← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نقلت من خط الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي، قال: نقلت من خط الشيخ بدر الدين حسن بن قاضي القضاة عز الدين محمد بن قاضي القضاة تقي الدين سليمان أعزه الله تعالى، قال: نسخة رسالةٍ أُرسِلت إلى والدي محمد بن سليمان بن حمزة (١) من شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني قدَّس الله روحه، يسلِّم على قاضي القضاة عزِّ الدين ــ أعزَّه الله تعالى بطاعته، وأسبغ عليه جميل نعمته ــ، ويعرِّفُ خدمتَه: إنَّا ولله الحمدُ في نعمٍ عظيمة، ومننٍ جسيمة، لا يحصيها إلا الله، وهذه القضيَّة (٢) كانت من أعظم نعم الله علينا وعلى سائر المسلمين، ولله فيها حكمةٌ بالغة، ورحمةٌ سابغة؛ فإن السلطان (٣) أراد أن يسعى في قطع أصول

стр. 3432

الإسلام والتوحيد وعبادة الله وحده وما بعث به رسوله، فمنَّ الله في ذلك بمننٍ لا يُقْدَر قدرُها. وقد كتب الخادمُ في ذلك أمورًا كثيرة (١)، وما كنتُ أرجو أن يتهيَّأ مثلُها بدون هذه القضيَّة، وكثيرٌ من ذلك عند الشيخ أبي عبد الله (٢)، وبعضه عند عبد الله الإسكندراني (٣)، فأيما طلبتَ هذا أو هذا فهو بِوَقْفِ خِدْمَتِك.

стр. 3433

على ما في ذلك من فضل الله ورحمته، و لو أنفقتُ ملء القلعة ذهبًا شكرًا على هذه النعمة كنتُ مقصِّرًا في ذلك. ولسَلَفِكم الطيِّب (١) علينا من الحقوق المشكورة, والانتفاع بعلمهم ودينهم، ما يوجبُ لكم ولهم من المودَّة والموالاة والمحبة ما الله به عليم، ولهذا كتبتُ إليكم هذه الورقة. فإنكم تعلمون أن مذهب الإمام أحمد مذهبٌ عظيمُ القدر؛ لعلمه بما جاء به الرسول، واتباعه له، ومعرفته بآثار الصَّحابة والتابعين، وفي كلِّ مذاهب المسلمين خير. والناس محتاجون إلى مذهب الإمام أحمد في مسائل متعددة؛ لكونه كان عنده فيها من العلم ما ليس عند غيره، ولاحتياج المسلمين إليها. * مثل: مسألة تغيير الوقف من حالٍ إلى حالٍ أحسن منها؛ للمصلحة الراجحة، فإنه كان عنده أن عمر بن الخطاب ﵁ هدم الجامعَ الأول بالكوفة، وبنى مكانه جامعًا آخر، وصار الأولُ سوقَ التمَّارين (٢)، مع تغيير

стр. 3434

عمر وعثمان ﵄ لمسجد رسول الله ﷺ (١)، ومع قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: "لولا أن قومك حديثو عهدٍ بجاهلية لنقضتُ الكعبة، ولألصقتُها بالأرض، ولجعلتُ لها بابين" (٢). ولهذا كان الإمام أحمد يتوسَّعُ في هذا الباب ما لا يتوسَّعُ غيرُه، والناسُ محتاجون إلى ذلك. * ومن ذلك: مسألة (٣) المساقاة والمزارعة ، فإن الناس محتاجون إلى مذهبه فيها، وهو أوسعُ من مذهب غيره. والصَّحيح جواز المزارعة ببَذْرٍ من العامل، كما اختاره موفَّقُ الدين (٤)؛ لحديث خيبر (٥). وكذلك: لو كانوا ثلاثة (٦). ويجوز أمثال ذلك مما لا يتسعُ له هذا الموضع. * وكذلك: المُناصَبة (٧)، نصَّ عليها قدماء أصحابه، كأبي حفصٍ وغيره،

стр. 3435

وذكرها القاضي في تعليقه (١)، ورجع عما نقله عنه في "المغني" (٢) من منعه منها، وذكر دلالة كلام أحمد عليها. * ومن ذلك: أنه لا يُلْزَم الزوجُ بالصَّداق المؤخَّر حتى يحصُل بينهما فُرقةٌ بموتٍ أو طلاق . وبهذا قضى أصحابُ النبي ﷺ (٣). * ومن ذلك: ما كان الوالد تقيُّ الدين (٤) قدَّس الله روحه يحكمُ به ــ وأحسَنَ في ذلك (٥) ــ من إثبات الجائحة في المَزارع إذا أُكْرِيَت الأرض بألفٍ، وكان بالجائحة يساوي كِرَاها تسعمئة . وبعض الناس يظن أن هذا خلافٌ لما في "المغني" (٦) من الإجماع، وهو غلط؛ فإن الذي في "المغني" أن نفسَ الزَّرع إذا تلفَ يكونُ من ضمان المستأجر صاحب الزَّرع، لا يكونُ كالثمرة المشتراة، وهذا ما فيه خلاف،

стр. 3436

وإنما الجائحة (١) في نفس أجرة الأرض ونقصِ قيمتها، كما لو انقطع الماء عن الرَّحى (٢)، ونحو ذلك. * ومن ذلك: أمر ضمان البساتين (٣)، فإن أحمد قد نصَّ على أن الاحتيال بإكراء الأرض والمساقاة على الشجر لا يجوز (٤). وابن عقيل اختار جواز ضمان الأرض والشجر جميعًا (٥)، كما يفعلُ الناس؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ قَبَل (٦) حديقة أسيد بن حُضَير ثلاث سنين، وتسلَّف الأجرة، فقضى بها دينه، وكان قد قُتِل في قتال مسيلمة الكذاب. روى هذا حربٌ الكرماني في مسائله عن أحمد، ورواه أبو زرعة الدمشقي، وغيرهما (٧).

