← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

النزاع بينه وبينهم في وصف ما ثبتت بهذه الصفة فقط، وفي ثبوتها من حيث الجملة. آخره. ونقله من خط محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد الله المقدسي الحنبلي رحمهم الله تعالى.

стр. 3292

مسألة في الأفعال الاختيارية من العباد

стр. 3293

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مسألة (١) سئل عنها بالشام شيخُ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحرَّاني ﵁، قبل دخوله مصر، وسُمِعت من لفظه في رمضان سنة أربع وتسعين وستمئة: في الأفعال الاختيارية من العباد تَحْصُل بخلق الله وبكَسْب العبد، فما حقيقة كَسْب العبد؟ وهل هو مؤثرٌ في وجود الفعل، فيصير مشاركًا للحقِّ في خلق الفعل، فلا يكون العبد شريكًا كاسبًا، بل شريكًا خالقًا؟ وإن لم يكن مؤثرًا في وجود الفعل فقد وُجِد الفعلُ بكماله بالحقِّ سبحانه، وليس للعبد في التأثير شيء، فلِمَ يُنْسَبُ إلى العبد الطاعةُ والعصيان، والكفرُ والإيمان، حتى يستحقَّ الغضبَ والرضوان؟ فكيف السُّلوك أيها الهُداة (٢)؟ [فأجاب]: تلخيص الجواب: أن الكسبَ هو الفعلُ الذي يعودُ منه على فاعله نفعٌ

стр. 3294

أو ضرٌّ (١)، كما قال سبحانه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فبيَّن سبحانه أن كسبَ النفس لها وعليها، والناس يقولون: "فلانٌ كَسَبَ مالًا أو حمدًا أو شرفًا"؛ لِمَا (٢) أنه يَنْتَفِعُ بذلك. ولمَّا كان العباد يَكْمُلون بأفعالهم، ويَصْلُحون بها؛ إذ كانوا في أول الخلق خُلِقوا ناقصين = صحَّ إثباتُ الكسب لهم (٣)؛ إذ كمالُهم وصلاحُهم عن أفعالهم، والله فِعْلُه وصُنْعُه عن كماله وجلاله، فأفعالُه عن أسمائه وصفاته، ومشتقَّةٌ منها، كما قال: "أنا الرحمن، خلقتُ الرَّحِم، وشققتُ لها من اسمي" (٤). والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله، فيَحْدُث [له] اسمُ "العالم" "الكامل" بعد حدوث العلم والكمال [فيه]. ومن هنا ضلَّت القدريَّة؛ حيث شبَّهوا أفعاله ــ سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا ــ بأفعال العباد، وكانوا هم المشبِّهة في الأفعال؛ فاعتقدوا أن ما حَسُنَ منهم حَسُنَ منه مطلقًا، وما قَبُحَ منهم قَبُحَ منه مطلقًا، بقدر عقلهم وعلمهم.

стр. 3295

أو لم يعلموا [أنها] إنما حَسُنَت منهم لإفضائها إلى ما فيه صلاحُهم (١)، وقَبُحَت لإفضائها إلى ما فيه فسادهم؟! والله سبحانه متعالٍ عن أن يلحقه ما لا يليق بسُبُحَاته (٢). وأما قوله: "هل هو مؤثرٌ في وجود الفعل أم غير مؤثر؟ "، فالكلام في مقامين: * أحدهما: أن هذا سؤالٌ فاسدٌ إن أُخِذ على ظاهره؛ لأن كسبَ العبد هو مِن فِعله (٣) وصُنعه، فكيف يقال: هل يؤثِّر كسبُه في فعله؟ وهل (٤) يكون الشيء مؤثرًا في نفسه؟! وإن حَسِبَ حاسبٌ أن الكسبَ هو التعاطي والمباشرةُ وقصدُ الشيء ومحاولتُه، فهذه كلُّها أفعالٌ يقال فيها ما يقال في أفعال البدن من قيامٍ وقعود. وأظنُّ السائل فَهِم هذا، وتشبَّث بقول من يقول: إن فعل العبد يحصلُ بخلق الله وكسب العبد. وتحقيقُ الكلام أن يقال: فعلُ العبد خلقٌ لله وكسبٌ للعبد ، إلا أن يراد أن أفعال بدنه تحصلُ بكسبه، أي بقصده وتأخِّيه (٥)، وكأنه قال: أفعاله الظاهرة تحصلُ بأفعاله الباطنة.

стр. 3296

وغيرُ مستنكَرٍ عدم تجويد (١) هذا السؤال؛ فإنه مَزَلَّة أقدامٍ ومَضَلَّة (٢) أفهام. و حُسْنُ المسألة نصفُ العلم إذا كان السائلُ قد تصوَّر المسؤول (٣)، وإنما يَطْلُبُ إثباتَ الشيء أو نفيَه، ولو حصل التصوُّرُ التامُّ لعَلِم أحد الطرفين. * والمقام الثاني: في تحرير السؤال وجوابه. وهو أن يقال: هل قدرةُ العبد المخلوقة مؤثرةٌ في وجود فعله ؟ فإن كانت مؤثرةً لزم الشِّركُ، وإلا لزم الجبر. والمقام مقامٌ معروف، وقف فيه خلقٌ من الفاحِصين، والباحثين، والبُصَراء، والمُكَاشَفِين، وعامَّتُهم فَهِمُوا صحيحًا، لكن قلَّ منهم من عبَّر فصيحًا. فنقول: التأثير اسمٌ مشترك، قد يرادُ بالتأثير: الانفرادُ بالابتداع، والتوحيدُ بالاختراع. فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذا القَدْر (٤)، فحاشا لله، لم يَقُلْه سُنِّيٌّ، وإنما هو المعزوُّ إلى أهل الضلال. وإن أريد بالتأثير نوعُ معاونةٍ، إما في صفةٍ من صفات الفعل، أو في وجهٍ من وجوهه، كما قاله كثيرٌ من متكلِّمي أهل الإثبات = فهو أيضًا باطل؛

