والحكم بالكتاب والسُّنَّة، بحسب الإمكان.
وتقوى التاجر أن يكون صدوقًا أمينًا، مع ما يلزمه من الواجبات في غير تجارة.
فكلُّ من آمن الإيمانَ الذي أمره الله تعالى به، واتقى الله التقوى التي (١) أمره الله تعالى بها، فهو من أولياء الله تعالى، سواء كان من العلماء، أو الأجناد، أو الزهَّاد، أو التجَّار، أو الصُّنَّاع (٢).
فإن الله لما ذكر القُرَّاء في القرآن، الذين هم أهلُ الدين والعبادة، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
ومعنى قول من قال: "إن لم يكن العلماء العاملون أولياء الله فما لله تعالى وليٌّ" (٣)، أي: أنهم من أولياء الله، أو من خير أولياء الله، أو من كبار أولياء الله. لا أن يكون أولياء الله مخصوصين بهم، كما ليسوا مخصوصين بغيرهم.
ويكونون في الفقراء والأغنياء، وفي العبيد والملوك، وغيرهم، كما كان أصحابُ رسول الله ﷺ ، الذين فيهم سادة الأولياء، وعمدة الأصفياء، من المهاجرين والأنصار:
стр. 3257
فيهم تجَّار، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم.
وفيهم من له عقار، مثل سعد بن معاذ، وأسيد بن حُضير، وأبي أيوب الأنصاري، وسعد بن عبادة، وغيرهم، ﵃ أجمعين.
وكان فيهم فقراء، ليس لهم أهلٌ ولا مال، كأهل الصُّفَّة في شمالي المسجد؛ فإن تلك الصُّفَّة كان يأوي إليها من المسلمين من لم يكن له أهلٌ ولا مال، وكان يجتمعُ بها منهم تارةً قليل، وتارةً كثيرٌ نحو سبعين، ويقيم الرجلُ مدَّةً ثم ينتقلُ عنها، لم يكونوا ملازمين لها إلا بقدر حاجاتهم (١). وقد قيل: إن جملة من أوى إليها نحو أربع مئة (٢).
وأجلُّ من ذُكِر فيها: سعدُ بن أبي وقاصٍ أحدُ أهل الشورى والعشرة (٣).
ولم يكن في أهل الصُّفَّة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس والإلحافَ
стр. 3258
بالكُدْية (١) والشِّحاذة ــ لا بالزَّنبيل ولا غيره ــ صناعتَه وحِرْفتَه، بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك (٢).
وكانوا (٣) أهل الصُّفَّة يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدُّهم عما هو أحبُّ إلى الله من الاكتساب (٤).
ولم يكن أهلُ الصُّفَّة كلُّهم من فضلاء الصَّحابة، بل أكثر فضلاء الصَّحابة ﵃ من غيرهم.
وقد أثنى الله على أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان.
وأهل بدرٍ كانوا ثلاث مئةٍ وبضعة عشر، وهم الذين قال الله فيهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم" (٥).
وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية كانوا أكثر من ألف وأربع مئة، وأقلَّ من ألفٍ وخمس مئة، وهم الذين قال فيهم النبي ﷺ :
стр. 3259
"لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة" (١).
وفيهم من أهل الصُّفَّة، وغالبُهم لم يكونوا من أهل الصُّفَّة؛ إذ الفضلُ عند الله ورسوله بالإيمان والتقوى، لا بصنفٍ معيَّنٍ من الأصناف المباحة، ولا بزيٍّ مخصوص.
لكن غالب الخلق إنما يَسْلَمُون من فتنة الفسوق والعصيان إذا لم يُبْتَلوا بكثرة المال وعزَّة السُّلطان، كما يقال: "مِن العصمة أن لا تَقْدِر" (٢).
والسلامةُ من الذنوب في الذين لم يُبْتَلوا أكثر، مع أن الابتلاء بالمال والسُّلطان إن سَلِم صاحبُها فهو أفضل من هذا الوجه ممن ليس له مثله، وإن ابتُلِيَ ببعض الذنوب وله حسناتٌ لا يقدرُ عليها أولئك فالله ﵎ يزنُ حسناتهم وسيئاتهم، فإن فَضَل له من الحسنات ما يزيدُ على حسنات
стр. 3260
غيره كان أفضل (١)، والله تعالى حَكَمٌ مُقْسِطٌ ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
فنسأل الله العظيم أن يوفِّقنا لطاعته من الأقوال والأفعال، والله أعلم.
стр. 3261
مسألة
في الخَضِر وحياته وادعاء لقائه
стр. 3262
مسألة في الخَضِر، هل هو حيٌّ الآن أم لا؟ ومن ادَّعى أنه لقيه واجتمع به في غير النوم، إذا كذَّبه إنسانٌ هل يأثم أم لا؟
الجواب: الحمد لله. ليس في دعوى المدَّعي اجتماعَه بالخَضِر فائدةٌ في دين المسلمين، سواءٌ كان صادقًا أو كاذبًا.