стр. 3437

وليس هذا داخلًا فيما نهى عنه النبي ﷺ من بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها (١)؛ فإن ذلك بيعُ الثمر بمنزلة أن يبيع الحبَّ قبل اشتداده، والنبي ﷺ "نهى عن بيع العنب حتى يسودَّ، وعن بيع الحبِّ حتى يشتدَّ" (٢)، فإذا كان له زرعٌ فباعه قبل اشتداده لم يَجُز, ولو آجَر الأرضَ لمن يزرعها جاز ذلك، والضمانُ هو من جنس الإجارة، لا من جنس البيع.

стр. 3438

وفي البيع يكون سقيُ الثمرة وخدمتُها على البائع، ولو تلفت بجائحةٍ كانت من ضمان البائع. وفي الإجارة يكون السقيُ والعملُ على الضامن المستأجر، ولو تلفت الثمرةُ كانت مِن ضمانه، لكن توضعُ عنه الجائحةُ لنقص منفعة الإجارة، كما لو استأجر الأرض. والناس كلُّهم محتاجون إلى مسألة الضمان، وإلى هذا القول الذي اختاره ابن عقيل. ومالكٌ يقول بذلك، لكن يشترِطُ أن يكون بياضُ الأرض الثلثين (١)، وأما ابن عقيل فيجوِّز ذلك مطلقًا ولو كان الشجر هو الغالب، مثل كثيرٍ من البساتين، وعُمَرُ ضَمِنَ حديقةَ نخلٍ. والنقيبُ جمال الدين (٢) من خيار الناس، ومقاصدُه صالحة، وهو سليمُ القلب، وهو قد اطمأنَّ إلى خدمتك، وهو محبٌّ لك، وهو يطلبُ من إحسانك إحكامَ قضيَّته؛ لئلا يُمْكَر به، وهو قد وقف نصفَ الشجر، وصار هذا النصفُ معه بحكم الضمان، وإذا انقضت هذه المدَّة فإنه يصيرُ ضامنًا لنصف الشجر، والأرض (٣) بيضاء، فهو يطلبُ أن يُحْكَم له بذلك. فإن شرح الله صدرَك بأن تكتبَ ضمانًا للأرض، والشجر داخلةٌ في ذلك، وأنه هو المستحقُّ لثمرتها، وتحكمَ بصحة هذا الضمان، مع علمك باختلاف

стр. 3439

العلماء = فهذه رحمةٌ لهذا ولجميع المسلمين، ولك إن شاء الله بهذا من الدعاء والثناء ما الله به عليم. وهذا أشبهُ بأصول أحمد، وأبعدُ عن المكر والظلم، وهو الموافقُ لعقول الناس وفطرتهم؛ فإن الضامن إنما يُعْطِي الضمانَ لأجل الشجر، ولو كانت أرضًا بيضاء لم يستأجرها إلا بقليل. وأيضًا، فالمساقاة بجزءٍ من ألف جزءٍ لا تسوغ لناظر الوقف ووليِّ اليتيم ونحوهما، فإنْ عَقَدَ المساقاة مجرَّدًا لم يَجُز، وإنْ شَرَطَها في إيجاره الأرضَ لم يَجُز، والإمام أحمد قد نصَّ على إبطال هذه الحيلة بعينها. وهذا وأمثاله من محاسن مذهب أحمد؛ فإنه لا يسوغ المكرُ والخداع، كما قال أيوب السختياني: "يخادعون الله كأنما يخادِعون صبيًّا، لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل" (١). والناسُ لا بدَّ لهم من ضمان البساتين، فإما على الوجه الذي فعله عمرُ بن الخطاب ﵁، وأجازه ابن عقيل، وإما على وجه الاحتيال، ومعلومٌ أن الأول أحسن، وهو عدلٌ باطنًا وظاهرًا. والنقيبُ جمال الدين يبلغني خدمتكم ومحبَّتكم، والمملوك يسلِّم على من تحيط به العناية، ويعرِّفهم عظيمَ نعم الله ومننه وآلائه وفضله. وأنا ولله الحمد لستُ في شدَّةٍ ولا ضيقٍ أصلًا، بل في جهادٍ في دين الله

стр. 3440

وسبيله ونصر دينه، مثل ما كنتُ أخرجُ إلى قازان، وأغزو الجَبَلِيَّة (١). و الجهاد لا بدَّ فيه من اجتهاد ، ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] , ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. وتفاصيلُ الأمور المبشِّرة التي يسرُّ بها خدمته (٢)، وتُسَرُّ بها قلوبُ الجماعة ﵃، كثيرةٌ لا تتسع لها هذه الورقة لتفصيلها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله حده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلَّم تسليمًا. علَّقها محمد بن موسى بن الحبال الأنصاري الحراني الحنبلي لطف الله تعالى به وبهم

