مُذَمَّمًا عَصَيْنا
وأمرَه أَبَيْنا
ودينَه قَلَيْنا
ثم انصرفَتْ. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتكَ؟! فقال: ما رأتني، لقد أخذ اللهُ ببصرها عني" (١).
قال ابن هشام: "قولها: "ودينَه قَلَيْنا" عن غير ابن إسحاق".
قال ابن إسحاق: "وكانت قريشٌ إنما تسمِّي رسولَ الله ﷺ : مُذَمَّمًا، ثم يسبُّونه ويهجُون مُذَمَّمًا.
فكان رسولُ الله ﷺ يقول: ألا تعجبون لِمَا صرفَ الله عني من أذى
стр. 3397
قريش؟! يسبُّون ويهجُون مُذَمَّمًا، وأنا محمد" (١).
انتهى ما ذكره شيخ الإسلام
стр. 3398
مسألة
في تفسير استعاذة النبي ﷺ
من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل ، والبخل والجبن، وضِلَع الدَّين وغلبة الرجال
стр. 3399
مسألة في تفسير استعاذة النبي ﷺ بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، والعجز والكسل، والبخل والجُبن، وضِلَع الدَّين وغلبة الرجال" (١).
أجاب شيخ الإسلام ﵁:
الحمد لله، النبيُّ ﷺ جمع في هذا الحديث بين أصناف الشرِّ (٢) التي يُستعاذ منها في أحوال العبد، كل اثنين مِن صِنْف؛ فالهمُّ والحَزَنُ من صنف، والعجزُ والكسلُ مِن صِنْف، والجُبنُ والبخلُ مِن صِنْف، وضِلَعُ الدَّين وغلبةُ الرجال مِن صِنْف.
* فأول ذلك: "الهمُّ والحَزَن"، فالهمُّ يتعلق بالمستقبل، مثل أمورٍ يحذر من وقوعها، فيهتمُّ لأجلها، أو يرجو حصولها، فيهتمُّ أن لا تحصل. والحَزن يتعلق بالماضي والحاضر، مثل أمورٍ كان يكرهها، فيحزنُ لحصولها، أو كان يطلبها، ففاتت، فيحزنُ لفواتها، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
* و"العجز والكسل" يتعلقان بالفعل الذي ينبغي له فعلُه، فتارةً يعجز عنه، وتارةً لا يكون عاجزًا، لكن يحصل له كسلٌ وفتورٌ في همَّته.
* و" البخل والجبن" قرينان ، فالبخيلُ الذي مَنَع معروفَه خوفًا على ماله، والجبانُ الذي لا يدفعُ الشرَّ خوفًا على نفسه من عدوِّه. فالأول يخافُ
стр. 3400
زوالَ النافع، والثاني يخافُ حصولَ الضارِّ.
قال النبي ﷺ : "شرُّ ما في المرء شُحٌّ هالِع، وجبنٌ خالِع" (١) , وكلاهما يكونُ من ضعف النفس وهلعها.
* و" ضِلَع الدين وغلبة الرجال" من جنسٍ واحد ؛ فإن المقهور تارةً يُقْهَرُ بحقٍّ، وهو المغلوب، وهو الذي ضَلَعه الدَّينُ، وتارةً بباطل، كرجالٍ اجتمعوا عليه فغلبوه.
وهذان كلاهما عاجزٌ مقهور، الأول عاجزٌ مقهورٌ بحقٍّ غَلَبه، عليه أن يؤدِّيه، وهو لا يقدِر، والثاني هو عاجزٌ مقهورٌ برجالٍ يعارضونه ويغلبونه حتى يمنعوه من مصالحه وأشغاله.
وقد رتَّبه النبي ﷺ ترتيبًا محكمًا:
فالهمُّ والحَزَنُ متعلقان بالمصائب، مثل فوات مطلوبٍ وحصول مكروه.
والعجزُ والكسلُ متعلقان بالأفعال التي يُؤْثِرُها، وهي نافعةٌ له، فإذا لم يفعلها حصل له الضرر، ويكونُ تركُها لعجزٍ أو كسل.
стр. 3401
وهذه الأربعة تتعلَّق به في نفسه، فمحلُّها (١) نفسُ الإنسان.
وأما البخلُ والجبنُ، وضِلَعُ الدَّين وغلبةُ الرجال، فإنها تتعلق بأمورٍ منفصلة عنه، الأوَّلان يتعلقان بإرادته للأمور المتصلة، والآخران يتعلقان بقدرته على الأمور المنفصلة.
