الاستحسان المخالفِ للقياسِ وغيرِه.
ثمّ هذه العلَّة إن كانتْ مستنبَطةً وخُصتْ بنصٍّ، ولم يُبيَنِ الفرقُ المعنويُ بين صورةِ التخصيصِ وغيرِها فهذا أضعفُ ما يكونُ. وهذا هو الذي كان يُنكِرُه كثيراً الشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهما على من يفعلُه من أصحاب أبي حنيفةَ وغيرهم. وكلامُ أحمدَ فيما تقدَّمَ أرادَ به هذا، فإنَّ العلّةَ المبيّنةَ لم تُعْلَمْ صِحَّتُها إلاّ بالرأي، فإذا عارضَها النصُّ كان مُبطِلاً لها. والنصُّ إذا عارض العلَّة دلَّ علَى فسادِها، كما أنه إذا عارضَ الحكمَ الثابتَ بالقياس دلَّ على فسادِه بالإجماع.
وأما إذا كانت العلَّة منصوصةً، وقد جاء نص بتخصيصِ بعض صُوَرِ العلَّة، فهذا ممّا لا يُنكِرُه أحمد، بل ولا الشافعي وغيرُهما، كما إذا جاء نصّ في صورةٍ ونصٌّ يُخالِفُه في صورةٍ أخرى، لكنْ بينَهما شَبَه لم يَقُمْ دليل على أنه مَنَاطُ الحكم فهؤلاء يُقِرُّوْنَ النصوصَ، ولا يَقِيْسُوْنَ منصوصاً على منصوصٍ يُخالِفُ حكْمَه، بل هذا من جنس الذين قالوا: (إنَمَا اَلْبَيع مِثلُ الرِّبَا) (١). وهذا هو الذي قال أحمد فيه: "أنا أذهب إلى كل حديث كما جاء، ولا أَقِيسُ عليه "، أي لا أَقِيْسُ عليه صورةَ الحديث الآخر، فأجعلُ الأحاديثَ متناقضة، وأدفعَ بعضَها ببعضٍ، بل أستعملُها كلَّها./
والذين يدفعون بعضَ النصوصِ ببعضٍ يقولون: الصورتان سواء لا فرقَ بينهما، فيكون أحدُ النصَّينِ ناسخاً للآخر. ومثل هذا
стр. 527
كثيراَ ما يتنازعُ فيه فقهاءُ الحديث ومن يُنازِعُهم ممّن يَقيسُ منصوصاَ على منصوصٍ، ويجعل أحدَ النصيْنِ منسوخاً لمخالفتِه قياسَ النّصَ الآخرِ في طَيِّ هذا القياسِ.
ويَبْقَى الأمرُ دائراَ هل دلَّ الشرعُ على التسويةِ بين الصورتينِ حتى يُجْعَلَ حُكْمُهما سَوَاءَ، ويُجعَلَ الحكمُ الواردُ في إحداهما منسوخا بالحكمٍ المضاد له الواردِ في الأخرى، كما يقوله من يجعل القرعةَ منسوخة بآية الميسر (١)، وأَمْرَ المأمومين بأن يتبعوا الإمام، فإذا كبَّر كبّروا، وإذا ركع ركعوا، وإذا صَلَّى جالساً صَلَّوا جلوساً أجمعين-: منسوخاً بدوام قيامهم في الصلاة التي صَلَّوا بعضَها خلفَ إمام قائمِ، وباقِيهَا خلفَ إمامِ قاعدِ. ويَجعلُ حديثَ الأضحيةِ والهَدْي أَحدَهما منسوخاً بالآخر (٢). ويجعلون قَطْعَ جاحدِ العاريةِ (٣) منسوخَاً إذا سلَّموا أنه قطعها لذلك، منسوخاً" (٤) بقوله: "ليس على
стр. 528
المختلسِ ولا المنتهب ولا الخائن قَطْعٌ " (١). ويجعلون العقوبةَ الماليةَ منسوخةً بالنهي عن إضاعةِ المال (٢)، ويَجعلون تضعيفَ الغُرْم على من دُرِئَ عنه القطعُ منسوخاً بقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (٣).
ويجعل (٤) تقضيةَ ما شرَطَه النبي ﷺ بينَه وبينَ المشركين في الهُدْنةِ (٥) منسوخاً بقوله: "من اشترطَ شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل" (٦).
стр. 529
وكثير مما يَدعونه في الناسخ لا يعلمون أنه قيل بعد المنسوخ.
