← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

من وَصَبٍ ولا نصَب، ولا همٍّ ولا حزَن، ولا غمٍّ ولا أذى، حتى الشوكة يُشاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه" (١). وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، قد جاءت قاصمة الظَّهر، وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟! قال: "يا أبا بكر، ألستَ تَنْصَب؟ ألستَ تحزن؟ ألستَ يصيبك اللأواء (٢)؟ فذلك مما تُجْزَون به" (٣). وفي الصَّحيحين عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مثلُ المؤمن مثلُ الخامة من الزَّرع تُفِيئها الرياح، تُقِيمها (٤) تارة، وتُمِيلها أخرى. ومثلُ المنافق مثلُ شجرة الأرز، لا تزال قائمَّة على أصلها، حتى يكون انجعافُها مرةً واحدة" (٥). وفي المسند (٦) والترمذي وغيرهما أنه قيل: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلى الرجلُ على

стр. 3572

حسب دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زيد في بلائه، وإن كان في دينه رخاوةٌ خُفِّفَ عنه، ولا يزال البلاءُ بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة" (١). وفي الحديث: "من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه" (٢). وفي الحديث أن ابن مسعودٍ قال للنبيِّ ﷺ : إنك لتُوعَكُ وعكًا شديدًا، قال: "أجل، أوعَك كما يوعَك رجلان منكم، لأن لي الأجر مرتين" (٣). فهذه النصوص وأمثالُها تبيِّن أن نفس البلاء يكفِّر الله به الخطايا، ومعلومٌ أن هذا من أعظم النعم. ولو كان الرجلُ من أفجَر الناس فإنه لا بدَّ أن يخفِّف الله عذابه بمصائبه، ولو قُدِّر كافرًا، فإذا كان الكافران سواءً في الكفر، وابتُلِي أحدُهما في الدنيا بمصائب، كان عقابُه في الآخرة دون عقوبة الذي لم يُعاقَب في الدنيا، مثل فرعون، فإنه من أشدِّ الناس عذابًا في الآخرة، إذ كان لم يُبْتَل في الدنيا. فالمصائبُ رحمةٌ ونعمةٌ في حقِّ عموم الخلق، اللهم إلا أن يَدْخُل صاحبُها بسببها في معاصي أعظمَ مما كان قبل ذلك، فتكون شرًّا عليه من جهة ما أصابه في دينه. فإن من الناس من إذا ابتُلِي بفقرٍ، أو مرضٍ، أو جوع، حصل له من الجزع، والسَّخط، والنفاق، ومرض القلب، أو الكفر الظاهر، أو ترك بعض

стр. 3573

الواجبات، وفعل بعض المحرمات = ما يوجبُ له ضررًا في دينه بحسب ذلك. فهذا كانت العافية خيرًا له، من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبةُ صبرًا وطاعةً كانت في حقه نعمةً دينية. فهي بعينها فعلُ الربِّ رحمةً للخلق، والله محمودٌ عليها، فإن اقترن بها طاعةٌ كان ذلك نعمةً ثانيةً على صاحبها، وإن اقترن بها معصيةٌ كان ذلك من نفس صاحبها، وكان ذلك تحقيقًا لما قدَّمناه أنَّ ما ثَمَّ شرٌّ إلا الذنوبُ وعقوباتها. * وأما الخير الذي يحصل للمؤمن بالمصيبة، فهذا مما تتنوَّع فيه أحوالُ الناس، كما تتنوَّع أحوالُهم في العافية. وقد قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ الآيتين [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦]. فقد أنكر سبحانه على من حسب أنهم يدخلون الجنة بدون الابتلاء بالبأساء وهي الفقر في الأموال، والضرَّاء وهي المرض في الأبدان، وحين البأس والزلزال وهو الخوف من الأعداء (١). قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾، فجعل الصبر في

стр. 3574

هذه المواطن الثلاثة من تمام البر والتقوى الذي به يتمُّ الإيمان، كقوله (١) تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وكذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فالبشرى وقعت للصابرين. فمن ابتُلِي، فرُزِق الصبر، كان الصبرُ نعمةً عليه في دينه، وحصل له بعد ما كُفِّر من خطاياه رحمةٌ، وحصل له بثنائه على ربه صلاةُ ربه عليه، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، فحصل له غفرانُ السيئات، ورفعُ الدرجات، وهذا من أعظم النعم. فالصبر واجبٌ على كلِّ مصاب، فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. وأما الرضا، فمستحبٌّ في أصحِّ القولين (٢)، فمن قام به كان ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه، وقد قال عبد الواحد بن زيد: "الرضا جنَّة الدنيا، وباب الله الأعظم" (٣). * ومن الواجبات التي قد تحصل بالمصيبة: التوبة؛ فإن الله يبتلي العباد

стр. 3575

بعذاب الدنيا ليتوبوا من ذنوبهم. قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨]. فمن رزقه الله التوبة بسبب المصيبة كان ذلك من أعظم نعم الله عليه. * وأيضًا، فمن الخير الذي يحصل بها: دعاء الله والتضرُّع إليه. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. ودعاء الله والتضرُّع إليه من أعظم النعم. فهذه النعمة والتي قبلها من أعظم صلاح الدين؛ فإن صلاح الدين في أن يُعبد الله، ويُتَوكَّل عليه، ولا يُدْعَ مع الله إلهٌ آخر، لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة. فإذا حصلت لك التوبة التي مضمونها أن تعبد الله وحده، وتطيع رسله، بفعل المأمور وترك المحظور، كنتَ ممن يعبد الله.

стр. 3576

وإذا حصل لك الدعاء الذي هو سؤال الله حاجاتك، فتسأله ما تنتفع به، وتستعيذ به مما تستضرُّ به، كان هذا من أعظم نعم الله عليك. [وهذا] كثيرًا ما يحصُل بالمصائب؛ [لأمرين] (١): * أما الأول، فإن المصيبة يَرِقُّ معها القلبُ ويخشع، وتَذِلُّ النفسُ، فتنقاد لفعل المأمور وترك المحظور. وأما مع حصول الرياسة، والمال، والعافية في النفس والأهل، فإن ﴿الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، والنفس حينئذٍ لا تستجيبُ لفعل المأمور وترك المحظور، بل تتعدَّى الحدود، وتنتهك المحارم، وتضيِّع الواجبات الباطنة والظاهرة، من الإخلاص، والتوكُّل، والصبر، والشكر، وحقوق الرب (٢) وحقوق عباده، ويحصل لها من الاستكبار، والخيلاء، والإعجاب، والرياء، ما هو من أضرِّ الأمور بها. * وأما الثاني، فلأن المصيبة توجبُ قطعَ تعلُّق قلبه بالمخلوق إذا أيِسَ [من] زوالها بالمخلوق، كالمرض الذي أعيا الأطبَّاء، والفقر الذي لم يرجُ (٣) معه أحدًا يزيله، والخوف الذي ليس فيه نصرٌ لمخلوق (٤). والنفسُ تطلبُ جلبَ المنفعة ودفعَ المضرَّة من حيث ترجو ذلك، ولو

