فليس هو من الآيات السَّمائية، وذلك يكون قبل طلوع الشمس من مغربها؛ فإن طلوع الشمس من مغربها آيةٌ على انتقاض الفَلَك والعالم العُلوي (١)، وهو آيةٌ بينةٌ على القيامة الكبرى، بخلاف الآيات الأرضية، فإنها لا تدل بمجرَّدها على ذلك، ولكن عُلِم أنها من أشراط الساعة بإخبار الصادق المصدوق ﷺ ، والله أعلم.
* ... * ... *
стр. 3362
* مسألة: في رجلين قال أحدهما: المسلم أفضل من المؤمن، وقال الآخر: لا فرق، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
الجواب: الذي عليه جمهور أئمَّة المسلمين أن كلَّ مؤمنٍ مسلمٌ، وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا. فالمؤمن أفضل.
قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] , وكما ثبت في الصَّحيحين عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجالًا، فقلت: يا رسول الله، أعطيتَ فلانًا وتركتَ فلانًا وهو مؤمن، قال: "أو مسلم"، ثم قال: "إني لأعطي الرجلَ وغيرُه أحبُّ إليَّ منه" (١)، والله أعلم (٢).
* ... * ... *
стр. 3363
* مسألة: في أزواج النبي ﷺ أيتهنَّ أفضل؟ وهل فاطمة مثلهنَّ في الفضل؟ وما سببُ حياء الملائكة من عثمان ﵁؟
الجواب: أفضلُ نساء هذه الأمة: خديجة، وفاطمة، وعائشة (١). وقد تنازع الناسُ في أفضلهنَّ، وكثيرٌ من أهل العلم فضَّلوا عائشة (٢)؛ لما ثبت في الصَّحيح من حديث أبي موسى وحديث أنس ﵄ أنه [ ﷺ ] قال: "فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٣).
وأما عثمان، فكان في نفسه حَيِيًّا، فاستحيَت منه الملائكة؛ لأن الجزاء من جنس العمل (٤). والله أعلم.
* ... * ... *
стр. 3364
* مسألة: هل صحَّ عن إدريس النبيِّ ﵊ أنه خَطَّ في الرَّمل، وتكلَّم فيه؟ وهل الاشتغال به حلالٌ أم لا؟
الجواب: هذا الخطُّ الذي يخطُّه الناسُ في الرَّمل ونحوه لم يصحَّ عن إدريس ولا غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وليس الاشتغالُ به واستخراجُ المغيَّب منه (١) مما أَذِن فيه الله ورسوله، بل هو من جنس الاستقسام بالأزلام، والله أعلم (٢).
* ... * ... *
стр. 3365
* مسألة: في رجلٍ قال: إن أولياء الله الأبرار يقولون للشيء: كن، فيكون بإذن الله. فهل لهذا صحة؟
الجواب: من قال: إن غير الله إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل. [وليس] أحدٌ في الدنيا (١) يحصلُ له كلُّ ما يريد، ولو كان من كان. وأما في الآخرة فيُعطى المؤمنُ كلَّ ما يشتهي، وإذا اشتهى شيئًا حصل له ذلك بقدرة الله.
ويُذْكَر في الإسرائيليات: "يقول الحقُّ : يا عبدي، إني أقول للشيء: كن، فيكون. فإن أطعتني جعلتك تقول للشيء: كن، فيكون" (٢) , وهذا ليس له إسنادٌ يُعتمَدُ عليه. وإن لم يُرِد به قائلُه أن الله يعطيه ما يريده في الآخرة وإلا كان قوله مردودًا عليه، والله أعلم.
стр. 3366
فصلٌ
في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
стр. 3367
قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾:
فصلٌ في أن عبادة الله تعالى تمنعُ من معصيته, وأن إرادة هذا وهذا ضدَّان لا يوجدُ أحدهما إلا لنقص الآخر. والإنسان إذا وقع منه ذنبٌ كان لنقص عبادته لله تعالى, وهذا كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
فأخبر سبحانه أنه جعل الآخرة للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا, فوصفهم بأنهم لا يريدون واحدًا من هذين, فمن أراد أحد هذين لم يكن من هؤلاء الذين أخبر أنه جعل لهم الدار الآخرة.