فهذا ونحوه من دفع النصوص البينةِ الصريحة بلفظ مجمل أو قياس هو مما كان يُنكِرُه أحمد وغيره.
وكان أحمد يقول: " أكثرُ ما يخطئ الناسُ من جهة التأويلِ والقياسِ" (١). وقال: "ينبغيْ للمتكلِّم في الفقه أن يَجْتَنِبَ هذين الأصلينِ: المجملَ والقياسَ" (٢). ومرادُه أنه لا يُعارِضُ بهما ما ثَبتَ بنص خاص، ولا يَعْمَلُ بمجردِهما قبلَ النظَرِ في النصوص والأدلةِ الخاصةِ المقيّدةِ. والمطلق يدخل في كلامه وكلام غيره من الأئمة كالشافعي وغيره في المجمل، لا يريدون بالمجمل مالا يُفهَم معناه كما يَظنه بعضُ الناس (٣)، ولا مالا يَستقل بالدلالة، فإن هذا لا يجوز الاحتجاج به بحالٍ.
стр. 530
وأما إذا جاء نصان بحكمين مختلفين في صورتين وثَمَ صُوَر مسكوت عنها فهلْ يُقَال: القياس هو مقتضى أحد النَصّينِ؟ فما سكتَ عنه نُلحِقُه به وإن لم نَعرِف المعنى الفارق بينه وبين الآخر.
فهذاْ هو الاستحسان الذي تنوزعَ فيه، فكثير من الفقهاء يقول به، كأصحاب أبي حنيفةَ وكثيرِ من أصحاب أحمدَ وغيرِهم. وهذا هو الذي ذكَره القاضي بقوله (١): "اعتراضُ النصِّ على قياس الأصول ". وهو في الحقيقة قول بتخصيص العلة كما تقدم.
ومن لم يُجوِّز تخصيصَها إلاّ بفارقي بين صورة التخصيص وغيرِها يقول: لابُد أن يُعلَم الجامعُ أو الفارقُ، فليس إلحاقُ المسكوتِ بأحد النصيْنِ بأولى من إلحاقِه بالآخر. وإذا عُلِم المعنى في أحد النصين ولم يُعلَم في الآخر، وجاز أن يكون المسكوت عنه في معنى هذا ومعنى هذا لم يُلْحَقْ بواحدِ منهما إلاّ بدليل. وإذا عُلِم المعنى في أحد النصينِ ووجودُه في المسكوت عنه، ولم يعلَم المعنى في الآخر فهذا أقوى من الذي قبله، فإنه هنا قد عُلِم مقتضى القياس الصحيح وشمولُه لصورةِ المَسْكُوت. وأما وجودُ الفارقِ فيه فمشكوك فيه.
وهذا نظيرُ أَخْذِ أحْمَدَ بالنصوص الواردة في سجود سهوِ (٢)،
стр. 531
فما كان منها قبل السلام أخذ به، وما كان بعد السلام أخذ به، وما لم يجئ فيه نصٌّ ألحقَه بما قبل السلام، لأنه القياس عنده (١)./
و تحقيق هذا الباب أنه إما أن يُعلَم استواءُ الصورتين في الصفات المؤثرة في الشرع، وإما أن يُعلَم افتراقُهما، وإما أن لا يُعلم واحدٌ منهما ، ونعني بالعلم ما يُسميه الفقهاء علماً، وهو أن يقوم الدليلُ على التماثل والاستواء، أو الاختلاف والافتراق، أو لا يقوم على واحدٍ منهما.
стр. 532
فالأوّل متى ثبتَ الحكم في بعض الصوَر دون بعضٍ عُلِم أن العلَّة باطلة ، وهذا مثلُ دعوى من يدَعي أن الموجبَ للنفقةِ نفسر الإيلادِ، أو نفسُ الرحم المحرم، أو مطلق الإرثِ بفرضٍ أو تعصيب، ويَقول: إذا اجتمع الجدُّ والجدةُ كانت النفقةُ عليهما. فإنه لمّا ثبت بالنص والإجماع أنه إذا اجتمعَ الأبوانِ كانت النفقةُ على الأب (١)، عُلِم أن العَصَبةَ في ذلك يُقدم على غيره، وإن كان وارثاً بفرض، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. وعُلِم أن قوله (وعلى الوارث مثل ذلك) (٢) هو الوارث المطلق، وهو العاصب إن كان موجوداً، لأن عُمَرَ جَبَرَ بَني عمَ مَنْفُوسٍ على نفقته (٣).