بل اتفق المسلمون على أنه لا يُرْجَعُ إلى الخَضِر ولا إلى من يَنْقُل عن الخَضِر من غير طريق النبي ﷺ في شيءٍ من دينهم.
بل لو نقل ناقلٌ عن نبيٍّ من الأنبياء، كموسى وعيسى، من غير أن يكون نبيُّنا ﷺ واسطةً في ذلك النقل، لم يَرْجِع إليه المسلمون في دينهم.
بل في السُّنن أن النبي ﷺ رأى بيد عمر بن الخطاب ﵁ ورقةً من التوراة، فقال: "أمتهوِّكون يا ابن الخطاب؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقيَّة، لو كان موسى حيًّا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم" (١)، وفي رواية: "لما وَسِعَه
стр. 3263
إلا اتباعي".
وثبت في الصَّحيح أن عيسى ﵊ إذا نزل إلى الأرض، فإنما يحكم في الأمة بكتاب ربِّها وسنَّة نبيِّها (١).
فالخَضِر لو كان موجودًا بين الناس لم يَرْجِع إليه المسلمون في شيءٍ من دينهم.
فإن (٢) لم يكن نبيًّا، كما قاله الجمهور، كالشريف أبي علي بن أبي موسى وغيره، [فمِن هذه الأمة من هو أفضل منه] (٣)، كأبي بكرٍ وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار.
وإن كان نبيًّا، كما قاله طائفةٌ منهم أبو الفرج ابن الجوزي، وأبو عمرو ابن الصلاح (٤)، فمحمدٌ وعيسى صلى الله عليهما وسلَّم أفضلُ منه.
وعيسى لا ينزل إلا بشريعة محمد ﷺ ، لا بشريعته.
وإذا كان وجودُ الخَضِر وحياتُه لا يتعلَّق بدين المسلمين، ولا يرجعون إليه في شيءٍ من دينهم، كان كثرة الكلام في وجوده من باب الضلالات
стр. 3264
والجهالات، وتَطْرِيق الناس على الأكاذيب والأغاليط.
وقد اتفق أئمَّة الدين على أن رجلًا لو روى (١) حديثًا في زماننا عن النبي ﷺ عن (٢) غير الرجال المعروفين عند الأئمَّة لم يُلْتَفت إليه، مثل ما يرويه بعض الضُّلَّال عن شيخٍ اسمه "رَتَن" (٣)، ومثل ما ذكره أبو طالب في إسناد المُسَبَّعات أن رَقَبة بن مَصْقَلة رواها عن الخَضِر عن النبي ﷺ (٤)، وأمثال ذلك.
والله قد بعث محمدًا بدينٍ بيَّنه وبلَّغه، وهو محفوظٌ محروسٌ لا يحتاج فيه المسلمون إلى أحدٍ غير نبيهم، وأمَّتُه قد أكمل الله لهم الدين، وأتمَّ عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام دينًا.
стр. 3265
فهذا أصلٌ يجبُ على كل مسلمٍ معرفتُه.
وبعد هذا، فالصوابُ أن الخَضِر ﵁ مات قبل النبي ﷺ ، وأنه لم يُدْرِك زمنَه، ولا رآه، ولا ذكر أحدٌ من الصَّحابة أنه كان موجودًا، كما قد بسطتُ دلائل ذلك في مواضع كثيرة (١).
وكلُّ من ذكَر أنه حيٌّ، فإن كان صادقًا فهو مُلَبَّسٌ عليه؛ رأى رجلًا ظنَّ أنه الخَضِر غلطًا منه، أو قال له رجلٌ: أنا الخَضِر ــ وكان كاذبًا ــ، أو تخيَّل شيئًا في نفسه ظنَّه الخَضِر في الخارج (٢).
وإن كان كاذبًا كان من أهل الإفك والبهتان المستحقِّين التعزير، مثل كثيرٍ ممن يتظاهر برؤيته ليُحْسِنَ الناسُ به الظنَّ ويجتمعوا عليه؛ فإن هؤلاء كلُّهم كذابون دجَّالون يستحقُّون العقوبة البليغة. وقد رأينا من هؤلاء
стр. 3266
طوائف، منهم من عُزِّر، ومنهم من تاب قبل أن يحتاج إلى التعزير.
ولهذا كان المثبتون لوجوده منهم من يجعله مغيَّبًا، ومنهم من يجعل ذلك مرتبةً، كما يقولون ذلك في "الغوث"، وكلُّ ذلك غلطٌ كما قد بُسِط في موضعه (١).
وطائفةٌ ثالثةٌ تُعَبِّر بالخَضِر وإلياس عن حالين للقلب، وهما: القبض، والبسط، كما فعل ابن عربي صاحبُ "الفصوص" (٢)، وأمثاله من الملاحدة الباطنية، والله أعلم.
