← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وأفعاله، وعن المعاد وما يكون بعد الموت، وعما مضى قبلنا، وما سيكون بعدنا (١). والإخبار عن هذه الأمور إن كان مطلوبًا فهو المسائل والأحكام، وإن كان طريقًا إلى المطلوب فهو الوسائل والأدلة. فالكلام يشتمل على هذين الصنفين: المسائل، والدلائل، والذمُّ والنهيُ واقعٌ في هذين الجنسين: * أما المسائل، فكلُّ جواب مسألةٍ خالف الكتابَ والسُّنَّة وما كان عليه السلف فهو بدعةٌ وضلالة، وهو من الكلام المذموم المنهيِّ عنه، سواءٌ كانت المسألة نفيًا أو إثباتًا، مثل: إنكار صفات الله أو بعضها الذي جاء به الكتابُ والسُّنَّة، وإنكار قَدَر الله وقدرته ومشيئته، أو إنكار محبَّته ورضاه وخُلَّته وتكليمه وعلوِّه على عرشه، أو إنكار فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والحوض والميزان والشفاعة والصراط ونحو ذلك من عقود أهل السُّنَّة التي أثبتتها نصوص الكتاب والسُّنَّة وآثار السَّلف. ثم المُنْكِر لذلك أو بعضه هو مفترٍ (٢)، ولهذا كان السَّلف ﵃ يسمُّونهم: "أهل الفِرَى" (٣)، ويتأوَّلون فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾

стр. 3222

[الأعراف: ١٥٢]، قال أبو قلابة ﵁: "هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة" (١). وهو مفترٍ من وجهين: أحدهما: نفيُ ما أثبته الكتابُ والسُّنَّة، أو إثبات ما نفاه. والثاني: تحريفُ النصوص بما يوافقُ ظنَّه وهواه، ودعواه أن ذلك هو معناها. فهو مخبرٌ عن الأمور بخلاف ما هي عليه، ومخبرٌ عن النصوص بخلاف ما دلَّت عليه، فافترى في الوجودَين: العيني، والعِلْمي. * وأما الدلائل، فإنهم كثيرًا ما يستدلُّون ويحتجُّون على الحقِّ الذي جاء به الكتابُ والسُّنَّة بحججٍ مُحْدَثةٍ باطلة، ثم تلك تُوقِعُهم في البدع المخالفة للكتاب والسُّنَّة، بمنزلة الذي يجاهد الكفَّار بقتالٍ محرَّم في الشريعة، فيزيل باطلًا بباطل (٢). ولهذا كان السَّلف إذا قيل: فلانٌ يردُّ على فلان، قالوا: بكتابٍ وسنة؟ فإن قال: "نعم" صوَّبوه، وإن قال: "لا" قالوا: ردَّ بدعةً ببدعة (٣).

стр. 3223

وكثيرًا ممَّا أوقعهم ــ أو أكثر ما أوقعهم ــ في البدع المخالفة للكتاب والسُّنَّة احتجاجُهم لنوعٍ من الحقِّ بحجَّة مبتدعةٍ اعتقدوا أنها لا تَسْلَمُ من المناقضة والمعارضة إلا بما التزموه لتصحيحها من اللوازم التي قد يخالفون بها الكتابَ والسُّنَّة. وكان مبدأ ذلك تكلُّمهم في "الجسم، والجوهر، والعَرَض"، وظنُّهم (١) أن بهذا التقسيم والترتيب يَثْبُت لهم وجودُ الصانع، وحدوثُ العالم، ونحو ذلك. ف لم ينكر السَّلفُ مجرَّد إطلاق لفظٍ له معنًى صحيح ، كما يعتقده قومٌ من الناس من أهل الكلام وغيرهم؛ فإنَّا عند الحاجة إلى الخطاب نخاطبُ الرجل بالفارسية والرُّومية والتُّركية. والنبيُّ ﷺ لما كتب إلى أهل اليمن، كتب إليهم بلغتهم التي يتخاطبون بها، وليست هي لغة قريش. ولما قَدِمت أمُّ خالدٍ من أرض الحبشة، وكانت قد سمعت لغتهم، قال لها لما أعطاها الخَمِيصة: "يا أم خالد، هذا سَنَا" (٢)، والسَّنا بلسان الحبشة: الحَسَن، أراد مخاطبتَها بذلك إفهامًا لها وتطييبًا لنفسها. ولا بأس أن يخاطِبَ المسلمُ كلَّ قومٍ بلغتهم التي يعرفون؛ لِقَصْدِ إفهامهم، إذا لم يحصُل المقصودُ بخطابهم بالعربية.

стр. 3224

لكن كَرِه السَّلفُ والأئمَّة، كمالك والشافعي والإمام أحمد التخاطبَ بغير العربية لغير حاجة (١)؛ لأنها شعارُ أهل القرآن والإسلام، وبها يَعْرِفون ما أُمِروا بمعرفته من أمر دينهم، ولمعاني أُخَر ذكرتُها في "اقتضاء الصِّراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم" (٢). فلم تكن كراهةُ السَّلف لمجرَّد اللفظ. ولا كَرِهوا أيضًا معنًى صحيحًا يكون دليلًا على حقٍّ، كما يتوهَّمه أيضًا هؤلاء، ويقولون: "إن كُرِه اللفظُ فهو اصطلاحيٌّ كاصطلاحات سائر العلماء من الفقهاء والنحاة، وإن كُرِه المعنى فلا يريد (٣) إلا الدلالة على أصول الدين، مثل: ثبوت الصانع، ووحدانيته، وصحة الرسالة والنبوة" (٤)؛ فإن هذا المعنى لم يكرهه السَّلف، ولا يكرهه مؤمنٌ عليم. كيف والقرآن من أوله إلى آخره إنما هو في تقرير هذه المعاني التي هي أعلامُ علوم الدين، وأشرفُ مقاصد الرسل؟! وقد صرَّف الله في القرآن الدَّلالات بوجوه المقاييس (٥)، وضرب الأمثال، وأنواع القصص، وغير ذلك مما هو دليلٌ ومرشدٌ إلى الإيمان بهذه الأصول.