стр. 3577

كان بتوهُّمٍ (١) وخيال، فبهذا (٢) يَغْلِبُ عليها الشركُ أولًا بتعلُّقها بمن (٣) ترجوه لجلب المنفعة كتحصيل (٤) الرِّزق، أو لدفع المضرَّة كقهر العدو، بمثل الإخوان والأصدقاء، ومثل الأقارب (٥) والجيران، ومثل الملوك والولاة والقضاة، ومثل المشايخ والعلماء، ومثل قبور الصالحين والأنبياء. فإذا أيِسَت من الخلق أقبلت على الله، فدَعَت الله مخلصةً له الدين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ الآية [يونس: ١٢] (٦). * ومن الخير الذي قد يحصل بالمصائب: [أنه] إذا حصلت له التوبة، والإنابة إلى الله، والاستكانة له، والتضرُّع = ذاق طعمَ الإيمان، ووَجَد حلاوة حبِّ الله ورسوله، فعَظُمَ إيمانُه علمًا وعملًا، وذاق من حلاوة ذلك ولذَّته ما لم يكن ذاقه قبل ذلك؛ لأن هوى النفس وعاداتها (٧) الفاسدة كانت حجابًا له عن ذَوْقِ طعم الإيمان وَوَجْدِ (٨) حلاوته، فلمَّا حصل البلاءُ أزال هوى النفس، فارتفع الحجاب، وذاق العبد حلاوة الإيمان.

стр. 3578

مثل رجلٍ كان يُدْعى إلى أنواعٍ من المآكل الطيبة، والصور الجميلة، فلا يجيبُ إلى ذلك؛ اشتغالًا بما اعتاده في بلده من المآكل الرديَّة، والمناكح الرديَّة، فأسَرَه عدوُّه أو حَبَسه، وجعل يُطْعِمه في سجنه من تلك المآكل الطيبة، وأنكَحه من تلك المناكح التي كانت في بلده، وكان يُنْكِرها أولًا، فذاق ما لم يكن ذاقه، فلما أخرجوه من السجن، وأطلقوه من الأسر، أقام عندهم في بلدهم ولم يرجع إلى بلده؛ لما وجده من الطِّيب الذي لم يكن ذاقه، لا سيَّما إذا كان دينُهم خيرًا من دينه، فيذوق حلاوة الدين والدنيا، كما يحصلُ لكثيرٍ من التَّتر إذا أسَرَهم المسلمون أو استرقُّوهم، ثم نقلوهم إلى عسكر المسلمين، فيذوقون في الرقِّ والأسر من حلاوة الدين والدنيا ما لم يكونوا يذوقونه في أوطانهم وهم أحرارٌ طلقاء. والمرض سِجنُ الله، وكذلك سائر المصائب إذا رُزِق العبد فيها الإنابة حصل له من ذَوْقِ طعم الإيمان ووجود (١) حلاوته ما لم يكن ذاقه، لا سيَّما إن حصل له مع ذلك نعيمٌ في بدنه ومسكنه، فيكون قد جمع نعيمَ الدين والدنيا هذا في نعمةٍ حاضرةٍ محسوسة. فعليه أن يشكر الله سبحانه وإن كان مأمورًا بالصبر؛ فإن العبد في الحال الواحدة مأمورٌ بالصبر والشكر، فيصبر لما يجدُه من المرض، ويشكر لما يراه من النعمة الظاهرة. فعليه أن يصبر فيها على أداء الواجبات، وترك المحرمات؛ فإن النعمَ

стр. 3579

الظاهرة من المال والعافية والانتصار على العدوِّ تَبْسُط (١) هوى النفس، فيحصُل لها [من] العدوان والطغيان، والظلم والفواحش، والإعراض عما يجب عليها لله من حقيقة العبودية، والإخلاص له، والتوكُّل عليه، والخوف منه، والإنابة إليه = ما هو من أعظم الضرر في حقِّها. فإن لم يصبر في السَّرَّاء وإلا هَلَك. والصبر في السَّرَّاء أعظمُ الصَّبْرَين، كما قال عبد الرحمن بن عوف: "ابتُلِينا بالضرَّاء فصبرنا، وابتُلِينا بالسرَّاء فلم نصبر" (٢). وقال بعض العارفين: "البلاء يصبر عليه المؤمن، ولا يصبر على العافية إلا كلُّ صدِّيق" (٣). وإذا ابتُلِي بمصيبةٍ ظاهرةٍ فعليه الشكر، كما قد بسطنا الكلام فيه، وهو أعظمُ الشُّكريْن. والشكر في الضرَّاء واجب، وأما الشكر في السرَّاء والصبر في الضرَّاء فوجوبُه ظاهرٌ لعموم الناس. وإنما المقصود أنه لا بدَّ من الشكر والصبر في كلِّ حال، وهذا يكون على وجهين: * أحدهما: أنه في الحال الواحدة يُبتلى بنعمةٍ توجبُ شكرًا، ومحنةٍ

стр. 3580

توجبُ صبرًا. والعبد في كلِّ حالٍ هو في نعم الله التي توجبُ الشكر، وهو محتاجٌ إلى الصبر على فعل المأمور مع مخالفة هواه، وترك المحظور مع مخالفة هواه، والصبر على المقدور مع جزَع النفس. وليس للعبد حالٌ إلا وهو مأمورٌ فيها بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. وهذه الثلاثة فرضٌ على كلِّ أحد، محتاجٌ إليها في كلِّ وقت، ولا يكون العبد من المؤمنين المتقين إلا بها، والناس يتفاضلون في هذا بحسب تفاضلهم فيها، وبها يصير العبد من أولياء الله المتقين، وجنده المفلحين، وحزبه الغالبين. * والثاني: أن نفس الأمر الواجب يتضمَّن نعمةً توجبُ شكرًا، أو يتضمَّن ألمًا يوجبُ صبرًا، فعليه أن يكون في ذلك الأمر الواحد صابرًا شاكرًا، كالذي يشرب الدواء الكَرِيه، فعليه أن يصبر على مرارته، ويشكر الله إذ يسَّر له ما يزيلُ عنه مرضه. والله تعالى محمودٌ على كلِّ حال، وفي الحديث: "كان رسول الله ﷺ إذا أتاه الأمرُ الذي يُسَرُّ به قال: الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وإذا أصابه الأمرُ الذي يكرهُه قال: الحمد لله على كلِّ حال" (١).