стр. 3267
رسالة
إلى الشيخ قطب الدين ناظر الجيش
في الكلام عن ابن عربي وطائفته
стр. 3268
الحمد لله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نقلتُ ما صورته:
من المملوك أحمد بن تيمية إلى الشيخ السيد الإمام الكبير، جلال الأعيان الكبراء، وجمال الصدور الرؤساء، قطب الدين (١)، أصلح الله له وبه أمر الدنيا والآخرة، وأتمَّ عليه نعمه الباطنة والظاهرة، وألَّف به بين القلوب المتنافرة، وأطفأ به البدعَ وأحيا به السُّننَ الزاهرة.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته.
فإنا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيءٍ قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيِّد ولد آدم محمدٍ عبده ورسوله، وعلى آله وسلَّم تسليمًا.
أما بعد، فقد وصل مُشَرِّفُ الشيخ (٢) أيَّده الله تعالى، وفهمتُ مضمونه،
стр. 3269
وتقبَّلتُه بالقبول والطاعة، والسَّعي في مصلحة الجماعة (١)؛ فإن هذا من أوجب الواجبات على الناس عمومًا وعلى الخادم خصوصًا، وهو من أقرب القربات إلى الله تعالى، وأفضل الحسنات؛ لما في ذلك من رضا الرحمن، وسرور الإخوان، وقمع الشيطان، وصلاح السرِّ والإعلان، وفتح أبواب الجنان، وإغلاق أبواب النيران.
فإنه غير خافٍ على علم الشيخ أن الحسد والبغضاء هو داء الأمم قبلنا، وهو لهذه الأمة من أعظم الأدواء، وكذلك اتباع الظنون والأهواء، وتفرُّق القلوب وتشتُّت الآراء. وهذه الأمور السيئات، ينشأ غالبها من شبهاتٍ وشهوات.
وقد روي في الحديث: "إن الله يحبُّ البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحبُّ العقل الكامل عند ورود الشهوات، ويحبُّ الشجاعة ولو على قتل
стр. 3270
الحيَّات، ويحبُّ السَّماحة ولو بكفٍّ من تمرات" (١).
وهذه الأربعة هي الفضائل التي ترتفعُ بها الدرجات، ويتميَّز بها ذوو المراتب العليَّات، وقد اتفق على فضلها جميعُ أنواع البريَّات، والشيطانُ فهِمَّتُه مصروفةٌ إلى أصحابها، وسهامُه مُفَوَّقةٌ نحو أربابها؛ لأنهم إذا سَلِمُوا منه قطعوا عنه مادة الفساد، وأصلحوا بأمر الله العباد والبلاد.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
وفي الحديث: "مثَل المؤمن مثَل الفَرَس في آخيَّته، يجولُ ثم يرجعُ إلى آخيَّته، كذلك المؤمنُ يجولُ ثم يرجعُ إلى الإيمان" (٢).
стр. 3271
و"لو لم تكن التوبةُ أحبَّ الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرمَ الخلق عليه" (١).
وهذا هو الحكمة في ابتلاء الكُبراء بالذنوب ؛ ليُنْقَلوا منها إلى درجة المحبوب المفروح به؛ فإن الله يحبُّ التوابين، ويحبُّ المتطهِّرين، والله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من فاقد الضالَّة التي عليها طعامُه وشرابُه إذا وجدها بعد الفِقدان (٢).
وهكذا ما قد يقعُ بين الناس عمومًا، وأهل الطريق خصوصًا، من المُحَاقَّات والمنافرات؛ فإن ذلك قد ينتفعون به، كما يروون عن الجنيد قال: "الصُّوفية بخيرٍ ما تَنافَروا" (٣).
وكثيرًا ما يقعُ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لنوع هوًى في النفوس، فلا تَخْلُص فيه النيَّة. وكثيرًا ما يقعُ ركوبُ المنكرات، ومدحُ ذي الضلالات، لعدم العلم بحقيقة أمرهم.
وهذه الأمور ــ وهي: الجهل، والظلم ــ مبدأ الفتن والشرور ، إذا لم يتداركها الله تعالى بالعلم والهداية، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ
стр. 3272
ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وبهذين السببين يدخل أكثرُ الناس النار, كما قال النبي ﷺ : "القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة، رجلٌ عَلِم الحقَّ فقضى به فهو في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار، ورجلٌ عَلِم الحقَّ وقضى بخلافه فهو في النار" (١).
فهذا الحديثُ في القضاة، وكلُّ من حكم بين اثنين أو طائفتين، في دينٍ أو دنيا، فهو قاضٍ. وغيرُ القاضي في معناه. بيَّن النبي ﷺ أن الذي في الجنة من عَلِم وعدَل، دون من جَهِل أو ظلَم.
ولمَّا حضر المشايخُ السادة: الشيخ قاسم (٢)، والشيخ هارون (٣)، والشيخ محمد (٤).
