← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

صيارِفَ؛ لأنهم لا يُؤمَنون، بل قد يفعلون ما لا يحلُّ في دين المسلمين، مثل أن يُسَمُّوا غير الله على الذبيحة؛ فتحرم عند جماهير العلماء. وليس أكلُنا لما ذبحوه لأنفسهم مثل أن يُتْرَكوا منتصبين لهذا الأمر. بل تفويضُ ذلك إلى المسلمين هو الأولى، والله أعلم (١). * ... * ... * * مسألة: تجوز ذبيحة المرأة أم لا؟ الجواب: تجوز، كما مضت بذلك سنَّة رسول الله ﷺ (٢)، وهو مذهب الأئمَّة الأربعة (٣)، والله أعلم (٤). * ... * ... * * مسألة: في بقرةٍ أو شاةٍ يجرحها الذئبُ، ويُخْرِج مُصْرَانها، ويَخْلُص، فيدركها صاحبُها حيَّةً ويذبحها، هل تحلُّ؟ وهل إذا ذُبِحَت البهيمةُ وقامت ومشت مقدار رمية سهمٍ، ثم وقعت، هل تحلُّ؟

стр. 3537

الجواب: إذا كان فيها حياةٌ مستقرَّةٌ وذُكِّيَت (١) أُبِيحَت (٢). وتباحُ (٣) الذبيحة وإن كان ... (٤). ولو قام وقعد، ثم مات من الذبح، جاز أكلُه. * ... * ... * * مسألة: في دابةٍ أخرج الذئبُ حشوتَها، وفيها حياة، هل تذكَّى وتحلُّ؟ الجواب: إذا خرج منها الدمُ وتحرَّكت جاز أكلُها، والله أعلم. * ... * ... * * مسألة: في الحيوان المأكول يَلُزُّه (٥) سبعٌ، أو يُضْرَبُ، أو يتردى عن حائط، أو ينطحه حيوانٌ آخر، فيبلغ ما لا يعيشُ معه, هل تنفعُ فيه الذكاة؟ الجواب: إذا تحرَّك منه شيءٌ عند الذبح، كعينه، أو ذنبه (٦)، أو رجله، وجرى منه الدم، حلَّ أكلُه في أظهر قولي العلماء، كما نُقِل عن أصحاب

стр. 3538

رسول الله ﷺ (١)، وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. فما جرى دمُه، وتحرَّك، فقد ذُكِّي. وكونُه يُتَيقَّن موتُه (٢) أو لا يُتَيقَّن لا أصل له في كلام الشارع؛ فقد تيقَّن الناسُ موت عمر لما جُرِح، وعاش ثلاثًا، وأمر ونهى وأوصى، فإنه كان حيًّا وإن تُيُقِّن أنه يموتُ من جرحه (٣)، والله أعلم. * ... * ... * * مسألة: في صيادٍ يصيدُ الطير في الماء، ويغوصُ الطيرُ في الماء فلا يمكنه ذبحُه إلا فيه، فهل يؤكل لكونه ذُبِح تحت الماء أم لا؟ الجواب: الحمد لله، متى أعان الماءُ على موته لم يَجُز أكلُه، مثل أن يكون رأسُه غاطسًا في الماء. وأما إن كان الغاطسُ رجليه، أو ذنبُه، ونحو ذلك، لم يضرَّه، والله أعلم (٤). * ... * ... *

стр. 3539

* مسألة: في رجلٍ صال عليه جملٌ، فهرب منه، فأمسكه بفمه ورَبَض (١) عليه، ثم إن الراعي نَحَره، هل يؤكلُ أم لا؟ فإنه لمَّا نَحَره قطع أكثر كل وَدَج (٢)، ومشى الجملُ ومات. الجواب: إذا كان نوى بنحره ذكاتَه جاز أكلُه، ولا ضمان عليه في نحره. وإن كان إنما قتله لمجرَّد دفعه، لا قَصْدَ تذكيته، لم يؤكل (٣)، ولا ضمان عليه أيضًا عند جمهور العلماء كمالك والشافعي والإمام أحمد، وهو الأصحُّ، والله أعلم. * ... * ... * * مسألة: في شاةٍ وقعت، فذُبِحَت، فلم تتحرَّك، لكن جرى دمُها، هل تؤكل؟ الجواب: نعم، تؤكل في أصحِّ قولي العلماء، والله أعلم (٤). * ... * ... *

стр. 3540

[القضاء] * مسألة: في رجلٍ مات ولرجلٍ عليه دينٌ بخطِّ يده، فهل يُقْضى عليه بذلك أم لا؟ الجواب: الحمد لله، نعم إذا كان الخطُّ معروفًا أنه خطُّ المُقِرِّ قُضِي له بذلك في أظهر القولين من مذهب الإمام أحمد فيما نصَّ عليه إذا وُجِدت وصيَّتُه مكتوبةً بخطِّه، وفيها إقرارٌ وإنشاء، فإنه يُعْمَل بذلك في المنصوص عنه (١)، وهذا مذهبُ مالكٍ وغيره (٢)، والله أعلم (٣).

стр. 3541

قاعدة في الصبر والشكر

стр. 3542

(١) ويسمَّى الليلُ "كافرًا"، كما قال ثعلبة بن [صُعَيْر] (٢): * حتى إذا [ألقت] يدًا (٣) في كافرٍ (٤) * كما يسمَّى الزارِعُ (٥) "كافرًا"؛ لأنه يغطِّي الزَّرع بالتراب. فكان الأمرُ بالإخراج من الظلمات إلى النور أمرًا بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٥ - ٤٠].