стр. 3581

والجمع بين الصبر والشكر يحتاجُ إلى كلامٍ أبسط من هذا، والمقصود هنا التنبيه على نعم الله التي تحصل بالمصائب، وبيان ما على العبد من الشكر في مصائبه. * الأصل الخامس: أن المصيبة التي تحصلُ بسبب العمل الصالح هي أعظمُ قدرًا؛ فإنها من العمل الصالح الذي يثابُ عليه، كجُوعِ الصائم وعطَشِه، وكتعب المسافر في حجٍّ، أو جهادٍ، أو طلب علمٍ، أو هجرةٍ في سبيل الله، أو تجارةٍ يستعينُ بها على طاعة الله، فإنه ما يحصلُ له من تعبٍ، وجوعٍ، وعطشٍ، وسهرٍ، وخوفٍ، وذهاب مالٍ، ونحو ذلك، حاصلٌ بفعله الاختياري الذي يفعله لله، مبتغيًا به وجهَ الله، فهذا مع ما يحصلُ له من تكفير السيئات، يُكْتَبُ له به عملٌ صالح، بخلاف المصيبة التي لم تحصل عن طاعة الله، كما تقدم التنبيه على ذلك. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]، فالإنفاق وقطعُ المسافة هي عملُهم القائم بذاتهم، فقال فيه:

стр. 3582

﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾، ولم يقل: "به عملٌ صالح"؛ فإنه نفسه عملٌ صالح، وأما ما تَقَدَّمه فإنه ليس هو عملهم القائم بذاتهم، ولكن تولَّد بسببه وسبب غيره. ولهذا تنازع النُّظَّار في هذه الأعمال الحادثة بسبب فعلٍ اختياري من العبد، كالجوع، والعطش، والتعب، وخروج السَّهم من كبد القوس، وقطع العنق وزهوق الرُّوح عند تحريك اليد بالسِّلاح، كالسَّيف والسِّكِّين، ونحو ذلك (١). فقال من قال من القدريَّة والمعتزلة وغيرهم: إن هذا فعلٌ للعبد. وجعلوا أفعال العباد قسمين: مباشر، ومتولِّد. واحتجُّوا بأنه يثابُ على ذلك، ويعاقبُ عليه. فقال لهم الجمهور: قد يحصل الثوابُ والعقابُ بما يحصلُ عن فعله، وإن لم يكن من فعله بالاتفاق، مثل من دعا إلى هدى، فإن له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا (٢)، مع أن هدى هؤلاء وضلال هؤلاء هو باختيارهم، وهم يثابون عليه، ويعاقبون عليه (٣).

стр. 3583

وفي الصَّحيحين عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا تُقْتَلُ نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أول من سَنَّ القتل" (١)، مع أن قابيل عليه إثمُ قتل نفسٍ (٢). وقال نفاة الأسباب والحكمة من مُثْبِتة القدر: بل هذه من أفعال الله تعالى التي ليس لقدرة العبد فيها تعلُّقٌ بوجهٍ من الوجوه. قالوا: لأن قدرة العبد إنما تؤثِّر في محلِّها، ومحلُّ القدرة هو نفسُه وبدنُه، فأما ما خرج عن ذلك فليس محلًّا لقدرته، فلا يكون محلًّا لتأثيرها. ولهؤلاء كلامٌ وتنازعٌ في تأثير قدرة العبد ليس هذا موضعه. وهذا قول أبي الحسن ومن وافقه من المتكلمين والفقهاء، كالقاضي أبي بكرٍ ونحوه، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي الجويني، وأتباعهما. وحُكِي عن بعض أهل الكلام أنه قال: هذا حادثٌ لا فاعل له (٣). والصواب ــ مع قولنا: إن الله خالقُ كلِّ شيء، خلافًا للقدريَّة ــ أن هذه الحوادث حاصلةٌ عن فعل العبد، وعن الأسباب الأُخَر التي بها حصل ذلك، ففعلُ العبد مشاركٌ في حصولها، ليس مستقلًّا بحصولها؛ فإن الشِّبَع إنما يحصُل مع بَلْعِ الأكل ومَضْغِه، مع ما في الطعام من قوَّة التغذية، وما في المعدة والبدن من القبول لذلك، وهذا لا قدرة له عليه، فأكلُه مشارِكٌ في حصول

стр. 3584

الشِّبَع لا فاعلٌ للشِّبَع، ولم يحصُل الشِّبَعُ بدون أكله. وكذلك هدى المهتدين، وضلال الضالين، حصل بسبب الدُّعاة، وبسبب استجابة المدعوِّين (١)، وكلاهما أثَّر في حصول الهدى والضلال. وهذا بناءً على ثبوت الأسباب في المخلوقات، وأن الله سبحانه يخلقُ الأشياء بالأسباب. وهذا مذهبُ السَّلف والأئمَّة، وسائر أنواع أهل العلم من الفقهاء وغيرهم، والعامة. ولهذا قال تعالى في هذا النوع المتولِّد بسبب فعلهم وغير فعلهم: ﴿كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾، فلم يجعله نفسَ (٢) عملهم كما قالت القدريَّة، ولم يجعله أجنبيًّا عن عملهم كما قالت نفاة الأسباب المُثْبِتة، بل أخبر أنه يُكْتَبُ لهم به عملٌ صالح؛ لمعاونتهم عليه. كما قال النبيُّ ﷺ : "من جهَّز غازيًا فقد غزا، ومن خَلَفَه في أهله بخيرٍ فقد غزا" (٣)، ونظيره قوله ﷺ : "من فطَّر صائمًا فله مثلُ أجره" (٤)؛ لأنه أعان على ذلك، فحصل الصومُ بمال هذا وعمل هذا. فإذا عُرِفَ هذا، فالأنبياء الذين بلَّغوا الرسالة، فحصَل (٥) لهم بذلك ظمأٌ ونَصَبٌ وأذى الخلق، يُكْتَبُ لهم بذلك عملٌ صالح، لا يكونُ أذى

стр. 3585

الخلق مجرَّد مصيبةٍ لهم، كمن أوذي بغير عملٍ صالح عَمِلَه (١). وكذلك من أمَر بمعروفٍ ونهى عن منكر، فضُرِبَ أو شُتِمَ أو مُنِعَ حقَّه، فإنه يُكْتَبُ له من عمله الصالح الذي يؤجرُ عليه. وكذلك المجاهد الذي جُرِحَ أو قُتِل، يُكْتَبُ له جرحُه وقتلُه من عمله الصالح، وإن لم يكن ذلك مِن فعلِه، بل بفعل العدوِّ الكافر. وليس هذا كمن قُتِل مظلومًا غير مجاهد؛ فإن ذلك قُتِل بغير عملٍ صالح. ولهذا كان الأولُ أعظمَ الشهداء، فلا يُغَسَّل باتفاق الأئمَّة، كما في الصَّحيح عن النبيِّ ﷺ أنه لما أُتِيَ بشهداء أحدٍ قال: "زَمِّلُوهم بكُلُومِهم ودمائهم؛ فإن أحدهم يأتي يوم القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دمًا، اللونُ لونُ الدم، والريحُ ريحُ المسك" (٢). وليس هذا لكلِّ مقتولٍ ظلمًا؛ فإن هؤلاء قُتِلوا لمَّا اختاروا الجهاد في سبيل الله. قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا

стр. 3586

وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٥]، فأخبر أنه يكفِّر عنهم السيئات، وأنه يُدخِلهم الجنَّات، ثوابًا من عنده، والثوابُ على العمل. وأطلَقَ الثوابَ، ولم يقل: على بعض ما ذُكِر، بل الثوابُ مطلق، مع أنه ذَكَر مع هجرتهم التي هي حركةٌ اختياريةٌ كونَهم أُخرِجوا من ديارهم؛ فإن ذلك إكراهٌ لهم على الخروج، فهم اختاروا مفارقة الكفَّار ليُقِيموا دينَهم، ولكنَّ الكفَّار بعداوتهم أكرهوهم على هذه المهاجَرة، وإن لم يقصدوا هم إخراجَهم، لكنَّ عداوتَهم ألجأتهم إليها. ثم قال تعالى: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾، وهذا مِن فعلِ غيرهم. ثم قال: ﴿وَقَاتَلُوا﴾ وهذا فعلُهم، ﴿وَقُتِلُوا﴾ وهذا مِن فعلِ غيرهم. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، فوعَدَه بالأجر العظيم على كلا التقديرَين. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤]، وفيها قراءتان مشهورتان: ﴿قُتِلُوا﴾ و ﴿قاتَلوا﴾ (١). وأيضًا، فالشهيدُ يُثْنَى عليه بالشهادة، ومعظمُ الشهادة إنما حصَل بفعل الكافر، وهو قتلُه للشهيد، فلو لم يكن للشهيد في كونه قُتِلَ عملٌ يثابُ عليه لكان قتلُه مصيبةً من المصائب التي تُكَفَّر بها الخطايا ولا يثابُ عليها، لكن [يثابُ] على الصبر عليها، مع أنه بعد الموت لا يؤمرُ بصبرٍ.

стр. 3587

وليس الأمرُ كذلك؛ لأن الشهيد أقدَم باختياره على القتال، صابرًا على الأهوال، محتسبًا ذلك عند الله، لتكون كلمة الله هي العليا، ولهذا قيل: يا رسول الله، أيُفْتَنُ الشهيدُ في قبره؟ فقال: "كفى ببريق السيف فتنة" (١). ولا بدَّ أن يكون ممن يختارُ القتلَ إذا وقعَ به، لا يَسْخَط ذلك. ففعلُه لسببه الذي أُمِرَ به حصَل له به عملٌ صالح، وكذلك كلُّ ما يحصُل من أنواع المصائب بسبب طاعة الله ورسوله، في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد باللسان واليد في سبيل الله ؛ فالمصيبة الحاصلةُ بسبب ذلك في ذلك من نعم الله في سائر المصائب (٢)، وتمتازُ هذه بأنها من أفضل أعماله الصالحة التي يثابُ عليها، كما يثابُ الشهيدُ على كونه يُقْتَل. وهذا الأصلُ يتناول كلَّ ما يؤذى به العبد في سبيل الله، سواءٌ كان جهادًا أو لم يكن، وسواءٌ كان الأذى بأفعال العباد أو لم يكن، كالجوع والنَّصَب الحاصل في سفر الجهاد والحجِّ وصوم الصَّائم؛ فإن هذا الأذى من الله يشاركُ المصائبَ في كونه مصيبةً، ويمتازُ عنها بكونه له به عملٌ صالح. * [الأصل] السادس: أن الأعمال الصالحة كلَّها من أعظم نعم الله على عبده المؤمن، وهي مستوجبةٌ لأعظم الشُّكر؛ إذ هي من الله، كما قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧].

стр. 3588

وشهودُ هذا للقلب يدفعُ عنه العُجْبَ بها، والفخر، ونحو ذلك مما يحصلُ بإضافة ذلك إلى النفس. وفي الحديث الصَّحيح عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أوحِيَ إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد" (١). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. والناسُ في هذا المقام أربعُ طبقات (٢): * فخيرُ الناس: أهلُ الإيمان المحض، الذين يشهدون نعمة الله في الطاعة، ويشهدون ذنوبهم في المعصية، كما في الحديث الصَّحيح الإلهيَّ: "يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أحصيها لكم، ثم أوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه" (٣). * وشرُّ الناس: الذين يشهدون أنفسَهم فاعلةً للطاعات، ويشهدون المعاصي أنها من القَدَر، فيضيفونها إلى الله، كما قال بعض العلماء: "أنت عند الطاعة قَدَرِيٌّ، وعند المعصية جَبْرِيٌّ، أيُّ مذهبٍ وافق هواك تمذهبتَ به" (٤). والأولون إذا عملوا طاعةً لله ، أو أحسنوا إلى أحدٍ من خلقه،

стр. 3589

شكروا الله الذي أعانهم على ذلك ويسَّرهم لليسرى، فلم يروا لهم أمرًا يَمُنُّون به على الخلق، ولا يُدِلُّون به على الخالق؛ إذ كان ذلك من نعمة الله عليهم وعلى الناس. وأما الآخرون، فهم إن فعلوا مع أحدٍ خيرًا مَنُّوا به عليه، وآذوه، وربما اعتدوا عليه وظلموه. وإن فعلوا فاحشةً قالوا: ألقاه في البحر مكتوفًا وقال له: ... إيَّاكَ إيَّاكَ أن تبتلَّ (١) بالماء (٢) يحتجُّون على ربهم بحجةٍ داحضةٍ عند ربهم، تُغَلِّظُ ذنوبهم، وتزيدُهم شرًّا، من جنس احتجاج المشركين الذي قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. وإن عمل أحدٌ معهم ما يكرهونه لم يضيفوا ذلك إلا إليه، وقد يكون عادلًا عاملًا (٣) بحقٍّ، ولا يشهدون القَدَر في هذا الموضع، مع أن ذلك المؤذي إن كان ظالمًا فالذي سلَّطه عليهم ليس بظالم، فكيف إذا كان هو عادلًا فيهم، مطيعًا للشرع؟! والربُّ عادلٌ في خلقه وأمره، منزَّهٌ عن الظلم، كما في الحديث الصَّحيح الإلهيَّ: "يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا

стр. 3590

تظالَموا" (١). فهذا الضربُ لا هم مع قَدَرٍ ولا شرع، بل هم مع هواهم، يَمْدَحون من القَدَر والشرع ما وافق هواهَم، ويَذُمُّون ما خالف هواهم، وهؤلاء شرارُ الخلق، ومن سلَكَ طريقتَهم فطَرَدَها قادته إلى الانسلاخ من دين الإسلام، بل إلى ما هو شرٌّ من حال اليهود والنصارى. * وأما الطبقة الثالثة (٢): فهم الذين ينظرون إلى الشرع لهم وعليهم، ولا ينظرون إلى القَدَر، يتحرَّون فعلَ الحسنات وتركَ السيئات، لكن يُضِيفون هذا وهذا إلى أنفسهم، ومن آذاهم انتَصَفُوا منه، ولم يجعلوا ذلك مما ابتلاهم الله به. وهذا مذهبُ القدريَّة، وكثيرٌ من الناس حالُه حالُهم، وإن لم يكن اعتقادُه اعتقادَهم. وهؤلاء مطيعون لله في امتثال أمره، لكنهم عاصون لله في ترك الإيمان بقَدَرِه، والصبر على ما ابتلاهم به، فيفوتُهم من طاعة الله التي أمرهم بها، من الإيمان بالقَدَر، والصبر على أذى الخلق، ما لا يعلمُه إلا الله تعالى، ويقعون في أنواعٍ من الذنوب والمعاصي بهذا السبب. * وأما الطبقة الرابعة (٣): من (٤) ينظر إلى القدر فيما يفعله هو ويفعله

стр. 3591

غيرُه. وهذا لو أمكن طردُه لكان مذهبًا يقال، وهو دون مذهب القدريَّة، لكنه لا يمكنُ طردُه، ولم يذهب إليه طائفةٌ من بني آدم، وإنما هو في الإرادات والأعمال من جنس السفسطة في الاعتقادات والأقوال، وهو أمرٌ يَعْرِض لكثيرٍ من الناس، بل للإنسان (١) في كثيرٍ من أحواله، وليس هو مذهبًا يصيرُ إليه (٢) طائفةٌ من بني آدم. وذلك أن الإنسان مجبولٌ على حبِّ ما ينفعُه وبغض ما يضرُّه، فما يمكن أن يستوي عنده جميعُ الحوادث المقدَّرة، حتى يكون الخبزُ والترابُ عنده سواء، والبولُ والماء عنده سواء، ومن يعطيه ما يحتاجُ إليه و [من] يمنعه ما يحتاجه عنده سواء؛ فإن هذا ممتنعٌ عقلًا وطبعًا، كما هو مذمومٌ عُرفًا وشرعًا (٣). وإذا كانت الأعمال الصالحة من أعظم نعم الله، فكلما كان العملُ أفضلَ كانت النعمةُ به أتمَّ. والجهادُ سنامُ العمل، كما في حديث معاذٍ المعروف عن النبي ﷺ : "رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذروةُ سنامه الجهادُ في سبيل الله" (٤).

стр. 3592

(١) فيظن أن الجهاد هو الثلاثة، وهذا إن كان محفوظًا فالمراد به أن الجهاد يتضمَّن الثلاثة؛ فإن المجاهد لا بدَّ أن يكون مسلمًا مقيمًا للصلاة، فمع الجهاد تحصُل له الثلاثة، وإلا فحقيقة الأمر ما في الرواية المفصَّلة: "رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذروةُ سنامه الجهاد". قال الإمام أحمد: "لا يَعْدِلُ الجهادَ عندي شيء" (٢). ونصوص الكتاب والسُّنَّة تدلُّ على أنه أفضلُ من غيره، ولهذا قال الفقهاء (٣): إنه أفضلُ ما تُطُوِّعَ به. والتحقيق أنه أفضل من جميع الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله؛ فإنه مكمِّلٌ لمقصود الإيمان بالله ورسوله. فإذا كان فرض عينٍ قُدِّم على كلِّ ما يزاحمه من فروض الأعيان، يُقَدَّم على إيتاء الزكاة، وعلى الصيام، وعلى الحجِّ، وعلى برِّ الوالدين، وعلى طاعة السيِّد والأب، وعلى قضاء الدَّين.

стр. 3593

ولهذا قال الفقهاء: إذا حَضَر (١) العدوُّ بلدًا وجب الجهادُ على كلِّ أحدٍ، حتى يغزو العبد بدون إذن سيده، والولدُ بدون إذن والده، والمرأة بدون إذن زوجها، والغريمُ بدون إذن غريمه. وأما الصلواتُ الخمس، فإن أمكن الجمعُ بينها وبين الجهاد، كما في صلاة الخوف في غير وقت القتال، فلا مزاحمة بينهما، فيجبُ فعلُهما جميعًا؛ فإن الصلاة عمود الدين، وهذا ذروة سنامه، فلا يقوم أحدُهما إلا بالآخر. وإن ازدحما، كما في وقت المُسَايَفَة، ففيه ثلاثة أقوالٍ للفقهاء (٢): أحدها: أنه يجمع بينهما، فيصلي صلاةً خفيفةً مع قتاله. وهذا قولُ أكثرهم، كمالك، والشافعي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه. والثاني: أنه يُخَيَّر بين تقديم الصلاة وتأخيرها بحسب المصلحة. وهذا هو الرواية الثانية عن أحمد، وقول طائفةٍ من الفقهاء. واحتجَّ هؤلاء بما ثبت في الصَّحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: "لا يصلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة" (٣)، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا: لم يُرِد منا تفويتَ الصلاة، وبعضهم قال: لا نصلي إلا في بني قريظة، فأخَّروها حتى غربت الشمس، فبلغ النبيَّ ﷺ ، فلم

стр. 3594

يُعَنِّف (١) واحدةً من الطائفتين. فقال هؤلاء: هذا دليلٌ على جواز تقديمها في الوقت، وتأخيرها عنه، عند الضرورة. والقول الثالث: أنه يؤخِّرها عند المُسَايَفَة إلى أن تنقضي المُسَايَفَة، ثم يصلِّيها ولو بعد الوقت، كما هو مذهب أبي حنيفة. واحتجُّوا بتأخير النبي ﷺ الصلاة يوم الأحزاب، فصلَّى العصر بعد ما غربت الشمس، وقال: "ملأ الله قبورَهم وبيوتَهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس" (٢). ومن نصَر القول الأول قال: هذا منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٨]، وأن هذه الآية نزلت بعد ذلك لمَّا أخَّر صلاة العصر، ولهذا قال عقيبها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. وبهذا يجيبون عن تأخير من أخَّرها إلى بني قريظة، يقولون: هذا كان قبل الفتح والأمر بالمحافظة [على الصلاة] وقت الخوف. وطائفةٌ من الفقهاء أجابوا عن هذا بجوابٍ آخر، وقالوا: إن التأخير كان باجتهادهم، فلم يُعَنِّفهم؛ لأن المجتهد المخطئ لا إثم عليه. وكذلك يقول من قال: كان فرضُهم تأخيرَها، يقول: لم يَذُمَّ المتقدِّمين، لأنهم كانوا مجتهدين.