стр. 3273
وكان بحضور الشيخ السيد عماد الدين الحَزَّامِي (١)، والشيخ القُدوة محمد بن قِوَام (٢)، والشيخ عبد الله الجَزَري (٣)، والشيخ تاج الدين الفارِقي (٤)، وغيرهم (٥) من المشايخ الذين تُحْمَدُ مقاصدُهم، وتصفو عقائدُهم، وتتطهَّر سرائرُهم.
وكان ذلك رحمةً رُحِمَ بها الحاضرُ والسامع، وانتفع به القريبُ (٦) والشاسِع، وقام عذرُ المعذور، وعفا الله عن الذنب المغفور، وأزال الله تعالى ما كان في النفوس من الأهواء والجهل الذي يجعل المؤمنين أحزابًا وألوانًا،
стр. 3274
وألَّف الله بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا، ومن أسرَّ خلافَ ما أعلَن فالله يجعلُ السَّريرة إعلانًا.
وقد قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه" (١).
وقال ﷺ : "مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطفهم كمَثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسَّهر" (٢).
وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضًا"، وشبَّك بين أصابعه (٣).
وقال: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤)؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "صلاحُ ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلقُ الشَّعر، ولكن تحلقُ الدِّين" (٥).
стр. 3275
وكان الأمرُ أخفَّ مما شُنِّع به وقيل، ولم يكن صدر قبل ذلك ما كَثُرت به الأقاويل.
وإنما سالكو طريق الله، العارفون بحقيقة السَّير إلى الله، لا بدَّ عند سلوكهم الطريق، وملاحظتهم غاية التحقيق، أن يتأملوا دعاة الطريق وهُداتَه، وحفَّاظ سبيل الله وحُماتَه، ويتأملوا مصنفاتهم ومسطوراتهم ومنثوراتهم.
وكان سيدُنا العارفُ المحقِّقُ عمادُ الدين (١)، وغيرُه من السالكين، كالشيخ العارف المرحوم إبراهيم الرَّقِّي (٢)، والشيخ الإمام قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد (٣)، وغيرهما ممن في عصرنا وقبل عصرنا، مشايخُ
стр. 3276
كثيرون (١) = تجري بينهم المفاوضةُ في كلام ابن العربي وذويه، فيرون فيه ما يُقْبَلُ وهو مِن أحسن الكلام، وفيه ما يَعْزُب فهمُه عن أكبر المميِّزين فضلًا عن العوامّ.
ثم إنهم تأملوا حقيقة ما يقصدُه في "فصوص الحكم" ونحوها مما هو خلاصة معارفه وحقائقه، وما يقصدُه من جرى على طرائقه، كابن سبعين المغربي في كتاب "البُدِّ" و"الإحاطة"، والعفيف التِّلِمْساني في شروحه (٢) وقصائده، ومثل أواخر قصيدة ابن الفارض المسماة "نظم السُّلوك"، ومثل كلام الصَّدر القُونَوي في كتاب "مفتتَح غيب الجمع والوجود" ونحوه، ومثل كلام عبد الله (٣) الشيرازي البِلْياني، ونحو هذه الطائفة الحادثة في دولة التتار = فوجدوا حقيقة أمرهم هو تعطيلُ الصانع، وجحدُ الخالق، وهو باطنُ مذهب الفرعونية والقرامطة الباطنية.
وهم معترفون بأن قولهم هو حقيقة قول فرعون؛ إذ ليس عندهم للخلق ربٌّ خالقٌ متميزٌ عن المخلوق، بل المخلوق عينُ الخالق، والمصنوع عينُ
стр. 3277
الصانع، والناكح عينُ المنكوح، والشاتم عينُ المشتوم؛ فما نكَح سوى نفسه، وما شتَم سوى نفسه.
والذين عبدوا اللاتَ والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى ما عبدوا إلا الله، ولا يُتَصَوَّر عندهم أن يعبدوا إلا الله، وهو العابد والمعبود، والحامد والمحمود، وفرعونُ كان صادقًا في قوله: "أنا ربكم الأعلى"، والله - سبحانه - عينُ المُحْدَثات، حتى الخبائث والنجاسات.
وليس عندهم على العارف منهم واجباتٌ ولا محرَّمات، ولا أهل النار يذوقون فيها أليمَ العقوبات، ويفضِّلون أنفسهم من كثيرٍ من الوجوه على الأنبياء والرسل، حتى على خاتم الرسالات.
ويزعمون أن الله يعبدُهم كما يعبدونه، ويفتقرُ إليهم كما يفتقرون إليه، وهو غذاؤهم بالوجود، وهم غذاؤه بالأحكام، وأنه لولاهم لما كان الله تعالى.
إلى أمثال هذه العقائد التي تكاد السَّماواتُ يتفطَّرن منها، وتنشقُّ الأرض، وتخرُّ الجبال هدًّا.