وهو تعالى لم يَصِفهم بهذا إلا بعدم الإرادة, و العدم المحض لا يُسْتَحَقُّ به الثواب ؛ لأن عدم هذه الإرادة لا يكون إلا إذا أرادوا ما أمرهم به من عبادته وحده لا شريك له, ولذلك استحقُّوا الدار الآخرة.
وقال في المخالفين لهؤلاء: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] , وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣ - ١٤] , فوصفهم بالظلم والعُلوِّ.
وقوله تعالى سبحانه (١): ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ ذكر الفساد
стр. 3368
مقرونًا بالعُلوِّ, و الفسادُ المطلق يتناول إرادة العلوِّ ؛ فإن هذا من الفساد الذي هو خلافُ الصَّلاح, وهذا قد يكونُ مِن عطف العامِّ على الخاصِّ, وقد يكونُ لمَّا قُيِّد بالعطف صار عطف خاصٍّ على خاصٍّ, ولذلك نظائرُ كثيرةٌ في القرآن, مثل قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] , وقتل النفس أيضًا فساد.
وقد قال تعالى في الفساد المطلق: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢] , ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] , وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] , وقال تعالى عن صالح: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢].
وقد ذكر الله المحرَّمات بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] , والجميع فساد.
وهُنَّ (١) إثمٌ وعدوان, قال تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] , وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾
стр. 3369
[الطلاق: ١] , وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١].
و المدحُ بالأمور العدميَّة لا يكونُ إلا لأنها تستلزم أمورًا وجودية , كما قد بُسِط هذا في غير موضع (١) , فما يُنفى من صفات النقص وما يُنَزَّه (٢) عنه من الأفعال المذمومة, فإن ما يُمْدَحُ به من [نفي] صفات النقص يستلزم أمورًا وجودية من صفات الكمال, وما يُنَزَّه عنه من الأفعال المذمومة يستلزم وجود ما يُمْدَحُ به من الأفعال المحمودة.
فإن الإنسان كما قال النبي ﷺ : "أصدق الأسماء الحارث وهمَّام" (٣) , لا يزال حارثًا همَّامًا, وهو حسَّاسٌ متحركٌ بالإرادة.
وفي الحديث: "لَلْقَلْبُ أشدُّ تقلُّبًا من القِدْر إذا استَجْمَعَتْ غليانًا" (٤) ,
стр. 3370
و"مَثَلُ القلب مَثَلُ ريشةٍ ملقاةٍ في أرضٍ فلاة" (١).
و النفس طبيعتُها الحركة , ولهذا قال بعضهم: "نفسك إن لم تَشْغَلها شَغَلتْك" (٢) , إن لم تَشْغَلها بالحق شَغَلَتْك بالباطل.
فالإنسان لا يعدلُ عن فعلٍ إلا لاشتغاله بفعلٍ آخر, ولا يترك إرادةً يهواها إلا لإرادةٍ أخرى، إما إرادة محبوبٍ هو أحبُّ إليه من الأول, فيتركه لأجلها؛ لأن الضدَّين لا يجتمعان. وإما لمكروهٍ يتحصَّل له من ذاك, فتكون إرادتُه للسلامة من ذاك ولنجاته منه مانعًا من إرادة ذلك المكروه.
فإذا كان الله تعالى أحبَّ إلى العبد من كل شيء, وأخوفَ عنده من كل شيء, كان ذلك باعثًا له على طاعته, وزاجرًا له عن معصيته.
стр. 3371
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] , وقال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ في أصحِّ القولين (١)؛ فإن المراد بالعباد هنا الذين عبدوه, وهم عباده المخلصون الذين قال فيهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] , وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] , وقال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] , وقال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] , وهؤلاء عباده الذين عبدوه.
و العبادة تجمع الحبَّ والخضوع , فالحبُّ بلا خضوعٍ لا يكون عبادة, والخضوع بلا محبةٍ لا يكون عبادة, والله تعالى يستحقُّ أن يُعبد وحده ولا يُشْرَك به شيء, فلا بد أن يكون أحبَّ إلى العبد مما سواه, وأن يكون أعظم عند العبد من كل ما سواه, بحيث يَخْضَعُ له ولا يَخْضَعُ لشيءٍ كما يَخْضَعُ له, وكذلك يحبُّه ولا يحبُّ شيئًا كما يحبُّه.
فالربُّ تعالى يستحقُّ غاية الحبِّ وغاية الخضوع, ويستحقُّ أن يكون ذلك خالصًا له لا يُشْرَك فيه غيره, فمن استكبر عن عبادته لم يكن عابدًا له, ومتى عبد معه غيره كان مشركًا به, فلم يكن عابدًا له وحده.