стр. 3297

لِمَا (١) به بَطَل التأثيرُ في ذات الفعل؛ إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرَّةٍ أو فِيلٍ، وهل هو إلا شركٌ دون شرك؟! وإن كان قائلُو هذه المقالة ما نَحَوا إلا نحوَ الحق. وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسُّط القدرة المُحْدَثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سببٌ وواسطةٌ فيه (٢)، خلَق الله سبحانه الفعلَ بهذه القدرة، كما خلَق النباتَ بالماء، وكما خلَق الغيثَ بالسَّحاب، وكما خلَق جميعَ المسبَّبات والمخلوقات بأواسِط (٣) وأسباب = فهذا حقٌّ، وهذا شأنُ جميع الأسباب والمسبَّبات. وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركًا، وإلا فيكون إثباتُ جميع الأسباب شركًا. وقد قال الحكيم الخبير: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، وقال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]؛ فبيَّن أنه هو

стр. 3298

المُعَذِّبُ، وأن أيدينا أسبابٌ وآلاتٌ وأوساطٌ وأدواتٌ في وصول (١) العذاب إليهم. وقال النبيُّ ﷺ : "لا يموتنَّ أحدٌ منكم إلا آذنتموني، حتى أصلِّيَ عليه؛ فإن الله جاعلٌ بصلاتي عليه بركةً ورحمة" (٢)؛ فالله سبحانه هو الذي يجعلُ الرحمةَ والبركة (٣)، وذلك إنما يجعلُه بصلاة نبينا ﷺ . وعلى هذا التحرير فنقول: خلقَ سبحانه أعمال الأبدان بأعمال القلوب، ويكونُ لأحد الكسبَين تأثيرٌ في الكسب [الآخر بهذا الاعتبار، ويكونُ ذلك الكسبُ من جملة القدرة المعتبرة في الكسب] (٤) الثاني. فإن القدرة هنا ليست عبارةً إلا عما يكون الفعلُ به لا محالة، من قصدٍ وإرادةٍ وسلامةِ الأعضاء والقوى المخلوقة في الجوارح وغير ذلك، ولهذا وجب أن تكون مقارنةً للفعل، وامتنع تقديمها على الفعل بالزمان. وأما القدرة التي هي مناطُ الأمر والنهي، فذاك حديثٌ آخر ليس هذا موضعه (٥).

стр. 3299

وبالتمييز بين هاتين القدرتين يظهرُ لك قول من قال: القدرة مع الفعل، ومن قال: قبله، ومن قال: الأفعال كلُّها تكليفُ ما لا يطاق، ومن منَع ذلك، وتقفُ على أسرار المقالات. وإذا أشكَل عليك هذا البيان، فخذ مثلًا من نفسك أنت، إذا كتبتَ بالقلم، وضربتَ بالعصا، ونَجَرْتَ بالقَدُوم، هل يكون القلمُ شريكَك أو يضاف إليه شيءٌ من نفس الفعل وصفاته؟ أم هل يصلح أن يُلغى أثرُه، ويُقطع خبرُه، ويُجعل وجودُه كعدمه؟ أم يقال: به فُعِل، وبه صُنِع؟ ولله المثلُ الأعلى، فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله، وهو محتاجٌ إليها لا يتمكَّنُ إلا بها، والله سبحانه خلق الأسباب ومسبَّباتها، وجعل خلقَ البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غنيٌّ عن الاشتراط والتسبُّب ونَظْمِ (١) بعضها ببعض، لكن لحكمةٍ تتعلقُ بالأسباب وتعودُ إليها، والله عزيزٌ حكيم. وأما قوله: "إنَّا إذا نفينا التأثيرَ لزم انفرادُ الله سبحانه بالفعل، ولزم الجبرُ وطيُّ بساط الأمر والنهي". فنقول: إذا أردتَ بالتأثير المنفيِّ التأثيرَ على سبيل الانفراد في نفس الفعل أو في شيءٍ من صفاته، فلقد قلتَ الحقَّ، وإن كان بعض أهل الاستنان يخالفك في القسم الثاني (٢). وإن أردتَ به أن القدرة وجودُها كعدمها، وأن الفعل لم يكن بها، ولم

стр. 3300

يُصْنَع بها، فهذا باطلٌ، كما تقدم بيانه. وحينئذٍ لا يلزم الجبر، بل يُبْسَطُ بساطُ الشرع، ويُنْشَرُ عَلَمُ (١) الأمر والنهي، ويكونُ لله الحجة البالغة. فقد بان لك [أن] إطلاق القول بإثبات التأثير أو نفيه، دون الاستفصال وتبيين معنى التأثير، ركوبُ جهالاتٍ واعتقادُ ضلالات، ولقد صدق القائل: "أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء" (٢). وبان لك أن ارتباطَ الفعل المخلوق بالقدرة المخلوقة ارتباطُ المسبَّبات بأسبابها (٣)، ويدخل في عموم ذلك جميعُ ما خلقه الله في السموات والأرض والدنيا والآخرة؛ فإن اعتقادَ تأثير الأسباب على الاستقلال (٤) دخولٌ في الضلال، واعتقادَ نفي أثرها وإلغاءه ركوبُ المحال، وإن كان لقدرة الإنسان شأنٌ ليس لغيرها كما سنومئ إليه إن شاء الله. فلعلَّك تقولُ بعد هذا البيان: أنا لا أفهمُ الأسباب، ولا أخرجُ عن دائرة التقسيم والمطالبة بأحد القسمين، وما أنتَ إن قلتَ هذا إلا مسبوقٌ بخلقٍ

стр. 3301

من الضُّلَّال، ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، وموقفُك هذا مَفْرِق طرقٍ إما إلى الجنة وإما إلى النار. فيُعاد عليك البيانُ بأن لها تأثيرًا من حيث هي سببٌ كتأثير القلم، وليس لها (١) تأثيرٌ من حيث الابتداع والاختراع، وتُضْرَب لك الأمثال، لعلك تفهمُ صورة الحال، ويتبيَّن لك أن إثباتَ الأسباب مبتدِعاتٍ هو الإشراك، وإثباتَها أسبابًا مُوصِلاتٍ (٢) هو عينُ تحقيق التوحيد، عسى الله [أن] يقذفَ في قلبك نورًا ترى به هذا البيان، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. فإن قلت: إثباتُ القدرة سببًا نفيُ التأثير في الحقيقة؛ فما بالُ الفعل يضافُ إلى العبد؟ وما باله يُؤمر ويُنهى، ويثابُ ويعاقَب؟ وهل هذا إلا محضُ الجبر؟! وإذا كنتَ مشبِّهًا لقدرة الإنسان بقلم الكاتب وعصا الضارِب، فهل رأيتَ القلم يثابُ أو العصا تعاقَب؟! فأقول لك الآن ــ إن شاء الله ــ ما يوجبُ (٣) هُداك، بمعونة مولاك، وأن تطَّلع من أسرار القدَر، على مثل خُرْتِ الإبَر (٤)، فألقِ السَّمعَ وأنت شهيد، عسى الله أن يمدَّك بالتأييد. اعلم أن العبد فاعلٌ على الحقيقة، وله مشيئةٌ ثابتة، وإرادةٌ جازمة، وقوةٌ