كما أن الأربعة الأُوَل: الأوَّلان يتعلقان بالمحبوب والمكروه، والآخران يتعلقان بالمقدور عليه والمعجوز عنه.
فالبخيل الذي لا يريدُ أن يبذل ما ينفعُ الناس؛ لعدم إرادته الإحسانَ إليهم، أو لخوفه من إخراج النافع منه (٢)، أو لبغضه (٣) للخير وحسده للناس.
والجبانُ الذي لا يريدُ دفعَ المضرَّة؛ خوفًا من حصول ما يضرُّه، وزوال ما ينفعُه، فيقعُ في أعظم الضررين خوفًا من أدناهما، إما جهلًا بحقيقة ما ينفعُه ويضرُّه، وإما ضعفَ نفسٍ بهَلعٍ (٤) يخلعُ قلبَه.
والجبنُ والبخلُ متعلقان بما في النفس من إرادةٍ وكراهة، وقوةٍ وضعف.
وأما ضِلَعُ الدين وغلبةُ الرجال فكلاهما هو مما يكون في المرء مقهورًا بغيره، قد عجَّزته الأمورُ المنفصلة عنه، ليس من عجزٍ حصَل في نفسه ابتداءً،
стр. 3402
فالدَّين: مطالبةُ (١) الغرماءِ به مع عجزه عن الوفاء له، وقهرُه: الرجالُ الغالبون يعجِّزون القادرَ ويمنعونه ويقهرونه.
فهذه الأمور التي استعاذ منها النبيُّ ﷺ فيها من الحِكَم الجوامع التي تجمعُ أنواع الشرِّ المستعاذ منه، المتعلقة بنفس الإنسان، وأعماله الباطنة والظاهرة = ما هو مصدِّقٌ لقوله ﷺ : "أوتيتُ جوامعَ الكَلِم" (٢)، والله أعلم (٣).
تمت، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
стр. 3403
مسائل حديثية
стр. 3404
* مسألة في قوله ﷺ : "اتخذوا مع الفقراء أيادي؛ فإن لهم يوم القيامة دولةً وأيَّ دولة" (١)،
وما هم الفقراء؟ وقد قيل عنه: قال: "مكتوبٌ على كل فرجٍ ناكحُه من حلالٍ وحرام" (٢)، هل هو صحيحٌ أم لا؟
الجواب: أما الحديث الأول فباطل (٣). والدولة في الآخرة هي للمتقين (٤)، سواء كانوا من الأغنياء أو الفقراء. ومن أحسنَ إلى الفقراء الله
стр. 3405
يأجرُه على ذلك، ومن أحسنَ إليهم يطلبُ الجزاء منهم، كما تؤخذ (١) اليدُ من الشخص ليكافئه بها، فلا أجر له عند الله.
وأما الحديثُ الآخر فليس له صحَّة، وليس هو من كلام النبي ﷺ (٢)، لكن لا ريب أن الله كتب ما يفعل العبادُ قبل أن يفعلوه، وذلك يكون عنده، وقد كتبت الملائكةُ ما يعمله العبد قبل أن يعمله (٣)، والله أعلم (٤).
* ... * ... *
* مسألة في من قال: "إن الصلاة بخاتم العقيق أفضلُ سبعين درجةً بغير خاتم عقيق"، فهل هذا صحيحٌ أم لا؟
الجواب: ليس هذا صحيحًا عن النبي ﷺ ، بل هو كذبٌ عليه (٥)، ومن قال هذا عن النبي ﷺ كان قوله مردودًا عليه؛ فإن هذا كلامٌ مخالفٌ لإجماع المسلمين، والله أعلم.
стр. 3406
* مسألة: هل صحَّ أن النبي ﷺ قال: "المؤمن حُلْوِيًّا (١)، والكافر خَمْرِيًّا"، و "المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء"؟
الجواب: الحمد لله، أما قوله: "المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (٢)، فهو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ عن النبي ﷺ ، وأما الأول فليس هو معروفًا عن النبي ﷺ بهذا اللفظ (٣)،
لكن معناه موافقٌ لسُنَّته؛ فإن
стр. 3407
النبي ﷺ "كان يحبُّ الحَلْواء والعسل" (١)، والخمر مما حرَّمه الله ورسوله، فالخمر يستحلُّها الكفَّار، والحُلْو يستحبُّه إمام المؤمنين، والله أعلم.
