هذا الحديث فيه فوائد:
* منها: أن أسماء الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين اسمًا؛ فإن قوله في الحديث الصَّحيح: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" (١)، إنما أراد المُحْصَى (٢)؛ لقوله: "من أحصاها"، كما يقال: عندي مئة غلامٍ أعددتهم للجهاد. وهذا قول الأكثرين، كالخطابي وغيره (٣). وقد قيل: إنه ليس لله إلا تسعةٌ وتسعون اسمًا. وهو قول ابن حزم (٤).
* ومنها: أن في الحديث تنبيهًا على أصلي الصفات والقدر، والتوحيد والعدل.
فإن قوله: "بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسك" دليلٌ على أنه سبحانه يسمِّي نفسه بأسماء ليست مخلوقةً من صنع الآدميين.
стр. 3327
وكذلك قوله: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" دليلٌ على أن من أسمائه ما لا يعلمه غيرُه.
وهذا يدلُّ على تكلُّمه بأسمائه، واختصاصِه بذلك.
وعند الجهميَّة القائلين بخلق القرآن لا يقوم به كلامٌ، ولا يتكلَّم، بل إذا خاطب غيرَه خلق في الهواء كلامًا؛ فلا يُتَصَوَّر عندهم أن يكون له كلامٌ اختصَّ به عن أسماع المخلوقين.
ولهذا كان قوله أيضًا: "من ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي" (١) حجةً عليهم أيضًا.
* وقوله: "أو أنزلتَه" "أو علَّمتَه" "أو استأثرتَ به" هو تفصيلٌ لما سمَّى به نفسه؛ فإن ما سمَّى به نفسه إما أن يُعْلِمَه أحدًا بخطابٍ أو كتاب، أو لا يُعْلِمَه أحدًا، بل يستأثر به في علم الغيب عنده.
وإن كان الحديث بلفظ "أو" فإن "أو" حرف عطف، والعطفُ قد يكون للخاصِّ على العام، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] , وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] , وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] , وقوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨].
* وقوله: "ربيع قلبي"، الربيع: هو المطر الذي يُنْبِتُ ربيعَ الأرض،
стр. 3328
فسأل أن يجعل القرآن ماءً ونورًا لقلبه، فيحيى به قلبُه كما تحيى الأرض بوابل السَّماء، وينوِّر الله به قلبه (١).
والحياة والنور جماعُ الخير، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
ولهذا ضرب الله مثل الإيمان بالماء والنار في قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ الآية [الرعد: ١٧].
وضرب مثل المنافقين بما انطفأ ضوؤه، وبالصيب الذي فيه رعدٌ وبرق، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧ - ١٩].
* ثم لما ذكر تحصيلَ الخير ذكر دفعَ الشر، فقال: " وجلاء حزني، وذهاب همِّي وغمِّي"، والفرق بينهما: أن الحزنَ يتعلَّق بالماضي، والهمَّ يتعلَّق بالمستقبل، والغمَّ يتعلَّق بالحاضر (٢).
* وقوله: "ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك", ردٌّ على طائفتي المعتزلة والجهميَّة، ويدخل في ذلك القدريَّة، ومِن غلاة أهل الإثبات المُجْبِرةُ ونحوهم؛ فإن القدريَّة تنكر أن يقدر الله على تغيير أعمال عباده، أو
стр. 3329
هدايتهم أو إضلالهم، بل تنكر أن يقدر على ما به يهتدي العبد غير ما خلقه فيه (١).
فقوله: "ماضٍ فيَّ حكمُك" اعترافٌ بنفاذ حكم الله فيه، وأنه ما شاء الله به فَعَله، لا مخرج له عن حكمه.
ومعلومٌ أنه لم يُرِد مجرَّد الأمر والنهي الشرعيَّين؛ فإن العبد قد يطيع تارةً ويعصي أخرى، وإن كانت الطاعة واجبةً عليه، بل أراد الحكم القدريَّ الكونيَّ الذي هو كلماته التاماتُ التي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجر.
فهذا يبيِّن أن حكم الله القدريِّ ماضٍ في العباد، وهو ردٌّ على القدريَّة الذين لا يُنفِذون له مشيئة، ولا يجعلون له على ذلك قدرة.
ثم قوله بعد ذلك: "عدلٌ فيَّ قضاؤك" دليلٌ على أن الله عادلٌ فيما يفعله بالعبد من القضاء كلِّه، خيره وشرِّه، حُلوه ومرِّه.
فجمع في الحديث الإيمانَ بالقدر، والإيمانَ بأن الله عادلٌ فيما قضاه، وهذا ردٌّ على الطائفتين:
أما القدريَّة، فعندهم لو كان حكمُه فيه ماضيًا لكان ظالمًا له بإضلاله وعقوبته.
وأما أندادُهم من الجبريَّة ونحوهم، فيقولون: الظلم لا حقيقة له، بل هو الممتنعُ الذي لا يدخل تحت القدرة، فلا يَقْدِر الله عندهم على ما يسمَّى
стр. 3330
ظلمًا حتى يقال: تَرَك الظلمَ وفَعَل العدل؛ فيكون قوله: "عدلٌ فيَّ قضاؤك" كلامًا لا فائدة فيه عندهم، بل هو بمنزلة "ماضٍ فيَّ حكمُك"، ولا يكون سبحانه ممدوحًا بفعل العدل!