стр. 3441

فصل إذا استأجر أرضًا لينتفع بها فتعطلت منفعتُها

стр. 3442

وقال ﵁ ــ ومن خطه نقل الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن المحب المقدسي، ومن خطه نقلت ــ: الحمد لله ربِّ العالمين. فصل إذا استأجر أرضًا لينتفع بها، فتعطلت منفعتُها المستحَقَّة بالعقد، سقطت الأجرة، مثل أن يستأجر أرضًا للزرع فتَغْرَق ولا يمكن الزَّرع فيها، وكذلك إذا أصابتها آفةٌ غير ذلك من الآفات مَنَعت من الزَّرع، ففي مثل هذا تَسْقُط الأجرة إذا لم يتمكَّن المستأجرُ من الانتفاع بشيءٍ منها باتفاق الأئمَّة (١). وإن ازدَرَعها ثم حصلت آفةٌ سماويةٌ تَلِفَ بها الزَّرع، مثل الجراد الذي يأكل جميع الزَّرع، فهنا يتلفُ (٢) الزَّرع من مال المستأجر؛ فإنه ملكُه، ولكن هل عليه الأجرة فيه؟ قولان للعلماء، أصحُّهما: أنه إذا تعطَّلت المنفعةُ المستحَقَّة كلُّها سقطت الأجرة كلُّها ؛ لأن هذه الآفة فوَّتت المنفعة المستحَقَّة بالعقد، وتعذَّر معها انتفاع المستأجر بشيءٍ من الأرض؛ فإن المقصود بالعقد ليس مجرَّد البَذْر، بل المقصود نباتُ الزَّرع، وكمالُ نباته حتى يمكن حصادُه. وإن كانت الآفة السَّماوية فوَّتت بعض المنفعة، بأن أكل الجرادُ بعض الزَّرع، فإنه يقال: كم قيمة منفعة هذه الأرض لو سَلِمَت من هذه الآفة؟ وكم قيمتها مع حصول هذه الآفة؟ فيُنْظَر تفاوتُ ما بينهما فيُحَطُّ عن المستأجر

стр. 3443

من الأجرة المسمَّاة بقِسْط ذلك. وإن كانت الآفة عطَّلت المنفعة بالكلية، فإنه يُحَطُّ عنه جميعُ الأجرة، ولا يستحقُّ المؤجِّر شيئًا من الأجرة؛ فإن المنفعة المستحَقَّة بالعقد لا بدَّ فيها من بقاء الزَّرع حتى يتمكَّن من حصاده، فإذا حصلت آفةٌ منعت من بقاء الزَّرع فيه فهو كما لو منعه من نباته وأبلغ؛ فإنه هنا تَلِف مالُ المستأجر أيضًا، لكن من غير تفريط من المؤجِّر، فلهذا قيل: "الزَّرع يتلفُ من ضمان المستأجر، والمنفعة تتلفُ من ضمان المؤجِّر" (١)، فتسقط الأجرة التي آجر بها الأرض تعديلًا بينهما. ومن قال: إن المستأجر تجبُ عليه الأجرة مع ذهاب زرعه، فهو نظير أن يقال: بل المؤجِّر يجبُ عليه ضمان زرع المستأجر؛ لأن تلفَ مال المستأجر في أرضه، كما لو غَرَّه. وكلا القولين ظلم، والعدل ما تقدَّم. ونظير هذا: لو استأجر خانًا أو حمَّامًا، فجاء عدوٌّ منع الناسَ من سكنى تلك الأرض والانتفاع بذلك، فإنه لا أجرة مع ذلك (٢). وليس ذلك بمنزلة ما لو سرق بعضُ اللصوص مالَه؛ فإن هذا لم تتعطَّل به المنفعة, إذ يمكنُ منعُ الأرض من اللصِّ، فالمستأجر هنا مفرِّطٌ في استيفاء المنفعة، فهو كما لو نبت الزَّرع وجاء بعض اللصوص سَرَقه، وليس هو عذرًا غالبًا، فهذا لا يمنع وجوبَ الأجرة. وليس هذا كما لو تعذَّر على المستأجر وحده الانتفاع، كما لو احترق

стр. 3444

مالُه؛ فإن المنفعة هنا باقية، ولكن تعذَّر على هذا المعيَّن استيفاؤها، بخلاف الآفة التي يتعذَّر معها الانتفاعُ على كلِّ أحد، والله أعلم (١).

стр. 3445

فصل في انعقاد النكاح بأي لفظٍ يدلُّ عليه

стр. 3446

عَقْدُ النكاح بأيِّ لفظٍ دلَّ عليه (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحرَّاني قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه: يجوز عقدُ النكاح، وكتابةُ الصَّداق، ليلًا ونهارًا. فصل * وأكثر العلماء على أن النكاح ينعقدُ بغير لفظ التزويج والإنكاح؛ فإذا قال: "ملَّكتُك ابنتي بألفٍ" أو غير ذلك من الألفاظ التي يفهمان منها النكاحَ انعقد النكاح. وما عدَّه الناسُ نكاحًا فهو نكاح، والصِّفاحُ (٢) الذي تعدُّه الأعرابُ [نكاحًا] هو نكاح (٣). وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، وعليه تدلُّ نصوصُه ونصوصُ قدماء أصحابه (٤)، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، لكنه يَشترِط ما فيه معنى التمليك (٥).