стр. 3225

وكيفَ وعلمُ الإيمان بهذه الأصول هو أفضلُ علمٍ في الدين، والكاملون فيه هم خلاصةُ الأمة؟! وبمثله برَّز السابقون والمقرَّبون، وقيل في الصدِّيق ﵁ صدِّيق الأمة: "ما سبقهم أبو بكرٍ بفضل صلاةٍ ولا صيام، ولكن بشيءٍ وَقَر في قلبه" (١). وقد مدح الله أهلَ العلم به في غير موضع، وقال فيهم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال فيهم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي﴾ [سبأ: ٦]، إلى غير ذلك مما ليس هذا موضعه. فكيف يكره السَّلفُ ﵃ معانٍ إما هي واجبةٌ وإما مستحبَّة؟! وكيف وهؤلاء السَّلف لهم من الدلائل والبراهين في مسائل السُّنَّة والردِّ على أهل البدع ما ليس هو لمن ذمُّوه من أهل الكلام؟! وإن أنكروا الطرق والدلائل المُحْدَثة المبتدَعة؛ لما فيها من الفساد والتناقض، وأنها من جنس الكذب والخطأ.

стр. 3226

فتدبَّر هذا؛ فإنه فرقانٌ يفرِّق الله به بين الحقِّ والباطل (١). وإنما أضربُ لك أمثلةً من أدلتهم وحججهم الفاسدة، كما ضربتُ لك أمثلةً من مسائلهم الفاسدة. وذلك أن أهل الكلام من أهل قبلتنا يأخذون كثيرًا في (٢) الردِّ على من خالف المسلمين (٣) من المشركين والمجرمين واليهود والنصارى، ويأخذ كثيرٌ منهم في الردِّ على من خالف السُّنَّة في بعض المواضع، وإن كان الرادُّ قد يخالفُ هو السُّنَّة في موضعٍ آخر (٤). فيريدون أن يثبتوا وحدانية الصَّانع وكماله، ويثبتون (٥) نبوَّة محمد ﷺ ، ويسمُّون هذه المطالب "العقليات"؛ لاعتقادهم أنها لا تثبتُ إلا بالعقل الذي ادَّعوه وكانوا مختلفين في طرقه! وقد يعتقدون أن الكتابَ والسُّنَّة لم تبيِّن أدلة هذه المطالب الشريفة! والقرآن مملوءٌ منها. ولم يعلموا أن [كون] (٦) العقل قد يعلمُ صحَّتها لا يمنع أن يكون الشرعُ

стр. 3227

دلَّ عليها وأرشد إليها، فهي شرعيةٌ عقلية، بل ما يبيِّنه الكتابُ والسُّنَّة من أدلة هذه المطالب فوق ما في قُوى البشر، ولم يأت أهلُ الفلسفة والكلام من ذلك إلا بحقٍّ قليلٍ مخلوطٍ بباطلٍ كثير، فلبَسُوا الحقَّ بالباطل. آخر ما وُجِد من ذلك

стр. 3228

مسألة في مذهب الشافعي في القرآن وكلام الله

стр. 3229

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، وصلى الله على سيد المرسلين * ما تقول السادة العلماء أئمَّة الدين ﵃ أجمعين في رجلٍ قال له شخصٌ: يا فلان، ما مذهبك؟ قال: شافعيُّ المذهب. فقال له ذلك الشخص: بل أنت حنبلي. قال: ولِمَ؟ قال: لأنك تعتقد اعتقاد الحنابلة، تزعم أن القرآن كلام الله. فقال له: فكلامُ من هذا القرآن؟ فقال: يصلحُ أن يكون كلام جبريل. وقيل له: أنت تقول: القرآن كلام جبريل؟ فقال: أيُّ قرآن؟ فقيل له: وللناس قرآنان؟! فقال: نعم. وقال: من زعم أن هذا القرآن الذي يقرؤه الناسُ كلام الله فهو حلوليٌّ يقول بقول النصارى الذين يقولون بحلول القديم بالمُحْدَث! فهل أصاب في هذه الإطلاقات أم أخطأ؟ وهل يستتابُ منها أم لا؟ وهل يكفر إن دعا إليها وأصرَّ عليها بعد بيان الأدلة من الكتاب والسُّنَّة وإجماع السَّلف أم لا؟ أفتونا مأجورين، وابسطوا لنا القول. فأجاب الشيخ أبو العباس أحمد ابن تيمية ﵀، فقال: الحمد لله ربِّ العالمين. كلام هذا السائل فيه افتراءٌ على الشافعيِّ ﵁ ومذهبه، يستحقُّ به التعزير البليغ بافترائه على أئمَّة المسلمين ومذاهبهم. وفيه افتراءٌ على الله وكتابه، يستحقُّ به أن يستتاب، فإن تاب وأقرَّ أن القرآن كلام الله وإلا ضُرِبت عنقُه. * أما الأول، فإنه يقتضي أن مذهب الشافعيِّ ﵁ أن القرآن ليس كلام الله. وهذا افتراءٌ على الشافعي ومذهبه، وكلُّ من عرف مذهب الشافعيِّ