والحديث دليلٌ على الثناء على الله بأنه مع كمال قدرته فإنه عادلٌ في قضائه، كما قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن: ١] , فهو له الملك، وله الحمد، ولهذا كان مستحقًّا للحمد على كلِّ حال.
ولو كان الظلمُ عبارةً عما لا يَقْدِر عليه لم يُمْدَح ويُثنى عليه بترك ما لا يَقْدِر عليه، كما لا يقال: لك الحمدُ إذ لم تَخْلُق مثلَ نفسك، ولك الحمدُ إذ لم تُعْدِم ذاتَك. والمُجْبِرة عندهم تركُه للظلم من هذا الباب، وعدلُه هو مجرَّد الخلق؛ فيكون قوله: "عدلٌ فيَّ قضاؤك" عندهم: أي موجودٌ فيَّ قضاؤك، أو ثابتٌ فيَّ قضاؤك. وهذا معنى قوله: "ماضٍ فيَّ حكمُك".
فعُلِم أن معنى حكمه يعود إلى قدرته ونفاذ مشيئته، وعدله في قضائه يعود إلى أنه يشاء ويختار ما هو عدلٌ لا ما هو ظلم، وأنه لا يشاء أن يَظْلِم، ولا يريد ذلك، ولا يختاره، وهو محمودٌ على ذلك، وإن كان لو شاءه لكان قادرًا عليه، كما لا يشاء ما أخبر أنه لا يكون، وعُلِم أنه لا يكون، وإن كان قادرًا عليه.
كما أخبر في غير موضعٍ من كتابه أنه لو شاء لفعل غير ما فعل، فقال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] , وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٧].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ
стр. 3331
أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، ومنها أمران لا يكونان، وهو العذاب من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، كما ثبت في الصَّحيح (١) عن النبي ﷺ أنه قرأ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، فقال: "أعوذ بوجهك"،
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فقال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، فقال: "هاتان أهون".
والحكمُ هو الأمر، وهو أمرُ التكوين، فمعناه هو بوجود المأمور به الذي قيل له: "كن" فيكون.
وأما القضاء، فهو الإكمالُ والإتمام، كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] , وقال الشاعر (٢):
وعليهما مَسْرُودتان قَضَاهما ... داودُ أو صَنَعُ السَّوابغِ تُبَّعُ
وذلك هو كمال الوجود المخلوق، فلا بد من كونه واقعًا على العدل، كما قال: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧].
وفرَّق ﷺ بين لفظي "القضاء" و"الحكم"، ووصَفَ الحكمَ بالنفاذ، والقضاءَ بالعدل (٣)؛ لأن القضاء هو الإكمال والإتمام لما يخلقُه، فوصَفه
стр. 3332
بأنه بعد كماله وتمامه عدلٌ لا ظلمَ (١) فيه.
وأما الحكمُ فهو مبدأ التكوين، مثل كونه يقول للشيء: "كن" فيكون، فهذا إذا كان نافذًا لا يردُّه شيءٌ كان دالًّا على كمال القدرة.
فوصَفَه بكمال القدرة، وكمال العدل؛ فإن العدلَ شاملٌ لكل ما خلقه، والقدرةَ متناولةٌ لكل ما شاءه.
ووصَفَ العدلَ بالتمام والكمال؛ لأن العدل المطلوب هو الغاية والنهاية.
وكلا الأمرين: القضاء، والعدل، يتعلَّقُ بالنهاية والعلَّة الغائيَّة، وهما متعلِّقان بإلهيَّته تعالى.
وأما الحكمُ فهو نَفَاذ مشيئته.
فهذا متعلِّقٌ بقدرته، وهذا متعلِّقٌ بربوبيَّته؛ فدلَّ الحديثُ على كماله في ربوبيَّته، وأنه له الملك كلُّه، وعلى كماله في إلهيَّته، وأنه له الحمدُ كلُّه، وأن إلهيَّته متضمنةٌ لربوبيَّته، كما أن ربوبيَّته مستلزمةٌ لإلهيَّته، كما أن قضاءه متضمنٌ لحُكْمِه، كما أن حُكْمَه مستلزمٌ لقضائه.
ولما كانت الإلهيَّة متضمنةً للربوبيَّة كان اسمُه الذي هو "الله" مقدَّمًا على الاسم الذي هو "الربُّ"، وكان بذلك الاسم يُذْكَر، ويُثنى عليه، ويُسَبَّح، ويُحْمَد، ويُكَبَّر في الصلوات والأذان، وغير ذلك.
ولهذا كان سبحانه يقرنُ بين اسمي: القدرة، والحكمة، كقوله: ﴿وَهُوَ
стр. 3333
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) [إبراهيم: ٤] , وقوله: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] , وقوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] , وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦].
والعزَّة خصوصٌ في القدرة، كما أن الحكمة خصوصٌ في الإرادة ... (٢) وهو متضمنٌ للعلم.