стр. 3372
وحبُّ العبد له وخضوعُه له ينافي إرادة العلوِّ في الأرض والفساد؛ فإنه إذا شَهِد العبد أنه العليُّ الأعلى, وأن كلَّ ما سواه مفتقرٌ إليه, وشَهِد فقرَ نفسه وحاجتَه إليه من جهة ربوبيَّته له, ومن جهة إلهيَّته له, فإنه لا بدَّ له من أن يعبده, ولا بدَّ له من إعانة الرب له, فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, ما لا يكون بالله لا يكون, فليس يوجدُ للعبد ولا لغيره شيءٌ إلا به.
وهذا تحقيق "لا حول ولا قوَّة إلا بالله", فكل ما سواه فقيرٌ إليه دائمًا, وهو غنيٌّ عن كل ما سواه دائمًا, والعبد لا يصلح إن لم يكن الربُّ معبوده وهو غاية محبوبه ومطلوبه, وإلا فكلُّ عملٍ لا يراد به وجهُ الله فهو فاسدٌ ضارٌّ لا ينفعُ صاحبه. فكما أنه [ما] لا يكونُ به لا يكون, فما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم (١) , ولهذا أُمِرْنا أن نقول في كلِّ صلاة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
فشهودُ العبد هذا ينفي أن يريد علوًّا في الأرض أو فسادًا, ويستلزم أن يكون من المتقين؛ فإن شهود العبد لحقيقة حاجته وفقره يمنع عنه العلوَّ, وشهوده لحاجته إلى ما ينفعه ينفي عنه إرادة ما يضرُّه, ولكن هو جاهلٌ ظالم, وقلبه يغفل عن الله فيتبع هواه, قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] , وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] , فهو بغفلته عن ذكر ربه, ونسيانه إياه, ينسى نفسَه وحاجتَها ومصلحتها, فهو في غاية الفقر والحاجة.
وقد ينفخُ فيه الشيطانُ الكِبْرَ فينسى حاجتَه وفقرَه, ويطغى إذا استشعر
стр. 3373
غِناه, قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] , فإذا رآه استغنى طغى, وهو لا يستغني في الحقيقة قطُّ, لكن يرى نفسَه مستغنيةً رؤيةً كاذبة.
قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] , واستغناؤه هنا كقوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: ٥ - ٦] , فالمستغني: الذي لم ير نفسه محتاجًا، فيخضعَ خضوعَ المحتاج، ويقصدَ قصدَ المحتاج.
قال سهل بن عبد الله: "ليس بين العبد وبين الله طريقٌ أقرب إليه من الافتقار, ولا حجابٌ أغلظ من الدعوى" (١).
و أصل كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة الخوفُ من الله .
وهذا الافتقار هو من العبودية التي قال فيها: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] , وإلا فجميع المخلوقات هي في نفس الأمر مفتقرةٌ إلى الله تعالى, وهم عبادٌ مُعَبَّدون (٢) له, يصرِّفهم بمشيئته وقهره, ولكنهم لا يشهدون هذا ولا يشهدون (٣) من أنفسهم الخضوع والعبودية والذل, بل
стр. 3374
الإنسان ضعيفٌ جبَّار, ضعيفُ القدرة جبَّارُ الإرادة (١).
آخره. علَّقه محمد بن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن حاتم بن الحبال الأنصاري الحراني الحنبلي، عفا الله عنهم، من خط العلامة شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي قدس الله روحه.
стр. 3375
فصلٌ
في الكلام على آياتٍ من سورة الشورى
стр. 3376
فصلٌ: قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني أيضًا ﵁:
قال الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٤٣].
فإنه ــ سبحانه ــ جمَع في هذه الآيات أصول الدِّين الجامع للأخلاق الإسلامية, فبدأ بذكر الإيمان, ثم بترك ما نهى عنه, ثم بفعل ما أمر به؛ فاجتمع فيه الإيمان والعمل الصالح.
فبدأ بذكر الإيمان وأن توكُّلهم على ربهم؛ لما قدَّمنا غير مرَّة من الجمع بين العبادة والاستعانة والتوكل والإنابة (١).