وهذه الآية صريحة في إيجاب نفقةِ الصغير على الوارثِ العاصب، وقال بها جمهور السلف (٤). وليس لمن خالفها حُجَّةٌ أصلاً. ولكن ادعَى (٥) بعضهم أنها منسوخة، وقيل ذلك عن مالك (٦). وبعضهم
стр. 533
قال: عَلَيْه أن لا يُضَار" (١)، فتركُها بدعوى نَسْني أو تأويلِ هو من نوعِ تحريفِ الكلمِ عن مواضعه لغير معارض لها أصلاً مما يَحلَمُ بطلانَه كل من تَدَبَّر ذلك.
وإذا كانت الأمِ أقربَ الناسِ إليه لا نفقةَ عليها مع الأب، وهي تَحُوْزُ الثلثَ معه، فأَنْ لا يَجِبَ على الجدةِ مع الجدّ وهي تَحُوْزُ السدسَ أولى وأقوى.
والقائلون بذلك يقولون: القياس يَقتضي وجوبَ ثلثِها على الأم، لكن تُرِك ذلك للنص.
فيُقَال: أيُّ قياس معكم؟ إنما يكون قياساً لو كان معهم نصّ يتناول هذه الصورة بلفظه أو معناه، وليس معهم ذلك، ولو كان ذلك لكان مجيء هذا النصّ بهذا يُوجبُ إلحاقَ نظائرِه به، فيُقَاسُ كل عاصب معه فرضن أوجبه من وُرَّاثَ الفرض على الأب مع الأمّ.
وكذلك إسلامُ النَّقْدَينِ في الموزونات يَقدحُ في كونِ العلةِ الوزنَ، ولم يثبُتْ ذلك بَيِّن، بل بعلّة مُسْتَنبطة قد عارضَها ما هو
стр. 534
أقوى منها (١)، فإن لم يُبّين الفرقُ بين النقدينِ وغيرهما وإلاّ كان انتقاضُها مُبطِلاً لها.
فانتقاضُ العلّةِ يوجبُ بُطلانَها قطعاً إذا لم تَختصَّ صورةُ النقضِ بفرقٍ معنويّ قطعاً، فإن الشارعَ حكيم عادل لا يُفرّقُ بينَ المتماثلين، فلا تكون الصورتَان متماثِلتينِ، ثمَّ يُخالِفُ بين حُكْمَيْهما، بل اختلافُ الحكمينِ دليلٌ على اختلاف الصورتينِ في نفس الأمر. فإن عُلِم أنه فرَّقَ بينهما كان ذلك دليلاً على افتراقهما في نفس الأمر، وإن لم يُعلَم بمجيء الفرقِ. وإن عُلِمَ أنه سَوى بينهما كان ذلك دليلاً على استوائهما. وإن لم يُعلَم هذا ولا هذا لم يَجُز أن يُجمَع ويُسوَّى إلاّ بدليلٍ يقتضي ذلك (٢).
وهذا معنى قول إياس بن معاوية: "قِسْ للقَضَاءِ ما استقامَ
стр. 535
القياسُ، فإذا فَسَدَ فَاسْتَحْسِنْ" (١). فأمر بمخالفة القياس إذا تغير الأمرُ بحصولِ مفاسِدَ تَمنعُ القياس./
وأحمد قال بالاستحسان لأجْلِ الفارقِ بين صورة الاستحسان وغيرها، وهذا من باب تخصيصِ العلَّةِ للفارقِ المُؤثر، وهذا حق. وأنكرَ الاستحسان إذا خُصتِ العلةُ من غيرِ فارقٍ مؤثّرٍ، ولذا قال: "يَدَعُون القياسَ الذي هو حن عندهم للاستحسان "، وهذا أيضًا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وغيره، وهو مُنكَرٌ كما أنكروه. فإن هذا الاستحسان وما عُدِل عنه من القياس المخالف له يقتضي فرقاً وجمعاً بين الصورتين بلا دليلٍ شرعي، بل بالرأي الذي لا يَستنِدُ إلى بيان الله ورسوله وأمرِ الله ورسوله، فهو ليس له وضعُ الشرع أبداً، وقد قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (٢).