ولا يكون حكيمًا إلا من أراد ما ينبغي أن يُرَاد، لا من كان يستوي عنده إرادةُ كلِّ شيء، ولا يكون حكيمًا إلا من أمر بما ينبغي أن يُؤمر به، ونهى عما ينبغي أن يُنهى عنه، لا من كان يستوي عنده الأمرُ بكلِّ شيء، والنهيُ عن كلِّ شيء. كما لا يوصفُ بأنه حكيمٌ إلا من كان صادقًا في خبره، لا من يستوي عنده الإخبارُ بالصدق والكذب.
والعزيزُ من العِزَّة، والعربُ تقول: "عَزَّ يَعَزُّ" ــ بالفتح ــ إذا صَلُبَ، و"عَزَّ يَعِزُّ" ــ بالكسر ــ إذا امتنع من غيره، و"عَزَّ يَعُزُّ" ــ بالضم ــ إذا غَلَبَ غيرَه، كقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]؛ فأقوى الحركات لأقوى المعاني، وهو الضمُّ. وأوسطُها لأوسطها، وهو الكسر. وأخفُّها لأخفِّها، وهو الفتح (٣).
стр. 3334
والأخفُّ (١) ــ وهو قولهم: "عَزَّ يَعَزُّ" بالفتح ــ يتضمَّن القدرة، فكيف بالثاني والثالث؟! والله أعلم.
آخر ما وُجِد منها بخط الشيخ رحمه الله تعالى، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه.
стр. 3335
فصلان
في الإنذار ولوازمه والخوف والرجاء والشفاعة
стр. 3336
فصل
وإذا كان الإنذار لا بدَّ فيه من شيئين:
* الإعلام بالمَخُوف.
* والإعلام بسبيل النجاة منه.
فمعلومٌ أن الأول هو الوعيد، وهو مستلزمٌ للوعد الصَّريح (١) أو اللازم وهو التبشير. والثاني هو الأمر والنهي؛ لأن النجاة من العذاب بأداء الواجبات وترك المحرمات.
فصارت هذه الأصول الأربعة: الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، لازمةً لا بدَّ منها في الإنذار الذي لا بدَّ منه لبني آدم، وبذلك بعث الله الرسل جميعهم.
ولكن الأمر والنهي لا بدَّ للناس من معرفته مفصَّلًا ؛ إذ قد يَحْتَاجُ إلى العمل، والعمل لا يكون إلا مفصَّلًا، لكن إنما يَحْتَاجُ إلى معرفة التفصيل فيما يجبُ عليه، وأما ما يجبُ مطلقًا فيكفي فيه العلمُ المجمل.
ولكن لا بدَّ أن يكون في الأمَّة من يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما أوجب الله ذلك، وهذا لا يكونُ إلا إذا علموا ما يدعون إليه ويأمرون به وينهون عنه مفصَّلًا؛ إذ المجملُ لا يكفي عند الحاجة إلى الامتثال.
ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يجوز تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة،
стр. 3337
وإنما تنازعوا في تأخيره من حين الخطاب إلى حين الحاجة (١).
وأما العلمُ بالوعد والوعيد فقد يكفي فيه المجمل؛ فإنه إذا عَلِم أن هذا الفعل يكون سببًا للعذاب حصَل ذلك، فأما العلمُ بالوجوب والتحريم بدون الإيمان بأن المعصية سببُ العذاب فلا يحصِّلُ النجاة، وهذا الأصل هو من الإيمان بالوعد والوعيد، كما أن الأول من الإيمان بالأمر والنهي.
ومتى صدَّق العبد بذلك خاف عقوبة المعصية؛ فإن الحيَّ مجبولٌ على أنه يخاف ما يُجَوِّزُ وجودَه من الضرر، فإذا استشعر أن المعصية سببٌ للضرر خافَ، وهو يرجو مع ذلك السَّلامة من الضرر إذا أطاع، ولو لم يكن الرجاء مقرونًا بما يُجَوِّزُ وجودَه من النفع.
وإذا لم يقترن بالخوف رجاءٌ لم يكن خوفًا، وإنما هو يأسٌ (٢) وقُنوطٌ،
و ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، ولا ﴿يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦].
ومتى لم يقترن بالرجاء خوفٌ لم يكن رجاءً، وإنما هو أمنٌ، ولا ﴿يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
ولهذا كان الرجاء والخوف واجبَين، وهما مُوجَبُ الوعد والوعيد، كما أن الطاعة والامتثال مُوجَبُ الأمر والنهي.
стр. 3338
وهما متلازمان؛ فكلُّ خائفٍ راجٍ مطيعٌ، وكلُّ مطيعٍ خائفٌ راجٍ (١)، كما أن كلَّ أمرٍ ونهيٍ فهو مستلزمٌ للوعد والوعيد، وكلَّ وعدٍ ووعيدٍ فهو مستلزمٌ للأمر والنهي.
فالمُعْرِض عن الخشية والرجاء عاصٍ، وقد يكون بعض ذلك ذنبًا، وقد يكون فسقًا، وقد يكون كفرًا، ولذلك أمر الله بهما، وأثنى على أهلهما، وذمَّ المعرضين عنهما، فقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]، فأمر بدعائه، وأن يكون الداعي خائفًا طَمِعًا.
وقال تعالى لمَّا ذكر دعاء زكريا له، وإصلاحه زوجَه له، قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩].