وهنا خصَّ التوكل بالذكر لوجهين:
أحدهما: أنه السببُ الموجبُ للإيمان وغيره من المطالب, كما قيل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
стр. 3377
الثاني: أنه كما قال سعيد بن جبير: "التوكلُ جِمَاعُ الإيمان" (١) , كما قال تعالى في الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] , فهذا مثل ذاك.
ثم قال تعالى: ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ , فإن السيئات لها سببان: إما الشهوة والحبُّ والطمع, وإما النُّفرة والبغض, وذلك هوى النفس والغضب.
و الشهوة الظاهرة شهوةُ البطن والفرج , كما سئل النبيُّ ﷺ : ما أكثر ما يُدْخِل الناسَ النار؟ قال: "الأجوفان: الفم, والفرج", وسئل: ما أكثر ما يُدْخِل الناسَ الجنة؟ فقال: "تقوى الله, وحُسْن الخلق" رواه الترمذي (٢) وصحَّحه.
وفي حديث ... (٣): "من تكفَّل لي ما بين فُقْمَيه (٤) ورجليه تكفَّلتُ له بالجنة" (٥).
стр. 3378
وفي رواية: "قَبْقَبه وذَبْذَبه" (١).
والفواحشُ ظاهرةٌ في فواحش الفرج ومقدِّماتها من المباشرة والنظر, وكبائرُ الإثم ظاهرةٌ في المطاعم الخبيثة, كما قال في الخمر والميسر:
﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
وجمَع هنا بين الإثم والفواحش كما جمَع بينهما في النجم في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] , وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وأما النُّفرة والغضب, فقال: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ , وهنا كان
стр. 3379
الكلام في سياق الحمد والثناء وأن الآخرة لهم.
وأما في سورة الأعراف فذكر أنه حرَّم البغي, و مبدأ البغي من البغض والنُّفرة والغضب ؛ إذ الإنسان لا يبغي على من يحبه, وإنما يبغي على من يبغضه, ولهذا يُقْرَنُ بالحسد كثيرًا.
ثم ذكر فعل المأمور به, فقال: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ , وهذا جامعٌ لما أمر به, كما أن الإيمان جامعٌ للحسنات كلها.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ هما قرينان في كتاب الله, ووسَّط ذلك بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾؛ فإن ذلك يدفعُ طلبَ العُلوِّ في الأرض والفساد, ويوجبُ العدلَ والصلاح؛ لأن في ذلك اجتماع الاعتقادات والإرادات, وفي تركه اختلاف العقائد والإرادات.
стр. 3380
فصل
في تفسير سورة المسد
стр. 3381
قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى:
فصل في تفسير سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾
هذه السورة أنزلها الله تعالى في هذا الرجل وامرأته، وهما مِن أشرف بطنين في قريش: بني هاشم، وبني عبد مناف (١).
فهو أبو لهب (٢) عبد العُزَّى بن عبد المطلب، عمُّ النبي ﷺ .
وقد قيل: إن الله ذكره بكنيته دون اسمه لأن اسمَه فيه تعبيدٌ للصَّنم، ولأن في كنيته تنبيهًا على حاله في الآخرة، كما يقال: "لكلِّ أحدٍ من اسمه نصيبٌ" (٣).
وأما امرأته فأمُّ جميلٍ بنتُ حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
وهذا عمُّ علي، وهذه عمَّة معاوية، وهذان البطنان هما اللذان تداولا الخلافة في الأمة: بنو هاشم، وبنو أمية، وتجمعُهما: المَنافِيَّة (٤)؛ فإن عبد شمسٍ أخو هاشم، وكان عثمان بن عفان من بني أمية، وكان عليٌّ من
стр. 3382
بني هاشم.
وأما أبو بكر وعمر فمن قبيلتين أبعدُ من بني عبد منافٍ نسبًا من النبي ﷺ ، أبو بكر من تَيْم بن مرَّة بن كعب بن لؤي، وعمر من بني عديِّ بن كعب بن لؤي، وهما اللذان قال فيهما النبي ﷺ : "اقتدوا باللذَيْن من بعدي: أبي بكرٍ، وعمر" (١)،
واتفقت الأمةُ عليهما وفي عهدهما ما لم تتفق على من بعدهما وفي ولايته، وإن كانت في عهد عثمان كانت أعظم اتفاقًا.