стр. 3230

علم بالاضطرار أن مذهبه أن القرآن كلام الله ليس شيءٌ منه كلامًا لغيره. وإن كان بعض المنتسبين إليه قال قولًا يخالفُ ذلك فالشافعيُّ ﵀ بريءٌ منه، كبراءة عليٍّ ﵁ من الرافضة، وبراءة سائر الأئمَّة مالك وأبي حنيفة وأحمد من الرافضة والمعتزلة والحلولية ومِن هذا القول المذكور، وإن كان من المنتسبين إلى الأئمَّة من يقول ببعض أقوال هؤلاء. وهذا القول إنما يضافُ إلى بعض المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري، والشافعيُّ ﵁ كان قبل الأشعري، ومات رحمة الله عليه قبله بأكثر من مئة سنة (١). وأصحابه العارفون بمذهبه، كالشيخ أبي حامد الإسفراييني إمام الطريقة العراقية، والشيخ أبي محمد الجويني شيخ الخراسانيين، وغيرهما، يذكرون أن مذهب الشافعي في مسألة كلام الله ﵎ هو مذهب أحمد بن حنبل وسائر أئمَّة المسلمين، وأنه ليس هو القول المضاف إلى الأشعري (٢). مع أن الأشعريَّ لا يُطْلِقُ القول بأن القرآن كلام جبريل، بل يقول: إن القرآن كلام الله ، لكن هو صنَّف في الردِّ على الفلاسفة والمعتزلة والرافضة وغيرهم، وانتصر لمذهب أهل الحديث والسُّنَّة، وانتسب إلى الإمام أحمد وسائر أئمَّة السُّنَّة، وأثبت الصفات الواردة في القرآن، وأبطل

стр. 3231

تأويل النُّفاة لها، ولم يختلف كلامه في ذلك، بل جميع كتبه المصنَّفة بعد رجوعه عن قول المعتزلة ليس فيها إلا هذا القول. وكذلك أئمَّة أصحابه، كالقاضي أبي بكرٍ (١) وأمثاله. وقال في آخر مصنَّفاته (٢): "فإن قال قائل: قد أنكرتم قول الجهميَّة والقدريَّة والرافضة والحرورية والمرجئة، فعرِّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تَدِينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي نَدِينُ بها: التمسُّك بكتاب ربنا، وبسنَّة نبينا، وبما روي عن الصَّحابة والتابعين وما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون، ولما خالف قولهم مجانبون؛ فإنه الإمام الكامل، والرئيس الفاضل، الذي أبان الله به الحقَّ، وأوضح به المنهاج، وقمع به بِدَع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشكَّ الشاكِّين، فرحمة الله عليه من إمامٍ مقدَّم، وكبيرٍ مفهَّم، وعلى جميع أئمَّة المسلمين"، وذكر جملة اعتقاده الذي حكاه عنه الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر في كتاب الذَّبِّ عنه (٣). وكان القاضي أبو بكر بن الطيِّب ــ من أجلِّ أتباعه ــ يكتبُ أحيانًا في أجوبته: "محمد بن الطيِّب الحنبلي" (٤).

стр. 3232

ومع هذا، فاعتقاد أهل السُّنَّة ليس لأحدٍ من الأئمَّة به اختصاص، لا لأحمد ولا للشافعي ولا غيرهما، بل هو التصديق بما جاء به الرسول ﷺ من ربه ﵎. فأهل السُّنَّة يؤمنون بما أخبر الله به ورسولُه، وهذا هو أصلُ اعتقادهم، وإنما الأئمَّة مبلِّغون لذلك، ومثبتون له، و [منكرون] (١) لقول من خالفه. فأبو الحسن الأشعريِّ صنَّف في الردِّ على أهل البدع الكبار مصنفاتٍ، وسلك في مسألة الكلام والصفات مسلك أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب. وكان ابن كُلَّاب قد صنَّف في إثبات الصفات والردِّ على المعتزلة مصنفاتٍ، لكنه سلك في إثبات حدوث العالم طريقة المعتزلة المعروفة بطريقة الأعراض، المبنية على امتناع دوام الحوادث. وهذه الطريقة أنكرها أئمَّة السُّنَّة، وهي أصلُ الكلام الذي أنكره مالكٌ والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وهو المنقول إنكارُه عن أبي حنيفة وأئمَّة أصحابه (٢). وهي الطريقة التي استطالت بها عليهم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم (٣)؛ فإنهم ظنُّوا أنهم يثبتون بها حدوث العالم، فعُورِضوا بأنها توجبُ

стр. 3233

قِدَم العالم، وبين أن القول بها نشأ من القول بحدوث العالم، بل وبإثبات الصانع (١). فلما سلك أبو محمد ابن كُلَّاب هذا المسلك، اضطرَّه التقسيمُ إلى أن جعل كلام الله معنًى واحدًا قائمًا بذات الله، هو الأمرُ بكلِّ ما أمَر به، والخبرُ عن كلِّ ما أخبَر به، إن عُبِّر عنه بالعِبرانية كان توراةً، وإن عُبِّر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وإن عُبِّر عنه بالعربية كان قرآنًا. واتفق جمهور العقلاء من أهل السُّنَّة والبدعة على أن هذا القول معلومُ الفساد بالضرورة. واضطرَّه ذلك إلى أن جَعَل الكلام العربيَّ مخلوقًا، وأنه ليس هو كلام الله، وأن القرآن العربيَّ الذي نزل به جبريلُ على محمدٍ ليس هو كلام الله، ولم يتكلَّم به، وإنما كلامه ذلك المعنى الذي هو الأمر والنهي. فوافق المعتزلةَ على القول بخلق القرآن الذي قالوا: إنه مخلوق، وأثبت كلامًا قديمًا. فبيَّن جمهورُ العقلاء أنه لا حقيقة له. فصار بعض المنتسبين إليه يقول: إن القرآن العربيَّ خلقه الله في بعض الأجسام، كما قالته المعتزلة.