стр. 3302

صالحة. وقد نطق القرآنُ بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية، كقوله: ﴿ ... لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٥ - ٥٦]. ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن: ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿يَكْفُرُونَ﴾، ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، ﴿يَجْعَلُونَ﴾ (١)، ﴿يَتَّقُونَ﴾. وكما أنَّا فارقنا مجوسَ الأمَّة بإثبات أنه [تعالى] خالق، فارقنا الجبريَّة بإثبات أن العبد (٢) كاسبٌ فاعلٌ صانعٌ عامل. والجبر المذموم (٣) الذي أنكره سلفُ الأمَّة وعلماءُ السُّنَّة هو أن يكون الفعلُ صادرًا عن الحيِّ (٤) من غير إرادةٍ ولا مشيئةٍ ولا اختيار، مثل حركة الأشجار بهبوب الرِّياح، وحركات الأبواب (٥) بإطباق الأيدي، ومثلُه في

стр. 3303

الأناسِيِّ: حركة المَحْمُوم والمَفْلُوج والمُرْتَعِش؛ فإن كل عاقلٍ يجدُ تفرقةَ بديهتِه (١) بين قيام الإنسان وقعوده، وصلاته وجهاده، وزِنَاه وسَرِقَته، وبين ارتعاش المَفْلُوج وانتفاض المَحْمُوم، ويعلمُ أن الأول قادرٌ على الفعل مريدٌ له مختار، وأن الثاني غيرُ قادرٍ عليه ولا مريدٍ له ولا مختار. والمحكيُّ عن جهمٍ وشيعته الجبريَّة أنهم زعموا أن جميع أفاعيل العباد قسمٌ واحد. وهو قولٌ ظاهر الفساد. ولِمَا بين القسمين من الفُرقان انقسمت الأفعالُ إلى: اختياريٍّ، واضطراريٍّ، واختصَّ المختارُ منها باعتقاب (٢) الأمر والنهي عليه، ولم يجئ في الشرائع ولا في كلامِ حكيمٍ أمرٌ للأعمى بنَقْط المصحف، أو للمقعَد بالاشتداد (٣)، أو للمحموم بالسُّكون، وشِبه ذلك، وإن اختلفوا في تجويزه عقلًا أو سمعًا، فإنها (٤) منعت وقوعَه وورودَه (٥) بإجماع أولي العقل (٦) من جميع الأصناف. فإن قيل: هَبْ أن فعلي الذي أردتُه واخترتُه هو واقعٌ بمشيئتي وإرادتي، أليست تلك الإرادة وتلك المشيئة مِن خلقِ الله؟ وإذا خُلِق الأمرُ الموجِبُ للفعل، فهل يتأتى تركُ الفعل معه؟ أقصى ما في الباب أن الأول جبرٌ بغير

стр. 3304

توسُّط الإرادة من العبد، وهذا جبرٌ بتوسُّط الإرادة! فنقول: الجبر المنفيُّ هو الأول، كما فسَّرناه. وأما إثباتُ القسم الثاني، فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار، وأولي الألباب والأبصار، لكن لا يُطْلَقُ عليه اسم "الجبر" خشية الالتباس بالأمر (١) الأول، وفرارًا من تبادر الأفهام إليه، وربما سُمِّي [جبرًا] إذا أُمِن اللبسُ وعُلِم القصد. قال عليُّ بن أبي طالب ﵁ في الدعاء المشهور عنه في الصَّلاة على النبي ﷺ : "اللهم داحِيَ المَدْحُوَّات، وباري المَسْمُوكات، جبَّارَ القلوب على فِطْراتها شقيِّها وسعيدِها (٢) " (٣). فبيَّن أنه سبحانه (٤) جَبَر القلوب على ما فَطَرها عليه من شقاوةٍ أو

стр. 3305

سعادة (١)، يعني (٢) الفطرة الثانية، ليست الفطرة الأولى، وبكلا الفطرتين فُسِّر قولُه ﷺ : "كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرة" (٣)، وتفسيره بالأولى واضح. وقال (٤) محمد بن كعب القُرظي ــ وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم، وربَّما فُضِّل على أكثرهم ــ في قوله: الجبَّار (٥)، قال: "جَبَر العبادَ على ما أراد" (٦)، ورُوِي ذلك عن غيره (٧). وشهادةُ القرآن والأحاديث، ورؤيةُ أهل البصائر والاستدلال التامِّ، لتقليب الله سبحانه قلوبَ العباد، وتصريفِه إيَّاها، وإلهامه إيَّاها فجورَها وتقواها، وتنزيلِ القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم في أدنى مِن لَمْحِ البصر على قلوب العاملين (٨) حتى تتحرَّك الجوارحُ بما قُضِيَ لها وعليها = بيِّنٌ غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصرَه وقلبَه.

стр. 3306

فإن قلت: فأنا أسألك على هذا التقدير، بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نَفَوه وأبطلوه، وثباتي على ما قالوه وبيَّنوه، كيف انبنى الثوابُ والعقابُ (١)، وصحَّ تسميتُه فاعلًا حقيقةً (٢)، وانبنى فعلُه على قدرته؟ فأقول ــ والله الهادي إلى سواء السبيل (٣) ــ: اعلم أن الله جعَل (٤) فعلَ العبد سببًا مفضيًا إلى آثارٍ (٥) محمودةٍ أو مذمومة. فالعملُ الصالحُ ــ مثل صلاةٍ أقبل عليها بقلبه ووجهه، وأخلصَ فيها، وراقبَ، وفَقِه ما بُنِيت عليه من الكلمات الطيبات، والأعمال الصالحات ــ يُعْقِبُه في عاجل الأمر نورًا في قلبه، وانشراحًا في صدره، وطمأنينةً في نفسه، ومزيدًا في علمه (٦)، وتثبيتًا في يقينه، وقوةً في عقله، إلى غير ذلك من قوة بدنه، وبهاء وجهه، وانتهائه عن الفحشاء والمنكر، وإلقاء المحبَّة له في قلوب الخلق، ودفع البلاء عنه، وغير ذلك مما يعلمُه ولا يعلمُه (٧). ثم هذه [الآثار] التي حَصَلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسبابٌ مفضيةٌ إلى آثارٍ أُخَر من جنسها وغير جنسها أرفعَ منها، وهلمَّ جرًّا.