وذلك أنه إذا كان القياس لم ينص الشارعُ على علّتِه، ولا دل
стр. 536
لفظ الشرعِ على عمومِ المعنى فيه، ولكن رأى الرائي ذلك لمناسبةٍ أو لمشابهةٍ ظنها مناطَ الحكم، ثمَّ خصَّ من ذلك المعنى صوراً بنص يعارضه كان معذوراً فِي عمله بالنصّ. لكن مجيء النصِّ بخلاف تلك العلة في بعض الصور دليل على أنها ليستْ علّةً تامة قطعاً، فإنّ العلةَ التّامّةَ لا تَقبلُ الانتقاضَ. فإن لم يعلم أن مورد النص مختصّ بمعنًى يوجبُ الفرقَ لم يَطمئنَّ قلبُه إلى أنّ ذلك المعنى هو العلَّةُ، بل يجوز أن تكونَ العلةُ معنًى آخرَ، أو أن يكون ذلك المعنى بعضَ العلَّةِ، وحينئذٍ (١) فلا يفترقُ الحكم من جميعِ مواردِ ما ظنَّهُ علةً.
وإن كان مورد الاستحسان هو أيضًا معنًى ظنه مناسباً أو مشابهاً فإنّه يَحْتاجُ حينئذٍ إلى أن يثبت ذلك بالأدلَّةِ الدالةِ على تأثير ذلك الوصفِ، فلا يكون قد تركَ القياسَ إلاّ لقياسٍ أقوَى منه، لاختصاصِ صورة الاستحسان بما يوجب الفرقَ بينها وبين غيرها، فلا يكون حينئذٍ لنا استحسان يخرجُ عن نصٍّ أو قياسٍ.
وهذا هو الذي أنكره الشافعي وأحمد وغيرهما في الاستحسان، وما قال به فإنما هو عُدول عن أنه قياس، لاختصاص تلك الصورة بما يوجب الفرقَ. وحينئذٍ ف لا يكون الاستحسان الصحيح عدولاً عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لايجوز العدول عنه بحالٍ .
وهذا هو الصواب، كما قد بسطناهُ في مصنَّفٍ مفردٍ، بمناسبة
стр. 537
أنه ليس في الشرع شيء بخلاف القياس الصحيح أصلاً (١). وعلى هذا فصُوَرُ الاستحسان المعدولِ بها عن سَنَنِ القياس يُقاسُ عليها عند أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إذا عُرِف المعنى الذي لأجله ثبتَ الحكم فيها.
وذكروا عن أصحاب أبي حنيفةَ أنه لا يُقاس عليها (٢)، وهو من جنس تخصيصِ العلَّة والاستحسان، فإنّ مَن جوَّز التخصيص والاستحسان من غير فارقٍ معنوي قال: المعدولُ به عن سَنَنِ القياس لا يجب أن يكون لفارقٍ معنوي، فلا يُقاسُ عليه، لأنَّ من شرطِ القياس وجودَ العلَّةِ وتفرِيْقَها. ومن قاسَ قال: بل لا يكون إلاّ لفارقٍ،/فإذا عَرفناهُ قِسْنَا.
قال القاضي (٣) وغيره: مسألة: المخصوصُ من جملة القياسِ
стр. 538
يُقاسُ عليه ويُقاسُ على غيره، أمّا القياس عليه فإن أحمد قال في رواية ابن منصور (١): "إذا نَذَرَ أن يذبحَ نفسَه يَفْدِيْ نفسَه بذبحِ كَبْش"، فقَاسَ مَن نَذَر ذَبْحَ نفسِه على مَن نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِه، وإن كان ذلك مخصوصا من جملة القياس. وإنما ثبتَ بقولِ ابن عباس (٢).
وأما قياسُه على غيرِه فإن أحمدَ قال في رواية المزُوذي: يجوز شِرَى أرضِ السوادِ، ولا يجوز بيعُها، فقيل: كيفَ تُشتَرَى ممن لا يَمْلِكُ؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هذا استحسان. واحتج بأن الصحابةَ رخصوا في شِرَى المصاحفِ دونَ بَيْعِها. وهذا يُشْبِه ذاك.
قال: فقد قاسَ مخصوصا من جملة القياس على مخصوص من جملة القياس. وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحابُ أبي حنيفة: لا يُقاسُ (٣) على غيره ولا يُقاس [غيرُه] (٤) عليه، إلاّ أن تكون عِلتُه منصوصة أو مُجْمَعاَ على جواز القياس عليه (٥).