وقال عن الملائكة والنبيِّين، كالمسيح وعُزَير: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧].
стр. 3339
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨].
وقال الخليل: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨]، وابتغاء ذلك هو طلبُه، وهو الرجاء في العمل.
فإن الرجاءَ قد يكونُ من باب المحبَّة والإرادة والطلب الذي يَتْبَعُ اعتقادَ جواز [وقوع] (١) المحبوب، والخوفَ من باب النفرة والكراهة والبغض الذي يَتْبَعُ اعتقادَ جواز وقوع المكروه.
ولهذا قيل: "من رجا شيئًا طَلَبه، ومن خاف من شيءٍ هَرَبَ منه" (٢)، أي: من رَجَاه بقلبه طَلَبه بنفسه، ومن خافه بقلبه هَرَب منه.
стр. 3340
وقد يكونان من باب الاعتقاد والظنِّ، كما يقال: أخاف أن لا يُقْبَل، وأرجو أن يُتقبَّل مني، وأرجو أن لا يأمره بهذا، وأرجو أن لا يكون فلانٌ مؤمنًا، وأخافُ أن يكون عدوًّا.
وفي الجملة، فالرجاء والخوف متضمِّنٌ (١) للتجويز في الاعتقاد الذي يكونُ ظنًّا وأقوى وأضعف، وللمحبة والبغض التابع لذلك الاعتقاد، فهو مشتملٌ على جنس الظنِّ والإرادة معًا (٢).
ولهذا قال: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، وقال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿ ... مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
وكذلك ما في القرآن من المسألة والدعاء، ومن التوكُّل على الله والاستعانة به، وكلُّ ذلك متضمِّنٌ للرجاء.
وقد ذمَّ الله تعالى من لا يرجو رحمة الله، فقال: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا
١٦]، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥٠ - ٥١]، وقال: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ الآية [لقمان: ٣٣]، وقال:
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣].
فصل
الرجاء والخوف قد يتعلَّقان بما بعد الموت من النعيم والعذاب، وقد يتعلَّقان بما يكون في الدنيا من نعيمٍ أو عذاب. وكذلك الوعدُ والوعيد، يتعلَّقان بما بعد الموت، ويتعلَّقان بما في الدنيا.
ولهذا يجمعُ الله سبحانه بين قصص الأمم المتقدِّمين التي فيها عبرةٌ [وبين ذِكر هذين الأمرين؛ فيَذْكُر] (١) من الخوف والرجاء ما يتعلَّق بالدنيا، ويَذْكُر ما في الآخرة من الثواب والعقاب، كما فعل ذلك في غير سورة (٢).
فكلٌّ منهما قد يتعلَّق بفعل، مثل أن يرجو الثوابَ ويخاف العقاب على حسناته وسيئاته (٣).
وقد يكون متعلِّقًا بغير فعله، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]، فقد قيل: "خوفًا للمسافر، وطمعًا للمُقِيم" (٤).
стр. 3344
وكلٌّ من الرجاء والخوف لا يجوز تعليقُه إلا بالله.
وقد تقدمت آيات الخوف.
وكذلك آياتُ الرجاء، مثل قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]؛ فإن ابتغاء الرزق هو من الرجاء.
وكذلك قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ فإن المستعين راجٍ.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]؛ فإن التوكُّل رجاءٌ وزيادة.
وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
وكذلك [ما وَرَد] (١) من أنه لا يُدْعى إلا الله، ولا يُستعان إلا به.
وبينهما (٢) فرقٌ من وجهٍ آخر (٣)، كما قال عليٌّ ﵇: "لا يرجونَّ عبد إلا ربَّه، ولا يخافنَّ عبد إلا ذنبه" (٤).
стр. 3345
فإن الرجاء بفضل الله ورحمته، وإن كان العبد قد فعَل عملًا صالحًا، فإن العمل الصالح غايته أنه سببٌ للخير، ولو أقام الله سببًا أكملَ منه للخير لكان (١) الواجبُ على العبد أن لا يرجو إلا رحمة الله، ولا يتوكَّل إلا عليه، لا على الأسباب المخلوقة؛ فإنه سبحانه خالقُها وخالقُ العمل الصالح وسائر الأسباب، ومع هذا فليس من الأسباب ما هو موجِبٌ لا محالة إلا بمشيئة الله تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فما من سببٍ يلتفتُ إليه العبد [إلا] (٢) وهو يقفُ على شروطٍ ويتخلَّفُ عنه لموانع، فالعمل الصالح قد يَحْبَط، وقد يكون له من السيئات ما يعارضه، وقد لا يكون في نفسه صالحًا؛ لكون العبد لم يتَّقِ الله فيه.
وسائر ما ينظر إليه في أمر الرزق والنصر والهدى شأنُه كذلك، ف ليس في الأسباب ما هو مستقلٌّ ، وهي جميعُها من الله وحده لا شريك له، لا قيام لها إلا بمشيئة الله وقدرته.
فـ "لا حولَ" وهي الحركة والتحوُّل من حالٍ إلى حال، و"لا قوَّة" على ذلك الحَوْل إلا به، سواءٌ في ذلك الحولُ والقوَّة الموجود (٣) في السَّماء، والأرض، والآدميِّين، والملائكة، والجنِّ، وسائر الدوابِّ، وغيرها.