ولا يرتضون لأنفسهم أن يقولوا بأنه حالٌّ في جميع المخلوقات، كما تقوله مُثْبِتَةُ الجهميَّة (١) الذين كفَّرهم سلفُ الأمة وأئمَّة الإسلام؛ لأن هذا
стр. 3278
عندهم تثنيةٌ وقولٌ باثنينٍ أحدهما حالٌّ والآخر مَحَلّ، كما قال شاعرهم (١) يدعو على نفسه بالعبادات:
متى حِلْتُ عن قولي: أنا هي، أو أقُل ... ــ وحاشى لمثلي ــ: إنها فيَّ حَلَّت
ولا يرتضون أيضًا بالاتحاد في معيَّنٍ، أو الحلول فيه، كما تقوله النصارى في المسيح، وغالية الرافضة في أمير المؤمنين عليٍّ وبعض أهل بيته، وكما يقوله قومٌ من الضُّلَّال في الحاكم بمصر، أو الحلَّاج، أو يونس القُنَيِّي (٢)، وكما يقوله قومٌ في جميع المشايخ والأنبياء.
لا يرتضون قول من يقول بالاتحاد، أو الحلول في معيَّن، بل النصارى عندهم إنما كفروا للتخصيص، وإلا فلو أطلقوا وقالوا بالاتحاد في كلِّ شيءٍ لكانوا عارفين محقِّقين.
وكذلك عُبَّاد العجل والأصنام ما عبدوا إلا الله، لكن اقتصروا على بعض المَجَالِي (٣)، والعارفُ عندهم من يعبد جميع الأشياء ويسجدُ لها.
وليس للربِّ عندهم حقيقةٌ سوى حقيقة العبد، قال شاعرهم:
стр. 3279
ما بالُ عِيسِكَ لا يَقِرُّ قرارُها ... وإلام ظلُّك لا يني متنقِّلا
فلسوف تعلمُ أن سيرَك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغتَ المنزلا (١)
وقال أيضًا (٢):
وتلتذُّ (٣) إن مرَّت على جسدي يدي ... لأنِّيَ في التحقيق لستُ سواكمُ
وقال أيضًا (٤):
وما أنت غيرَ الكون بل أنت عينُه ... ويفهمُ هذا السِّرَّ من هو ذائقُ
ووصفُ هؤلاء يطول ذكرُه هنا، وكان الشيخ عمادُ الدين ــ نفع الله ببركاته ــ قد كتب في بيان حال هؤلاء ما نفع الله به (٥)، وكتب الخادمُ في ذلك
стр. 3280
لمن استدعى ذلك منه ما يسَّره الله تعالى (١)، ولولا مسيسُ الحاجة إلى ذلك، والضرورة التي هي أهمُّ عند من سلك الطريق وابتُلي بهؤلاء من قتال التتار، لم يكن بالمسلم حاجةٌ إلى كشف الأسرار وهتك الأستار (٢)، ولكن قد ابتُلي المسلمون بالتتار من جميع الأصناف.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وكان الخادمُ لما ذهب إلى مصر ــ مع ضيق الوقت ــ تحدَّث معه في مذهب هؤلاء جماعاتٌ من أعيان العلماء والمشايخ والكتَّاب، وكذلك قدم علينا من الشرق مشايخُ يقتدي بهم ألوفٌ مؤلَّفة، سألوا عن حال هؤلاء.
فهذا ونحوه ما كان عندنا في هذا، وأما قصدُ أحدٍ بعينه، لا سيَّما من
стр. 3281
يَكْرُم (١) على إخوانه، فلا نقصدُ له إلا ما يقصدُه المؤمنُ لنفسه؛ إذ هذا حقيقة الإيمان.
والشيخُ العارفُ الجليلُ الشيخُ هارون قد عَلِم من جُمَل هذه الأمور وتفاصيلها، ومعرفتنا بما للشيطان في النفوس من الأغراض، ما يُخْبِرُ به الشيخَ (٢) أيَّده الله تعالى.
فإن الله سبحانه قد أنعمَ عليكم وبكم، وأجرى على أيديكم من منافع أهل البلد ما تجبُ معاونتكم عليه، وجعل فيكم من الحِلم، والكرم، والسيادة، وصحَّة الاعتقاد، وتعظيم الدين وأهله، والقيام بمصالح الإخوان وحقوق ذوي الحقوق، وقضاء حوائج ذوي الحاجات = ما نرجو من الله تعالى أن يتمَّ نعمته عليكم، ويجعل ما أنعم به نعمةً تامةً في الدين والدنيا.
وقد تحدَّثتُ مع الشيخ هارون غير مرَّةٍ فيما يتعلَّق بهذا، والخادمُ حريصٌ على خدمتكم وإعانتكم، وجلب المنفعة في الدين والدنيا لأهل البلد بسببكم.
ولا ريب أن الله إذا أقام بكم منار الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالصَّلوات والزَّكوات، والنهي عن الربا في المعاملات، والعدل في القضايا، ودفع الظلم عن الرَّعايا = كان هذا من أكبر نعم الله عليكم وعلى المسلمين، فأنتم الرأسُ وغيركم جسدٌ من الأجساد، وأنتم إنسانُ العَين وغيركم السَّواد.