стр. 3543

فذكر سبحانه مَثَلين (١): * مثَل الكفر المركَّب بالسَّراب الذي يحسبه الظمآن ماءً وليس كذلك. فهذا مثَلُ الاعتقاد الفاسد. * والآخر الذي في الظلمات لا يَرى شيئًا. وهذا مثَلُ الجهل البسيط، كالحيرة والشكِّ والرَّيب الذي لا يعتقدُ صاحبُها شيئًا. فالأول حالُ البدعة والدين الفاسد، كدين أهل الكتاب بعد التبديل والنسخ. والثاني حالُ الزنادقة والمعطِّلة والمتفلسفة وأمثالهم ممن لم يحصل له علمٌ يعتقدُه، ومثل كثيرٍ من أهل الكلام والنظر الذين لم يحصل لهم إلا الحيرة والشكُّ. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. والكتاب والإيمان نورٌ، وقد سمَّى الله ذلك نورًا في قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ الآية [المائدة: ١٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ

стр. 3544

مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٢]. وقال تعالى في حقِّ المؤمن والكافر: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، وقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩]. وذكر تعالى في سورة الحديد (١) نورَ النبيِّ والذين آمنوا معه، وأن الله يُتِمُّ لهم نورَهم حين يَطْفى (٢) نورُ المنافقين. وذكر أن نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، فيها (٣)، وفي سورة التحريم. وذكر أن المنافقين انطفى نورُهم في الدنيا؛ فلهذا انطفى نورُهم في الآخرة؛ فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى في حقِّ المنافقين:

стр. 3545

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية [البقرة: ١٧]. وذكر لهم مثلًا آخر بالمطر الذي فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرق (١)؛ لأن الله يضرب مثَل الإيمان والقرآن بالنار تارةً، وبالماء أخرى؛ لأن الماء فيه الحياة والرطوبة، والنار فيها الإشراق والحرارة، وبهذا وهذا يحصل الإيمانُ في القلب، كما أنه بذلك ينبتُ الزَّرع في الأرض. والقلبُ مشبَّهٌ بالأرض، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٢]، ولهذا ذكر المثَلَين في قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية [الرعد: ١٧] (٢). فهو سبحانه ذكر أنه أنزل الكتابَ ليخرج الناسَ من الظلمات إلى النور، وأمر موسى بإخراج قومه من الظلمات إلى النور، وأن يذكِّرهم بأيام الله، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]، فإن أيامَ الله الأزمنةُ التي أحدَث فيها ما أحدَث من الآيات (٣)، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية [إبراهيم: ٥ - ٦]. والبلاء أن يَبْلُوَ الربُّ عبدَه بالسرَّاء والضرَّاء، ليختبره ويمتحنه، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقال:

стр. 3546

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. فهذا البلاء العظيم (١) تضمَّن بلواهم بالضرَّاء أولًا، وبالسرَّاء ثانيًا، وذلك يستوجبُ الصبر والشُّكر، كما قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. وقد قال سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ الآية [النمل: ٤٠]، هذا بعد أن ذكر قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ الآية [النمل: ١٩]، فلما رأى عرشَ بلقيس مستقرًّا عنده قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦]، فأخبر أن ذلك ليس إكرامًا ولا إهانة، وإنما ابتلاه ليَعْلَم المؤمنَ الصبورَ والشَّكورَ من غيره. كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي (٢) خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. وذكر تعالى قول موسى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ

стр. 3547

لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]، فبيَّن أن الكفر ضدُّ الشكر، وأن من لم يشكر نعمته فقد كفر؛ فهو من أهل الظلمات، والشاكرُ من أهل النور، وكذلك قال سليمان: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فذكر أن الإنسان ظلومٌ كَفَّار، فلا يشكر نعمَه التي لا تحصى. فبيَّن أن الشكر من النور والإيمان، وضدُّه من الظلمة والكفر، وذلك لأن الشكر أصلُه هو الاعترافُ بإنعام المُنعِم على وجه الخضوع، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلًا لها فهو في ظلمة الجهل، ومن عرفها ولم يعرف المُنعِم بها كان كذلك، ومن عرف النعمة والمُنعِم بها لكن جَحَدها كما يجحد المتكبِّرُ نعمة المُنعِم عليه فقد كَفَرها، وإن أقرَّ بها واعترف بها فهو أوَّل الشكر. فلا بدَّ في ذلك من علم القلب وعملٍ يتبعُ العلم، وهو الميلُ إلى المُنعِم ومحبَّته والخضوع له، كما في الحديث الذي رواه البخاريُّ عن شدَّاد بن أوسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي" (١).