стр. 3346
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، فليس لغيره مِلْكٌ ولا شِرْكٌ في مِلْك، فلا مَلِيك غيرُه، ولا شريك له، وهذان (١) الصنفان هما اللذان لهما مِلْكٌ إما كاملٌ وإما مُشَاع. ومن ليس له مِلْكٌ فإما أن يكون عونًا للمالِك، كالوكلاء، والأُجَراء (٢)، والغلمان، والجند، والأولياء، وإما أن يكون سائلًا طالبًا منه؛ لأنه إما أن ينفع المالكَ فيكون له عليه حقٌّ، وإما أن لا ينفع لكن يسأله، فأخبر سبحانه أنه ليس له من المخلوقات ظهير.
وأما مسألة الشفاعة، فلم يَنْفِها، لكن أخبر أنها لا تنفعُ إلا لمن أذن له في الشفاعة له، فنفعته الشفاعة (٣)، وإلا فلا.
وهذا بخلاف الشفعاء للمخلوقين، فإنهم قد يشفعون لمن لم يؤذن لهم في الشفاعة له، وقبل استئذان المشفوع إليه.
وهذا كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وكقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الآية [يونس: ٣].
стр. 3347
وهذا يوجبُ انقطاع تعلُّق القلوب بغيره، ولو كان ملَكًا أو نبيًّا، فكيف بالمشايخ، والعلماء، والملوك، والأغنياء؟! فإن غاية الراجي لهم، المعتمد عليهم، أن يقول: هم يشفعون لي. فقد أخبر أنه ما من شفيعٍ إلا من بعد إذنه، وأنكر أن يشفع أحدٌ إلا بإذنه، وأخبر أن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له.
ولهذا إذا جاء سيِّد الشفعاء يوم القيامة إلى ربه، ورآه سَجَد وحَمِدَه بمحامد يفتحُها عليه، لا يبتدي بالشفاعة حتى يقال له: "أي محمَّد، ارفع رأسَك، وقُل يُسْمَع، وسَلْ تُعْطَه، واشفَع تُشَفَّع" (١).
وبهذا تتبيَّن الشفاعة المنفية يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وكذلك نظيرُه في الآية الأخرى [البقرة: ١٢٣]، وقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩].
وذلك أن الإنسان في الدنيا يُحَصِّلُ ما ينفعُه إما بمعاوضةٍ وإما بغير معاوضة، فالمعاوضة هي البيعُ، [والعَدْلُ من المعاوضة] (٢)؛ فإنَّ عَدْلَ الشيء ما عادله من [غير] (٣) جنسه، وهي الفدية، كما قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].
стр. 3348
وهذا أجود من قول من قال في قوله: "لا يُقْبَل منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ" (١): إن الصَّرْفَ هو [التطوُّع، والعدلَ: الفريضة.
بل الصَّرْفُ هو] (٢) التوبة، وهو صَرْفُه وانصرافُه عن الذنب، والعَدْل: النظير، وهو الفداء والعِوَض من غير الجنس؛ فإن التوبة من جنس السيئة، والعَدْل من غير جنسها، ولهذا لما كانت التوبةُ تبديلَ السيئة بجنسها جعل الله للتائب مكان كلِّ سيئةٍ تاب منها حسنة (٣)، فكأنه قال: لا يُقْبَل منه البدلُ، لا بجنسه وهو الصَّرْف، ولا بغير الجنس وهو العَدْل.
ولهذا شَرَع الله ما يمحو السيئات تارةً صَرْفًا، وهو التوبة. وتارةً عَدْلًا، وهو الحسناتُ الماحية، كالكفَّارات المشروعة لذنوبٍ معيَّنة، أو للذنوب المطلقة، فإن الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تكفِّر فتنة الرجل في أهله وماله وولده، كما نطق بذلك حديثُ حذيفة الذي في الصَّحيح (٤).
فأخبر سبحانه أنه يوم القيامة لا يُحَصِّلُ ما ينفعه، ويدفعُ ما يضرُّه، لا بمعاوضةٍ وهي البيع والعَدْل، ولا بغير معاوضة؛ لأن غير المعاوضة إما أن يكون مِن عند الباذِل (٥)، وإما أن يكون سائلًا لها من غيره.
стр. 3349
والتي مِن عنده أعلى مراتبها أن يكون خليلًا له، وهو الكاملُ في محبَّته، التي تخلَّلت محبَّتُه كلَّه (١)، كما قيل:
قد تخلَّلتَ مَسْلَكَ الرُّوح مني ... وبذا سُمِّيَ الخليلُ خليلا (٢)
فيبذلُ له ما ينفعُه، ويَدفعُ عنه ما يضرُّه، بلا عِوَض.
فنفى سبحانه أن يكون هناك خُلَّة (٣)، وهو تنبيهٌ على انتفاء ما سواها بالعموم بالفحوى.
ونفى في الأخرى (٤) بصيغة العموم اللفظي، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، وهو في معنى قوله: ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾، فهذا الباذِلُ من عنده. والطالبُ من غيره وهو الشفيع، فقال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، وقال: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾.
فالآيتان سواء، وهما جامعتان للأنواع نوعًا نوعًا.