стр. 3282
وقد قال النبي ﷺ لعلي: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النَّعَم" (١).
وقال ﷺ : "من سنَّ سنَّةً حسنةً كان له أجرُها وأجرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنَّةً سيئةً كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ من عمل بها إلى يوم القيامة" (٢).
وإذا ألَّف الله بكم بين ذوي الأرحام والأصهار، كان هذا من نعم الله الكبار.
والخادمُ خادمٌ لخدمتكم، مسارعٌ إلى قضاء ما يُطْلَبُ من المصالح من جهتكم، ذابٌّ عن حماكم، وهو يرى ذلك من الواجبات في دين الإسلام، أعني به الإسلام الحقيقيَّ الذي بعث الله به رسوله، فإني دائمًا أجدِّدُ إسلامي (٣)، وأعوذ بالله من الخروج عنه في نقضي وإبرامي.
واتفق أنه لما أراد الخادمُ أن يكتب جوابكم، وهو والشيخ هارون في هذه الهمَّة، قدم علاء الدين علي بن سَبُع من الديار المصرية، ومعه مراسيمُ سلطانيةٌ ببعض الجهات المتعلِّقة بالبلد مِن نظر الحِسبة وغيرها، واجتمع بالخادم، فقلت له: هذا أمرٌ لا يُتَكلَّم فيه إلا بمرسوم الشيخ قطب الدين
стр. 3283
وبأمره؛ فإني أحبُّ أن يكون أمر البلد منتظمًا فيما يراه من المصلحة.
وحضر الشيخُ هارون وعلاء الدين، فرأيتُ علاء الدين كثير الخدمة والخضوع للشيخ (١)، وقال لي وللشيخ هارون ما أشهدنا به عليه أنه مملوكُ الشيخ وعبدُه وتحت أمره، ومنفِّذٌ ما يَرْسُمُ به، مطيعٌ لما يتقدَّم به، وأشياء كثيرة من هذا النمط، والكلام فيه موقوفٌ على ما يَرْسُمُ به الشيخُ ويتقدَّم به؛ فإنه قد ظهر الخللُ في أحواله، لفقره وكثرة عياله، وقد اعتنى به من المصريين مثل الوزير والصاحب شمس الدين وغيرهما من أمرائهم.
والله يَخِيرُ لكم وله ولأهل البلد ولسائر المسلمين ما هو الخِيَرة من الدنيا والآخرة، ويصلح الأحوال الباطنة والظاهرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.
آخر ما كتب قدَّس الله روحه، ونقلته من خطِّ الإمام شمس الدين محمد ابن المحب، وقال: نقلته من خط عمي أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن المحب. كتبه محمد بن الحبال الحراني سبط سبط الشيخ محمد بن قوام عفا الله عنهم.
стр. 3284
فصل
في الكلام على الاتحادية
стр. 3285
ومن كلام شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني ﵁، ومن خطه نقل الإمام شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد الله المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومنه نقلت:
قال ﵁:
الحمد لله ربِّ العالمين.
فصل
هؤلاء الاتحادية القائلون بوحدة الوجود، وأنه الله تعالى، ينكرون أن يكون لله غيرٌ أو سِوًى بوجهٍ من الوجوه، إما مطلقًا على رأي ابن سبعين والتِّلِمْساني، وإما من جهة الوجود على رأي ابن عربي.
قال ابن سبعين في رده على الحشوية والمشبهة والمجسِّمة: "فما أجهل من يجهل ما يجبُ له ، وما أبعده عنه!
ليت شعري، كيف حال من يقول بمثل هذا القول إذا سمع الكلام على توحيد الأفعال، ثم توحيد الصفات، ثم توحيد الذات، ثم الكلام على وحدة الوجود، والقوة الشائعة، والحياة السارية في الموجودات، والمعنى المحيط، والوجود الحاضر مع كل موجودٍ مشخَّص، ثم هو بالنظر إلى ذاته هو الحق، وغيره لا وجود له البتة إلا بما يرى له من فضله.
ثم لا يجرِّد القول في التوحيد الذي يُفْهَم بالسكينة فقط، ولا تنفع فيه صناعة المنطق ولا العلوم الصناعية بالجملة، ويعود الأمر إلى فطرةٍ ثانية (١).
стр. 3286
بها يتوجه إلى المعنى الغريب، ويظهر لمن قام به الفضلُ أن العالم ــ بل مدلول الكليات الثلاثة، والكمية المنطقية، والوجود المعتد ــ لاحقٌ كله، ويجد من نفسه أن الواحد المحض لا هو إلا هو؛ لأنه لا غير له بالجملة.