стр. 3595

فحديثُ بني قريظة يجيبُ عنه أهلُ القول الأول بجوابين، وأهلُ الثالث بجوابٍ واحد. وأهل القول الثاني يجيبون عن حديث الخندق بأنه يدلُّ على الجواز، ونحن نقول به. وأما أهل القول الثالث، فيحتجُّون في جواز التأخير بخبر بني قريظة، يقولون: إنما لم يَذُمَّ المتقدِّمين، لأنهم كانوا مجتهدين مخطئين. وأهل القول الأول يقولون: جواز التأخير منسوخ، كما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة، ولهذا كان أكثر الفقهاء عليه. وعلى كلِّ قول، فمصلحة الجهاد الواجب مأمورٌ به (١)، لا يجوز أن يُفَوَّتَ الجهادُ المتعيِّنُ لا لصلاةٍ ولا غيرها، بل إما أن تُخَفَّف الصلاة، وإما أن تؤخَّر. ولهذا قال عمر: "إني لأجهِّز جيشي وأنا في الصلاة" (٢)؛ لأن ذلك كان من باب الجهاد الواجب عليه، فلم يكن ليدَعَه لأجل الاشتغال بالصلاة، كحال المصلِّي وقت المُسَايَفَة والخوف، فإنه لا يكونُ كحاله عند الأمن (٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩].

стр. 3596

وقال في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٣]، فدلَّ على أن الصلاة وقت الخوف لم تكن مقامةً على الوجه التامِّ؛ لأنه زاحَمَها في هذه الحال ما هو أوجبُ من إقامتها الكاملة، فكان تركُ إقامتها الكاملة في هذا الوقت للجهاد الذي هو أوجب، فهو المأمور به في هذه الحال. وقد قال تعالى في فضل الجهاد: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢]. وفي صحيح مسلمٍ وغيره عن النعمان بن بشيرٍ قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقيَ الحاجَّ، وقال الآخر: لا أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أعمُرَ المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمرُ بن الخطاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ ، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صلَّيتُ الجمعة دخلتُ فاستفتيتُه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية (١). وفي الصَّحيحين عن النبي ﷺ أنه قيل له: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيل الله" (٢).

стр. 3597

وفيهما عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: دُلَّني على عملٍ يَعْدِلُ الجهاد، قال: "لا أجده"، قال: "هل تستطيعُ إذا خرج المجاهدُ أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تَفْتُر، وتصوم ولا تفطِر؟ "، فقال: من يستطيع ذلك؟ فقال أبو هريرة: إن فَرَس المجاهد يَسْتَنُّ في طِوَلِه، فتُكْتَبُ له حسنات (١). وفي الصَّحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم الذي لا يَفْتُر من صلاةٍ ولا قيام حتى يُرْجِعَه الله إلى أهله بما يُرْجِعه من غنيمةٍ أو أجر، أو يتوفَّاه ليُدْخِلَه (٢) الجنة" (٣). وإذا كان الجهادُ أفضلَ الأعمال بعد الفرائض المتعيِّنة، وهو أفضلُ الفرائض المتعيِّنة بعد الإيمان، كان نعمةُ الله به أعظم، فيستحقُّ من الشكر ما لا يستحقُّه ما هو دونه من الأعمال. ثم الجهاد هو في (٤) نفسه أنواع (٥)؛ فإنه يتناول الجهاد بالمال والنفس. والجهادُ بالنفس: * قد يكون بالقتال بالبدن.

стр. 3598

* وقد يكون بتدبير الحرب والرأي، وهو أعظمُ نفعًا. * وقد يكون بتبليغ رسالة الله تعالى، وإظهار حُجَجه ودفع ما يعارضها، وهو أفضل الأنواع الثلاثة. * وقد يكون بالدعاء لله والتوجُّه إليه، كما قال النبي ﷺ : "وهل تُنْصَرون وتُرْزَقون إلا بضعفائكم؟ بدعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم" (١)، هذا يقوى تارةً، ويَضْعُف أخرى، كالجهاد بالبدن. ولهذا كان أبو بكرٍ ﵁ أفضلَ المجاهدين؛ لأنه قام بهذا قيامًا لم يَشْرَكه فيه غيرُه بعد النبي ﷺ ، وكان مشاركًا للنبي ﷺ في النوع الأوسط (٢) مشاركةً لم يشاركه فيها أحدٌ غيره، بخلاف الثالث (٣) فإنه كان يقوم به مِن شُبَّان الصَّحابة ﵃ عددٌ كثير، وكذلك كان مقدَّمًا في الجهاد بالقلب، والدعاء، واليد، مقدَّمًا بالمال على كل الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (٤). وإذا كان الجهادُ أنواعًا، فمن قام بأفضل أنواعه، أو بكثيرٍ من أنواعه، كان نعمةُ الله عليه أعظمَ من نعمته على من لم يُعْطَ ما أُعْطِي، كما أن نعمة الله على أبي بكرٍ في الجهاد أعظمُ من نعمته على عمر وعثمان وعليٍّ وغيرهم من الصَّحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 3599

* الأصل السابع: أن الأذى على الجهاد هو أفضلُ من الأذى على غيره من الأعمال، وهو معدودٌ من أفضل أعمال الصَّحابة الصالحة ﵃. فإذا كان الجهاد أعظمَ قدرًا كان الأذى الحاصلُ به أفضل قدرًا من الأذى بما دونه، وكلما كان الجهادُ أكثر كان أفضل، والأذى فيه كلما كان أشدَّ وأكبر كان ذلك أفضل، وكان نعمةُ الله به أعظم وأكبر. ولهذا كان حالُ نبينا ﷺ أفضلَ الأحوال، ونعمةُ الله عليه أكملَ من نعمته على غيره، كان جهادُه من حين أُمِر بتبليغ الرسالة إلى أن مات ﷺ أفضلَ الجهاد؛ فإنه كان من قبل أن يُفْرَض القتالُ أُمِر بالجهاد باللسان، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، والآية في سورة الفرقان، وهي مكيةٌ باتفاق العلماء. وفي صحيح مسلمٍ عن عياض بن حِمَارٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إن ربي قال لي: قُم في قريشٍ فأنذِرْهم، فقلت: يا ربِّ، إذًا يَثْلَغُوا رأسي حتى يَدَعُوه خُبْزَةً (١)، فقال: إني مبتليكَ ومُبْتَلٍ بك، ومُنْزِلٌ عليك كتابًا لا يَغْسِلُه الماء، تقرؤه نائمًا ويقظانًا، فابعَث جندًا أبعَث مِثْلَيْهم، وقاتِلْ بمن أطاعك من عصاك، وأَنفِقْ أُنفِقْ عليك" (٢).