стр. 3350
وهذا مِن معنى كون القرآن متشابهًا مثاني، ومِن معنى كونه من جوامع الكَلِم، ومِن معنى أنه أُحْكِمَت آياتُه ثم فُصِّلَت، ومِن معنى كونه ضُرِبَ فيه من كلِّ مثل.
وهو كما قال ابن عباس: " فيه الأقسام والأمثال" (١).
فالأمثال (٢): الأمور المتشابهة المتماثلة. ويُضْرَبُ لها المثلُ بقياس الشَّبه، والتمثيل، وقياس الشمول.
والأقسام: هي الأصنافُ والأنواع المختلفة، وهي التي تُثَنَّى أي: تُعَدَّد وتُقَسَّم، فتُذْكَر كلمةٌ بعد كلمة، واسمٌ بعد اسم، بخلاف المتشابهة، فإنه يجمعها اسمٌ واحدٌ وكلمةٌ واحدة. ويُضْرَبُ لها المثلُ بقياس التقسيم والتفصيل (٣).
ومثل هؤلاء الآيات قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠].
فلما نفى سبحانه أن يُقْبَل في الآخرة من النفس الشفاعة، وأخبر أنه لا شفاعة في ذلك اليوم، [بيَّن أنه في من قُبِلت شفاعتُه] (٤) هو الآمرُ بالشفاعة،
стр. 3351
وأَذِنَ له فيها، ففي الحقيقة ليس هو شفيعًا، وإنما هو عبد مطيع (١).
يبيِّن ذلك أن "الشفاعة" سُمِّيت بذلك لأن الشفيع يصيرُ شَفْعًا للطالب، فإنه يكون طالبًا لأمرٍ، فإن أعانه آخرُ صار شافعًا (٢)، والشفيعُ كالمُعِين والنصير، وهذا في الدنيا يُفْعَلُ ابتداءً، وأما في الآخرة فلا مُعِين ولا نصير إلا بأمر الله، فلا فرق بين الذي هو يشفعُ بإذنه وبين سائر جنود الله الذين لا يفعلون إلا بإذنه، والذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
وهكذا قولُ المشركين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ١٠١]، فإن الصديق الحَمِيم هو مِثل الخليل، ومثل قوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، ومثل قوله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣].
والله سبحانه بيَّن [أنَّ] ذلك يوم القيامة؛ لأنه في الدنيا قد خلق أسبابًا تعلَّق بها كثيرٌ من الناس، وأشركوا بها خالقَها، وأعرضوا عنه، واتخذوا عباده من دونه أولياء، ونازعه المستكبرون الربوبيَّة والإلهيَّة، ونازعوه العظمة والكبرياء، فوقع الإشراك من الأتباع والمتبوعين.
فإذا كان يومُ القيامة، ونادى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، لم يبق أحدٌ يدَّعي ذلك، فهو مالكُ يوم الدين، الذي كان يكذِّبُ به
стр. 3352
الكافرون، حيث يقول: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: ٩].
والأمر يومئذٍ لله وحده، فلا أحد يظنُّ أو يدَّعي أن له أمرًا أو شِرْكًا في أمر، بل باتفاق الخلق كلِّهم أن ذلك كلَّه لله، وإن كان في الدنيا ينازعونه ويشركون به.
والمستحِقُّ للحقِّ إذا نازعه المُبْطِلون، ثم سلَّموا له حقَّه، فهو في الموضعين قد (١) كان حقَّه، لكن حقٌّ مُسَلَّمٌ، أو حقٌّ ينازِع فيه المُبْطِلُ أو يدَّعيه لنفسه.
فأما شفاعة النبي ﷺ ، وشفاعة غيره يوم القيامة، فهي بأمره وإذنه، وهي منه لا من الشافع، فلا يشفعون إلا بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فلا يتوكَّل العبد إلا على الله، ولا يعبد إلا إياه؛ فإنه الذي يسَّر له الشُّفعاء.
ولهذا لمَّا سأل أبو هريرة النبيَّ ﷺ : من أسعدُ الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: "لقد ظننتُ أن لا يسألني عن هذا أحدٌ أوَّل منك؛ لِمَا رأيتُ من حرصك على الحديث. أسعدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" (٢).
فقد أخبر أن أسعد الناس بشفاعته هم أهلُ التوحيد لله، الذين أخلصوا له الدين، الذين لم يتألَّهوا غيرَه (٣).
стр. 3353
فبيَّن أن كلَّ من كان بالأسباب أشدَّ تعلُّقًا ورجاءً كان عن رحمة الله بشفاعة الشفعاء وغيرها أبعَد، وكلَّ من كان لله أعظمَ إخلاصًا وعليه أشدَّ توكُّلًا كان أولى برحمة الله بشفاعة الشفعاء وغيرها؛ فإن الأسباب جميعها كالشفاعة ليست مستقلَّةً مُوجِبة، ومع هذا فالله خالقُها وربُّها.
وأعظمُ الأسباب التي يرجو بها العبد رحمة الله: العمل الصالح، والدعاء، والشفاعة، ومع هذا فالثلاثة بمنزلة الأسباب التي ليست من فعل العباد، من جهة أنها من جملة مخلوقات الله ومصنوعاته وما سبَّبه من الأسباب، ومن جهة أنها غيرُ مُوجِبةٍ ولا مستقلَّة.