стр. 3447

* و إذا أعلنَا النكاحَ، ولم يكتماه ، فظَهَر بين الناس، صحَّ النكاح، سواءٌ حضر العقدَ شاهدان أو لم يحضراه. هذا قول أكثر السلف، وهو مذهبُ مالك، وداود، وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (١). قال الإمام أحمد: "ليس عن النبي ﷺ في الشهادة حديثٌ صحيح" (٢). ومعلومٌ أن النبي ﷺ قد بيَّن الدين وما يحتاجُ إليه المسلمون، ولم يوجب على أمَّته الإشهاد على النكاح (٣). بل أمر الله بالإشهاد على الرَّجعة، وهو أمرُ إيجابٍ أو استحباب، وفي ذلك قولان للشافعي والإمام أحمد. وأمر بالإشهاد على البيع، وهو أمرُ استحبابٍ عند أكثر العلماء (٤). قال يزيد بن هارون: "هؤلاء (٥) يوجبون الإشهادَ على النكاح، ولم يأمر الله به، ويُسْقِطون ما أمر الله به! " (٦)، والله أعلم.

стр. 3448

قاعدة الاعتبار بموجب اللفظ والمعنى

стр. 3449

قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ﵁ (١): فصل قاعدة: إذا تكلَّم بلفظ العقد يظنُّ أن معناه ومُوجَبُه في الشريعة شيئًا، فتبيَّن بخلافه، فالأصل في مثل هذا أنه لا يثبتُ فيه حكمُ المعنى الذي لم يقصده؛ وذلك لأن اللفظ يَتْبَعُ المعنى، والمعنى هو المقصود. ولهذا إذا عبَّر عن المعنى بأيِّ لفظٍ دلَّ على معناه انعقد به العقدُ ، سواءٌ كان اللفظ عربيًّا أو عجميًّا معرَّبًا، أو ملحونًا، ولا يفرَّق بين العربيِّ وغيره في ذلك. لكن قد فرَّق بعض أصحاب الشافعيِّ والإمام أحمد في النكاح بين لفظ العربيِّ وغيره؛ لما فيه من شَوْبِ العبادة. ولكنَّ هذا ضعيف، قد بسطنا الكلام على ضعفه في القواعد الكبار الفقهية الدمشقية (٢). و معنى اللفظ هو ما يَعْنِيه (٣) المتكلِّمُ، أي: يَقْصِده ويريده . وذلك مشروطٌ بالعلم به؛ فإنَّ قصدَ الشيء إنما يصحُّ إذا كان مشعورًا به، فما لا يَشْعُر به المتكلمُ لا يَقْصِده، وكذلك الفاعل.

стр. 3450

لكن لو نوى باللفظ معناه عند أهله وهو لا يفهمُه، كما لو تكلَّم بلفظ العجميِّ وهو لا يفهمُه ونوى مُوجَبَه عند أهله، أو نوى مُوجَبَ العربية من لا يفهمُه، أو مُوجَبَ الحساب من لا يفهمُه = ففيه وجهان مشهوران، والأقوى في الحجَّة: أنه لا يصحُّ؛ لأنه قصَدَ ما لا يعرفُه، وذلك لا يصحُّ. ولهذا لو أقرَّ بمثل هذا، أو شهد بمثل هذا، لم يلزمه إقرارٌ ولا شهادة. وهذا من باب المخاطرة والقِمَار في الألفاظ؛ فإن حقيقته أني قصدتُ ما يفهمُه غيري من هذا اللفظ كائنًا ما كان. وهذا لا يصحُّ. وإذا كان المعنى هو المقصود المراد بلفظ العقد، فلفظُ (١) "البيع" ونحو ذلك معناه ومقصوده هو انتقالُ المبيع إلى المشتري، وانتقالُ الثمن إلى البائع، وتحصيل المقصود المراد هو إلى الشارع، فالصَّحيح ما ترتَّب عليه مقصوده وحصل به أثرُه، والباطل ما لم يترتَّب عليه مقصوده ولم يحصل به أثرُه. فإذا كان قد عنَى وقَصَد بلفظ العقد معنًى، فرتَّبه عليه الشارع وحصَّله، كان العقد صحيحًا، وإلا كان فاسدًا. وإذا كان المقصود بلفظ "البيع" حصول الملك من الطرفين، فإنْ حَكَم الشارعُ بحصول المقصود [في بعضٍ] (٢) دون بعض، فيكون العقد صحيحًا من وجهٍ دون وجه، كما بينَّاه في غير هذا الموضع (٣).

стр. 3451

فإذا كان هو لم يعرف أن ذلك المعنى هو المقصود المراد باللفظ لم يكن قاصدًا له، فلا يكون قد عناه، فيبقى في حقِّه لفظًا لا معنى له، فلا ينعقد به عقدٌ، كما لو اعتقد أن لفظ "التحرير" المراد به العفاف دون العتق (١)، فهذا لا يعتقُ به العبد في الباطن قطعًا. ومتى شاع هذا العُرف في العامة لم يكن اللفظ صريحًا في حقِّهم. ولو اعتقد أن معنى "الإعتاق" إعتاقه من شغلٍ أو عملٍ ألزمه إياه، ولم يكن يفهم أن معناه التخليص من الرِّقِّ مطلقًا، لم يكن اللفظ في الباطن في حقِّه عتقًا، وأما قبوله في الظاهر ففيه تفصيل. ولو اعتقد أن "الوقف" معناه تسبيل المنفعة فقط، دون إخراج الرقبة من ملكه، لم ينعقد الوقفُ بمجرَّد لفظه في نفس الأمر. ولو اعتقد أن لفظ "الطلاق" ليس معناه الفُرقة الناجزة، ولكن معناه أنه إذا أوقعه في الحيض فإن الأمر يتأخر إلى الطُّهر، فإن شاء وقع الطلاق وإن شاء لم يقع، أو أنه إذا أوقعه في الطُّهر فإنه يتأخر إلى الحيض، فإن شاء وقع وإن شاء لم يقع = [لم يقع] (٢) بهذا اللفظ طلاقٌ منجَّزٌ أو مؤخَّرٌ بدون مشيئته؛ لأنه إذا لم يعلم أن هذا معنى اللفظ ومقصوده ومراده لم يقصد المعنى ولم يُرِده ولم يَعْنِه، وإذا لم يقصده ولم يُرِده ولم يَعْنِه كان لفظًا بدون معنى (٣).