стр. 3548

فإن قوله: "أبوء لك بنعمتك عليَّ" يتضمَّنُ الإقرار والإنابة إلى الله بالعبودية؛ لأن المَبَاءة هي ما يَبُوء إليها الشخص، أي يرجعُ إليها رجوعَ مستقِرٍّ (١)؛ فإن المَبَاءة هي المُستَقَرُّ، ولهذا قال ﷺ : "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار" (٢)، أي ليتَّخِذْ مقعدَه مباءةً، فيلزمُه ويستقرُّ فيه، ليس بمنزلة المنزل الذي ينزلُ به ويرحلُ عنه. فالعبد يبوء إلى الله بنعمه عليه، ويبوء بذنبه، فرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوعَ مطمئنٍّ إلى ربه منيبٍ إليه، ليس رجوع من أقبل إليه ثم أعرض عنه، بل رجوع من لا يُعرِض عن ربه، بل لا يزال مقبلًا عليه؛ إذ (٣) كان لا بدَّ له منه، فهو معبودُه، وهو مستعانُه، لا صلاح له إلا بعبادته، وإن لم يكن معبودَه هَلَك وفَسَد، ولا يمكنُ أن يعبده إلا بإعانته له، فلا مندوحة له عن هذا وهذا البتة. وفي الحديث: "مثَل المؤمن مثَل الفَرَس في آخيَّته، يجولُ ثم يرجعُ إلى آخيَّته، كذلك المؤمنُ يجولُ ثم يرجعُ إلى الإيمان" (٤). فقوله: "أبوء" يتضمَّنُ أني وإن جُلْتُ كما يجولُ الفَرَسُ ــ إما بالذنب، وإما بالتقصير في الشكر ــ فإني راجعٌ منيبٌ أوَّابٌ، أبوء لك بنعمتك عليَّ

стр. 3549

وأبوء بذنبي. وذكَر النعمة والذنبَ لأن العبد دائمًا بين نعمةٍ من ربه، وذنب من نفسه، كما في الحكاية المعروفة عن الرجل الذي كان في زمن الحسن البصري لمَّا ذُكِر للحسن أمرُه، فسأله الحسن، فقال له: إني أجدُني بين نعمةٍ وذنب، فأريد أن أُحْدِثَ للنعمة شكرًا، وللذنب استغفارًا، فقال الحسن: أنت عندي أفقهُ من الحسن (١). وذلك أن الخير كلَّه من الله، كما قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، وقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ الآية [الحجرات: ١٧]. وقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، والذين أنعَم عليهم هم المذكورون في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]. فالخيرُ كلُّه، والنعمُ كلُّها ــ من نعم الدنيا، ونعم الدين من الإيمان والعمل الصالح ــ، وثوابُ ذلك = كلُّه من نعم الله ومنِّه على عبده (٢).

стр. 3550

فصل وأما الشرُّ، فليس هو إلا الذنوبُ وعقوباتها. ولهذا كان في خطبة الحاجة المشهورة: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا" (١). فاستعاذ من شرِّ النفوس، ومن سيئات الأعمال، وهي عقوباتُ الأعمال، أو السيئاتُ من الأعمال، الأول كقول الملائكة: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: ٩] (٢). والمقصود أن كلَّ ما سوى الذنوب وعقوباتها فهو نعمة؛ فإن المصائب إذا اقترن بها طاعةُ الله كانت من أعظم النعم، كما ثبت في الحديث الصَّحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له" (٣). فإذا كان العبد صبَّارًا شكورًا فجميع ما يصيبه خيرٌ له، والخير هو

стр. 3551

النعمة، فالضرَّاء مع الصبر نعمة، كما أن السرَّاء مع الشكر نعمة، وذلك خيرٌ للعبد. والذنب إذا حصل منه توبةٌ نصوحٌ كان المجموعُ من أعظم نعم الله على العبد؛ فإن الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهِّرين، وهو سبحانه أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في أرضٍ مهلكةٍ إذا وجدها بعد اليأس (١)، فالله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من فرح هذا براحلته. وقد قال طائفةٌ من السَّلف، كسعيد بن جبير: "إن العبد ليفعلُ الحسنة فيدخل بها النار، ويفعلُ الذنبَ فيدخل به الجنة؛ يفعل الحسنة فيُعْجَبُ بها، فلا يزال إعجابُه حتى يُهْلِكَه، ويفعل الذنوبَ فيتوبُ منها ويخشعُ ويخاف، فلا يزال خوفُه وخشوعُه حتى يُدْخِلَه الجنة" (٢). ولهذه الحكمة ابتُلي بالذنب من ابتُلِي من كبار عِبَاد الله، حتى قال بعض الناس: "لو لم تكن التوبةُ أحبَّ الأشياء إليه ما ابتلى بالذنب أكرمَ الخلق عليه" (٣).

стр. 3552

وحينئذٍ، فالمذنبُ التائبُ الذي يبوء بنعمته، ويبوء بذنبه، يحمدُه حمدًا مطلقًا على كلِّ موجودٍ من ذنوبه وغيرها. وأيضًا، فمن شَهِد ابتلاءه بالذنب، فحَمِد الله على خلقه، مسلِّمًا لحكمته، مع اعترافه بظلم نفسه، واحتياجه لرحمة ربه ... (١). فصل وأما الطاعات، فهو محمودٌ عليها حَمْدَ مدحٍ وحَمْدَ شكرٍ، وهو ظاهرٌ مستقيمٌ على مذهب أهل السُّنَّة الذين يقولون: إن الله خلقه مسلمًا مصلِّيًا، وهو الذي حبَّب إليه الإيمان وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان. وأهل السُّنَّة يقولون: الحمد لله كلُّه. ويقولون: اللام في "الحمد" لاستغراق الجنس (٢)؛ فإن الحمد كلَّه لله، وكلُّ محمودٍ غيره فالحمدُ لله على حمده وعلى ما حُمِد به (٣). وأيضًا، فالحمد لله من وجهين: * من وجهٍ أنه المحمود.