стр. 3307

ولهذا قيل: "إن من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها، وإن من عقوبة السيئةِ السيئةَ بعدها" (١). وكذلك العملُ السيِّء ــ مثل الكذب، مثلًا ــ يُعْقِبُ صاحبَه في الحال ظلمةً (٢) في القلب، وقسوةً، وضيقًا في صدره، ونفاقًا، واضطرابًا، ونسيانَ علمٍ كان يَعْلَمُه (٣)، وانسدادَ باب علمٍ كان يطلبُه، ونقصًا في يقينه (٤) وعقله، واسودادَ وجهه، وبغضةً في قلوب الخلق، واجتراءً على ذنبٍ آخر من جنسه أو غير جنسه، وهلمَّ جرًّا، إلا أن يتداركه الله بلطفه (٥). فهذه الآثار التي (٦) تُورِثها الأعمالُ هي الثوابُ والعقاب، وإفضاءُ العمل إليها واقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التي جعلها الله أسبابًا إلى مسبَّباتها (٧). فالإنسان إذا أكل أو شربَ حصل له الرِّيُّ والشِّبع، وقد ربط الله تعالى

стр. 3308

الشِّبَع والرِّيَّ بالأكل والشرب ربطًا محكمًا. ولو شاء أن لا يُشْبِعه [ويُرْوِيه] مع وجود الأكل والشرب فَعَل، إما بأن لا يجعل في الطعام قوَّةً مغذِّية (١)، أو يجعل في المحلِّ قوةً مانعة، أو بما شاء ، ولو شاء أن يُشْبِعه ويُرْوِيه بلا أكلٍ وشربٍ لفَعَل، أو بأكل شيءٍ غير معتاد. كذلك في اقتضاء (٢) الأعمال المثوباتِ والعقوبات حذو القذَّة بالقذَّة؛ فإنه إنما سُمِّي "الثوابُ" لأنه يثوبُ إلى العامل من عمله، أي يرجع، و"العقابُ" لأنه يَعْقُب العملَ، أي يكون بعده. ولو شاء أن لا يُثِيبه على ذلك العمل، إما بأن لا يجعل في العمل خاصَّةً تفضي إلى الثواب، أو بوجود أسبابٍ تنفي ذلك الثواب، أو غير ذلك = لفعَل سبحانه (٣). وكذلك في العقوبات. وبيان ذلك: أن نفس الأكل والشرب باختيار العبد ومشيئته التي هي مِن فِعل الله أيضًا، وحصول الشِّبَع في عقبَ الأكل ليس للعبد فيه صنعٌ البتة، حتى لو أراد دفعَ الشِّبع بعد تعاطي الأسباب الموجبة له لم يُطِق. وكذلك نفس العمل، هو بإرادته واختياره، فلو شاء أن يدفعَ أثر ذلك العمل وثوابَه بعد [وجود] موجِبه لم يَقْدِر. وهذه حكمة الله وسنَّته (٤) في جميع الأسباب في الدنيا والآخرة، لكن

стр. 3309

العلمَ بالأعمال النافعة في الدار الآخرة، والأعمال الضارَّة، أكثرُه غيبٌ عن عقول الخلق، وكذلك مصيرُ العباد ومُنقَلبُهم بعد فراق رُوحِهم (١) هذه الدار؛ فبعث الله رسله، وأنزل كتبه، مبشِّرين ومنذرين؛ لئلَّا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل. وحكمتُه في ذلك تضارِع حكمتَه في خلق جميع الأسباب والمسبَّبات، وما ذاك إلا [أن] علمَه الأزليَّ ومشيئتَه النافذة وقدرتَه القاهرة اقتضت ما اقتضته، وأوجبت ما أوجبته، من مصير أقوامٍ إلى جنَّته بالأعمال الموجبة لذلك؛ فخلَقهم وخلَق أعمالهم (٢)، وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه. وكذلك أهل النار. كما قال الصَّادق المصدوق ﷺ لما قيل له: "ألا ندَع العمل ونتَّكل على الكتاب؟ " فقال: "لا، اعملوا؛ فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له. أما من كان من أهل السَّعادة فسَيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشَّقاوة فسَيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة" (٣). فبيَّن ﷺ أن العبد (٤) قد يُيسَّر للعمل الذي يسوقُه الله به إلى السعادة، وكذلك الشقيُّ تيسيرُه له هو نفسُ إلهامه ذلك العمل وتهيئةُ أسبابه.

стр. 3310

وهذا هو نفسُ (١) خلق أفعال العباد؛ فنفسُ خلق ذلك العمل هو السببُ المفضي إلى السعادة أو الشقاوة، ولو شاء لفعله بلا عمل، بل هو فاعلُه؛ فإنه ينشئ للجنة خلقًا لما يبقى فيها من الفضل (٢). يبقى أن يقال: ما الحكمةُ (٣) الكليَّة التي اقتضت ما اقتضته من الأسباب الأُوَل، وحقيقةُ ما الأمر صائرٌ إليه في عواقب (٤) العواقب، والتخصيصات والتمييزات الواقعة في الأشخاص والأعيان، إلى غير ذلك من كليَّات القدَر التي لا تختصُّ بمسألة خلق أفعال العباد؟ وليس هذا الاستفتاء معقودًا لها، وتفسير جُمَل ذلك لا يليق بهذا الموضع، فضلًا عن بعض تفصيله. ويكفي العاقل أن يعلم أن الله عليمٌ حكيمٌ رحيم، بهرت الألبابَ حكمتُه، ووسعت كلَّ شيءٍ رحمتُه، وأحاط بكلِّ شيءٍ علمُه، وأحصاه لوحُه وقلمُه، وأن لله في قدَره سرًّا مصونًا، وعلمًا مخزونًا، اختزنه (٥) دون جميع خلقه، واستأثر به على جميع بريَّته، وإنما يصلُ أهلُ العلم به (٦) وأربابُ ولايته إلى جُمَلٍ من ذلك وجوامعَ وكليَّات، قد يؤذنُ لبعضهم في إفشاء شيءٍ من جُمَل ذلك (٧) وقد