стр. 3452

وليس هذا كطلاق الهازل؛ فإن الهازل قَصَد اللفظ عارفًا بمعناه، واللفظُ من آيات الله، فلم يكن له أن يستهزئ بآيات الله. وقد بسطنا الكلام في ذلك، وبيَّنَّا الفرق بين الهازل والمُكْرَه وخلع اليمين والمحلِّل ونحوهما في "بيان بطلان التحليل" (١). فإن المُكْرَه والمحلِّل قَصَدا (٢) اللفظ لأمرٍ آخر غير معناه، هذا قَصَد دفعَ الضرر عن نفسه، [وهذا قَصَد إعادة المرأة إلى المطلِّق] (٣)، بخلاف الهازل فإنه لم يقصد معنًى آخر غير حكم اللفظ. وهذا الجاهل بمعنى اللفظ يشبه المُكْرَه، بل هو أقوى من المُكْرَه؛ فإن المُكْرَه عرف معنى اللفظ، وقَصَد اللفظ، لكن لمقصودٍ آخر يُعْذَرُ فيه، وهو دفعُ ضرر الإكراه، ولم يقصد معنى اللفظ وحكمه. وأما الجاهل فإنه قصد معنًى آخر، ولم يقصد معنى اللفظ، ولا يمكن أن يقصده مع عدم العلم به. ومن قال: يقع الطلاق بمثل هذا، فرأيه من جنس رأي من يوقع طلاق المُكْرَه ويمين المُكْرَه؛ نظرًا إلى أنه قاصدٌ للَّفظ مريدٌ (٤) له، فأشبه الهازل. ثم كلُّهم متفقون على أنه لو سبق لسانُه إلى اللفظ بغير قصدٍ لم يقع به شيءٌ، ولو نوى باللفظ غير الطلاق، مثل أن ينوي: طالقٌ من وثاقٍ، أو من زوجٍ كان قبلي، أو من نكاحٍ سابق = لم يقع شيءٌ في الباطن.

стр. 3453

فإن قيل: ما ينويه باللفظ لا بد أن يكون اللفظ محتملًا له، بخلاف ما إذا نوى ما لا يحتمله اللفظ. قيل: هذا صحيح، لكن هو إذا اعتقد أن اللفظ يحتمله، ونواه، كان كمن تكلَّم بلفظٍ يعتقد له معنًى، وكان له معنًى آخر، فلا يلزمه المعنى الذي لم يعلم أن اللفظ دالٌّ عليه، كما قد تقدَّم ذكره. وهذه المسألة لها صورتان: إحداهما: أن يقصد بلفظ "الطلاق" هذا المعنى الذي ليس هو معناه في العادة، معتقدًا أن ذلك هو معناه = فهذا ظاهر. والثانية: أن يكون معتقدًا أن ذلك هو معناه، ويتكلَّم به، غير مستحضرٍ معنًى من المعاني؛ إما لفرط الغضب أو غيره = فهذا أيضًا إنما يُحْمَلُ كلامُه على ما يعتقده معناه؛ فإنه إنما يعنِي باللفظ ويقصِد ما يعتقده معناه، لا يمكن أن يقصِد ويعنِي ما لا يعلمه ولا يقصده، فيكون المعنى المعتاد لم يقصده ولم يَعْنِه، فلا يكون قد أوقعه، فلا يقع.

стр. 3454

فصل الشُّروط في النكاح

стр. 3455

الشُّروط في النكاح (١) قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحرَّاني الإمام الرباني ﵁: فصل إذا نكح نكاحًا وشرط فيه شرطًا: فإن كان الشَّرط صحيحًا، لزم الوفاء به. وإن كان الشَّرط محرَّمًا، ففيه قولان للعلماء: قيل: يلزم العقد، ويبطل الشَّرط. وقيل: بل العقد غير لازم، ولا يلزم العقدُ إلا إذا تراضى به المتعاقدان، وكان موافقًا للشرع. وهذا أظهر القولين. فإذا شرط للمرأة زيادةً على مهر المثل، كان هذا شرطًا لازمًا باتفاق العلماء. وإن شرط أن لا يتزوَّج عليها، أو لا يتسرَّى، أو لا ينقلها من دارها؛ فهل هذا شرطٌ صحيح؟ فيه للعلماء قولان: أحدهما: أنه شرطٌ صحيحٌ لازم. وهو مذهبُ الإمام أحمد وغيره (٢)؛ كما ثبت في الصَّحيحين عن النبي

стр. 3456

- ﷺ أنه قال: "إن أحقَّ الشُّروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (١). والثاني: أنه شرطٌ باطل. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي (٢). و لو تزوَّج المرأة مدَّةً كان هذا نكاحَ متعة, وهو باطلٌ عند عامة العلماء، وذهب زُفَر إلى أنه يلزم العقدُ ويبطُل التوقيت (٣)، وخُرِّجَ ذلك في مذهب الإمام أحمد (٤)، وهذا بناء على قولهم: إنه يصحُّ العقدُ ويبطُل الشَّرط. و إذا تزوَّجها على أنه إن أحبَلَها إلى عامٍ وإلا فلا نكاح بينهما ؛ فهذا الشَّرط إن قيل: إنه فاسد، فقيل: إن النكاح لازم، وقيل: ليس بلازم، بل المرأة أحقُّ بنفسها، وهذا أظهر القولين (٥).