ويفعل مع هذا ويدرك ــ أعني الواصل المحقق ــ ويقوم الفضل به، حتى إنه يجد الانفعال، ويدرك النظام القديم، ويكون مع الموجودات على أي حال قدرت، حتى إنه ذلك بعينه، ويكون كأنه حاسَّةٌ مدركة على العموم، لا يرجع عن شيء، ويكون المعلوم من حيث هو العالم، وغير ذلك مما لا يمكن ذكره" (١).
قلت: قولهم مع أنه جامعٌ لكلِّ كفرٍ وإشراكٍ في العالم (٢)، ولفساد كلِّ عقلٍ ودين، فالقرآن قد أثبت لله غيرًا في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].
стр. 3287
فقد أمره الله تعالى أن ينكر عليهم ما أمروه به من عبادة غير الله. وعلى زعمهم ما ثَمَّ غيرٌ، ولا يُتَصَوَّر أن يَعبد غيرَ الله، كما لا يعبدون (١) أيضًا غيرَه.
ولذلك (٢) أنكر عليهم أن يتخذ غيره وليًّا أو ربًّا أو حَكَمًا؛ فإن هذا استفهامُ إنكار، إنكار نهي وذمٍّ لمن أمره بإيجاد وليٍّ أو حَكَمٍ أو ربٍّ غيرَه، ونفيٍ لأن يتخذ غيره وليًّا أو حَكَمًا أو ربًّا.
فإذا لم يكن له غيرٌ (٣) بوجهٍ من الوجوه امتنع هذا الكلام، وصار المعنى: "لا أتخذ وليًّا غير موجود، أو ربًّا غير موجود، أو حَكَمًا لا وجود له"، ومعلومٌ أن هذا لم يأمروه به، ولم يفعلوه، ولا يقصده أحدٌ حتى يتنزَّه عنه ويتبرَّأ منه (٤).
وكذلك قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
ومن ذلك ما قصَّ الله عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، وقول المكَبكَبين في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، وعلى زعمهم ما ثَمَّ إلا ربِّ العالمين، وما ثمَّ
стр. 3288
عدوٌّ له، ولا فرق بين المسوِّي والمسوَّى به.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وعندهم هي الله.
وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢]، وعندهم الخالق هو المخلوق.
وكذلك قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ١٧ - ٢١]، وعندهم الجميع واحد.
وكذلك قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] الآيات، وعندهم ليست اللاتُ والعزَّى ومناة شيئًا غير الله تعالى.
وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]، وعندهم ما ثَمَّ غيرُه حتى يُدْعى من دونه.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [سبأ: ٢٢]، وعندهم ما ثَمَّ غيرٌ فيكون مدعوًّا من دونه.
وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا
стр. 3289
تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وعندهم هو الشافع، والمشفَّع، والمشفوع له وإليه.
والقرآن كلُّه يكذِّبُ قولهم (١)، ولهذا قال التِّلِمْساني: "القرآن كلُّه شرك" (٢)، ليس فيه توحيدٌ على أصلهم الكفريِّ الفرعوني القُرمطي.
وعلى قولهم ليس للعبد ربٌّ يدعوه، أو يفتقرُ إليه، أو يستعينُ به، أو يتوكلُ عليه؛ فإن الداعي هو المدعوُّ، فلا فقر له إلى غيره.
وعلى أصل ابن عربي: وجودُ الربِّ مفتقرٌ إلى ذات العبد، وذاتُ العبد إلى وجود الربّ؛ فكلٌّ منهما فقيرٌ إلى الآخر خليلٌ له (٣).
وعلى أصل البقية: لا فرق بين الوجود والثبوت أصلًا؛ فيصيرون في مقام الاستغناء عن الله تعالى، والاستكبار عن عبادته ودعائه، مستشعرين أنهم هو.
فهم أكفر الخلق بالله، وأبعدهم عنه، معتقدين أنهم أعرفُ الخلق، وأعظم من سائر الأولياء، بل ومن الأنبياء!
فمن تدبَّر حال هؤلاء علم أنهم جمعوا بين غايتي التناقض؛ فإنهم أجهلُ (٤)
стр. 3290
الخلق وأكفرُهم، معتقدين أنهم أعظمُ الخلق علمًا وإيمانًا.
ومن هذا الوجه هم شرٌّ من فرعون؛ فإن فرعون لم يدَّع العلم والإيمان، وإنما أظهر الجحود. وفرعون شرٌّ منهم من وجهٍ آخر؛ من حيث إنه أنكر الربَّ بالكلية، ودفَع وجودَه، ولم يعترف لا بعينه (١) ولا باسمه ولا نعته، وهؤلاء معترفون بوجوده من حيث الجملة، وبأسمائه، لكن الذي يعيِّنونه هو الذي كان فرعونُ يقرُّ بوجوده (٢).
فصاروا هم وفرعون بمنزلة رجلين:
أحدهما أنكر وجودَ النبوَّة.
والآخر اعترف بها، وجعَلها نبوَّة مسيلمة الكذَّاب، أو جعَلها الفِلاحة أو التجارة.