стр. 3311

لا يؤذن، وربما [كلَّم] الناسَ في ذلك على قدر عقولهم. وقد سأل موسى وعيسى وعزيرٌ ربَّنا ﵎ عن شيءٍ من سرِّ القدر، وأنه لو شاء أن يُطاع لأطيع، ولو شاء أن لا يُعصى لما عُصِي، وأنه قد أمَر أن يُطاع (١)، وأنه مع ذلك يُعصى، فأخبرهم سبحانه أن هذا سرُّه، وأنه لا يُسأل عن سرِّه (٢). و في هذا المقام تاهت عقولُ كثيرٍ من الخلائق ، وفيه ضلَّ القائلون بقِدَم العالم، وأن صانعه موجِبٌ بذاته، ومقتضٍ بنفسه (٣) اقتضاء العلَّة للمعلول، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما صُنِع. ودبَّ هذا الدَّاءُ إلى بعض أهل الكتاب و [أتباع] الرُّسل؛ فزعم انحصار (٤) الممكِن في الموجود، وكلُّ ذلك طلبًا للاستراحة من مؤونة (٥) تعليل الأفعال الإلهيَّة، ووجود (٦) الأسباب الحادثة للأمور الحادثة. وعلَّله أهلُ القدر بعللهم العليلة (٧) في التعديل والتجوير (٨)، ووجوب

стр. 3312

رعاية الصَّالح (١) أو الأصلح. ولم يستقم لواحدٍ من الفريقين أصلُهم، ولم تطَّرد عللُهم (٢). ومن هنا ذهب أهلُ التثنية والتمجُّس إلى الأصلين، والقول بقِدَم النور والظُّلمة. وسَلِم بعضَ السلامة ــ وإن كان فيه نوعٌ من اليبوسة، وضربٌ من الجَفاف (٣) ــ كثيرٌ [من] متكلِّمي أهل الإثبات، حيث ردُّوا الأمر إلى محض المشيئة وصِرْف الإرادة، وأن انتسابها إلى (٤) جميع الجائزات، واقتضاءها كلَّ الممكنات، على نحوٍ واحدٍ ووتيرةٍ واحدة (٥)، وأنها بذاتها تخصِّصُ وتُميِّز. ولو خُلِط بهذا الكلام ضربٌ من وجوه الرَّحمة وأنواع الحكمة ــ علمناها أو جهلناها ــ لكان أقربَ إلى القبول (٦). وبكلِّ حال، فلامُ التعليل في فعله سبحانه ليست على ما يعقله (٧) أكثرُ الخلق من لام التعليل في أفعالهم.

стр. 3313

ووراء ما يعلمُه هؤلاء ويقولونه ما أنار الله (١) به قلوبَ أوليائه، وقذفه في أفئدة أصفيائه، ممَّن استمسك فيما يَظْهَر من الكلام بسبيل أهل الآثار، واعتصم فيما يَبْطُن من الأفهام بحبل أهل الأبصار. وفي هذا المقام يعرفُ أولو الألباب سرَّ قوله : "سبقت رحمتي غضبي" (٢)، وقوله: "والشرُّ ليس إليك" (٣)، وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء: ٨٠]، و ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، وما شاكل ذلك = من أن الشرَّ إما أن يُحْذَف فاعلُه، أو يضافَ إلى الأسباب، أو يندرج في العموم. وأما إفرادُه بالذكر، مضافًا إلى خالق كلِّ شيء، فلا يقعُ في (٤) كلامِ حكيم؛ لما توجبُه الحقيقةُ المقتضيةُ للأدب المؤسَّس [على الدِّين] (٥)، لا لمحض الأدب العريِّ عن أصلٍ متين (٦). وهنا يُعرَف سبب دخول خلقٍ كثيرٍ الجنةَ بلا عمل، وإنشاء خلقٍ لها، وأن النار لا تُدْخَلُ إلا بعمل، ولا يدخلُها إلا أهلُ الدنيا (٧).

стр. 3314

ويُعرَفُ حقيقةُ ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، مع أن السيئة من القدَر، وقول الصدِّيق وغيره من الصَّحابة ﵃: "إن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان" (١). إلى غير ذلك ممَّا يتَّسعُ القول فيه، ممَّا قد لَحَظ (٢) كلُّ ناظرٍ منه شعبةً من الحقِّ، وتعلَّق بسببٍ من الصواب، ولم يجمَع (٣) وجوهَ الحقِّ ويؤمنْ بالكتاب كلِّه إلا أولو الألباب، وقليلٌ ما هم. فهذه إشارةٌ يسيرةٌ إلى كلِّيِّ التقدير. وأما كونُ قدرة العبد وكسبه له شأنٌ من بين سائر الأسباب، فإن الله خصَّ الإنسان بأن عمله (٤) يورثه في الدنيا أخلاقًا وأحوالًا وآثارًا، وفي الآخرة أيضا أمورًا أُخَر، لم يجعَل (٥) هذا لغيره من مخلوقاته. والوجوه التي خُصَّ بها الإنسانُ في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله شخصًا ونوعًا أكثرُ من أن تحصى، وما من عاقلٍ إلا وعنده منها طرف. ولهذا حَسُنَ توجيهُ الأمر والنهي إليه، وصحَّ إضافة الفعل إليه حقيقةً

стр. 3315

وكسبًا، مع أنه خلقٌ لله؛ فإن الله خلق العبد وعملَه، وجعل هذا العمل له عملًا قام به، وصدَر عنه، وحدث بقدرته الحادثة. وأدنى أحوال الفعل أن يكون بمنزلة الصفات والأخلاق المخلوقة في العبد إذا جُعِلت مفضيةً إلى أمورٍ أُخَر، فهل يصحُّ تجريدُ العبد عنها؟! كلَّا (١). وأما الأمر، فإنه في حقِّ المطيعين من الأسباب التي بها يكونُ الفعل منهم؛ فإنه يبعثُ داعِيَتهم، ثم إنه يوجبُ لهم اسمَ (٢) الطاعة ومحضَ الانقياد والاستسلام، فهو من جملة القدَر السَّائق (٣) لهم إلى السعادة. وفي حقِّ العاصين هو السببُ الذي يستحقُّون به العصيان؛ إذ لولا هو لما تميَّز مطيعٌ من عاصٍ، فهو أيضًا (٤) في حقِّهم من القدر السَّائق لهم إلى المعصية؛ ليضلَّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا. فلا تغفلنَّ (٥) عن إدخال الأمر والنهي في جملة المقادير؛ فإنه (٦) يحلُّ عُقَدًا كثيرة. هذا في أمر الله (٧) سبحانه؛ لعلمه بالعواقب.