* ... * ... *
* مسألة: في من روى أن النبي ﷺ قال: "آيةٌ من كتاب الله خيرٌ من محمدٍ وآل محمد"، هل هو صحيحٌ أم لا؟
الجواب: هذا الحديث لم يثبت عن النبي ﷺ (٢)، لكن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو أفضل من كلِّ مخلوق، والله أعلم (٣).
* ... * ... *
стр. 3408
* وقال ﵁، وقد سئل: هل قتل عُمَرُ أباه؟
فقال: لم يصحَّ هذا، والذي صحَّ أن أبا عبيدة بن الجرَّاح قتل أباه (١).
وصحَّ أيضًا أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال لأبي بكر: رأيتُك يوم بدر، فعدلتُ عنك، فقال أبو بكر ﵁: لكني يا بنيَّ لو رأيتُك ما عدلتُ عنك، ثم تلا قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢] (٢).
* ... * ... *
* وسئل: عن حديث ميمونة ﵂ في إهداء الزيت إلى بيت المقدس (٣).
стр. 3409
فقال: موضوع (١).
* ... * ... *
* وقال أيضًا في حديث "الصَّلاة في أول الوقت رضوانٌ من الله ، وآخره
стр. 3410
عفوُ الله" (١): لا يصحُّ، وضعَّفه الإمام أحمد وغيره (٢).
стр. 3411
مسألة
في التوبة هل تُسْقِط قضاء الفرائض؟
стр. 3412
مسألة: في رجلٍ أسرف على نفسه في الاعتقادات والعمليات، إذا تاب إلى الله هل تُقْبَل توبته؟
وهل إذا تاب يَسْقُط عنه قضاءُ ما فرَّط فيه من الفرائض، كالصلاة والصيام، كما يَسْقُط عن الكافر إذا أسلم؟ وتَسْقُط عنه كفَّاراتُ الفطر في رمضان بجماعٍ وطعام؟
وعليه صلواتٌ لم يَعْرِف عددَها.
الجواب: نعم، يقبل الله توبته وتوبة كلِّ تائب، ويغفر لكلِّ تائبٍ كلَّ ذنبٍ تاب منه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وأما ما تركه من الصلاة والصيام، فإن كان عن ردَّةٍ في الباطن، مثل جَحْدِ الوجوب، أو شكٍّ فيه، أو في رسالة الرسول، فهذا لا قضاء عليه عند جمهور المسلمين، مالك، وأبي حنيفة، والإمام أحمد في ظاهر مذهبه (١).
ولو كان مرتدًّا مُظْهِرًا للردَّة، فإن الذين ارتدُّوا على عهد النبي ﷺ ، وعلى عهد أبي بكر ﵁، ثم عادوا إلى الإسلام، لم يؤمر أحدٌ منهم بقضاء ما تركه في زمن الردَّة، مثل عبد الله بن سعيد بن [أبي] سَرْحٍ، وغيره (٢).
стр. 3413
وكذلك إذا كان هذا في نفسه لم يُظْهِره لأحد؛ فإن غايته أن يكون منافقًا، ثم تاب وصار مؤمنًا، والمنافقون الذين كانوا يتوبون لم يكونوا يؤمرون بقضاء ما تركوه في حال النفاق.
وذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقد أجمع المسلمون إجماعًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام أن الكافر الأصليَّ إذا أسلم لا يجبُ عليه قضاء ما تركه في حال الكفر من صلاةٍ وزكاةٍ وصيام، سواءٌ قيل: إن الكفَّار مخاطبون بفروع الشريعة، أو قيل: إنهم غير مخاطبين بها؛ فإن أثر النزاع يظهر في عقوبة الآخرة (١)، وأما في الدنيا ... فلا تصحُّ منهم هذه العبادات في حال الكفر، ولا يؤمرون بقضائها بعد الإسلام.
ومن ترك بعض الصلوات، أو بعض أركانها، جهلًا بوجوبها، وكذلك الصيام، فلا قضاء عليه أيضًا في أظهر قولي العلماء (٢)، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وغيره (٣).
كما لم يأمر النبيُّ ﷺ المستحاضة أن تقضي ما تركته من الصلاة زمن
стр. 3414
الاستحاضة (١).