стр. 3600

وهو ﷺ بلَّغ الرسالة، وكان يؤذى هو وأصحابُه، وهو أذًى على تبليغ الرسالة والإيمان بالله ورسوله، وهذا أفضلُ أنواع الأذى على الإطلاق؛ فإن الجهاد باليد تبعٌ لهذا. وكان أذاه أنواعًا متنوعة، وكان ذلك أفضلَ في حقِّه، وكان نعمةُ الله عليه بذلك أعظم. ولكن هذه النعمة لا يذوقُ المُنْعَمُ عليه طعمَها إلا بعد أن يصبر، وهكذا كلُّ نعمةٍ بمصيبةٍ لا يوجدُ فيها لذَّة يؤمر صاحبُها بالصبر، والنعمةُ قد تُعْلَمُ ولا تُذاق، وقد تُذاق مع ذلك، والحمد لله على كلِّ حال.

стр. 3601

جزءٌ فيه جوابُ سائلٍ سأل عن حرف "لو "

стр. 3602

جزءٌ فيه جوابُ سائلٍ سأل عن حرف "لو" لشيخنا وسيدنا الإمام، العلامة، الأوحد، الحافظ، المجتهد، الزاهد، العابد، القدوة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام (١)، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعين، ذي العلوم الرفيعة، والفنون البديعة، محيي السُّنَّة، ومن عَظُمَت به لله علينا المنة، وقامت به على أعدائه الحجة، واستبانت ببركته وهديه المحجَّة، تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية الحرَّاني، أعلا الله مناره، وشيَّد من الدين أركانه. ماذا يقولُ الواصفون له ... وصفاتُه جلَّت عن الحصرِ هو حجةٌ لله قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبةُ الدهرِ هو آيةٌ في الخلقِ ظاهرةٌ ... أنوارُها أربَت على الفجر هذا صورة ما نُقِل من خطِّ شيخ الإسلام، قاضي القضاة، أوحد علماء الدين، ابن الزَّمْلَكاني الشافعي (٢)، أدام الله تعالى من بركته، ومدَّ في عمره، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

стр. 3603

اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحرَّاني ــ أمتع الله المسلمين بطول بقائه ــ: الحمد لله الذي علَّم القرآن، خلق الإنسان، علَّمه البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له باهر البرهان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجانّ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا يرضى به الرحمن. سألتَ ــ وفقنا الله وإياك ــ عن معنى حرف "لو"، وكيف يتخرَّجُ قولُ عمر ﵁: "نِعْمَ العبد صهيب، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه" (١) على

стр. 3604

معناها المعروف؟ وذكرتَ أن الناس يضطربون في ذلك، واقتضيتَ الجواب اقتضاءً أوجبَ أن أكتب في ذلك ما حضرني الساعة، مع بُعْدِ عهدي بما بلغني ما قاله الناس في ذلك، وأن ليس يحضرني ما أراجعه (١) في ذلك. فأقول، والله الهادي النصير: الجواب مرتَّبٌ على مقدمات: إحداها (٢): أن حرف "لو" المسؤول عنها من أدوات الشَّرط، وأن الشَّرط يقتضي جملتين: إحداهما (٣) شرط، والأخرى جزاءٌ وجواب، وربما سُمِّي المجموع شرطًا، وسُمِّي أيضًا جزاءً. ويقال لهذه الأدوات: أدوات الشَّرط، وأدوات الجزاء. والعلمُ بهذا كلِّه ضروريٌّ لمن كان له عقلٌ وعلمٌ بلغة العرب، والاستعمالُ على ذلك أكثرُ من أن يُحْصَر، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ

стр. 3605

تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ [الأنفال: ٢٣]، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]. المقدمة الثانية: أن هذا [الذي] تسمِّيه النحاةُ شرطًا هو في المعنى سببٌ لوجود الجزاء، وهو الذي تسمِّيه الفقهاءُ علةً ومقتضيًا وموجِبًا ونحو ذلك؛ فالشَّرط اللفظيُّ سببٌ معنوي. فتفطَّن لهذا؛ فإنه موضعٌ غلط فيه كثيرٌ ممن يتكلَّمُ في الأصول والفقه، وذلك أن الشَّرط في عُرف الفقهاء ومن يجري مجراهم مثل (١) أهل الكلام والأصول وغيرهم هو: ما يتوقفُ تأثيرُ الشَّرط عليه بعد وجود السَّبب (٢)، وعلامتُه أنه يلزم من عدمه عدمُ المشروط، ولا يلزم من وجوده [وجودُ] المشروط (٣). ثم هو منقسمٌ إلى: ١ - ما عُرِف كونُه شرطًا بالشرع، كقولهم: الطهارة والاستقبال واللباس شرطٌ لصحة الصلاة، والعقل والبلوغ [شرطٌ لوجوب الصلاة؛ فإن وجوب الصلاة على العبد يتوقفُ على العقل والبلوغ] (٤)، كما تتوقفُ صحةُ الصلاة

стр. 3606

على الطهارة والسِّتارة واستقبال القبلة، وإن كانت الطهارةُ والسِّتارةُ أمورًا خارجةً عن حقيقة الصلاة. ولهذا يفرِّقون بين الشَّرط والركن بأن الركن جزءٌ من حقيقة العبادة أو العَقد، كالركوع والسجود، وكالإيجاب والقبول، وبأن الشَّرط خارجٌ عنه؛ فإن الطهارة يلزم من عدمها عدمُ صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجودُ الصلاة. وتختلفُ الشُّروط في الأحكام باختلافها، كما يقولون في باب الجمعة: منها ما هو شرطٌ للوجوب بنفسه، ومنها ما هو شرطٌ للوجوب بغيره، ومنها ما هو شرطٌ للإجزاء دون الصحة، ومنها ما هو شرطٌ للصحة. وكلام الفقهاء في الشُّروط كثيرٌ جدًّا، لكن الفرق بين السَّبب والشَّرط وعدم المانع إنما يتمُّ على قول من يجوِّز تخصيصَ العلَّة منهم، وأما من لا يسمِّي علةً إلا ما استلزم الحكمَ (١)، ولزِم من وجودها وجودُه على كلِّ حالٍ، فهؤلاء يجعلون الشَّرط وعدم (٢) المانع من جملة أجزاء العلَّة. ٢ - وإلى ما يُعْرَفُ كونُه شرطًا بالعقل, وإن دلَّ عليه دلائلُ أخرى، كقولهم: الحياة شرطٌ في العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، والعلمُ شرطٌ في الإرادة، ونحو ذلك. وكذلك جميعُ صفات الأجسام وطباعُها لها شروطٌ تُعْرَفُ بالعقل أو بالتجارب أو بغير ذلك.