стр. 3234

وبعضهم يقول: بل هو تأليفُ جبريل ونظمُه، فَهِمَ عن الله معانيَ (١) مجرَّدة، ثم عبَّر عنها. فقال له من أراد بيان فساد هذا: [هذا] تشبيهٌ (٢) للربِّ سبحانه بالأخرس الذي في نفسه معنًى [لا] يمكنه التعبيرُ [عنه]، فيجيء من فَهِم مراده فيُعَبِّرُ عنه (٣). لكن الأخرس يُفْهَمُ ما في نفسه بإشارته وإيمائه، وهذا عنده ممتنعٌ على الربِّ سبحانه، بل طريقُ ذلك أن يَخْلُقَ في نفس جبريل علمًا بمراده، من جنس الإلهام. وحينئذٍ فيكون جبريلُ أُلْهِمَ شيئًا عبَّر عنه وجاء به إلى محمدٍ ﷺ ؛ فيكون من أُلْهِمَ مرادَه أن يُرى (٤) بمنزلة جبريل الذي أخذ عنه محمدٌ ﷺ . ولهذا يقول من بنى على هذا الأصل، كابن عربي: أنا آخذُ من المعدن الذي يأخذُ منه الملَكُ الذي يوحي به إلى الرسول (٥). وقد فرَّق الله بين الوحي وبين التكليم الخاصِّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ

стр. 3235

وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤] , ففرَّق بين إيحائه إلى سائر الأنبياء وتكليمه لموسى (١). وكذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] , فجعل تكليمَه للبشر ثلاثة أصناف (٢): أحدها: الإيحاء إليهم. والثاني: التكليم من وراء حجاب، كما كلَّم موسى. والثالث: أن يرسل رسولًا، فيوحيَ بإذنه ما يشاء. فإن كان جبريلُ لم يأخذ القرآن عن الله إلا وحيًا كان إيحاءُ الله بلا واسطة جبريلَ أعظم، فتكون إلهاماتُ عمر بن الخطاب أفضل من القرآن وأعلى بدرجتين؛ لأن القرآن أخذه محمدٌ عن جبريل، وجبريلُ عن إلهام الله، وعمرُ [أخذ] الإلهام عن الله! وقال بعضهم: إن جبريل أخذ القرآن عن اللوح المحفوظ.

стр. 3236

وعلى هذا تكون اليهودُ أعظم قدرًا عند الله من محمدٍ ﷺ ؛ لأن الله كتب التوراة لموسى، وأنزلها مكتوبةً، فتلقَّى بنو إسرائيل ما في الألواح عن الله. فإن كان جبريلُ إنما أخذ القرآن عن اللوح، صار جبريلُ كبني إسرائيل، وصار محمدٌ كمن أخذ كلام الله عن بني إسرائيل! وإذا كان هذا باطلًا وكفرًا فما استلزم الباطلَ فهو باطل (١). وأيضًا، فتفريقُ الله بين "الإيحاء" و"التكليم" دليلٌ على أن الله كلَّم موسى بكلامٍ سمعه موسى، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣]. ومن قال: "الكلام مجرَّد معنًى قائمٍ بالنفس" يقول: تكليمُ موسى إنما هو خلقٌ لطبيعةٍ فيه أدرك بها ذلك المعنى. ثم إنهم يقولون: إن ذلك المعنى لا يتبعَّض، فقال لهم بعض أهل العلم: فموسى أدركَ جميعَ المعنى القائم بالذات أو بعضه؟ إن قلتم: الجميع، فيكون موسى قد أدرك جميع كلام الله، وعَلِمَ جميع ما تكلَّم الله به، وكلامُه متضمنٌ (٢) لكلِّ خبرٍ أخبر الله به، فيكون موسى قد علم جميعَ ما أخبَر به الأولين والآخرين! وهذا معلومُ الفساد بالضرورة، ولو لم يكن إلا ما أتاه الخضر، فإن موسى لم يعلم ذلك، بل قال له الخضر لما نقر العصفورُ في البحر نقرة: "ما نقص علمي وعلمُك من علم الله إلا كما نَقَصَ هذا العصفورُ من هذا

стр. 3237

البحر" (١). وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع (٢). وبالجملة، فنحن نعلمُ بالاضطرار من دين محمدٍ ﷺ أن القرآن كلام الله، ليس كلامًا لغير الله، لا لمحمدٍ ولا جبريل ولا غيرهما، ولكن الله يضيفه إلى هذا الرسول تارة، وإلى هذا الرسول تارة؛ لكونه بلَّغه وأدَّاه، لا لأنه أنشأه وابتداه. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠]، فالرسول هنا: جبريل. وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، فالرسول هنا: محمدٌ ﷺ ، ولم يقل: لَقَوْلُ ملَكٍ ولا نبيٍّ. بل كفَّر من قال: إنه قولُ البشر، كما في الوحيد الذي قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ الآية (٣) [المدثر: ٢٥ - ٢٦]. وقول القائل: "إنه قولُ مَلَكٍ أو نبيٍّ (٤) " من جنس قوله: "إنه قول