стр. 3316

وأما أمر العباد فظاهر؛ لعدم تميُّز المطيع من العاصي (١) في علمهم، وأن قصدهم نفس صدور الفعل من الجميع. وهو ــ أيضًا ــ كذلك (٢) في ظاهر الأمر الشرعيِّ على لسان المرسلين بالكتب المنزَّلة. ولله في كلِّ مظهرٍ أمرٌ وحكمةٌ تخصُّه (٣)؛ فالإرادة والأمر كلٌّ منهما منقسمٌ إلى: * قدرٍ نافذٍ (٤)، عامِّ الوقوع، جامعٍ للقسمين. * وإلى شرعٍ ربما نَفَذ (٥)، وربما وَقَف، بحسب معونة (٦) القدر له، والخيرُ كلُّ الخير لنا في نفوذه، وهو خاصُّ الوقوع، مفرَّقٌ بين (٧) القسمين. واضع الأشياء في مراتبها (٨). وصحَّ إذًا (٩) نسبةُ الطاعة والمعصية إلى من خُلِقت فيه، ولو أنه

стр. 3317

كخلقِ (١) الصِّفاتِ أفيحسُن بالإنسان أن يقول: أسود، وأحمر، وطويل، وقصير، وذكيٌّ، وبليد، وعربيٌّ، وعجميٌّ، فيضيفُ جميعَ الصفات التي ليس للإنسان فيها إرادةٌ أصلًا إليه (٢)؛ لقيامها به، وتأثيرها فيه، تارةً بما يلائمُه وتارةً بما ينافِرُه، ثم يستبعِد أن يضاف إليه ما خُلِق فيه من الفعل بواسطة قصدِه وإرادتِه المخلوقَين أيضًا، ثم يقول: ليس للعبد في الاثنين (٣) شيء؟! وهل الجميعُ إلا له، ليست لأحدٍ غيره؟!؛ لكن الله سبحانه خلقها له، وإضافةُ الفعل إلى خالقه ومبدعه لا تنافي إضافته إلى صاحبه ومحلِّه الذي هو فاعله وكاسبُه، وقد بيَّنَّا الجبرَ المذموم ما هو. ونختم الكلام بكلامٍ وجيزٍ في سبب الفرق بين الخلق والكسب ، فنقول: الخلق يجمع معنيين: أحدهما: الإبداع والبَرْء. والثاني: التقدير والتصوير. فإذا قيل: "خَلَق" فلا بدَّ من أن يكون أبدع إبداعًا مقدَّرًا، ولما كان الله أبدَع جميعَ الأشياء من العدَم، وجعَل لكلِّ شيءٍ قدرًا، صحَّ إضافة الخلق إليه بالقول المطلق. والتقدير في المخلوق لازم؛ إذ هو عبارةٌ عن تحديده والإحاطة به، وهذا

стр. 3318

لازمٌ لجميع الكائنات، لا كما زعم من حَسِب أن الخلق يختصُّ (١) ذواتِ المساحة، وهي الأجسام، مفرِّقًا بين الخلق والأمر بذلك (٢)؛ فإنه قولٌ باطلٌ مبتدَع. والأمرُ هو كلامُه، كما فسَّره الأوَّلون (٣). والخلقُ مصنوعاتُه (٤)، وقد (٥) يُجْعَل الخلقُ بإزاء إبداع الصُّور الذهنية وتقديرِها، ومنه تسمية الكذب "اختلاقًا" (٦)؛ إذ هو صورٌ ذهنيةٌ ليس لها حقيقةٌ خارجةٌ عن الذهن واللسان (٧). وربما (٨) جُعِل الخلقُ بمعنى التقدير فقط، مقطوعًا عنه النظرُ إلى الإبداع، كما قال (٩):

стр. 3319

* ولأنتَ تَفْرِي (١) ما خلقتَ * وكما قال عيسى (٢) في تمثالٍ صَنَعه: "أنا خلقتُه"، ولو قيل: هو عائدٌ إلى الأول (٣) من حيث إن تلك الصورة مُبْدَعَةٌ لكان قولًا. فلما كان هذا المعنى (٤) لا يكونُ إلا لله صحَّ وصفُه سبحانه بأنه خالق كل شيء. وأما الكسب، فقد ذكرنا أنه إنما يُنْظَر فيه إلى تأثيره في محلِّه، ولو لم يكن له عليه قدرةٌ أصلًا، فكيف بما له عليه قدرة (٥)؟! حتى يقال: الثوبُ قد اكتَسبَ مِن ريح المسك، والمسجدُ قد اكتسبَ الحُرمة من أفعال العابدين، والجلدُ اكتسبَ الحُرمة بمجاورة المصحف، والثمرةُ قد اكتسبت لونًا وريحًا وطعمًا؛ فكلُّ محلٍّ تأثَّر عن شيءٍ تأثرًا ملائمًا أو منافِرًا (٦) صحَّ وصفُه بالاكتساب، بناءً على تأثُّره وتغيُّره وتحوُّله من حالٍ إلى حال.