стр. 3457

سؤال منظوم في تحريم نكاح المحلِّل وبطلانه وجوابه

стр. 3458

كتاب فيه سؤال نظم في تحريم نكاح المحلِّل وبطلانه، لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه وقدس روحه ونوَّر ضريحه، على التمام والكمال، وأجاب عنها رحمه الله تعالى. الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ رب يسِّر سؤال نظم في تحريم نكاح المحلِّل وبطلانه، وفي حكم سابِّ أبي بكر الصديق ﵁ ومُبغضِه، أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁. أيها العالمُ الفقيهُ المؤيَّدْ ... أفتنا سيِّدي بمذهب أحمَدْ رجلٍ يدَّعي الفضائل جمعًا ... ويرى أنه بفقهٍ مُسَدَّدْ حرَّم البيعَ للعقار بنقدٍ ... وبعقدٍ إلى النسيئة يُقْصَدْ بعد بيع ومشترى ثم تسليـ ... ـمٍ وبعد الفراق والعرف يُعْقَدْ وأجاز النكاح في نيَّة التحـ ... ـليلِ من أعبد بقصدٍ مُجَرَّدْ ثم من عابري سبيلٍ ومملو ... كٍ صغيرٍ وفعلُ ذا قد تأكَّدْ أيُّ ما عندكم يكون جديرًا ... تركُه منهما حريًّا مُقَيَّدْ أفأخطا وهذه الحال حقًّا ... أم أصاب الفقيهُ فيما تعمَّدْ أفتنا يا إمامَ كلِّ إمامٍ ... بعده والمقيمَ شرعَ محمَّدْ بك يا أحمدَ الخليقةِ أضحَت ... جِلَّقٌ (١) أحمَدَ الأماكن أحمَدْ ثم ماذا تقولُ في مسلمٍ قا ... مَ بشرط الإسلام ثم تَجَرَّدْ لأبي بكرٍ الخليفة بالبغضا ... ءِ والسَّبِّ هل بنارٍ يُخَلَّدْ

стр. 3459

أم عليه العقابُ يُقْطَعُ حتى ... يأذن الله بالخروج ويَسْعَدْ وإذا باح بالمَسَبَّة هل يُقْـ ... ـتَلُ شرعًا وبيننا قد يُلَحَّدْ أم بفرطِ النَّكال يُمنَعُ والتعـ ... ـزيرُ أولى أم عن أذاه يُفَنَّدْ فاشفنا بالجواب أيَّدك الـ ... ـلهُ وأولاك أنعُمًا ثم أمجَدْ وحباك المزيدَ بالقُرب منه ... ورِضاهُ على الدَّوام مُجَدَّدْ * ... * ... * صفة جواب شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني ﵁ عن هذا الاستفتاء: أيها السائلُ المريدُ بيانًا ... بالهدى (١) والسَّداد كي يتأيَّدْ إن فرضًا على الأنام جميعًا ... طاعةُ الله والرسولِ محمَّدْ وأولي الأمر من ذوي العلم والسَّيـ ... ـفِ في طاعة الرَّسول المؤيَّدْ وإذا أجمعوا فهم لن يضلُّوا ... نهج المؤمنين نهجٌ مُسَدَّدْ وإذا ما تنازعوا فإلى اللـ ... ـهِ والرَّسولِ المَرَدُّ في كلِّ مَقْصَدْ خيرُ قولٍ مقالُ ربِّ البَرايَا ... وخِيَارُ السَّبيل سُنَّةُ أحمَدْ وهُدى الله بالكتاب وبالسُّنـ ... ـنةِ والإجماع مِن خيرِ قَرنٍ وأرشَدْ قد أتى بالتَّحقيق فيما سألتُم ... وأبان الهدى لمن كان يُقْصَدْ لعن الله تيسَ غَيٍّ مُعَارًا ... ذا سِفاحٍ وللخِداع تَعَمَّدْ قاصدًا للتحليل في صُورة التَّز ... ويجِ شبيهَ السُّموم في جوفِ أسْوَدْ والذي طلَّق الثلاثَ جميعًا ... شارَك التَّيسَ لا بعقدٍ مؤكَّدْ

стр. 3460

حيث باءا بلعنة الله طُرًّا ... في حديثٍ عن سيِّد الخلق أحمَدْ (١) أن يُراجِعْ ذاتَ الطلاق بتحليـ ... ـلٍ وذلك التَّيسُ الاسْفَدْ (٢) فالذي حرَّم السفاحَ وإن خا ... دَعَ من أظهَر النكاحَ المُجَدَّدْ حرَّم الظلمَ مثلَ أكلِكَ مالَ الـ ... ـغيرِ بالباطل الذي لا يُسَدَّدْ كالرِّبا والقِمَار ذُمَّا جميعًا ... والتَّرابِي فوق القِمَار وأفسَدْ ولقد قال خاتمُ الرُّسْل قولًا ... فيه فصلٌ في كلِّ قولٍ ومَقْصَدْ حيث رَدَّ الأعمال طُرًّا إلى النِّيْـ ... ـيَاتِ (٣) كي يُتْبَعَ الرَّشادُ ويُقْصَدْ فإذا ما قصدتَ قَصْدَ المُرابِي ... لعُقودٍ لغير ذلك تُعْقَدْ فلقد بُؤْتَ بالرِّبا مَعْ خداعٍ ... لإله الخلق الذي هو يُعْبَدْ مثل بيعَيْن يُعْقَدانِ لبيعٍ ... أو كقرضٍ مع المحاباة يُعْمَدْ في بيوعٍ أو في إجارةِ بيعٍ ... أو قِرَاضٍ على الذي هو يُنقَدْ وكذاك الشخصُ المُحِلُّ حرامًا ... بين هذين أجل نيلٍ (٤) مزهَّدْ ثالثُ القوم في الربا الحطَّا ... مِ (٥) هو فيهِ شِبْهُ الذي يَتَقَوَّدْ وكذا كاتبُ الوثيقة أيضًا ... رابعُ القوم في كلام المؤيَّدْ لعَنَ المصطفى لآكلِ فضلٍ ... ولمُعْطِيهِ والشُّروطيِّ يَشْهَدْ (٦)