فأتى (٣) ذلك المنكِر يوافقه على وجود جنس مسيلمة الكذَّاب، ووجود الفِلاحة والتجارة، لكن يقول: هذا ليس بنبوَّة (٤). وهو صادقٌ في نفيها عن هؤلاء، كاذبٌ في نفيها مطلقًا.
وأولئك يقولون: بل ثَمَّ نبوَّة، وهي هذه. وهم صادقون في إثباتها، كاذبون في تعيينها، وهم موافقون للأول في إثبات ما يثبته وفي نفي ما ينفيه، لكن
стр. 3291
النزاع بينه وبينهم في وصف ما ثبتت بهذه الصفة فقط، وفي ثبوتها من حيث الجملة.
آخره. ونقله من خط محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد الله المقدسي الحنبلي رحمهم الله تعالى.
стр. 3292
مسألة
في الأفعال الاختيارية من العباد
стр. 3293
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسألة (١) سئل عنها بالشام شيخُ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحرَّاني ﵁، قبل دخوله مصر، وسُمِعت من لفظه في رمضان سنة أربع وتسعين وستمئة:
في الأفعال الاختيارية من العباد تَحْصُل بخلق الله وبكَسْب العبد، فما حقيقة كَسْب العبد؟ وهل هو مؤثرٌ في وجود الفعل، فيصير مشاركًا للحقِّ في خلق الفعل، فلا يكون العبد شريكًا كاسبًا، بل شريكًا خالقًا؟ وإن لم يكن مؤثرًا في وجود الفعل فقد وُجِد الفعلُ بكماله بالحقِّ سبحانه، وليس للعبد في التأثير شيء، فلِمَ يُنْسَبُ إلى العبد الطاعةُ والعصيان، والكفرُ والإيمان، حتى يستحقَّ الغضبَ والرضوان؟ فكيف السُّلوك أيها الهُداة (٢)؟
[فأجاب]:
تلخيص الجواب: أن الكسبَ هو الفعلُ الذي يعودُ منه على فاعله نفعٌ
стр. 3294
أو ضرٌّ (١)، كما قال سبحانه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فبيَّن سبحانه أن كسبَ النفس لها وعليها، والناس يقولون: "فلانٌ كَسَبَ مالًا أو حمدًا أو شرفًا"؛ لِمَا (٢) أنه يَنْتَفِعُ بذلك.
ولمَّا كان العباد يَكْمُلون بأفعالهم، ويَصْلُحون بها؛ إذ كانوا في أول الخلق خُلِقوا ناقصين = صحَّ إثباتُ الكسب لهم (٣)؛ إذ كمالُهم وصلاحُهم عن أفعالهم، والله فِعْلُه وصُنْعُه عن كماله وجلاله، فأفعالُه عن أسمائه وصفاته، ومشتقَّةٌ منها، كما قال: "أنا الرحمن، خلقتُ الرَّحِم، وشققتُ لها من اسمي" (٤). والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله، فيَحْدُث [له] اسمُ "العالم" "الكامل" بعد حدوث العلم والكمال [فيه].
ومن هنا ضلَّت القدريَّة؛ حيث شبَّهوا أفعاله ــ سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا ــ بأفعال العباد، وكانوا هم المشبِّهة في الأفعال؛ فاعتقدوا أن ما حَسُنَ منهم حَسُنَ منه مطلقًا، وما قَبُحَ منهم قَبُحَ منه مطلقًا، بقدر عقلهم وعلمهم.
стр. 3295
أو لم يعلموا [أنها] إنما حَسُنَت منهم لإفضائها إلى ما فيه صلاحُهم (١)، وقَبُحَت لإفضائها إلى ما فيه فسادهم؟! والله سبحانه متعالٍ عن أن يلحقه ما لا يليق بسُبُحَاته (٢).
وأما قوله: "هل هو مؤثرٌ في وجود الفعل أم غير مؤثر؟ "، فالكلام في مقامين:
* أحدهما: أن هذا سؤالٌ فاسدٌ إن أُخِذ على ظاهره؛ لأن كسبَ العبد هو مِن فِعله (٣) وصُنعه، فكيف يقال: هل يؤثِّر كسبُه في فعله؟ وهل (٤) يكون الشيء مؤثرًا في نفسه؟!
وإن حَسِبَ حاسبٌ أن الكسبَ هو التعاطي والمباشرةُ وقصدُ الشيء ومحاولتُه، فهذه كلُّها أفعالٌ يقال فيها ما يقال في أفعال البدن من قيامٍ وقعود. وأظنُّ السائل فَهِم هذا، وتشبَّث بقول من يقول: إن فعل العبد يحصلُ بخلق الله وكسب العبد.
وتحقيقُ الكلام أن يقال: فعلُ العبد خلقٌ لله وكسبٌ للعبد ، إلا أن يراد أن أفعال بدنه تحصلُ بكسبه، أي بقصده وتأخِّيه (٥)، وكأنه قال: أفعاله الظاهرة تحصلُ بأفعاله الباطنة.