فلذلك وجب أن لا يتوكَّل العبد إلا على ربِّه، ولا يتَّخذ من دونه وليًّا ولا شفيعًا.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ الآية [الأنعام: ٥١]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤].
فليس للعباد وليٌّ يتولى أمورهم دونه، ولا شفيعٌ يعينُهم على أمورهم دونه.
ولهذا قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ
стр. 3354
وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤]، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ الآية [الروم: ١٢ - ١٣].
ومعلومٌ أن الخلق إنما دَعَوا غيره لرجاء المنفعة به، أو خوف الضرر في ترك ذلك، كما دَعَوا (١) الشمس والقمر أو شيئًا من الكواكب، أو دَعَوا الملائكة أو النبيين، أو دَعَوا غير ذلك من المخلوقات، كالفلَك والسَّحاب والمطر وغير ذلك؛ فإن جميع المخلوقات عُبِدَت من دون الله (٢).
стр. 3355
مسائل عقدية
стр. 3356
* وسئل أيضًا عن من يعتقد أن كرامات الأولياء حقٌّ، وأن منهم من يُكاشَفُ ماضي ومستقبل (١)، فهل هذا الاعتقاد صحيحٌ أم لا؟
أجاب ﵁: كراماتُ الأولياء حقٌّ باتفاق أئمَّة أهل الإسلام والسُّنَّة والجماعة، وقد دلَّ عليه (٢) القرآن في غير موضع، والأحاديث الصَّحيحة، والآثار المتواترة عن الصَّحابة والتابعين وغيرهم.
وإنما أنكرها أهلُ البدع من المعتزلة والجهميَّة ومن تابعهم.
وأما أئمَّة الإسلام وشيوخه المقبولون عند الله فلم ينكروها، لكن كثيرًا ممن يدَّعيها أو تدَّعى له يكون كذابًا أو ملبوسًا عليه.
وأيضًا، فإنها لا تدلُّ على عصمة صاحبها، ولا على وجوب اتباعه في كلِّ ما يقول.
بل قد تصدُر بعض الخوارق من الكشف وغيره عن بعض الكفَّار من المشركين وأهل الكتاب ومن هو شرٌّ منهم (٣)، كما ثبت في الصَّحيح أن الدجَّال يقول للسماء: أمطري، فتُمْطِر، ويقول للأرض: أنبتي، فتُنْبِت، وأنه يقتل واحدًا ثم يحيا، وأنه تخرجُ خلفه كنوز الذَّهب والفضَّة (٤).
стр. 3357
ولهذا اتفق أئمَّة الدين على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، لم يُغْترَّ به (١) حتى يُنْظَر وقوفُه عند الأمر والنهي الذي بعث الله به رسوله ﷺ .
وهذه جملةٌ مختصرةٌ مفصَّلةٌ مبسوطةٌ في غير هذا الموضع، والله أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين (٢).
قال الإمام شمس الدين بن المحب: نقلت هذه المسألة من خط الشيخ تقي الدين أبي بكر الدريبي رحمه الله تعالى (٣)، ونقلتها من خطه.
* ... * ... *
стр. 3358
* مسألة: في من يعتقدُ أن الله يكلِّفُ العباد ما لا يطيقونه، هل هو اعتقادٌ صحيحٌ أم لا؟
الجواب: إن اعتقد أن الله يكلِّفُ العبد ما هو عاجزٌ عنه، كتكليف المُقْعَد أن يقوم في الصلاة، وأن يحجَّ ماشيًا، وتكليف من لا يقدر على المال أن يؤدِّي مالًا، وتكليف الإنسان أن يطير في الهواء، ونحو ذلك = فعليه أن يرجع عن ذلك؛ فإن الله لا يكلفُ نفسًا إلا وسعها.
وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وإن اعتقد أن الله يكلِّفُ العبد ما قد سبق علمُه أنه لا يفعله، فهذا صحيح. وكذلك إن اعتقد أنه يكلِّفُه (١) ما هو مشغولٌ بضدِّه، وهو لا يقدر على الجمع بين الضدَّين، فلا يطيقُ فعل المأمور حتى يترك الضدَّ المانع، فهذا صحيح.
وهذا الجوابُ مختصرُ تفصيل جواب هذه [المسألة]، وبسطُ هذا لا يحتملُه هذا الموضع، والله أعلم (٢).
стр. 3359
ومما سئل شيخ الإسلام ﵁، وهو:
مسألة: هل صلى أحدٌ من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه إلى المشرق، أو المغرب، أو إلى بيت المقدس؟
وهل بعث الله نبيًّا بغير دين الإسلام؟
وما سببُ صلاة نبينا ﷺ إلى بيت المقدس؟
وهل صخرة بيت المقدس أفضل من غيرها من الحجارة؟
وهل يأجوج ومأجوج من ولد آدم ﷺ ؟
والحديث عن النبي ﷺ "أول الآيات طلوعُ الشمس من مغربها" (١)، فهل ذلك قبل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج أم لا؟
الجواب: الحمد لله. لم يُصَلِّ أحدٌ من الأنبياء إلى المشرق ولا إلى المغرب، بحيث يتخذونه قبلة.