стр. 3320

والإنسانُ يتأثَّر عن الأفعال الاختيارية ولا يتأثَّر عن الأفعال الاضطرارية، وتُورِثه أخلاقًا وأحوالًا على أيِّ حالٍ كان، حتى على رأي من يطلق اسم "الجبر" على مجموع أفعاله؛ فإنه يستيقنُ تأثير الأفعال الاختيارية في نفسه، بخلاف الاضطرارية، [اللهم إلا من حيث قد توجبُ الأفعالُ الاضطرارية] (١) أمرًا في نفسه، فيكون ذلك اختيارًا. ثم اعلم أن الاضطرار إنما يكون في بدنه بدون قلبه، إمَّا بفعل الله، كالأمراض والأسقام، وإمَّا بفعل العباد، كالقَيد والحَبس. وأما أفعالُ روحه المنفوخة فيه إذا حرَّكت بدنَه (٢) فهي كلُّها اختيارية، ومن وجهٍ ــ قد بيَّنَّاه ــ كلُّها اضطرارية؛ فاضطرارُها هو عينُ الاختيار (٣)، واختيارُها إنما هو بالاضطرار. وحقيقة الاضطرار (٤) هو أن يخلُق فيها الاختيار (٥)، وربما أحبَّت من وجهٍ وكرهت من وجه، لكن هذا كلَّه لا يمنعُ ورودَ التكليف واقتضاءَ الثواب والعقاب، كما قد أومأنا إليه (٦). هذا الذي تيسَّر كتابتُه (٧) في هذه الحال، والله يقول الحقَّ وهو يهدي إلى

стр. 3321

سواء السبيل، والحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا. آخر ما وُجِد بخطه، ومنه نقل الإمام شمس الدين محمد ابن المحبِّ المقدسي الحنبلي تغمده الله تعالى برحمته، وقال: إنه وجده في دُرْجٍ، وفي ظهره مكتوبٌ ما صورته بخطه أيضًا: الحمد لله. و ضلَّ بالأسباب خلقٌ كالتراب ، كما هُدِي إلى حقيقتها أولو الألباب، فمِن هنا ضلَّ الطبائعيُّون القاصرون نظرَهم على الطبائع المخلوقة في الأجسام؛ إذ نسبوا إليها التأثيرَ على الكمال والتمام، والمنجِّمون الناظرون إلى حركة الكواكب والأفلاك، حين حسبوا أن لها في ذلك شِركًا من الأشراك، والصابئة الزائغون أبصارَهم إلى حقيقة (١) الأرواح، ولكن وقفوا عندها فحادوا عن سَنَن الفلاح. وكان شيطانُ القدريَّة فيما رأوه من الحركات الاختيارية شيطانًا مَرِيدًا، فضلُّوا من حيث ظنُّوا الهدى ضلالًا بعيدًا. وآخرون غلوا في مناقضة أهل البدع والضلال، فأفضى بهم الغلوُّ إلى سوء الحال، فسلبوا المخلوقاتِ ما فيها من القُوى والإرادات والطِّباع، حتى تجهَّموا فصاروا جبريَّة من أهل الابتداع. ودينُ الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه. واعلم أنه ما من عاقلٍ يقول مقالةً إلا ولا بدَّ أن تكون مشتملةً على شيءٍ

стр. 3322

من الحق، حتى يقبلها قلبُه، وتُقْبَل عنه، كما يُقْبَلُ الدرهمُ الزائفُ بما فيه من الفضة، واللبنُ المَشُوبُ بما فيه من المَحْض، وإلا فلو خَلَصَ الباطلُ وتمحَّض لما خفي على من له أدنى مسكةٍ من عقل (١)، ومن هنا سُمِّيت الأباطيل "شبهات"؛ لمشابهتها الحقَّ ببعض الصفات (٢). فالقول الحقُّ أن الله سبحانه خلق الخلقَ كلَّهم، أوَّلهم وآخرَهم، وعاليَهم وسافلَهم، وأنه أحاط علمًا بدِقِّهم وجِلِّهم، وخفيِّهم وجليِّهم، وأنهم متساوون في الافتقار إليه، ومتكافئون في الاضطرار إليه، وأن رحمتَه وقدرتَه ومشيئتَه وعلمَه محيطٌ بجميعهم، وأن الأسباب بيديه بمنزلة الآلات والأدوات في أفعال العباد من بعض الوجوه، ولله المثل الأعلى. فالكاتبُ والصانعُ يفعله بقلمه وقَدُومِه وسيفه وسوطه وعصاه، فيقال: كتبَ بقلمه، وضربَ بعصاه، ف لا يضافُ الفعلُ إلى الأداة، ولا يُجْعَلُ وجودُها كعدمها ، لكن الله سبحانه لو شاء لفعل بلا آلة، لكن في الآلات أنواعٌ من الحكمة، كما أنه لو شاء لابتدع الإنسان العظيم في لمح البصر، وإن كان إنما يخلقه على وجه التدريج. وعلى هذا السياق جاء القرآن، قال سبحانه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون: ١٨]،

стр. 3323

﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، إلى غير ذلك من الآيات؛ فبيَّن سبحانه أنه يُنزِلُ الماء بالسحاب، وأنه يُنبِتُ الأشجار بالماء. قال الإمام شمس الدين محمد ابن المحب المقدسي الحنبلي: إلى هنا وجدتُ بخطِّ شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني ﵁. ومن خطِّ الإمام شمس الدين محمد ابن المحب المقدسي الحنبلي نقلتُ. علَّقه الفقير محمد بن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن حاتم بن عمر بن محمد بن يوسف بن أحمد بن محمد, من ولد عبد الرحمن بن سعد بن عبادة سيد الخزرج, الأنصاري الحرَّاني الشهير بابن الحبَّال الحنبلي، سبط سبط الشيخ محمد بن قوام الصالحي، لطف الله تعالى بهم وعفا عنهم، في نهار السبت ثالث شهر رجب الفرد الأصب من شهور سنة ثلاث وتسعين وسبعمئة أحسن الله تقضِّيها.

стр. 3324

فصل في الكلام على حديث "اللهم إني عبدُك ابن عبدُك ابن أمتك ... "

стр. 3325

قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية ﵁: فصل الدُّعاء الذي رواه الإمام أحمد ﵁ وغيره، ورواه ابنُ حبان في صحيحه، عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصاب عبدًا قطُّ همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدُك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجِلاءَ حزني، وذَهَابَ همِّي وغمِّي= إلا أذهبَ الله همَّه وغمَّه، وأبدله مكانه فرحًا"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلَّمه؟ قال: "بلى، ينبغي لمن سمعه أن يتعلَّمه" (١).

стр. 3326

هذا الحديث فيه فوائد: * منها: أن أسماء الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين اسمًا؛ فإن قوله في الحديث الصَّحيح: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" (١)، إنما أراد المُحْصَى (٢)؛ لقوله: "من أحصاها"، كما يقال: عندي مئة غلامٍ أعددتهم للجهاد. وهذا قول الأكثرين، كالخطابي وغيره (٣). وقد قيل: إنه ليس لله إلا تسعةٌ وتسعون اسمًا. وهو قول ابن حزم (٤). * ومنها: أن في الحديث تنبيهًا على أصلي الصفات والقدر، والتوحيد والعدل. فإن قوله: "بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسك" دليلٌ على أنه سبحانه يسمِّي نفسه بأسماء ليست مخلوقةً من صنع الآدميين.