ولمَّا وقعت الفتنة بقتل عثمان تفرَّقت الأمة وصارت شِيَعًا، قومٌ يميلون إلى عثمان، وقومٌ يميلون إلى علي، وجرى بين الطائفتين قتالٌ وحروب، وكان كثيرٌ منهم يفعل ذلك تأخذه لهما أو لأحدهما حميَّةُ النسب المَنَافيِّ؛ لقربه من النبي ﷺ .
стр. 3383
وإن كان بنو هاشمٍ أقربُ وأفضلُ من غيرهم، كما أن المذكور منهم في الآية رجلٌ، و الرجلُ في الجملة أشرفُ من المرأة .
ولم يُنْزِل الله في القرآن ذمَّ أحدٍ من الكفَّار بالنبي ﷺ باسمه إلا هذا الرجل وامرأته، وفي هذا من العبرة والبيان أن الأنسابَ لا عبرة بها، بل النَّسِيبُ الشريفُ يكون ذمُّه وعقابه على تخلُّفه عما يجبُ عليه من الإيمان والعمل الصالح أشدُّ، كما قال تعالى لأزواج النبي ﷺ : ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
[الأحزاب: ٣٠] (١).
وسبب نزولها: ما أخرجاه في الصَّحيحين (٢) عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ورهطَك منهم المخلصين، خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصَّفا، فهتَف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرجُ مِن سَفْح هذا الجبل، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟ قالوا: ما جرَّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يَدَيْ (٣)
стр. 3384
عذابٍ شديد، فقال أبو لهب: تبًّا لك، ما جمعتَنا إلا لهذا؟! فأنزل الله:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وقد تَبَّ (١)﴾، هكذا قرأها الأعمش (٢).
فذكر سبحانه تَبَابَ يديه، وتبابَه في نفسه، بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، والتَّبَابُ: الخَسَار، قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] (٣).
وذكر أنه ما أغنى عنه لا مالُه ولا ولدُه (٤)؛ فإن قوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾
стр. 3385
يتناولُ ولدَه، كما فسَّر ذلك من فسَّره من السَّلف (١)، وكما قال النبيُّ ﷺ : "إن أطيبَ ما أكل الرجلُ مِن كَسْبه، وإن ولدَه مِن كَسْبه" (٢).
وبهذه الآية استدلَّ طائفةٌ من أصحابنا ــ كأبي حفصٍ (٣) وغيره ــ على أن ولد الرجل مِن كَسْبه، فيجوزُ له الأكلُ منه (٤).
ثم أخبر أنه ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾؛ فأخبر بخسارته وبعذابه، بزوال الخير وبحصول الشر.
والصِّلِيُّ: الدخول والاحتراق جميعًا، فصَالِي النار: الداخِلُ المحترقُ فيها.
стр. 3386
وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حمَّالةُ (١) ... الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ لا يخلو:
* إما أن يكون "امرأته" معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿سَيَصْلَى﴾ هو ﴿وَامْرَأَتُهُ حمَّالةُ ... الْحَطَبِ﴾.
* أو يكون جملةً مبتدأة.
لكن الأول أرجح؛ لانتظام الكلام بذلك.
و العطفُ على الضمير المرفوع مع الفصل عربيٌّ فصيح ، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، وغير ذلك.
ويكونُ قوله: ﴿حمَّالةُ الْحَطَبِ﴾ صفة، والأنسب بما تقدَّم أن يكون ذلك متصلًا بما قبله، أي: وامرأته حمَّالةُ الحطب الذي يكون وقودًا لتلك النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقد قُرِئ: ﴿حطبُ جَهَنَّمَ﴾ (٢)، وقال تعالى:
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ
стр. 3387
لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
[التحريم: ٦].
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، والجِيد: العُنق (١)،
والمَسَد: اللِّيف. وإذا كان في الرَّقبة حبلٌ من ليفٍ لأجل الحطب الذي يحمله كان ذلك زيادةً في العذاب؛ لأن الليف خشنٌ مؤذي.
وذِكْرُه في الآخرة ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ نظيرُ قوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ -
٣٢]، وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢].
فهذا الكلام (٢):
* إما أن يكون وصفًا لحملها الحطبَ الذي يوقدُ به في الدنيا، كما يظنُّه من يظنُّه.