стр. 539
فالمنصوصُ كقوله: "إنها من الطوافِينَ عليكم والطوافاتِ " (١). والمجمعُ عليه كالتحالف في الإجارة قياساً على التحالف في البيع، لاتفاقِ مَن أوجبَ التحالفَ في البيع أن حكمهما سواء (٢). والممنوع مثل قياس الجنازةِ على الصلاةِ في الإسقاطِ بالقهقهة (٣)، وإسقاط الكفارة في الاستقاءة لا يقاس عليه الأكل (٤)، والوضوء بنبيذِ التَمرِ لا يُقاسُ عليه غيرُه من الأنبذةِ، وجواز البناء على صلاته إذا أحدث لا يقاس عليه من أَمْنَى بالاحتلام ونحوه (٥).
واحتجّ أصحاب الشافعي وأحمد بحُجَج، وهذا لفظ القاضي أبي يعلى، قال (٦): وأيضاً فإنَّا إذا قِسْنَا على المخصوص، أو (٧) قِسْنَا
стр. 540
المخصوصَ على غيرِه، وحملنا النبيذَ على غيرِه من المائعات، والقَهقهةَ على الكلام، فإن مخالفَنا يعترف بصحة القياس، وأنّه يجب حملُ النبيذِ على غيرِه من المائعاتِ والقهقهة على الكلام، ويدَعي أنه استَحسنَ تركَه لما هو أولى منه (١).
قالوا: وهذا غير صحيح لوجهين:
أحدهما: أنه يلزمُه أن يُبين الأولى، وإلاّ حكمُ القياسِ متوجهٌ عليه. وهذا كما لو قال: القرآنُ يدكُ على كذا، ولكن تركتُه للسنةِ، فتكون حُجةُ القرآنِ لازمةَ له ما لم يُبين السنةَ التي هي أقوى من القرآن، ولا يكفي في ذلك مجردُ الدعوى.
والثاني: أنه يدَعي أنَ الاستحسانَ أقوى من القياسِ، فلهذا تركه. والقياسُ إذا عارضه دليل أقوى منه كان القياس باطلاً، ولم يكن له حكم. كما لو عارضَه نمنُ كتاب أو سنَّةِ أو إجماع. ولمّا حُكِم بصحة القياس هاهنا امتنع أن يكون مَا عارضَه أقوى منه ومانعاً من استعماله (٢).
قلت: مضمونُ هذا إبطالُ أن يكون هذا مخصوصاً من جملة القياس، وقياسه على سائر الصور، وهذا إبطال للاستحسان، وهذا يقتضي أن الاستحسانَ إذا خالفَ القياسَ لَزِمَ بُطلانُ الاستحسانِ إن كان القياس صحيحاً، أو بطلانُ القياس إن كان الاستحسان المعارِضُ
стр. 541
له صحيحاً. وهذا لا يتوجهُ فيمن يقول بالاستحسان، وجَعلَ معارضةَ الاستحسانِ للعفَةِ كمعارضتِه لحكمها، وهذا قولُ نُفاةِ الاستحسان مطلقاً.
والتحقيقُ في ذلك أنه إذا تعارضَ القياسُ والاستحسان فإن لم يكن بينهما فرقٌ، وإلاّ لَزِمَ بطلانُ أحدِهما، وهو مسألةُ تخصيصِ العلَّة بعَشها. فإن لم يكن بين الصورة المخصوصة وغيرِها فرقٌ لَزِمَ التسوية، وحينئذ فإمَّا أن تكون العلَّةُ باطلةً، وإمّا أن يكون تخصيصُ تلك الصورةِ باطلاً.
وهذا هو الصواب في هذا كُفَه، وهو الذي يُنكرِه الشافعي وأحمد وغيرهما على القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه، فإنَّهم لا يأتون بفرقٍ مؤثّرٍ بينهما، كما لم يأتوا بفَرْقٍ مؤثّرٍ بين نبيذِ التَّمر وغيرِه من المائعاتِ، ولا بين القهقهة في الصلاة التي فيها ركوع وسجود وبين صلاة الجنازة وغيرهما مما يشترطون فيه الطهارة./
وذكروا أدلةً أخرى جيّدة، كقولهم- واللفظ للقاضي (١) -:
وأيضاً فإن ما وردَ به الأثَرُ قد صارَ أصلًا بنفسِه، فوجبَ القياسُ عليه كسائر الأصول (٢). وليس ردِّ هذا الأصلِ لمخالفةِ تلك الأصولِ له بأولَى من رَذَ تلك الأصول لمخالفةِ هذا الأصل، فوجبَ إعمالُ كلِّ
стр. 542
واحدٍ منهما في مقتضاه، وإجراؤُه على عمومِه. وأيضا فإنّ القياسَ يَجرِي مَجْرَى خبرِ الواحدِ، بدليلِ أن كلَّ واحدٍ منهما يثبُتُ بغالب الظن. ثمَ ثبتَ أنه يَصِحُّ أن يَرِدَ مخالفاً لقياسِ الأصولِ، كذلك اَلقياسُ مثلُه (١).