стр. 3461

وإذا ما تواطؤوا قبل عقدٍ ... أن يُعَاد المبيعُ بالبيع يُعْقَدْ فهما بائعان بيعَيْنِ في بيـ ... ـعٍ وذا ظاهرٌ لمن قد تعوَّدْ فلشَارِيه منهما أوكسُ البيـ ... ـعَيْن وذاك للرِّبا قد تعمَّدْ هكذا قال صاحبُ الشَّرع والمنـ ... ـهاج خاتمُ المرسلين طُرًّا محمَّدْ (١) ... لكنِ الذمُّ والعقابُ جميعًا ... من الشَّارع الإله المُوَحَّدْ (٢) هو في حقِّ من يبوءُ بذنبٍ ... بعد سَمْعِ الشَّرع العظيم المُسَدَّدْ دون أهل الأعذار مثل إمامٍ ... تابعٍ للهدى وللحقِّ يَعْمَدْ قال قولًا عن اجتهادٍ مباحٍ ... خَفِيَت عنه بعضُ سُنَّة أحمَدْ وكذاك الذي تقلَّد هذا ... مع ترك الهوى وعجزٍ عن الرَّدّ إذ وجوبُ المقال والفعل جمعًا ... هو بالوُسْع في الكتاب مُقَيَّدْ كلُّ ما حَرَّم الإلهُ علينا ... فخبيثٌ والظلمُ في ذاك أوكَدْ إذ لأجلِ الإقساطِ والعدلِ فينا ... أرسل اللهُ صفوةَ الخلق أحمَدْ وكذا المُرسَلون من قبلُ جاؤوا ... ليقومَ القسطُ القويمُ المُسَدَّدْ ولهذا كان العقابُ عظيمًا ... لمُعَادِي ربِّ العباد المُوَحَّدْ ومُعَادِي وليِّه بارَزَ الـ ... ـلَّهَ تعالى بالحرب منه وأفسَدْ مثل ما آذَنَ الإلهُ لِمُرْبٍ ... بحِرَابٍ وبالعذابِ المُوَصَّدْ فالشَّقيُّ الذي يحارِبُ من هم ... أفضلُ الأولياء طُرًّا وأحمَدْ هو شرٌّ حالًا وأعظمُ حربًا ... ولحربِ الإله أولى وأوكَدْ

стр. 3462

فقتالُ المحارِبين كهذا ... واجبٌ باتفاق أمَّة أحمَدْ ثم قتلُ الفردِ الذي يُظْهِر القو ... لَ برفضٍ أو بالخروج المُفَنَّدْ هو قتلٌ لأجل تركِ فسادٍ ... ومُروقٍ عن محضِ دين محمَّدْ وهو أولى القولين من علماء الدْ ... دِين وأدنى إلى الصواب وأرشَدْ (١) وبه جاءت الأثارةُ عن مثـ ... ـل عليٍّ (٢) وهو الإمامُ المسدَّدْ لكنِ القتلُ لا يجوزُ لِمُخْفٍ ... مُسْتَسِرٍّ وبالهدى هو يَشْهَدْ ومقالُ الأقوام (٣) شرُّ مقالٍ ... وهو كفرٌ من شرِّ كفرٍ وأجحَدْ لكنِ الكفرُ في حقوق أناسٍ ... دخلوا في عموم من يَتَشَهَّدْ ضلَّ عنهمْ ما جاء عن خاتم الرُّسْـ ... ـلِ من الوحي والبيان المؤيَّدْ خطأٌ منهمُ وزيغٌ عن الحقْ ... قِ وجهلٌ وسوءُ رأيٍ مُفَنَّدْ فإذا لم تَقُم عليهم حجةُ اللـ ... ـهِ فهم عن عقوبة الله بُعَّدْ إذ مضى حكمُ خالق الخلق جمعًا ... في الكتاب الذي به جاء أحمَدْ أنه لا يعذِّبُ الخلقَ إلا ... بعد بعث الرُّسْل الكرام ليُعْبَدْ (٤) وله الحمدُ إذ هدانا إلى الدِّيـ ... ـنِ دينِه الكامل القويم المُسَدَّدْ وعلى خاتم النبيِّين منَّا ... صلواتٌ مع السَّلام المُسَرْمَدْ

стр. 3463

وهذا آخر الاستفتاء والجواب، والحمد لله الملك الوهاب. قال ابن سونج (١): قابلتُه بنسخةٍ مقروءة على المجيب، وعليها خطُّه، على يد أحمد الزُّهري (٢).

