّ، كما يتوهَّمه أيضًا هؤلاء، ويقولون: "إن كُرِه اللفظُ فهو اصطلاحيٌّ كاصطلاحات سائر العلماء من الفقهاء والنحاة، وإن كُرِه المعنى فلا يريد (٣) إلا الدلالة على أصول الدين، مثل: ثبوت الصانع، ووحدانيته، وصحة الرسالة والنبوة" (٤)؛ فإن هذا المعنى لم يكرهه السَّلف، ولا يكرهه مؤمنٌ عليم.
كيف والقرآن من أوله إلى آخره إنما هو في تقرير هذه المعاني التي هي أعلامُ علوم الدين، وأشرفُ مقاصد الرسل؟!
وقد صرَّف الله في القرآن الدَّلالات بوجوه المقاييس (٥)، وضرب الأمثال، وأنواع القصص، وغير ذلك مما هو دليلٌ ومرشدٌ إلى الإيمان بهذه الأصول.
стр. 3225
وكيفَ وعلمُ الإيمان بهذه الأصول هو أفضلُ علمٍ في الدين، والكاملون فيه هم خلاصةُ الأمة؟!
وبمثله برَّز السابقون والمقرَّبون، وقيل في الصدِّيق ﵁ صدِّيق الأمة: "ما سبقهم أبو بكرٍ بفضل صلاةٍ ولا صيام، ولكن بشيءٍ وَقَر في قلبه" (١).
وقد مدح الله أهلَ العلم به في غير موضع، وقال فيهم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال فيهم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي﴾ [سبأ: ٦]، إلى غير ذلك مما ليس هذا موضعه.
فكيف يكره السَّلفُ ﵃ معانٍ إما هي واجبةٌ وإما مستحبَّة؟!
وكيف وهؤلاء السَّلف لهم من الدلائل والبراهين في مسائل السُّنَّة والردِّ على أهل البدع ما ليس هو لمن ذمُّوه من أهل الكلام؟! وإن أنكروا الطرق والدلائل المُحْدَثة المبتدَعة؛ لما فيها من الفساد والتناقض، وأنها من جنس الكذب والخطأ.