стр. 3327

وكذلك قوله: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" دليلٌ على أن من أسمائه ما لا يعلمه غيرُه. وهذا يدلُّ على تكلُّمه بأسمائه، واختصاصِه بذلك. وعند الجهميَّة القائلين بخلق القرآن لا يقوم به كلامٌ، ولا يتكلَّم، بل إذا خاطب غيرَه خلق في الهواء كلامًا؛ فلا يُتَصَوَّر عندهم أن يكون له كلامٌ اختصَّ به عن أسماع المخلوقين. ولهذا كان قوله أيضًا: "من ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي" (١) حجةً عليهم أيضًا. * وقوله: "أو أنزلتَه" "أو علَّمتَه" "أو استأثرتَ به" هو تفصيلٌ لما سمَّى به نفسه؛ فإن ما سمَّى به نفسه إما أن يُعْلِمَه أحدًا بخطابٍ أو كتاب، أو لا يُعْلِمَه أحدًا، بل يستأثر به في علم الغيب عنده. وإن كان الحديث بلفظ "أو" فإن "أو" حرف عطف، والعطفُ قد يكون للخاصِّ على العام، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] , وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] , وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] , وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]. * وقوله: "ربيع قلبي"، الربيع: هو المطر الذي يُنْبِتُ ربيعَ الأرض،

стр. 3328

فسأل أن يجعل القرآن ماءً ونورًا لقلبه، فيحيى به قلبُه كما تحيى الأرض بوابل السَّماء، وينوِّر الله به قلبه (١). والحياة والنور جماعُ الخير، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ولهذا ضرب الله مثل الإيمان بالماء والنار في قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ الآية [الرعد: ١٧]. وضرب مثل المنافقين بما انطفأ ضوؤه، وبالصيب الذي فيه رعدٌ وبرق، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧ - ١٩]. * ثم لما ذكر تحصيلَ الخير ذكر دفعَ الشر، فقال: " وجلاء حزني، وذهاب همِّي وغمِّي"، والفرق بينهما: أن الحزنَ يتعلَّق بالماضي، والهمَّ يتعلَّق بالمستقبل، والغمَّ يتعلَّق بالحاضر (٢). * وقوله: "ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك", ردٌّ على طائفتي المعتزلة والجهميَّة، ويدخل في ذلك القدريَّة، ومِن غلاة أهل الإثبات المُجْبِرةُ ونحوهم؛ فإن القدريَّة تنكر أن يقدر الله على تغيير أعمال عباده، أو

стр. 3329

هدايتهم أو إضلالهم، بل تنكر أن يقدر على ما به يهتدي العبد غير ما خلقه فيه (١). فقوله: "ماضٍ فيَّ حكمُك" اعترافٌ بنفاذ حكم الله فيه، وأنه ما شاء الله به فَعَله، لا مخرج له عن حكمه. ومعلومٌ أنه لم يُرِد مجرَّد الأمر والنهي الشرعيَّين؛ فإن العبد قد يطيع تارةً ويعصي أخرى، وإن كانت الطاعة واجبةً عليه، بل أراد الحكم القدريَّ الكونيَّ الذي هو كلماته التاماتُ التي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجر. فهذا يبيِّن أن حكم الله القدريِّ ماضٍ في العباد، وهو ردٌّ على القدريَّة الذين لا يُنفِذون له مشيئة، ولا يجعلون له على ذلك قدرة. ثم قوله بعد ذلك: "عدلٌ فيَّ قضاؤك" دليلٌ على أن الله عادلٌ فيما يفعله بالعبد من القضاء كلِّه، خيره وشرِّه، حُلوه ومرِّه. فجمع في الحديث الإيمانَ بالقدر، والإيمانَ بأن الله عادلٌ فيما قضاه، وهذا ردٌّ على الطائفتين: أما القدريَّة، فعندهم لو كان حكمُه فيه ماضيًا لكان ظالمًا له بإضلاله وعقوبته. وأما أندادُهم من الجبريَّة ونحوهم، فيقولون: الظلم لا حقيقة له، بل هو الممتنعُ الذي لا يدخل تحت القدرة، فلا يَقْدِر الله عندهم على ما يسمَّى

стр. 3330

ظلمًا حتى يقال: تَرَك الظلمَ وفَعَل العدل؛ فيكون قوله: "عدلٌ فيَّ قضاؤك" كلامًا لا فائدة فيه عندهم، بل هو بمنزلة "ماضٍ فيَّ حكمُك"، ولا يكون سبحانه ممدوحًا بفعل العدل! والحديث دليلٌ على الثناء على الله بأنه مع كمال قدرته فإنه عادلٌ في قضائه، كما قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن: ١] , فهو له الملك، وله الحمد، ولهذا كان مستحقًّا للحمد على كلِّ حال. ولو كان الظلمُ عبارةً عما لا يَقْدِر عليه لم يُمْدَح ويُثنى عليه بترك ما لا يَقْدِر عليه، كما لا يقال: لك الحمدُ إذ لم تَخْلُق مثلَ نفسك، ولك الحمدُ إذ لم تُعْدِم ذاتَك. والمُجْبِرة عندهم تركُه للظلم من هذا الباب، وعدلُه هو مجرَّد الخلق؛ فيكون قوله: "عدلٌ فيَّ قضاؤك" عندهم: أي موجودٌ فيَّ قضاؤك، أو ثابتٌ فيَّ قضاؤك. وهذا معنى قوله: "ماضٍ فيَّ حكمُك". فعُلِم أن معنى حكمه يعود إلى قدرته ونفاذ مشيئته، وعدله في قضائه يعود إلى أنه يشاء ويختار ما هو عدلٌ لا ما هو ظلم، وأنه لا يشاء أن يَظْلِم، ولا يريد ذلك، ولا يختاره، وهو محمودٌ على ذلك، وإن كان لو شاءه لكان قادرًا عليه، كما لا يشاء ما أخبر أنه لا يكون، وعُلِم أنه لا يكون، وإن كان قادرًا عليه. كما أخبر في غير موضعٍ من كتابه أنه لو شاء لفعل غير ما فعل، فقال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] , وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ
следующие страницы →