стр. 3464

مسألة في اللعب بالشِّطْرَنج

стр. 3465

الحمد لله. قال الإمام شمس الدين ابن المحب المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى: رأيت ما صورته سؤالًا وجوابًا: ما قول السادة العلماء ــ نفع الله بهم - في اللعب بالشِّطْرَنج، هل هو حرامٌ أم لا؟ وهل يَفْسُق اللاعبُ به إذا أصرَّ عليه أم لا؟ وهل قال أحدٌ من أصحاب الأئمَّة الثلاثة القائلين بتحريمه بحِلِّه فيما تعلمون أم لا؟ ومن أفتى من أصحاب القائلين بتحريمه بحِلِّه يكونُ منتسبًا إلى مذهب ذلك الإمام أم لا؟ أجاب: الحمد لله. اللعبُ بالشِّطْرَنج حرامٌ في مذهب الأئمَّة الثلاثة، وجماهير العلماء (١)، وطائفةٍ من أصحاب الشافعي (٢). حتى قال مالك: "هي شرٌّ من النَّرد" (٣). وقال الإمام أحمد وغير واحدٍ في من يلعبُ بالشِّطْرَنج: "ما هو بأهلٍ أن يُسَلَّم عليه" (٤) , يعني في حال لعبه؛ لأنه متلبِّسٌ بمعصية. وقال أيضًا في من يمرُّ بقومٍ يلعبون بالشِّطْرَنج: "يَقْلِبُها عليهم، إلا أن

стр. 3466

يُغَطُّوها ويستروها" (١)، وذلك لأن المعصية إذا أُعلِنَت وجب إنكارُها، وإذا سُتِرَت لم تضرَّ إلا صاحبَها. وما علمتُ أحدًا من أتباعهم أباحها. ولفظ الشافعي ﵁ فيها مُمَرَّض؛ فإنه قال: "النَّرد حرام، والشِّطْرَنج أخفُّ منه، ولا يتبيَّنُ لي تحريمُه" (٢)، فلفظُه صريحٌ في التوقُّف في التحريم، لا في نفي التحريم، وبينهما فرقٌ بيِّن. وأما الجماهير فجزموا بالتحريم؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. والشِّطْرَنج من المَيْسِر، إما لفظًا ومعنًى، وإما معنًى؛ فإنه قد قال غير واحدٍ من السلف، منهم القاسم بن محمد: "الشِّطْرَنج من المَيْسِر" (٣).

стр. 3467

وهؤلاء أهلُ اللغة، وأعلمُ بها وبمعاني الكتاب ممَّن بعدهم، فإن كانوا أرادوا أن اللفظ يشملها لغةً فقولهم في ذلك مقبول (١)، وإن كانوا أرادوا أن الشرع نقَل اسم "المَيْسِر" إلى أعمَّ من معناه في اللغة فهم ثقاتٌ في ذلك. وإن لم يثبت أن اللفظ يشملها أُلحِقَت بالمَيْسِر من جهة المعنى، كما أن النبيذ المختلف فيه أدرجناه في اسم "الخمر" تارةً بالنقل وتارةً بالقياس. فنقول: المَيْسِر قد بيَّن الله علَّة (٢) تحريمه بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وهذه العلَّة موجودةٌ فيه سواءٌ اشتمل على بدل المال أم لم يشتمل؛ فإن اللاعبين بالشِّطْرَنج إذا استكثروا منها صدَّتهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وألهت عقولهم حتى عن الأكل والشرب، وأوقعت بينهم عداوةً وبغضاء، كما يُعْلَم ذلك من استقراء أحوال مُدْمِنيها. والقليلُ مِن لعبِها يدعو إلى الكثير، كما يدعو قليلُ الخمر إلى كثيره، وقد يفعل في النفوس شرًّا من فعل الخمر. وقد ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه مرَّ على قوم يلعبون بالشِّطْرَنج، فقال: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟! " (٣)، فشبَّه

стр. 3468

عكوفهم عليها بالعكوف على الأوثان، كما قرن الله بين الخمر والمَيْسِر والأنصاب والأزلام، وكذلك ما روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: "مدمنُ الخمر كعابدِ وثن" (١). وروي المنعُ منها عن عبد الله بن عمر (٢) وغيره من الصَّحابة (٣)، ولا يُعْرَفُ عن صحابيٍّ خلافُه. وسعيدُ بن جبير إنما لعبَ بها ليدفَع عن نفسه ولاية القضاء (٤)، خوفًا من الوقوع في المحرَّمات الكبائر، وإذا لم يندفع المحرَّمُ الكبير إلا بما هو أخفُّ منه تعيَّن فعلُه. وأما ردُّ الشهادة، فأكثر أصحاب الإمام أحمد ومالك على أنه من أدام

стр. 3469

اللعبَ به رُدَّت شهادتُه (١) وإن كان متأولًا؛ بناءً على أن المداومة عليه سَفَهٌ يذهبُ بالمروءة، فيصير مظنَّةً للفسق، كما تُرَدُّ الشهادة بسائر مظانِّ الفسق وإن لم تكن فسقًا. وقال القاضي في موضعٍ من "التعليق"، وابن عقيل: إذا فعله متأولًا لم تُرَدَّ شهادتُه، كمن شرب النبيذ المختلفَ فيه متأولًا، على المشهور من المذهب (٢). وهذا هو المنصوص عن الشافعي (٣)، أعني قبول شهادة المتأوِّل، والله أعلم (٤).

стр. 3470

سؤال منظوم في حكم الرقص والسَّماع وجوابه
следующие страницы →