стр. 3553

* ومن وجهٍ أنه المستحقُّ الحمد، المحمود، فلا محمود إلا من حَمِده. وهو كما قال بعض الأعراب للنبي ﷺ : "إن حمدي زَينٌ وذمِّي شَينٌ"، قال: "ذاك الله" (١)، فالمحمود من حَمِده الله، والمذموم من ذمَّه الله، فهو الذي يستحقُّ أن يَحْمَد ويَذُمَّ. وبهذا الوجه فله أن يَحْمَد وله أن يَذُمَّ، أي: له حمدُ المحمود وذمُّ المذموم، حمدُ المؤمن وذمُّ الكافر، كما أن له الثوابَ والعقاب. والواجبُ ما يُذَمُّ تاركُه شرعًا، والمحرَّم ما يُذَمُّ فاعلُه، وهو الذي يَذُمُّ تاركَ الواجب وفاعلَ المحرَّم، كما أنه هو الذي يثيبُ هذا ويعاقبُ هذا. فصل وأما ما يُحْدِثُه من المصائب، إما بغير فعل الخلق، كالأمراض، وإما بفعلهم، كإيذاء الإنسان، وظلمه باليد واللسان = فإنه سبحانه محمودٌ عليه مشكورٌ، حَمْدَ المدح وحَمْدَ الشكر (٢).

стр. 3554

* أما حمدُ المدح، فإنه محمودٌ على كلِّ ما خلق، إذ هو ربِّ العالمين، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * وأما حمدُ الشكر، فلأن هذه نعمةٌ في حقِّ المؤمن إذا وفِّق للصبر عليها، كما قال النبي ﷺ : "لا يقضي الله للمؤمن من قضاءٍ إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له" (١). وهي نفسُها تكفِّر خطاياه، ويؤجرُ على الصبر عليها، ففيها له مغفرةٌ من جهة ما تكفِّره من الخطايا، وله فيها رحمةٌ من جهة ما يؤجرُ على الصبر عليها، لا سيَّما إذا اقترن بها توبةٌ وإنابةٌ إلى الله، وتوكُّلٌ عليه، وتوحيدٌ له، وإخلاصُ الدين له؛ فإنها تكون من أعظم النعم. ومصيبةٌ تُقْبِلُ بك (٢) على الله خيرٌ لك من نعمةٍ تُنْسِيك ذكرَ الله. وقد قال بعض السَّلف: "يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجةٍ أكثرتَ فيها قرعَ باب سيِّدك" (٣). وفي الحديث: "إذا قالوا للمريض: اللهم ارحمه، يقول الله: كيف أرحمُه

стр. 3555

من شيءٍ به أرحمُه؟ " (١). وفي الأثر: "يا ابن آدم، البلاء يجمعُ بيني وبينك، والعافية تجمعُ بينك وبين نفسك" (٢). وفي الصَّحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما يصيبُ المؤمن من وَصَبٍ ولا نصَب، ولا همٍّ ولا حزَن، ولا غمٍّ ولا أذى، حتى الشوكة يُشاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه" (٣). فصل وأما ما يُحْدِثُه من الكفر والفسوق والعصيان، فهو أيضًا محمودٌ عليه حَمْدَ المدح وحَمْدَ الشكر. * أما حمدُ المدح، فعامٌّ. * وأما حمدُ الشكر، فلأن هذه الحوادث نعمةٌ في حقِّ المؤمن؛ لأنه مأمورٌ بإنكارها إذا وقعت، كما قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"،

стр. 3556

رواه مسلمٌ وغيره (١)، ومأمورٌ أن يجاهد فيها بحسب الإمكان. فإذا حصل له ثوابُ المجاهدين فيحمدُ الله على ما وفَّقه له من إنكارها والجهاد عليها، وعلى أنه خلق ما يكون سببًا للجهاد الذي يثابُ العبد عليه. فإن كان ذلك الكفر والفسوق والعصيان فيه ضررٌ على الإنسان، إما في دينه أو دنياه: * أما في دينه، فمثل أن يكون ذلك مما يفتنُه في قلبه، أو يمنعُه أن يقوم بواجب دينه أو مستحبِّه، فيَجْلِبُ له في دينه ذنبًا وتَرْكَ حسنةٍ، فهذا يكون حينئذٍ ما حصل له من باب الذنوب التي يجبُ عليه أن يتوب منها، ويستعينَ الله على فعل ما أمَر وترك ما حَظر. كما إذا حصلت له الأسبابُ الداعية إلى الفواحش والظُّلم وغير ذلك، فإن عصَمه الله وأعانه ووفَّقه لطاعته في ذلك كان ذلك نعمةً، وإلا كان ما أصابه من نفسه، كما تقدَّم من الذنوب وعقوباتها. وهذه الحال ــ حال المحنة ــ لا يثبتُ كونُها نعمةً أو ليست (٢) بنعمةٍ إلا باعتبار العاقبة، فإن وفِّق فيها لما يحبُّه الله ويرضاه فهي نعمة، وإن عَمِل فيها بمعصيته كان حكمُه حكمُ أمثاله. * وأما الضرر في دنياه، مثل أن يُجْرَحَ المجاهدُ ويؤخذ مالُه، أو مثل أن يُضْرَبَ أو يُشْتَم، ونحو ذلك، فهذا يكفِّر الله بهذه المصيبة خطاياه، ويؤجَر

стр. 3557

على هذه المصائب؛ لأنها حصلت بسبب جهاده، فهي مما تولَّد عن عمله، وما يتولَّد عن عمله الصالح أثيبَ عليه، بخلاف المصائب التي لم تتولَّد عن عمله (١). قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢١]، فأخبر تعالى أنه يُكْتَبُ لهم عملٌ صالحٌ بما يصيبُهم من الظمأ والجوع والتعب الذي يحصُل بسبب الجهاد في سبيل الله . وأما الجوع والعطش والتعب الذي يحصُل بدون ذلك، فلا يثابُ إلا على الصبر عليه؛ فإنه ليس من عمله، ولا تولَّد عن عملٍ صالح، لكن هو من المصائب التي يكفِّر الله بها خطاياه (٢). وهذا هو الفرق بين المصائب التي يثابُ عليها، والمصائب التي لا يثابُ