стр. 3607

وقد تسمَّى هذه شروطًا عقلية، والأُولى شروطًا شرعية. وقد يكون من هذه الشُّروط ما يُعْرَفُ اشتراطُه بالعُرف. ومنه ما يُعْلَمُ باللغة، كما يُعْرَفُ أن شرط المفعول وجودُ فاعل، وإن لم يكن شرطُ الفاعل وجودَ مفعول، فيلزم من وجود المفعول المنصوب وجودُ فاعلٍ، ولا ينعكس، بل يلزم من وجود اسمٍ منصوب أو مخفوض وجودُ مرفوع، ولا يلزم من وجود المرفوع لا منصوبٌ ولا مخفوض؛ إذ الاسمُ المرفوع مُظْهَرًا أو مضمرًا لا بدَّ منه في كلِّ كلامٍ عربي، سواءٌ كانت الجملة اسميةً أو فعلية. فقد تبيَّن أن لفظ "الشَّرط" في هذا الاصطلاح يدلُّ عدمُه على عدم المشروط ما لم يَخْلُفْه شرطٌ آخر، ولا يدلُّ ثبوتُه من حيث هو شرطٌ على ثبوت المشروط. وأما الشَّرط في الاصطلاح الذي يُتَكلَّمُ به في باب أدوات الشُّروط اللفظية، سواءٌ كان المتكلم نحويًّا أو فقيهًا، وما يتبعه من متكلِّمٍ وأصوليٍّ ونحو ذلك = فإن وجود الشَّرط يقتضي وجود المشروط الذي هو الجزاء والجواب، وعدم الشَّرط هل يدلُّ على عدم المشروط؟ مبنيٌّ على أن عدم العلَّة هل يقتضي عدم المعلول؟ فيه خلافٌ وتفصيلٌ قد أومئ إليه (١) إن شاء الله تعالى. فإذا قال الفقهاء: بابُ تعليق الطلاق بالشُّروط, وذكروا فيه ما إذا قال الرجل لامرأته: إن دخلتِ الدارَ فأنت طالق، أو: إذا، أو: متى، فالشَّرط هنا

стр. 3608

ليس معنى الشَّرط في قولهم: الطهارة شرطٌ في صحة الصلاة، بل معناه في الطلاق وبابه: أنه إذا وُجِد الشَّرطُ الذي قد تسمِّيه الفقهاءُ "صفة", وهو الدخول مثلًا، وُجِد المشروطُ الذي هو الجزاء, وهو وقوع الطلاق. وهذا التعليقُ يدخل فيه ألفاظ الوعد والوعيد، وألفاظ الجَعَالة، وألفاظ الأدلَّة المسمَّاة بالتلازم أو بالشَّرطيِّ المتصل ونحو ذلك. فمدلول هذه العبارات أن وجود الشَّرط سببٌ لوجود الجزاء، ولستُ أعني أنه مؤثِّرٌ في وجوده في الخارج، ولكن أعني أن وجود الشَّرط مستلزمٌ لوجود الجزاء، سواءٌ كان علَّةً له، أو معلولًا لعلَّته، أو دليلًا على وجوده، أو مُضايِفًا له، أو ملازمًا غير مُضايِف، أو غير ذلك. فالأول كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] , و ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] , و ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] , و ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ [يونس: ٨٤]. والثاني أقلُّ منه، كما يقال: إن كان هذا من أهل الجنة فهو مؤمنٌ بالله، وإن كان هنا دخانٌ فهنا نارٌ، وفي هذا بحثٌ ليس هذا موضعه. والثالث كما قال النبي ﷺ في امرأة هلال بن أمية المُلاعِنة: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال، وإن جاءت [به] على نعت كذا فهو للذي رُمِيَت به" (١)؛ فإن مشابهة الولد للرجل معلولٌ لكونه هو أحبَل

стр. 3609

أمَّه، وإحبالُ الأمِّ علَّةٌ لكونه ابنه، فيُسْتَدلُّ بالشَّبه الذي هو أحدُ معلولي الوطء على النَّسب الذي هو المعلولُ الآخر. والقِيافةُ والفِراسةُ عامتُها من (١) هذا الباب. وأما الرابع فكما يقال: إن زُكِّيت البيِّنةُ حُكِم بها، وإن كان هذا الخبر قد رواه البخاريُّ فهو صحيح، وإن كانت الملامسةُ في لغة العرب تعمُّ ما دون الوطء فهو حجةٌ في نقض الوضوء بمسِّ النساء، ونحو ذلك. وهذا بابٌ واسع. والغرض أن يُتَفَطَّن لكون لفظ الشَّرط قد صار بتعدُّد الاصطلاحات فيه اشتراك، وأنا إذا قلنا: "لو" من أدوات الشَّرط أردنا به الشَّرط اللفظيَّ الذي هو سببٌ في المعنى ومستلزِم، لا الشَّرط المعنويَّ الذي يقفُ تأثير السببُ عليه. فبين المعنيين فرق. ولولا أني رأيتُ قومًا من الفضلاء قد زلُّوا في هذا لكان (٢) أوضحَ من أن ننبِّه عليه؛ فإن منهم من يقسمُ الشُّروط إلى: لغوية، وعقلية، وشرعية، ويذكُر باب "إنْ وأخواتها" في القسم اللغوي. ومَوْرِدُ التقسيم يجبُ أن يكون مشتركًا بين الأقسام، فيُشْعِر أن كلَّ واحدٍ من هذه الشُّروط [ينتفي] بانتفائه، ولا يلزم (٣) أن يوجد بوجوده، وربما أفصح بذلك. وليس هذا بصحيح.

стр. 3610

والتحقيق أن التقسيم إن كان عائدًا إلى اللفظ، كما يقال: "العين" تنقسمُ إلى مبصِرةٍ ومضيئةٍ ونابعة، فقريبٌ، لكن هو خلاف المعروف. وإن كان عائدًا إلى المعنى فهو غلطٌ واضح. ومنهم من يحتجُّ في كون مفهوم الشَّرط حجةً بكون النحويين قد سمَّوا هذه الأدوات: "أدوات الشَّرط"، والشَّرط ما ينتفي المشروطُ بانتفائه، فيلزم من ذلك عدمُ الجزاء عند عدم الشَّرط. وهذا غلط؛ فإن لفظ الشَّرط في المقدمة الأولى معناه مغايرٌ لمعنى لفظ الشَّرط في المقدمة الثانية، وإنما اشتركا في اللفظ، فالشَّرط الذي يجب انتفاء المشروط بانتفائه هو الشَّرط المعنوي، وأما الذي يسمِّيه النحويون شرطًا في باب "إنْ" و"لو" ونحوهما فهو سببٌ مستلزِم. وحكمُه هو المقدمة الثالثة: وذلك أن العلَّة (١) والسببَ قد يراد بها (٢): ١ - العلَّة التامة التي لا ينفكُّ عنها المعلول، كمشيئة الله سبحانه؛ فإنها مستلزمةٌ لوجود المراد (٣)، فإنه ما يشاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا ينتقض هذا أبدًا. والعلَّة بهذا التفسير لا تتخصَّص، ولا يتخلَّفُ عنها معلولها، لا لفوات شرطٍ ولا لوجود مانع (٤).
следующие страницы →