стр. 3388
فيقال: هي لم تكن كذلك، وليس في ذلك ذمٌّ لها (١)؛
فإن هذا عملٌ مباح، وقد كان يفعله طائفةٌ من خيار هذه الأمة، كعبد الله بن سَلَام (٢)، وأبي هريرة (٣)، وسلمان الفارسي (٤)، مع كونهما كانا أميرَين، وكذلك ثبت في الصَّحيح أن أهل الصُّفَّة كانوا يحتطبون (٥)، وفي الصَّحيح عن النبي ﷺ قال: "لأن يأخذ أحدكم حبلَه على ظهره فيحتطبَ خيرٌ له من أن يسأل الناسَ، أعطَوْه أو مَنَعُوه" (٦).
* وإما أن يكون مثلًا لنميمتها في الدنيا، فيكون وصفًا لعملها السَّوء؛ فإن كلام النمَّام يُوقِدُ القلوبَ، ويُضْرِمُ النار فيها، كما يفعلُ الحطبُ في النار، فتكون حمَّالةً لحطب القلوب والنفوس.
وهذا قد يقال: إن غايتَه أن يكون نِمَامةً، وذنبُها أعظمُ من ذلك. وقد قال: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، وحملُ النميمة لا يوصفُ بذلك.
стр. 3389
* وإما أن يكون وصفًا لحالها في الآخرة، كما وصفَ حال بَعْلِها (١)، فهو سيصلى (٢) نارًا ذات لهب، وهذه تحمل (٣) الحطبَ في عنقها بحبلٍ (٤) مِن مسَد، فتَسْجُر به النارَ عليه؛ فإنها في الدنيا كانت هي المعينةَ له على الكفر وعداوة النبي ﷺ ، فتكون في الآخرة كذلك.
ويكون قوله: ﴿حمَّالةُ الْحَطَبِ﴾ اللام لتعريف المعهود؛ لأن (٥) النار تستدعي حطبًا، فذِكْرُ صِليِّ النار يقتضي حطبَها، فقيل: امرأتُه حمَّالةُ الحطب.
ويكون هذا [كما] في قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].
ويكون في هذا عبرةٌ لكلِّ متعاوِنَيْن على الإثم والعدوان، وإن كانا شَرِيفَيْ النَّسب، قريبَيْن في النَّسب إلى أفضل الخلق؛ أنهما خاسران لا يقدران مما كَسَبا على شيء، وأنهما معذَّبان في الآخرة بما احْتَقَباه من الإثم.
ويكون المذكورُ في القرآن من حال الزَّوجين قد عَمَّ الأقسام الممكنة، وهي أربعة:
١ - فإن الزوجين إما أن يكونا سعيدَيْن، كإبراهيم الخليل وأهل بيته، ومحمد ﷺ وأهل بيته.
стр. 3390
٢ - وإما أن يكونا شقيَّيْن، كأبي لهبٍ وامرأته حمَّالة الحطب.
٣ - وإما أن يكون الزوجُ سعيدًا والمرأة شقيَّةً، كنوحٍ ولوطٍ عليهما الصلاة والسلام.
٤ - وإما بالعكس، كفرعون وامرأته.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١٠ - ١١]، ثم ذكر من لا زوجَ لها، فقال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.
فحمَّالةُ الحطب: المرأة التي أعانت زوجَها على معاصي الله، وامرأةُ نوحٍ وامرأة لوط: المرأة التي عصت زوجَها في طاعة الله، وامرأةُ فرعونٍ ممن عصت زوجَها في معصية الله.
وهذا الوصفُ المذكور في امرأته مستقيم، سواءٌ كان قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ معطوفًا أو مبتدأ.
وإذا كان معطوفًا وقولُه ﴿حمَّالةُ الْحَطَبِ﴾ صفةً لها = استقام أن يُفَسَّر حملُ الحطب بحمل النميمة والذنوب في الدنيا، وحملُ الوقود في الآخرة؛ فإن جزاء الآخرة من جنس عمل العبد في الدنيا، فمن كان له لسانان في الدنيا
стр. 3391
كان له لسانان من نارٍ يوم القيامة (١)، ومن سأل الناسَ وله ما يُغْنِيه جاءت مسألتُه خُدوشًا أو خُموشًا أو كُدوحًا في وجهه يوم القيامة (٢)، ولا تزال المسألةُ بأحدهم حتى يلقى الله يوم القيامة وليس في وجهه مُزْعَة لحم (٣).
وقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ بيانٌ لاستمكان الحطب على ظهرها، ولزومه إياها؛ فإن كلَّ عاملٍ يلزمُه عملُه، كما قال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء:
١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨].