стр. 3558

عليها، فإن بعض الناس يظنُّ أنه يثابُ على كلِّ مصيبة، ومن (١) العلماء من يطلقُ القولَ بأن المصائب لا يثابُ عليها، وإنما يثابُ على الصبر عليها؛ لأن الثواب إنما يكون على فعل العبد، لا على فعل الله فيه (٢)، وهكذا رُوِي حديثُ أبي عبيدة بن الجرَّاح لما عَادُوه، وقالوا: له أجرٌ، فقال: "ليس لي من الأجر مثل هذه، ولكن المرض حِطَّةٌ يَحُطُّ الله به الخطايا" (٣). وفصل الخطاب أن المصائب إن تولَّدت عن عملٍ صالح، كما تتولَّد عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا يثابُ عليه؛ فإن

стр. 3559

الإنسان يثيبه الله على عمله وعلى ما يتولَّد عن عمله إذا أقدَم على احتماله؛ فإن المجاهد قد أقدَم على الجهاد وهو يعلم أنه يؤذى في الله . وقد قال ﷺ : "لخُلُوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك" (١)، والخُلُوفُ يتولَّد عن صومه بغير اختياره. وقال ﷺ : "ما من كَلْمٍ يُكْلَمُ في سبيل الله - والله أعلمُ بمن يُكْلَمُ في سبيله ــ إلا جاء يوم القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دمًا، اللون لونُ الدم، والريح ريحُ المسك" (٢). والدَّم الذي يخرجُ من جرح المريض ليس هكذا، ولا الخُلُوف الذي يحصل بجوع الاضطرار ليس هكذا. ولهذا رتَّب الله الجزاء على الأذى في سبيله، فقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ الآية [آل عمران: ١٩٥]، فجعل كونَهم أوذوا في سبيله مقرونًا بكونهم هاجروا، وكذلك كونَهم أُخرِجوا، فالإخراج والأذى فِعلُ الكافرين بهم، فأثابهم الله على ذلك؛ لأن ذلك حصل بسبب إيمانهم الذي كان باختيارهم. فمن فعل فعلًا صالحًا باختياره، وأوذي عليه، واحتسَب ذلك الأذى، كان ذلك الأذى من عمله الصالح الذي يثابُ عليه، كالصائم إذا احتسَب جوعَه وعطشَه، والقائم بالليل إذا احتسَب تعبَه وسهرَه، فإن الأذى الذي

стр. 3560

يحصُل باختيارك في طاعة الله أنت جلبتَه على نفسك باختيارك طاعة الله، فليس هو كمن أوذِي بغير اختياره، فإن ذلك [أذاه] (١) مصيبةٌ محضة، ولكن هي حقٌّ له على الظالم. وأما الذي حصل له أذًى باختياره، فإن كان من الله، كالجوع والعطش، فهذا أجره فيه على الله. وإن كان من عدوِّه، كشَتْمِه، وضربه، وإخراجه من داره، وأخذِ ماله، ولعنِه، وسبِّه، وكذبه عليه، ونحو ذلك، فهذا النوع أعظمُ الأذى أجرًا؛ فإن هذا من الله، وفي سبيل الله، وفيه حقُّ الله والآدمي: أما حقُّ الله، فلكونهم فعلوا ذلك بسبب طاعته؛ فإن هذا فِعلُ من يَصُدُّ عن طاعة الله ويأمر بمعصية الله. وأما حقُّ الآدمي، فلكونه أوذِي بغير حقٍّ، كما قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠]. وهذا أعظمُ ما يؤجرُ عليه المؤمن من المصائب. وهي من أعظم النعم في حقِّه إذا رُزِقَ الصبر والشكر؛ فإنَّ شُكر مثل هذه يتوقفُ على كونه يعرفُ الإيمان، ويعرفُ أنه نعمة، ويعرفُ أن الأمر به وجهاد مخالفه نعمة، ويعرفُ أن أذاه في ذلك نعمة (٢).

стр. 3561

ومعرفة هذه النعم والعملُ بها إنما هو لخواصِّ العِبَاد؛ فإن كثيرًا من الناس لا يعرفُ النعمة إلا ما يتلذَّذ به من دنياه، كما قال بعض السَّلف: "من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قلَّ علمُه وحضر عذابُه" (١). وهؤلاء منهم من يرى النعمة في بدنه فقط، كالأكل (٢)، والشرب، والنكاح. ومنهم من يرى النعمة في الرياسة، والجاه، ونفاذ الأمر والنهي، وقهر الأعداء. ومنهم من يرى النعمة في جمع الأموال والقناطير المقنطرة. وهؤلاء من جنس الكفَّار، بل الكفَّار يرون هذه نعمًا، ويعلمون أن الله أنعمَ بها. وأعلى من هؤلاء من يرى النعمة في الإيمان والعمل الصالح، لكن لا يرى الأمر بذلك والجهادَ عليه نعمةً، بل يرى هذا فيه من المضارِّ ما يوجبُ تركَه. والذين يرون هذا نعمةً منهم من لا يراه نعمةً إلا مع الغنيمة والسلامة، فمتى كان غالبًا لعدوِّه، غانمًا لماله، عدَّ ذلك نعمةً، وإن جُرِحَ، أو قُتِل بعض أولاده، أو أُخِذَ مالُه، عدَّ ذلك مصيبةً لا نعمة.