وكذلك بيتُ المقدس، إنما صلَّى إليه من صلَّى من الأنبياء لأجل قُبَّة العَهْد (٢) التي جُعِلت عليها (٣)، وإليها كان موسى ﷺ يصلي في التِّيه (٤).
стр. 3360
ولم يكن لله نبيٌّ ولا وليٌّ إلا على دين الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما أمَر به، فهذا دينُ الإسلام الذي لا يقبلُ الله دينًا غيره في كلِّ زمانٍ ومكان.
والله أمر محمدًا ﷺ في أول الإسلام أن يصلي إلى بيت المقدس، فصلى إليها بعد الهجرة نحو سنةٍ ونصف، ثم صُرِفَت القبلةُ إلى الكعبة، وكان مِن حكمة ذلك ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] , فأراد الله تعالى أن يمتحن عبادَه بأن يصلُّوا إلى قبلةٍ ثم يُصْرَفوا (١) عنها؛ ليتبيَّن من يتبعُ الرسولَ ممَّن ينقلبُ على عقبيه، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
وأما الصَّخرة، فهي كغيرها من أرض المسجد الأقصى، لا فضيلة لها بعد النَّسخ، مثل يوم السبت ويوم الأحد (٢).
و يأجوج ومأجوج من ولد آدم، كما ثبت ذلك في الصَّحيحين (٣) عن النبي ﷺ ، وأخبارُهم في الأحاديث الصَّحيحة لا تتسعُ لها هذه الورقة في صحيح مسلمٍ وغيره.
وأول الآيات السَّمائية (٤) طلوعُ الشمس من مغربها، وأما الدجال ونحوه
стр. 3361
فليس هو من الآيات السَّمائية، وذلك يكون قبل طلوع الشمس من مغربها؛ فإن طلوع الشمس من مغربها آيةٌ على انتقاض الفَلَك والعالم العُلوي (١)، وهو آيةٌ بينةٌ على القيامة الكبرى، بخلاف الآيات الأرضية، فإنها لا تدل بمجرَّدها على ذلك، ولكن عُلِم أنها من أشراط الساعة بإخبار الصادق المصدوق ﷺ ، والله أعلم.
* ... * ... *
стр. 3362
* مسألة: في رجلين قال أحدهما: المسلم أفضل من المؤمن، وقال الآخر: لا فرق، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
الجواب: الذي عليه جمهور أئمَّة المسلمين أن كلَّ مؤمنٍ مسلمٌ، وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا. فالمؤمن أفضل.
قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] , وكما ثبت في الصَّحيحين عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجالًا، فقلت: يا رسول الله، أعطيتَ فلانًا وتركتَ فلانًا وهو مؤمن، قال: "أو مسلم"، ثم قال: "إني لأعطي الرجلَ وغيرُه أحبُّ إليَّ منه" (١)، والله أعلم (٢).
* ... * ... *
стр. 3363
* مسألة: في أزواج النبي ﷺ أيتهنَّ أفضل؟ وهل فاطمة مثلهنَّ في الفضل؟ وما سببُ حياء الملائكة من عثمان ﵁؟
الجواب: أفضلُ نساء هذه الأمة: خديجة، وفاطمة، وعائشة (١). وقد تنازع الناسُ في أفضلهنَّ، وكثيرٌ من أهل العلم فضَّلوا عائشة (٢)؛ لما ثبت في الصَّحيح من حديث أبي موسى وحديث أنس ﵄ أنه [ ﷺ ] قال: "فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٣).
وأما عثمان، فكان في نفسه حَيِيًّا، فاستحيَت منه الملائكة؛ لأن الجزاء من جنس العمل (٤). والله أعلم.
* ... * ... *
стр. 3364
* مسألة: هل صحَّ عن إدريس النبيِّ ﵊ أنه خَطَّ في الرَّمل، وتكلَّم فيه؟ وهل الاشتغال به حلالٌ أم لا؟
الجواب: هذا الخطُّ الذي يخطُّه الناسُ في الرَّمل ونحوه لم يصحَّ عن إدريس ولا غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وليس الاشتغالُ به واستخراجُ المغيَّب منه (١) مما أَذِن فيه الله ورسوله، بل هو من جنس الاستقسام بالأزلام، والله أعلم (٢).
* ... * ... *
стр. 3365
* مسألة: في رجلٍ قال: إن أولياء الله الأبرار يقولون للشيء: كن، فيكون بإذن الله. فهل لهذا صحة؟
الجواب: من قال: إن غير الله إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل. [وليس] أحدٌ في الدنيا (١) يحصلُ له كلُّ ما يريد، ولو كان من كان. وأما في الآخرة فيُعطى المؤمنُ كلَّ ما يشتهي، وإذا اشتهى شيئًا حصل له ذلك بقدرة الله.
ويُذْكَر في الإسرائيليات: "يقول الحقُّ : يا عبدي، إني أقول للشيء: كن، فيكون. فإن أطعتني جعلتك تقول للشيء: كن، فيكون" (٢) , وهذا ليس له إسنادٌ يُعتمَدُ عليه. وإن لم يُرِد به قائلُه أن الله يعطيه ما يريده في الآخرة وإلا كان قوله مردودًا عليه، والله أعلم.