стр. 3238

البشر"، كلُّ ذلك كفر. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، فأخبر أن جبريل نزَّله من الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: ١ - ٢]، ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١ - ٢]، ونظائره كثيرة. فصل وأما قول القائل: "من زعم أن القرآن الذي يقرؤه الناسُ كلام الله فهو حلوليٌّ يقول بقول النصارى الذين يقولون بحلول القديم في الحادث"، فهذا يدلُّ على جهله بدين المسلمين ودين النصارى! * أما المسلمون، فإنهم إذا قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] لم يريدوا (١) بذلك أن الكلام الذي تكلَّم به الربُّ وقام بذاته انتقل إلى القُرَّاء؛ فإن الانتقال ممتنعٌ على صفات المخلوقين، فكيف على صفات الخالق؟! والمسلمون إذا سمعوا كلام النبي ﷺ ، وبلَّغوه عنه، وقالوا: إنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (٢)، كانوا مبلِّغين لكلام

стр. 3239

النبي ﷺ بحركاتهم وأصواتهم، لا بصوت النبي ﷺ ، ولم يكن ما قام به من كلامه ــ حروفه ومعانيه ــ منتقلةً عنه ولا حالَّةً فيهم. فكيف يقال: إن جبريل سمع كلام الله من الله، وبلَّغه إلى رسوله محمد، فيكون شيءٌ (١) من كلام الله منتقلًا عن ذات الله وحالًّا بجبريل، فضلًا عن أن ينتقل إلى البشر ويحلَّ بهم؟! بل الكلامُ كلامُ من قاله مبتدِئًا، لا كلامُ من قاله مبلِّغًا مؤدِّيًا (٢). وموسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة، وأما المسلمون فإنما سمعوه من المبلِّغين عنه، لم يسمعوه من الله . والفرق بين السَّماعَيْن ظاهر، هذا سماعٌ بواسطةٍ وهذا سماعٌ بلا واسطة، كما أن الشمس والقمر والكواكب قد يراها بطريق المباشرة، وقد يراها بواسطة ماءٍ أو مرآةٍ أو جسمٍ صقيل؛ فهذه رؤيةٌ مقيَّدةٌ بواسطة، لم يباشِرْها بالرؤية. وكذلك السامع لكلام المتكلِّم من المبلِّغ عنه، هو سمعٌ مقيَّدٌ بواسطة، لم يباشره بالسَّمع (٣). وإذا قيل: "رسول الله بلَّغ عن ربه"، و"حكى عن ربه"، و"حدَّث عن ربِّه"، و"روى عن ربِّه"، كان صحيحًا. وإذا قيل: "هذا حكاية القرآن"، بمعنى أن أحدًا يحاكي كلام الله، فيأتي

стр. 3240

بمثله (١)، فهذا باطل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. ومن قال: "إن المداد الذي في المصاحف، والأصوات المسموعة من القُرَّاء، قديمةٌ أزليَّة"، فهو ضالٌّ ضلالًا مبينًا، مخالفٌ لصريح المعقول والمنقول، ولم يقل هذا أحدٌ من أئمَّة المسلمين، لا أبو حنيفة، ولا مالك، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا جماهير أصحابهم (٢). كما أن القول بأنه معنًى واحدٌ قائمٌ بالذات قولٌ مخالفٌ لصريح المعقول والمنقول، لم يقله أحدٌ من أئمَّة المسلمين ولا جماهير أصحابهم. * وأما مذهب النصارى، فإن عندهم أن أُقْنُومَ الكلمة هو جوهرٌ قائمٌ بنفسه، يخلقُ ويرزق، ويغفرُ ويرحم، وهو الإله المعبود، وهو المتَّحدُ بالمسيح. فالكلمة عندهم ليست مجرَّد (٣) صفةٍ قائمة بالمتكلِّم، ولا الحلولُ عندهم حلول صفة الله في غيره، بل نفس المسيح عندهم إلهٌ يغفرُ ويرحم، ويقيمُ القيامة. فالحلول الذي تقوله النصارى يشبه قول من يقول في بعض البشر: إنه إله، كما تقوله الغاليةُ في الأئمَّة والشُّيوخ.

стр. 3241

فإن كان في المسلمين من يقول: إنه (١) من القرآن، فقد صار إلهًا، فهذا يقول بقول النصارى. وإن لم يكن في المسلمين من يقول ذلك فهذا كذبٌ (٢) على المسلمين (٣). وهذه نكتةٌ مختصرة؛ إذ كان جوابُ هذه الورقة مبسوطًا في غير هذا الموضع. والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمدٍ وآله. وكان الفراغ على يد العبد الفقير الحقير المقر بالذنب والتقصير راجي عفو ربه السميع البصير محمد بن حمد بن نصر الله، غفر الله له ولوالديه.