стр. 3562

وهكذا في جهاد الكفَّار والمنافقين، فمن الناس من لا يعدُّ جهادَه نعمةً إلا إذا كانت الكلمةُ مطاعةً، والخصمُ مقهورًا، فمن أوذي، أو هُضِمَ حقُّه، أو ضُرِبَ، أو حُبِسَ، أو كُذِبَ عليه عند الأئمَّة أو الأمَّة، وقيل: هذا فاجرٌ أو جاهلٌ، لم يكن هذا نعمةً عند هؤلاء؛ لأن هذا مما يؤلمُ النفس. وحجَّة هؤلاء كلِّهم أن النعمة ما يتنعَّمُ به العبد، وهذه الأمور مؤلمةٌ للنفوس، فلا تكون من النعم، بل من المصائب. ولا ريب أنها من المصائب باعتبار ما يحصلُ من الألم (١)، ولهذا أُمِر بالصبر عليها، لكن لا منافاة بين كون الشيء مصيبةً باعتبارٍ ونعمةً باعتبار؛ فباعتبار ما حصل به من الأذى هو مصيبة، وباعتبار ما يحصل به من الرحمة نعمة. وهذا لأنه إذا قيل: إن هذا يُكَفَّر به الخطايا، ويؤجرُ عليها، ويؤجرُ على الصبر عليها، كانت النعمةُ هذه الأمور التي تحصلُ عن هذه، فيكون هذا بمنزلة شُرب المريض الدواءَ الكَرِيه، فهو مصيبةٌ باعتبار مرارته، وهو نعمةٌ باعتبار إزالته للمرض الذي هو أشدُّ ضررًا فيه، وأدنى الضررين (٢) إذا زال أعظمُهما كان نعمةً، لا سيما إذا حصل مع ذلك خيرٌ آخر. وهذا كما أن النعمة التي تُسْتَعمل في المعصية هي في الحقيقة ليست نعمة، فمن استعمل النعم في المعاصي كانت شرًّا في حقه؛ لأنها جرَّته إلى العذاب الذي هو أعظمُ من تلك اللذَّة، كمن أكل عسلًا فيه سُمٌّ، فإن ضرر

стр. 3563

السُّمِّ أعظمُ من حلاوة العسل (١). وتحرير (٢) هذا يحتاج إلى أصول: * الأول منها: أن نقول: إن الله تعالى قد مدح الصَّبَّار الشَّكور، فمدَح المتَّصف بالأمرين جميعًا. والشكر واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع. وكذلك الصبر على فعل الطاعات، وترك المعاصي، وعلى المصائب، واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع. وقد ذكر الله تعالى الصبر قريبًا من مئة موضعٍ من القرآن. وذكر الشكر أيضًا في مواضع كثيرةٍ جدًّا، كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] في غير موضع (٣)، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال عن الشيطان: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. وأثنى على نوحٍ بأنه ﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، وعلى إبراهيم بأنه ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١]، وقال عن موسى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٧]، وقال سليمان ولقمان:

стр. 3564

﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠، لقمان: ١٢]. وأمر بذكر نِعَمِه في غير موضعٍ من القرآن، كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: ٧]، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وأمر بني إسرائيل بذكر نعمه، مثل قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٤٠]. وأيضًا، فإنه ذكر أن ضدَّ الشكر الكفر (١)، والكفرُ أكبر الكبائر، وهذا يقتضي أن الشكر ... (٢) الإيمان، فمن لم يشكر فهو كافر، وهكذا من لم يكن عنده شيءٌ من الشكر فهو كافر (٣). * الأصل الثاني: أن يعرفَ الإنسانُ أن الإيمان والعمل الصالح من نعم الله عليه، بل ذلك أجلُّ نعم الله عليه، وإنما حصل ذلك بسبب إرسال الرُّسل، وإنزال الكتب، ونقل الأمة ذلك، فما كلُّ أحدٍ يعرفُ هذا، وأما من (٤) يشهدُ ما في الإيمان من نعمة الدنيا، كجاهه وماله، فهذا لم يَشْكُر على الإيمان، بل

стр. 3565

على دنيا حصلت بالإيمان. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٣]. فأولئك المستضعفون عرفوا قدرَ النعمة بالإيمان والقرآن، وأما أولئك الملأ فكان ذلك عندهم ضررًا وشرًّا، يُبغِضونه ولا يحبُّونه، فكيف يُتَصَوَّر أن يَشْكُروا على ما هو عندهم من المكروهات المذمومات التي لا يَدْخُل فيها إلا جاهلٌ ضالٌّ؟! ولهذا قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]، قال علي بن أبي طالب ﵁: "هم الأفجَران (١) من قريش: بني عبد مناف (٢)، وبني مخزوم" (٣). والآية تتناول هؤلاء وغيرهم من الذين بدَّلوا نعمةَ الله - وهي محمدٌ ــ والقرآنَ كفرًا، فجعلوا هذه النعمة التي هي من أعظم النعم مصيبةً على من دخل فيها أعظمَ المصائب، وكان شرُّ الناس عندهم من تابعَ محمدًا ﷺ ، يسعون في قتله وحبسه، أو نفيه وهجره، أو منعه ما يحتاجُ إليه، يمنعون نفعَه بكلِّ طريق، ويوصلون إليه الضرر بكلِّ طريق؛ لظنِّهم أنه دخل فيما يضرُّهم