ولم يأمر عمرَ وعمَّارًا أن يقضيا ما تركاه من الصلاة لمَّا أجنَبا، فعمرُ لم يصلِّ، وأما عمَّار فتمرَّغ كما تمرَّغ الدابة (٢).
ولم يأمر أبا ذرٍّ لما كان يُجْنِب ولا يصلي بالقضاء (٣).
ولم يأمر من كان يأكل حتى يتبين له الحبلُ الأبيض من الحبل الأسود [بقضاء الصيام] (٤).
إلى أمثال ذلك.
بل كان يأمرهم باستئناف العمل بما أُمِروا به، وما تركوه جاهلين بوجوبه لا يقضونه؛ لأن حكمَ الخطاب إنما يثبتُ في حقِّ المكلفين بعد بلوغ الخطاب.
وإذا تعمَّد تفويتَ الصلاة والصيام، مع علمه بالوجوب، فهذا فعلُه من الكبائر، لا يَسْقُط عنه العقابُ ولو قضاه إلا بالتوبة. لكن هل يَخِفُّ (٥) عنه؟ فيه قولان، والأظهر أن القضاء لا ينفعه، وإنما تنفعه التوبة، وإذا تاب تاب الله
стр. 3415
عليه، كما يتوبُ من سائر الكبائر، كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وكما يتوبُ مِن تَرْكِ الجمعة ونحوها مما لا يُفْعَل إلا في وقته؛ فإن أدلة الشرع متطابقةٌ على أن العبادات المؤقَّتة لا يقبلها الله إلا كما أمَر في الوقت الذي شَرَع فعلَها فيه (١).
وأما إذا جامع في رمضان، عالمًا بتحريم الوطء، فعليه الكفَّارة التي أمر بها النبيُّ ﷺ (٢): عتقُ رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعمَ ستين مسكينًا، والله تعالى أعلم.
стр. 3416
مسألة
في حكم صوم الدهر
стр. 3417
* وسئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية ﵁ عن قول النبي ﷺ : "من صام الدَّهر فكأنه لا صام ولا أفطَر" (١)، هل هو لانتفاء المشقَّة، أو لا ثواب ولا عقاب؟
* فأجاب: الحمد لله. هذا مبنيٌّ على أصل، وهو أن صوم الدَّهر الذي ذكره النبيُّ ﷺ ، هل هو سردُ الصَّوم وإن أفطر أيام النهي الخمسة: يومي العيدين وأيام منى، أو هو الصَّوم المشتمل على صيام الأيام الخمسة؟ على قولين مشهورين للعلماء:
* منهم من قال: إنما كُرِه صوم الدَّهر لصوم الأيام الخمسة. قالوا: فإذا أفطرهنَّ لم يكن بذلك بأس.
وهذا قولُ كثيرٍ من الفقهاء والعُبَّاد، حتى إنه يُروى ذلك عن مالك، والشافعي، والإمام أحمد، وغيرهم (٢).
ومن هؤلاء من قال: إنَّ سَرْدَ الصَّوم أفضلُ من صوم يومٍ وفطر يوم (٣). وروى بعضهم هذا عن الشافعي.
* والقول الثاني: أن من سَرَد الصَّوم دائمًا فقد صام الدَّهر، وإن أفطر الأيام الخمسة.
стр. 3418
وهذا قولُ طوائف ــ أيضًا ــ من أهل العلم (١)، وهو الصواب (٢)؛ لأن النبي ﷺ لو كان قصدُه مجرَّد صوم الخمسة لم يذكر الصَّوم المشتمل على أكثر من ثلاثمئة وخمسين يومًا ويريد به كراهة صوم خمسةٍ فقط؛ فإن اللفظ لا يحتمل هذا لا حقيقةً ولا مجازًا.
ولأن تلك الخمسة نُهِي عن صومها لمعنًى يخصُّها، سواءٌ صام غيرَها أو أفطره؛ فلو صامها شخصٌ وأفطر ما سواها نُهِي عن ذلك وإن لم يَصُم الدَّهر، ولو أفطرها لم يُنْهَ على هذا التقدير وإن صام سائر الدَّهر؛ فعُلِمَ أن صوم سائر الدَّهر لا تأثير له في المنع.
وأيضًا، فإن هذه حرم صومها لكونها أيام العيد، ولم يقل في من صامها: "لا صام ولا أفطر"، وصوم الدَّهر قال فيه: "لا صام ولا أفطر".