فلما كانت في الدنيا تحملُ إلى زوجها ما تُضْرِمُ به نار الفتنة في قلبه وقلبها من الكلام حتى يَعْظُمَ كفرُه، متقلِّدةً ذلك في عنقها = كانت يوم القيامة حاملةَ الوقودِ الذي تُضْرَمُ به عليهما النار.
стр. 3392
قال ابن إسحاق في "السيرة" (١) لما ذكر مُهَاجَر من هاجر من الصَّحابة إلى الحبشة، قال: "فلما رأت قريشٌ أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدًا أصابوا فيه أمنًا وقرارًا، وأن النجاشيَّ قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، وكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلامُ يَفْشُو في القبائل = اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا يُنْكِحوا إليهم، ولا يُنْكِحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم.
فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا واتفقوا على ذلك، ثم علَّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم.
فلما فعلت ذلك قريشٌ انحازت بنو هاشمٍ وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شِعْبه، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشمٍ أبو لهبٍ عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش، فظاهَرَهُم (٢) ".
قال: "وحدثني حسين بن عبد الله (٣) أن أبا لهب لقي هندَ بنت عُتْبة بن ربيعة حين فارق قومَه وظاهَرَ عليهم قريشًا، فقال: يا ابنة عُتْبة، هل نَصَرْتُ
стр. 3393
اللاتَ والعزَّى، وفارقتُ من فارقَهما وظاهَرَ عليهما؟ فقالت: نعم، فجزاك الله خيرًا يا أبا عُتْبة (١) ".
قال ابن إسحاق: "وحُدِّثتُ أنه كان يقول في بعض ما يقول: يَعِدُني محمدٌ أشياء لا أراها، يزعمُ أنها كائنةٌ بعد الموت، فماذا وضع (٢) في يديَّ بعد (٣) ذلك؟! ثم ينفخُ في يديه، ويقول: تبًّا لكما، ما أرى فيكما شيئًا مما يقول محمد! فأنزل الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ".
قال عبد الملك بن هشام (٤): " ﴿تَبَّتْ﴾: خَسِرت. والتَّباب: الخسَار (٥). قال حبيب بن خِدْرة الخارجيّ، أحد بني هِلال بن عامر بن صَعْصَعة:
يا طيبُ إنا في معشرٍ ذهبَت ... مَسْعاتُهم في التَّبار والتَّببِ (٦)
стр. 3394
وذكر قصة الشِّعْب، قال: "ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، مُبادِيًا بأمر الله، لا يتَّقي فيه أحدًا من الناس.
فجعلت قريشٌ حين منعه الله تعالى منها، وقام عمُّه وقومُه من بني هاشمٍ وبني المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به = يهمزونه، ويستهزؤون به، ويخاصمونه.
وجعل القرآنُ ينزل في قريشٍ بأحداثهم (١)، وفي من نصَب لعداوته، منهم من سُمِّي لنا، ومنهم من نزل فيه القرآنُ في عامَّة من ذكَر الله من الكفَّار.
فكان ممن سُمِّي لنا من قريشٍ ممن نزل فيه القرآن (٢): عمُّه أبو لهب بن عبد المطلب، وامرأته أمُّ جميلٍ بنتُ حرب بن أمية، حمَّالةُ الحطب، وإنما سمَّاها الله: "حمَّالة الحطب" لأنها كانت ــ فيما بلغني (٣) ــ تحملُ الشَّوكَ فتطرحُه على طريق رسول الله ﷺ حيث يمرُّ، فأنزل الله فيها: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ " (٤).
стр. 3395
قال عبد الملك بن هشام: "الجِيد: العُنق.
قال أعشى بن قيس بن ثعلبة:
يوم تُبْدِي لنا قَتِيلةُ عن جيـ ... ـدٍ أسيلٍ تَزِينُه الأطواقُ (١)
وجمعُه: أجياد.
والمَسَد: شجرٌ يُدَقُّ كما يُدَقُّ الكتَّان، فتُفْتَل منه حبال.
قال النابغة الذبياني:
مقذوفةٍ بدَخِيس النَّحْض بازِلُها ... له صَرِيفٌ صَرِيفُ القَعْو بالمَسَد (٢)
وواحدُه (٣): مَسَدَة".