стр. 3242

مسألة في الأولياء والصالحين والأقطاب والأبدال ورجال الغيب

стр. 3243

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربِّ العالمين. وسئل شيخ الإسلام ومفتي الأنام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني ﵁: عن الحديث المرويِّ على ألسنة الناس: "ما من جماعةٍ اجتمعوا إلا وفيهم وليٌّ لله تعالى، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه"، هل هو صحيحٌ أم لا؟ ومن أولياء الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ ومن الصَّالح؟ وهل لرجال الغيب حقيقة؟ وهل ينبتُ الشَّعرُ على أبدانهم، فيستغنوا به في جميع أوقاتهم عن لبس الثياب، ويقيهم من الحرِّ والبرد، ويستُر عوراتهم، أم لا؟ وما معنى الأبدال والقُطْب؟ وهل يكونون في البراري والجبال، أم في المدن بين أظهر الناس؟ وهل لهم علامةٌ يُعْرَفون بها أم لا يعلمهم إلا الله ؟ أجاب شيخ الإسلام ﵁: الحمد لله ربِّ العالمين. * أما الحديث المذكور أنه "ما من جماعةٍ اجتمعوا إلا وفيهم وليٌّ لله"، فلا أصل له (١)، وهو كلامٌ باطل؛ فإن الجماعة قد يكونون كفارًا مشركين

стр. 3244

وكتابيِّين، وقد يكونون فسَّاقًا يموتون على الفسق. * وأما أولياء الله ، فهم الموصوفون في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون. والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهم قسمان: مقتصِدون، ومقرَّبون (١). فالمقتصِدون: الذين يتقرَّبون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب والجوارح. والسَّابقون: الذين يتقرَّبون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، كما روى البخاري في صحيحه (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى

стр. 3245

أحِبَّه، فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصرُ به، ويدَه التي يبطشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يسعى، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي (١) لأعيذنَّه، وما تردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموتَ وأكره مساءته، ولا بدَّ له منه" (٢). والوليُّ: خلاف العدوِّ. وهو مشتقٌّ من الوَلاء، وهو الدنوُّ والتقرُّب (٣). والتقرُّب

стр. 3246

فوليُّ الله: هو من والى الله بموافقته في محبوباته، إليه بمرضاته. وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، قال أبو ذرٍّ ﵁: لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "يا أبا ذر، لو عمل الناسُ كلُّهم بهذه الآية لكفتهم" (١). فالمتقون يجعلُ الله لهم مخرجًا مما ضاق على الناس، ويرزقُهم من حيث لا يحتسبون، فيدفعُ الله عنهم المضارَّ، ويجلبُ لهم المنافع، ويعطيهم الله أشياء يطول شرحُها من المكاشفات والتأثيرات (٢). فصل * وأما الصَّالح، فهو: المطيعُ لله ورسوله. وهو أيضًا: القائمُ بما وجب عليه لله ولخلقه. وهو أيضًا: المؤدِّي للواجبات، المجتنب للمحرَّمات. وهو أيضًا: البَرُّ.

стр. 3247

وهو أيضًا: العَدْل. وهو أيضًا: وليُّ الله. كلُّ هذه أسماءٌ متكافئةٌ (١) في الكتاب والسُّنَّة، أو متقاربة، وإن كان بعض الناس قد يفرِّق بينهم في عُرْفِه. وهم قسمان، كما تقدَّم: المقتصِدون أصحابُ يمين، والسابقون المقرَّبون، كما ذكر الله تعالى هذين القسمين مع القسم الثالث في سورة فاطر، والواقعة، وسورة الإنسان، وسورة المطففين (٢)، وأخبر أن الأبرار ــ وهم عموم المؤمنين والأولياء ــ يشربون من كأسٍ ممزوجةٍ بالشراب الذي يشربُ به المقرَّبون عبادُ الله، وهم خصوصُ الصالحين، وخصوصُ أولياء الله تعالى. فصل * وأما رجالُ الغيب الذين يَغِيبون عن الناس، فلا يراهم إلا بعض الناس في البراري والجبال والمغارات المنقطعة عن الناس، فهم من الجنِّ لا من الإنس، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].

стр. 3248

وقد يقول أحدهم لمن يراه: "أنا الخَضِر"، أو "أنا من الأبدال"، أو "أنا من الأربعين التي في جبال لبنان"، وليس في جبل لبنان أحدٌ من الإنس يغيبُ عن الناس، والخَضِر ﵇ مات، وإنما ذلك شيطانٌ من الجنِّ يقترنُ بمن خالف الكتابَ والسُّنَّة (١). ومن الناس من يكونُ صالحًا وليًّا لله، ويكونُ حالُه غائبًا عن عامة الناس. نعم، يكونُ نورُ قلبه وهدى فؤاده وما فيه من أسرار الله وأمانته وأنواره ومعرفته غيبًا عن الناس، ويكونُ صلاحُه وولايتُه غيبًا عن أكثر الناس، وأسرار الله بينه وبين أوليائه، وأكثر الناس لا يعلمون، كما قال النبي ﷺ : "رُبَّ أشعث، أغبر، ذي طِمْرَين، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسَم على الله لأبرَّه" (٢). فأما أن يكون رجلٌ يغيبُ جسدُه عن أبصار الناس دائمًا، فهذا لا حقيقة له، وإن كان قد يغيبُ عن أبصار الناس بعض الأحيان، إما لدفع عدوٍّ عنه، وإما لغير ذلك، وذلك قد يكونُ لأولياء الله، وقد يكونُ للسَّحرة، لكن لا تدومُ الغَيبة (٣).