وأيضًا، فإن هذه قَرَنها بقيام الليل كلِّه، وبقراءة القرآن على ثلاث، وقَرَنها بصيام ثلثي الزمان وثلثه وشطره؛ فعُلِمَ أنه أراد استيعاب الزمان بالصيام، لا صوم خمسةٍ منه. وهذا ظاهرٌ في حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي قتادة (٣)، ونحوهما.
وأما من استحبَّ صوم الدَّهر على أفضل الصيامِ صيامِ داود، فهو مقابلةٌ لصريح السُّنَّة بالرأي؛ فلا يُلتفَتُ إليه.
وعلى هذا التقرير، فصومُ الدَّهر هل هو تركُ الأولى أو هو مكروهٌ يُنهى
стр. 3419
عنه؟ على وجهين في مذهب الإمام أحمد وغيره (١).
* فمن قال بالأول (٢) قال: إن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولكن قال: من فعله فلا صام ولا أفطر.
وهذا يقتضي أن من فعله لا يحصل له فائدة الصَّوم؛ لاعتياده له، ولا هو أيضًا مفطرٌ يلتذُّ التذاذَ المفطرين.
وهذا يقتضي أنه لم ينتفع بذلك في دينه ولا دنياه، وعدم الانتفاع يقتضي أن يكون تركُه أولى.
وقد جاء في حديثٍ في "المسند": "من صام الدَّهر ضُيِّقَت عليه جهنَّم" (٣)؛ لأنه بسرد الصَّوم أغلق عنه أبواب النار.
* والوجه الثاني: كراهة ذلك؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك عبد الله بن عمرو، وقال: "إذا فعلتَ ذلك هَجَمَت (٤) له العين" أي: غارت، "ونَفِهَت له النفس" أي: سَئِمَت، وقال: "إن لنفسك عليك حقًّا، ولزوجك عليك حقًّا،
стр. 3420
ولزَوْرِك عليك حقًّا؛ فآتِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه" (١).
فبيَّن ﷺ أن ذلك يوجبُ ذلك، أو يفوِّتُ حقًّا واجبًا، ومثلُ ذلك نُهِي عنه، والأعمال المشروعة لا بدَّ أن تكون مصلحتُها راجحةً على مفسدتها.
وعلى هذا، فقد يقال: صوم الدَّهر في حقِّ بعض الناس يكون حرامًا، وهو من ترَك به واجبًا، أو وقع به في محرَّمٍ من ضرر النفس.
وفي حقِّ بعضهم مكروهًا، وهو من أوقعه في أفعالٍ مكروهة، أو أوجبَ أن يفعَل المأمورَ على وجهٍ مكروه، مثل أن يُسِيء خلقَه حتى يُخاف عليه سوءُ العشرة لأهله، وأن يصلي صلاةً مكروهة، ونحو ذلك.
وقد يكون في حقِّ بعض الناس لا له ولا عليه، وهو الذي "لا صام ولا أفطر"، فلم يَتْرُك به واجبًا ولا مستحبًّا، ولا فعَل لأجله محرَّمًا ولا مكروهًا. وهذا الذي يقال في حقه: "لا ثواب ولا عقاب".
والذين فعلوه من السَّلف قد يثابون على حُسن قصدهم واجتهادهم، وإن كانوا أخطأوا المشروع.
أو لم يكونوا يسردونه دائمًا، ولكن فعلوا ذلك أحيانًا.
أو يقال: انتفعوا به في ترك الآثام، وإن كانوا لم ينتفعوا به في حصول الحسنات، بحيث لو أفطروا لأذنبوا؛ فإذا صاموا الدَّهر كانوا بحيثُ لم يذنبوا ولم يُحْسِنوا. والسَّلامة أحد المطلوبَيْن.
стр. 3421
وعلى هذا، فيقال: النهي عن صومه لم يَرِد عامًّا، وإنما ورد (١) في حقِّ عبد الله بن عمرٍو ونحوه، وإنما قيل في العموم: "لا صام ولا أفطر".
وأما قول السائل: هل ذلك لانتفاء المشقَّة أو لانتفاء الثواب والعقاب؟ فيقال له: بل لانتفاء فائدة الصَّوم ومقصودِه، وانتفاء الثواب تابعٌ لانتفاء المقصود؛ فإن العمل الذي لم يحصُل مقصودُه ينتفي ثوابُه، كقوله: "من لم يدع قول الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامَه وشرابَه" (٢)، وجاء: "ربَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوعُ والعطش" (٣).