قال ابن إسحاق: "فذُكِر لي أن أمَّ جميلٍ "حمَّالةَ الحطب" حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن، أتت رسولَ الله ﷺ وهو جالسٌ في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكرٍ الصِّديق ﵁، وفي يدها فِهْرٌ من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ اللهُ ببصرها عن رسول الله ﷺ ، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجُوني، وتالله لو وجدتُه لضربتُ بهذا الفِهْر فاه، أما والله إني لشاعرة:
стр. 3396
مُذَمَّمًا عَصَيْنا
وأمرَه أَبَيْنا
ودينَه قَلَيْنا
ثم انصرفَتْ. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتكَ؟! فقال: ما رأتني، لقد أخذ اللهُ ببصرها عني" (١).
قال ابن هشام: "قولها: "ودينَه قَلَيْنا" عن غير ابن إسحاق".
قال ابن إسحاق: "وكانت قريشٌ إنما تسمِّي رسولَ الله ﷺ : مُذَمَّمًا، ثم يسبُّونه ويهجُون مُذَمَّمًا.
فكان رسولُ الله ﷺ يقول: ألا تعجبون لِمَا صرفَ الله عني من أذى
стр. 3397
قريش؟! يسبُّون ويهجُون مُذَمَّمًا، وأنا محمد" (١).
انتهى ما ذكره شيخ الإسلام
стр. 3398
مسألة
في تفسير استعاذة النبي ﷺ
من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل ، والبخل والجبن، وضِلَع الدَّين وغلبة الرجال
стр. 3399
مسألة في تفسير استعاذة النبي ﷺ بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، والعجز والكسل، والبخل والجُبن، وضِلَع الدَّين وغلبة الرجال" (١).
أجاب شيخ الإسلام ﵁:
الحمد لله، النبيُّ ﷺ جمع في هذا الحديث بين أصناف الشرِّ (٢) التي يُستعاذ منها في أحوال العبد، كل اثنين مِن صِنْف؛ فالهمُّ والحَزَنُ من صنف، والعجزُ والكسلُ مِن صِنْف، والجُبنُ والبخلُ مِن صِنْف، وضِلَعُ الدَّين وغلبةُ الرجال مِن صِنْف.
* فأول ذلك: "الهمُّ والحَزَن"، فالهمُّ يتعلق بالمستقبل، مثل أمورٍ يحذر من وقوعها، فيهتمُّ لأجلها، أو يرجو حصولها، فيهتمُّ أن لا تحصل. والحَزن يتعلق بالماضي والحاضر، مثل أمورٍ كان يكرهها، فيحزنُ لحصولها، أو كان يطلبها، ففاتت، فيحزنُ لفواتها، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
* و"العجز والكسل" يتعلقان بالفعل الذي ينبغي له فعلُه، فتارةً يعجز عنه، وتارةً لا يكون عاجزًا، لكن يحصل له كسلٌ وفتورٌ في همَّته.
* و" البخل والجبن" قرينان ، فالبخيلُ الذي مَنَع معروفَه خوفًا على ماله، والجبانُ الذي لا يدفعُ الشرَّ خوفًا على نفسه من عدوِّه. فالأول يخافُ
стр. 3400
زوالَ النافع، والثاني يخافُ حصولَ الضارِّ.
قال النبي ﷺ : "شرُّ ما في المرء شُحٌّ هالِع، وجبنٌ خالِع" (١) , وكلاهما يكونُ من ضعف النفس وهلعها.
* و" ضِلَع الدين وغلبة الرجال" من جنسٍ واحد ؛ فإن المقهور تارةً يُقْهَرُ بحقٍّ، وهو المغلوب، وهو الذي ضَلَعه الدَّينُ، وتارةً بباطل، كرجالٍ اجتمعوا عليه فغلبوه.
وهذان كلاهما عاجزٌ مقهور، الأول عاجزٌ مقهورٌ بحقٍّ غَلَبه، عليه أن يؤدِّيه، وهو لا يقدِر، والثاني هو عاجزٌ مقهورٌ برجالٍ يعارضونه ويغلبونه حتى يمنعوه من مصالحه وأشغاله.
وقد رتَّبه النبي ﷺ ترتيبًا محكمًا:
فالهمُّ والحَزَنُ متعلقان بالمصائب، مثل فوات مطلوبٍ وحصول مكروه.
والعجزُ والكسلُ متعلقان بالأفعال التي يُؤْثِرُها، وهي نافعةٌ له، فإذا لم يفعلها حصل له الضرر، ويكونُ تركُها لعجزٍ أو كسل.