стр. 3566

ولا ينفعهم، إما بجهلهم بقدر ما جاء به الرسول، وإما بجحودهم وعنادهم، حسدًا وبغيًا وكِبرًا، فرأوا أن في متابعته (١) زوال رياستهم التي هي أحبُّ الأشياء إليهم، ورأوا أن ترك ذلك المحبوب هو مفارقةُ النعمة لا الدخول فيها، وقد قدَّمنا أن الشاكر هو في النور، وأن كافر النعمة في الظلمة. * الأصل الثالث: أن تعرفَ أن الثباتَ على العلم والإيمان عند وقوع الفتن والشبهات هو من أعظم النعم؛ فإن من الناس من يؤمنُ في العافية، ثم إذا فُتِنَ ارتدَّ، فينبغي أن يعلم أن ثباته على الإيمان عند الفتنة والشبهة من أعظم النعم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤ - ١٤٥]، وهم الذين يثبتون على الإيمان إذا انقلب على عقبه من ينقلبُ عند قتل الرُّسل وموتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. فذكر الشاكرين في هذه الآية والتي قبلها، ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ (٢) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا

стр. 3567

وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، فذكر الصابرين. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧ - ١٤٨]. والرِّبِّيُّون: الألوف الكثيرة. وفي الآية قولان: * قيل: وكأيِّن من نبيٍّ قُتِل هو، وكان معه رِبِّيُّون كثير. * وقيل: وكأيِّن من نبيٍّ قُتِل، وقُتِل (١) مع النبيِّ رِبِّيُّون كثير. والقول الأول يناسبُ كون النبيِّ مقتولًا؛ لقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾. والثاني يدلُّ عليه ظاهر اللفظ؛ فإن المشهور لو أريد الأول لما قيل (٢): ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (٣). فأنكَر على من انقلب على عقبيه عند قتل النبيِّ أو موته. فالله تعالى ذكر الشاكرين الذين يثبتون على الإيمان عند الفتن العظيمة، مثل قتل النبيِّ وموته؛ فإن هذا من أعظم الفتن، ولهذا لما قيل يوم أحد: "قُتِل

стр. 3568

محمد" انهزم أكثرُ الناس، ولما مات النبيُّ ﷺ ارتدَّ أكثرُ الناس. وفي الحديث: "ثلاثٌ من نجا منهنَّ فقد نجا: موتي، وقتلُ خليفةٍ مضطهدٍ (١) بغير حقٍّ، والدَّجَّال" (٢). فموتُ النبيِّ ﷺ كان من أعظم الفتن للناس؛ فإنه ارتدَّ عامَّة الناس إلا المدينة، ومكة، والطائف. * أما المدينة، فهي دار المهاجرين والأنصار، وهم وإن لم يرتدُّوا لكن ضَعُفَت قلوبُهم، وتغيَّرت أحوالُهم، وجَبُن أكثرُهم (٣) عن قتال المرتدين، وشكُّوا في قتال مانعي الزكاة، حتى قام الصِّدِّيقُ خليفة رسول الله ﷺ ،

стр. 3569

فعلَّمهم ما جهلوا، وذكَّرهم ما نَسُوا، وقوَّى قلوبَهم، وأمرهم بالجهاد، فثبَّت الله به الإيمان، حتى أدخل أهل الردَّة من الباب الذي خرجوا منه (١). * وأما أهل مكة، فأراد من أراد منهم أن يرتدَّ، فقام فيهم سهيلُ بن عمرو خطيبًا بنحوٍ من خطبة أبي بكر الصِّدِّيق بالمدينة، قال: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت"، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢). والشاكرون هو وأتباعه الذين ثبتوا على الإيمان، المجاهدون عليه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وهؤلاء هم الذين قاتلَ بهم الصِّدِّيقُ المرتدِّين من الكفَّار، كأهل اليمن، مثل أبي موسى الأشعري وقومه الأشعريِّين الذين قال فيهم النبيُّ ﷺ : "هم مني وأنا منهم" (٣). * وأما أهل الطائف، فأراد من أراد منهم الردَّة، فقام فيهم عثمان بن أبي العاص ــ وهو إمامهم وأميرهم ــ فنهاهم عن ذلك، فقال: "كنتم آخر الناس إسلامًا، وتكونون أوَّلهم ردَّة؟! اثبتوا، فإن أقام الله الإسلام كنتم على دينكم،

стр. 3570

وإلا لم تكونوا من أعداء الإسلام"، أو نحو هذا الكلام (١). وبهذا ظهر لك بعض ما وصف الله به نوحًا وإبراهيم من الشكر. قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، مع أنه مكث في قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى التوحيد، ويصبر منهم على الأذى، فكان من أعظم الناس شكرًا على نعمة الله، لا سيما نعمة الإيمان. وكذلك الخليل قال تعالى فيه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ الآية [١٢٠ - ١٢١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]. * الأصل الرابع: أن تعلم أن المصائب نعمة، وذلك لأنها مكفِّراتٌ للذنوب، ولأنها تدعوه إلى الصبر، فيثابُ عليها، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله، والذُّلَّ له، والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة. ولكنَّ الخير بها نوعان: أحدهما: يحصل بها نفسها. والثاني: يحصل بما يفعله المؤمنُ معها من العمل الصالح. * أما الأول، ففي الصَّحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ما يصيبُ المؤمن