مع أن هذا يُدْفَع عنه بالصَّوم العقابُ، فلو لم يَصُمْ لعُوقِب، ولو صام صومَ المتقين لحصل له الثواب. فإذا صام صومَ الفجَّار اندفع عنه العقاب، ولم يحصل له ثواب؛ لمقابلة ما عمله من الشرِّ فيه بما عمله من الخير.
وصائمُ الدَّهر جعل نهاره ليلًا، واعتادت النفسُ ذلك، فلم تحصل له بالصَّوم التقوى التي هي مقصود الصَّوم، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، والله أعلم.
стр. 3422
رسالة
إلى ابن النقيب
في حديث "لا تشدُّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"
стр. 3423
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني ﵁، وهي رسالة إلى ابن النقيب (١):
الحمد لله ربِّ العالمين.
السلام على الولد الفاضل اللبيب النجيب أبي عبد الله محمد بن النقيب أتمَّ الله عليه النعمة، ووهبه العلمَ والحكمة، وآتاه من لدنه الرحمة.
وبعد حمد الله، والصلاة على خاتم المرسلين محمدٍ وآله وسلَّم تسليمًا، فقد وصل ما أنعم الله تعالى على أبي عبد الله محمد، وحمدتُ الله وشكرته على ما أنعم به عليه من تعليم هذه الأمور، ومعرفة قدر العلم والإيمان؛ فإن ذلك أعظمُ نعمةٍ يُنْعِم الله بها على الإنسان، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
والله سبحانه إذا أنعم على العبد بهذه النعمة فجميعُ الخيرات تبعٌ لها، وما أصابه بعد ذلك من سرَّاء فشكَر كان من تمام النعمة، وما أصابه بعد ذلك من ضرَّاء فصبَر كان من تمام النعمة؛ فإن الله لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له.
وقد يسَّر الله تعالى في هذه القضية (٢) من أنواع النعمة والحكمة والرحمة ما يكونُ الذي رأيتُه قطرةً من بحره، ولكني أُخْرِجُه بتدريج.
стр. 3424
وإذا كَبُر الطلبُ (١) عَظُمَ المبذولُ وكَثُر؛ فإن كثيرًا منه لم تعرفه النفوسُ فتشتاق إليه؛ فإن الشوق فرعُ الشعور، ومن لم يشعُر بالشيء لم يشتق إليه (٢).
والحديثُ الذي ذكرتَه في مسلمٍ هو كما وجدتَ، وهو في جميع النسخ، لا يختصُّ بنسخة، لكن مسلمًا ذكر هذا اللفظ (٣) في أول المناسك عند ذكره قوله: "لا تسافر امرأةٌ إلا مع زوجٍ أو ذي محرم" (٤).
فحديثُ أبي سعيدٍ تضمَّن هذا وتضمَّن قوله: "لا تسافروا إلا إلى ثلاثة مساجد"، فذكره مسلمٌ هناك لأجل ذاك، وشارحو مسلمٍ يذكرونه هناك لأجل ذاك القصد (٥).
ولما ذكر مسلمٌ فضائل المدينة لم يذكر إلا حديث أبي هريرة: "لا تُشَدُّ الرحال" (٦)، فشرحه من شرحه هناك، وإلا فلو تفطَّن من غلط في فهم معناه للفظ أبي سعيدٍ عرفوا غلطهم (٧).
стр. 3425
ولفظُ أبي سعيدٍ هو في "الجمع بين الصَّحيحين" (١)، وغالبُ ظني أنه في البخاري أيضًا، فاكشِفُوه (٢).
ولم يخالف هذا الحديثَ أحدٌ من السَّلف، بل الصَّحابة، كأبي سعيد، وابن عمر، وبصرة بن أبي بصرة (٣)،
وغيرهم، متفقون على أن هذا نهيٌ يوجبُ التحريم، وأنه يتناول ما سوى المساجد الثلاثة (٤).
والذين خالفوا هذا من المتأخرين حزبان:
* حزبٌ ظنُّوا أن النهي لم يتناول إلا المساجد، لم يتناول آثار الأنبياء.