стр. 3249

[فصل] * وأما القُطْب، فهو مدارُ الأمر، كلُّ من دار عليه تدبيرُ أمرٍ من أمور الدين والدنيا فهو قطبُه، قد يكونُ الرجلُ قُطبَ داره ودربه وبلده، إما في أمرٍ معيَّنٍ من أمر الدين والدنيا، وإما في أمورٍ كثيرة، كما يكونُ رئيسُ القرية ووالي البقعة قطبًا في الأمور التي يدبِّرها (١)؛ فإن للقلوب من التأثير أكثر مما للأجساد (٢). فصل * وأما الأبدال، فقد جاء فيهم ما رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق الشاميين، وإسناده منقطع، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لا تسبُّوا أهل الشام؛ فإن النبي ﷺ قال: "إن فيهم الأبدال، أربعون رجلًا، كلما مات منهم رجلٌ أبدل الله تعالى مكانه رجلًا" (٣). وهذا ليس بصحيح. وفي غير هذا الحديث عن طائفةٍ أنهم يجعلون من الأبدال من هو في غير الشام. وقد فسَّر الناطقون بهذا الاسم معنى "الأبدال" بمعانٍ (٤): - فمن الناس من يقول: سُمُّوا أبدالًا لأنهم أبدال الأنبياء. - وقيل: كلما مات رجلٌ أبدل الله مكانه رجلًا.

стр. 3250

فكيف يُعْتَقَدُ أن الأبدال جميعهم في أهل الشام؟! هذا باطلٌ قطعًا. - وقيل: لأنهم بدَّلوا سيئاتهم حسنات. وفي الجملة فليس هذا الاسمُ من الدين الذي يجبُ الاعتناء به، ولا أصل له معتمدًا في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا ينبغي تعلُّق القلب به وبأمثاله من الأمور المجهولة التي ليس لها أصلٌ ثابتٌ في العلم الثابت المرويِّ عن نبينا ﷺ . فإن الله تعالى يقول: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]، فمن لم يأت على ما يقوله في الدين بكتابٍ من عند الله أو أثارةٍ عن رسول الله ﷺ وإلا فهو مُبْطِل. وقد قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ

стр. 3251

اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]؛ فكلُّ شيءٍ تنازع فيه المسلمون من أمر دينهم الباطن والظاهر، فعليهم ردُّه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فإن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإذا كان الله قد أكمل لهذه الأمة دينها على لسان نبيه ﷺ ، فإنه يجبُ أن يؤخذ جميعُ الدين من الرسول. والدين يتناول الأمور الباطنة في القلب، والظاهرة على الأجسام، فكلُّ ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله من الأمور الباطنة والظاهرة إن لم يكن مأخوذًا عن الرسول ﷺ وإلا كان من البدع المُضِلَّة. وقد قال رسول الله ﷺ : "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالك" (١). وكان يقول في خطبته: "إن أصدق الكلام كلامُ الله، وخير الهُدى هُدى محمد، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة" (٢).

стр. 3252

فكلُّ من أخذ دينه عن المجهولات صار في جاهليةٍ وبدعةٍ وضلالة. قال عمر بن عبد العزيز ﵁: "من عبد الله بغير علمٍ كان ما يُفْسِدُ أكثر مما يُصْلِح" (١). وقد قال الله في كتابه تعليمًا لنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالُّون" (٢). قال سفيان بن عيينة: "كانوا يقولون: من فسَد من العلماء ففيه شَبَهٌ من اليهود، ومن فسَد من العبَّاد ففيه شَبَهٌ من النصارى" (٣).

стр. 3253

وذلك أن اليهود كانوا يعرفون الحقَّ كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه. والنصارى عبدوا الله بغير علمٍ ولا شرع، بل كما قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. فمن فعل ما ذمَّه الله من اليهود، مثل الكِبْر، والحسد، وكتمان العلم، واتباع سبيل الغيِّ، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وجَحْد الحقِّ الذي يجيء به غيرُ أصحابهم، ونحو ذلك = ففيه من الشَّبه بهم بقدر ذلك. ومن فعل ما ذمَّه الله من النصارى، مثل الغلوِّ في الأنبياء والصالحين، وابتداع العبادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وتَرْك دين الحقِّ الذي شرعه الله لعباده، وتَرْك تحريم ما حرَّمه الله ورسوله، واتباع الأهواء بغير علمٍ ولا هدى، ووَضْع الشرائع بحكايةٍ أو منام، ونحو ذلك من أمور الضلال = ففيه من شَبَه النصارى بقدر ذلك. وهذا بابٌ يطول شرحُه (١)، وإنما ذكرنا ما تحتمل هذه الفتوى (٢).

стр. 3254

فصل * وأما سكَّان البادية والجبال، فليس ذلك مشروعًا لأهل الإسلام إلا عند حصول الفتنة في المِصْر، مثل أن يقتتل المسلمون، فيهاجر المرءُ إلى حيث يأمن على دينه حتى تَسْكُن الفتنة؛ فإن النبي ﷺ قال: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١). فأما أن يكون سُكنى البادية والغِيران مستحبًّا على الدوام، فليس ذلك من دين الإسلام، فضلًا عن أن يكون شعارًا لأهل ولاية الله والصَّلاح (٢). وإن كان طائفةٌ من الزهَّاد فعلوا ذلك: - ففيهم من كان معذورًا، لأجل السبب الذي أباح له ذلك. - ومنهم من كان مجتهدًا مخطئًا، يثيبُه الله على قصده الحسن وعمله الصالح، ويغفر له خطأه. - ومنهم من كان مذنبًا ذنبًا صغيرًا، يغفر الله له باجتناب الكبائر. - ومنهم من كان مذنبًا ذنبًا كبيرًا، أمره إلى الله تعالى، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له.