стр. 3571

من وَصَبٍ ولا نصَب، ولا همٍّ ولا حزَن، ولا غمٍّ ولا أذى، حتى الشوكة يُشاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه" (١). وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، قد جاءت قاصمة الظَّهر، وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟! قال: "يا أبا بكر، ألستَ تَنْصَب؟ ألستَ تحزن؟ ألستَ يصيبك اللأواء (٢)؟ فذلك مما تُجْزَون به" (٣). وفي الصَّحيحين عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مثلُ المؤمن مثلُ الخامة من الزَّرع تُفِيئها الرياح، تُقِيمها (٤) تارة، وتُمِيلها أخرى. ومثلُ المنافق مثلُ شجرة الأرز، لا تزال قائمَّة على أصلها، حتى يكون انجعافُها مرةً واحدة" (٥). وفي المسند (٦) والترمذي وغيرهما أنه قيل: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلى الرجلُ على

стр. 3572

حسب دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زيد في بلائه، وإن كان في دينه رخاوةٌ خُفِّفَ عنه، ولا يزال البلاءُ بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة" (١). وفي الحديث: "من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه" (٢). وفي الحديث أن ابن مسعودٍ قال للنبيِّ ﷺ : إنك لتُوعَكُ وعكًا شديدًا، قال: "أجل، أوعَك كما يوعَك رجلان منكم، لأن لي الأجر مرتين" (٣). فهذه النصوص وأمثالُها تبيِّن أن نفس البلاء يكفِّر الله به الخطايا، ومعلومٌ أن هذا من أعظم النعم. ولو كان الرجلُ من أفجَر الناس فإنه لا بدَّ أن يخفِّف الله عذابه بمصائبه، ولو قُدِّر كافرًا، فإذا كان الكافران سواءً في الكفر، وابتُلِي أحدُهما في الدنيا بمصائب، كان عقابُه في الآخرة دون عقوبة الذي لم يُعاقَب في الدنيا، مثل فرعون، فإنه من أشدِّ الناس عذابًا في الآخرة، إذ كان لم يُبْتَل في الدنيا. فالمصائبُ رحمةٌ ونعمةٌ في حقِّ عموم الخلق، اللهم إلا أن يَدْخُل صاحبُها بسببها في معاصي أعظمَ مما كان قبل ذلك، فتكون شرًّا عليه من جهة ما أصابه في دينه. فإن من الناس من إذا ابتُلِي بفقرٍ، أو مرضٍ، أو جوع، حصل له من الجزع، والسَّخط، والنفاق، ومرض القلب، أو الكفر الظاهر، أو ترك بعض

стр. 3573

الواجبات، وفعل بعض المحرمات = ما يوجبُ له ضررًا في دينه بحسب ذلك. فهذا كانت العافية خيرًا له، من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبةُ صبرًا وطاعةً كانت في حقه نعمةً دينية. فهي بعينها فعلُ الربِّ رحمةً للخلق، والله محمودٌ عليها، فإن اقترن بها طاعةٌ كان ذلك نعمةً ثانيةً على صاحبها، وإن اقترن بها معصيةٌ كان ذلك من نفس صاحبها، وكان ذلك تحقيقًا لما قدَّمناه أنَّ ما ثَمَّ شرٌّ إلا الذنوبُ وعقوباتها. * وأما الخير الذي يحصل للمؤمن بالمصيبة، فهذا مما تتنوَّع فيه أحوالُ الناس، كما تتنوَّع أحوالُهم في العافية. وقد قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ الآيتين [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦]. فقد أنكر سبحانه على من حسب أنهم يدخلون الجنة بدون الابتلاء بالبأساء وهي الفقر في الأموال، والضرَّاء وهي المرض في الأبدان، وحين البأس والزلزال وهو الخوف من الأعداء (١). قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾، فجعل الصبر في

стр. 3574

هذه المواطن الثلاثة من تمام البر والتقوى الذي به يتمُّ الإيمان، كقوله (١) تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وكذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فالبشرى وقعت للصابرين. فمن ابتُلِي، فرُزِق الصبر، كان الصبرُ نعمةً عليه في دينه، وحصل له بعد ما كُفِّر من خطاياه رحمةٌ، وحصل له بثنائه على ربه صلاةُ ربه عليه، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، فحصل له غفرانُ السيئات، ورفعُ الدرجات، وهذا من أعظم النعم. فالصبر واجبٌ على كلِّ مصاب، فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. وأما الرضا، فمستحبٌّ في أصحِّ القولين (٢)، فمن قام به كان ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه، وقد قال عبد الواحد بن زيد: "الرضا جنَّة الدنيا، وباب الله الأعظم" (٣). * ومن الواجبات التي قد تحصل بالمصيبة: التوبة؛ فإن الله يبتلي العباد

стр. 3575

بعذاب الدنيا ليتوبوا من ذنوبهم. قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨]. فمن رزقه الله التوبة بسبب المصيبة كان ذلك من أعظم نعم الله عليه. * وأيضًا، فمن الخير الذي يحصل بها: دعاء الله والتضرُّع إليه. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. ودعاء الله والتضرُّع إليه من أعظم النعم. فهذه النعمة والتي قبلها من أعظم صلاح الدين؛ فإن صلاح الدين في أن يُعبد الله، ويُتَوكَّل عليه، ولا يُدْعَ مع الله إلهٌ آخر، لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة. فإذا حصلت لك التوبة التي مضمونها أن تعبد الله وحده، وتطيع رسله، بفعل المأمور وترك المحظور، كنتَ ممن يعبد الله.
следующие страницы →