وهذا قول ابن حزم الظاهري، استحبَّ السَّفر إلى آثار الأنبياء، ولم يذكر المقابر؛ لكونه لا يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه (٥).
стр. 3426
* وحزبٌ قالوا: إنه ليس بنهي، بل هو نفيٌ للوجوب بالنذر، أو نفيٌ للاستحباب (١).
وهذا قول طائفةٍ من أصحاب الشافعي، كالشيخ أبي حامد، وأبي المعالي، ومن تبعهم (٢). وهو قول أبي محمد المقدسي ونحوه من أصحاب الإمام أحمد (٣)، وقول ابن عبد البر وبعض متأخري المالكية (٤).
وأما مالكٌ وجمهور أصحابه، وقدماء أصحاب الإمام أحمد وجمهورهم، وطائفةٌ من أصحاب الشافعي، فيقولون: إنه نهيٌ (٥). وحديث أبي سعيد صريحٌ في حجة هؤلاء.
وأنا في جواب الفتيا التي لم يتَّسع فيها الكلام ذكرتُ القولين جميعًا، ولم أستقص الكلام فيها، بل بحسب حال السائل، وقد رجَّحتُ النهي، ولم أستوعب حججَ ترجيحه (٦).
стр. 3427
وأما القول باستحباب السفر إلى زيارة القبور، فما علمتُ به إذ ذاك قائلًا لأحكيه، وإلى الآن لم أعرف أحدًا صرَّح به، لكن قد قيل: إن بعض أصحاب الشافعي قال ذلك، ابن كَجٍّ (١) أو غيره (٢)، فيُكْشَفُ (٣) في لفظ (٤) الرافعي في النذور (٥).
وقد ذكرتُ في مواضع فسادَ قول من لم يجعله نهيًا ولو لم يُرْوَ حديثُ أبي سعيد، فكيف مع لفظ أبي سعيد؟!
وقد ذكرتُ اتفاق السلف على ذلك، وذكرتُ أيضًا اتفاق الصَّحابة
стр. 3428
والسلف على تناوله لغير المساجد، وأنه إذا نُهِيَ عن السفر إلى المساجد التي هي أحبُّ البقاع إلى الله، مع أن قصدها للعبادة والدعاء والذكر مشروعٌ باتفاق المسلمين، فالسفرُ إلى المقابر التي نُهِيَ عن اتخاذها مساجد، ولم يُشْرَع قصدُها للصلاة والدعاء والذكر، بطريق الأولى والأحرى (١).
وابن عبد البر والشيخ الموفَّق وغيرهما من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم موافقون على أنه لا يجوز اتخاذ القبور مساجد (٢).
وقال الشافعي ﵁ (٣): أكره أن يُعَظَّم مخلوقٌ حتى يُتَّخَذ قبرُه مسجدًا؛ مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده (٤).
وذكر الشيخ موفَّق الدين في مُغْنيه (٥) أنه يحرُم بناء المساجد على القبور، وأنه لو نذر أن يذبح بمكانٍ وعنده قبرٌ أو شجرةٌ أو عينٌ أو غير ذلك مما يُعَظَّم لم يجز الوفاء بنذره.
وقد بسطتُ هذه المسائل في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم" (٦).
стр. 3429
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى سائر من تختارون تبليغَه السلام.
نقله شمس الدين ابن المحب من خط عمه الإمام برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم ابن المحب، وهو نقله عن خط المؤلف، رحمهم الله تعالى.
стр. 3430
رسالة
إلى القاضي محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي
في حاجة الناس إلى مذهب الإمام أحمد
ومسألة ضمان البساتين
стр. 3431
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نقلت من خط الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي، قال: نقلت من خط الشيخ بدر الدين حسن بن قاضي القضاة عز الدين محمد بن قاضي القضاة تقي الدين سليمان أعزه الله تعالى، قال: نسخة رسالةٍ أُرسِلت إلى والدي محمد بن سليمان بن حمزة (١) من شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني قدَّس الله روحه، يسلِّم على قاضي القضاة عزِّ الدين ــ أعزَّه الله تعالى بطاعته، وأسبغ عليه جميل نعمته ــ، ويعرِّفُ خدمتَه:
إنَّا ولله الحمدُ في نعمٍ عظيمة، ومننٍ جسيمة، لا يحصيها إلا الله، وهذه القضيَّة (٢) كانت من أعظم نعم الله علينا وعلى سائر المسلمين، ولله فيها حكمةٌ بالغة، ورحمةٌ سابغة؛ فإن السلطان (٣) أراد أن يسعى في قطع أصول
стр. 3432
الإسلام والتوحيد وعبادة الله وحده وما بعث به رسوله، فمنَّ الله في ذلك بمننٍ لا يُقْدَر قدرُها.