стр. 3255

- وفيهم من كان مارقًا من الدين، خارجًا عن شريعة سيد المرسلين. - وفيهم من كان كافرًا بالكلِّية، وإن كان له عبادةٌ وزهدٌ فعبادته كعبادة النصارى والمشركين. [فصل] * وأما نبات الشعر على أجسادهم، فهذا كذبٌ ومحال (١). وليس لأولياء الله وعباده الصالحين زيٌّ مخصوصٌ يتميَّزون به على غيرهم في الظاهر، لا حلقُ رأس، ولا لبسُ صوفٍ أو شَعر، ولا اعتزالٌ في المنزل دائمًا، ولا تركُ مخالطة الناس دائمًا، ولا غير ذلك من الأمور التي هي غير مستحبَّةٍ في الشريعة (٢). بل ولا من خصائصهم أو لوازمهم لزومُ شيءٍ معيَّن مستحبٍّ في الشريعة، ولا الزهدُ في فضول المباح، ولا صوم الاثنين والخميس، ولا صلاة الضحى، ولا التسوُّك، ولا غير ذلك (٣). بل أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، من جميع أصناف الناس، وتقوى كلِّ شخصٍ بحسب ما أمره الله تعالى به ونهاه. فولاة الأمور تقواهم في العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

стр. 3256

والحكم بالكتاب والسُّنَّة، بحسب الإمكان. وتقوى التاجر أن يكون صدوقًا أمينًا، مع ما يلزمه من الواجبات في غير تجارة. فكلُّ من آمن الإيمانَ الذي أمره الله تعالى به، واتقى الله التقوى التي (١) أمره الله تعالى بها، فهو من أولياء الله تعالى، سواء كان من العلماء، أو الأجناد، أو الزهَّاد، أو التجَّار، أو الصُّنَّاع (٢). فإن الله لما ذكر القُرَّاء في القرآن، الذين هم أهلُ الدين والعبادة، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. ومعنى قول من قال: "إن لم يكن العلماء العاملون أولياء الله فما لله تعالى وليٌّ" (٣)، أي: أنهم من أولياء الله، أو من خير أولياء الله، أو من كبار أولياء الله. لا أن يكون أولياء الله مخصوصين بهم، كما ليسوا مخصوصين بغيرهم. ويكونون في الفقراء والأغنياء، وفي العبيد والملوك، وغيرهم، كما كان أصحابُ رسول الله ﷺ ، الذين فيهم سادة الأولياء، وعمدة الأصفياء، من المهاجرين والأنصار:

стр. 3257

فيهم تجَّار، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم. وفيهم من له عقار، مثل سعد بن معاذ، وأسيد بن حُضير، وأبي أيوب الأنصاري، وسعد بن عبادة، وغيرهم، ﵃ أجمعين. وكان فيهم فقراء، ليس لهم أهلٌ ولا مال، كأهل الصُّفَّة في شمالي المسجد؛ فإن تلك الصُّفَّة كان يأوي إليها من المسلمين من لم يكن له أهلٌ ولا مال، وكان يجتمعُ بها منهم تارةً قليل، وتارةً كثيرٌ نحو سبعين، ويقيم الرجلُ مدَّةً ثم ينتقلُ عنها، لم يكونوا ملازمين لها إلا بقدر حاجاتهم (١). وقد قيل: إن جملة من أوى إليها نحو أربع مئة (٢). وأجلُّ من ذُكِر فيها: سعدُ بن أبي وقاصٍ أحدُ أهل الشورى والعشرة (٣). ولم يكن في أهل الصُّفَّة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس والإلحافَ

стр. 3258

بالكُدْية (١) والشِّحاذة ــ لا بالزَّنبيل ولا غيره ــ صناعتَه وحِرْفتَه، بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك (٢). وكانوا (٣) أهل الصُّفَّة يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدُّهم عما هو أحبُّ إلى الله من الاكتساب (٤). ولم يكن أهلُ الصُّفَّة كلُّهم من فضلاء الصَّحابة، بل أكثر فضلاء الصَّحابة ﵃ من غيرهم. وقد أثنى الله على أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان. وأهل بدرٍ كانوا ثلاث مئةٍ وبضعة عشر، وهم الذين قال الله فيهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم" (٥). وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية كانوا أكثر من ألف وأربع مئة، وأقلَّ من ألفٍ وخمس مئة، وهم الذين قال فيهم النبي ﷺ :

стр. 3259

"لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة" (١). وفيهم من أهل الصُّفَّة، وغالبُهم لم يكونوا من أهل الصُّفَّة؛ إذ الفضلُ عند الله ورسوله بالإيمان والتقوى، لا بصنفٍ معيَّنٍ من الأصناف المباحة، ولا بزيٍّ مخصوص. لكن غالب الخلق إنما يَسْلَمُون من فتنة الفسوق والعصيان إذا لم يُبْتَلوا بكثرة المال وعزَّة السُّلطان، كما يقال: "مِن العصمة أن لا تَقْدِر" (٢). والسلامةُ من الذنوب في الذين لم يُبْتَلوا أكثر، مع أن الابتلاء بالمال والسُّلطان إن سَلِم صاحبُها فهو أفضل من هذا الوجه ممن ليس له مثله، وإن ابتُلِيَ ببعض الذنوب وله حسناتٌ لا يقدرُ عليها أولئك فالله ﵎ يزنُ حسناتهم وسيئاتهم، فإن فَضَل له من الحسنات ما يزيدُ على حسنات

стр. 3260

غيره كان أفضل (١)، والله تعالى حَكَمٌ مُقْسِطٌ ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. فنسأل الله العظيم أن يوفِّقنا لطاعته من الأقوال والأفعال، والله أعلم.
следующие страницы →