وقد كتب الخادمُ في ذلك أمورًا كثيرة (١)، وما كنتُ أرجو أن يتهيَّأ مثلُها بدون هذه القضيَّة، وكثيرٌ من ذلك عند الشيخ أبي عبد الله (٢)، وبعضه عند عبد الله الإسكندراني (٣)، فأيما طلبتَ هذا أو هذا فهو بِوَقْفِ خِدْمَتِك.
стр. 3433
على ما في ذلك من فضل الله ورحمته، و لو أنفقتُ ملء القلعة ذهبًا شكرًا على هذه النعمة كنتُ مقصِّرًا في ذلك.
ولسَلَفِكم الطيِّب (١) علينا من الحقوق المشكورة, والانتفاع بعلمهم ودينهم، ما يوجبُ لكم ولهم من المودَّة والموالاة والمحبة ما الله به عليم، ولهذا كتبتُ إليكم هذه الورقة.
فإنكم تعلمون أن مذهب الإمام أحمد مذهبٌ عظيمُ القدر؛ لعلمه بما جاء به الرسول، واتباعه له، ومعرفته بآثار الصَّحابة والتابعين، وفي كلِّ مذاهب المسلمين خير.
والناس محتاجون إلى مذهب الإمام أحمد في مسائل متعددة؛ لكونه كان عنده فيها من العلم ما ليس عند غيره، ولاحتياج المسلمين إليها.
* مثل: مسألة تغيير الوقف من حالٍ إلى حالٍ أحسن منها؛ للمصلحة الراجحة، فإنه كان عنده أن عمر بن الخطاب ﵁ هدم الجامعَ الأول بالكوفة، وبنى مكانه جامعًا آخر، وصار الأولُ سوقَ التمَّارين (٢)، مع تغيير
стр. 3434
عمر وعثمان ﵄ لمسجد رسول الله ﷺ (١)، ومع قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: "لولا أن قومك حديثو عهدٍ بجاهلية لنقضتُ الكعبة، ولألصقتُها بالأرض، ولجعلتُ لها بابين" (٢).
ولهذا كان الإمام أحمد يتوسَّعُ في هذا الباب ما لا يتوسَّعُ غيرُه، والناسُ محتاجون إلى ذلك.
* ومن ذلك: مسألة (٣) المساقاة والمزارعة ، فإن الناس محتاجون إلى مذهبه فيها، وهو أوسعُ من مذهب غيره.
والصَّحيح جواز المزارعة ببَذْرٍ من العامل، كما اختاره موفَّقُ الدين (٤)؛ لحديث خيبر (٥).
وكذلك: لو كانوا ثلاثة (٦).
ويجوز أمثال ذلك مما لا يتسعُ له هذا الموضع.
* وكذلك: المُناصَبة (٧)، نصَّ عليها قدماء أصحابه، كأبي حفصٍ وغيره،
стр. 3435
وذكرها القاضي في تعليقه (١)، ورجع عما نقله عنه في "المغني" (٢) من منعه منها، وذكر دلالة كلام أحمد عليها.
* ومن ذلك: أنه لا يُلْزَم الزوجُ بالصَّداق المؤخَّر حتى يحصُل بينهما فُرقةٌ بموتٍ أو طلاق . وبهذا قضى أصحابُ النبي ﷺ (٣).
* ومن ذلك: ما كان الوالد تقيُّ الدين (٤) قدَّس الله روحه يحكمُ به
ــ وأحسَنَ في ذلك (٥) ــ من إثبات الجائحة في المَزارع إذا أُكْرِيَت الأرض بألفٍ، وكان بالجائحة يساوي كِرَاها تسعمئة .
وبعض الناس يظن أن هذا خلافٌ لما في "المغني" (٦) من الإجماع، وهو غلط؛ فإن الذي في "المغني" أن نفسَ الزَّرع إذا تلفَ يكونُ من ضمان المستأجر صاحب الزَّرع، لا يكونُ كالثمرة المشتراة، وهذا ما فيه خلاف،