قلتُ: ومن هذا الباب جمعُ النبيِّ ﷺ الصلاةَ بعرفةَ ومزدلفةَ (٢)، لو لم يَرِدْ به نصّ في أسفارٍ أُخَر. وأمّا قَصْرُه الصلاةَ بعرفَةَ بأهلِ مكَّةَ وغيرِهم فليسَ مخالفاً لعادتِه، فإنّه مازالَ يَقْصُر في السفَر، بل هو بيان استواء السَّفَر الطويل والقصير في ذلك (٣). فأمَّا منعُ قَصْرِ المكّيّين فهو مخالفٌ للسنة الثابتةِ بلا ريب (٤). وإنما خالفَ ذلك مَن
стр. 543
غَفَل عن هذه السنة. وأمّا قَصْر غير المكيين فلأنَ القصرَ ليسَ من خصائص الحج ولا متعلقاً به. وإنما هو متعلق بالسفَر طَرداً وعَكْساً.
وكلامهم في هذه المسألة تقتضيْ أن ما قيل فيه إنَه خالفَ القياسَ في صور الاستحسان فلا بد أن يكون قياسُه فاسداً، أو أن يكون تخصيصُه بالاستحسانِ فاسداً، إذا لم يكن هناك فَرْق مُؤثر. وهذا هو الصواب في هذا الباب.
قالوا (١): واحتجَّ المخالفُ بأن إثباتَ الشيء لا يَصحُّ مع وجودِ ما يُنافِيْه، فلما كان القياسُ مانعاً مما وردَ به الأثرُ لم يَجُزْ لنا استعمالُ القياسِ فيه، لأنه لو جازَ ذلك لم يكن فرق بينه وبين سائر الأصولِ التي يُمنَع قياسُها منه. فكانَ يَخرجُ حينئذٍ من كوبه مخصوصاً من جملةِ القياسِ.
قالوا: والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنّا لا نُسلمُ أن هاهنا ما يُنافِيْه، لأنّ المنافاةَ تكون بدليلٍ خاص، وما يذكرونه في هذه المسائل ليس بدليل خاص لما نذكره من التأويل.
والثاني: أن المنافاةَ إنّما تَحصُلُ بقياسِه على غيرِه في إسقاطِ حكم النص، فأمّا قياسُ غيرِه عليه فلا يُنَافيْه، لأنه لا يُسْقِطُ حُكْمَ النصِّ عندهم، فيصح القياسُ عليه (٢).
стр. 544
قلتُ: هذا الثاني جواب عن قياسِ غيرِه عليه، والأولُ جواب عن قياسِه على غيرِه، ومُنِع لكونه مخصوصاً من جملة القياس.
والتحقيق أنه وإن كان مخصوصاً من جملةِ القياسِ فهو مخصوص من قياسٍ معينٍ، لا من كُل قياسٍ، وإنما يُخَص لمعنًى فيه يُوجبُ الفرقَ بينَه وبينَ غيرِه. فإذا قِيْسَ عليه غيرُه بذلك المعنى لم ينافِ ذلك كونَه مخصوصا من ذلك القياس الأول.
وحقيقة هذا كُفه أنَه قد يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر، فمن يقول بالاستحسان من غير فارقٍ مؤثر، وبتخصيص العلة من غير فارقٍ مؤثّر، وبمنع القياس على المخصوص، يثبِت أحكاماً على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر.
وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأكثرون، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وهم تارةً يُنكرون صحةَ القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان، وتارةً ينكرون مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدعونه من الاستحسان (١) الذي ليس بدليل شرعي، و تارةً ينكرون صحةَ الاثنين ، فلا يكون القياس صحيحاً، ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحاً، بل كِلَا الحجتينِ (٢) ضعيفة، وإنكار هذا كثير في كلام هؤلاء./
стр. 545
فصل
وقد تدبَّرتُ عامَّةَ هذه المواضع التي يدَعي من يدَعي فيها من الناسِ أنّها تَثبت على خلاف القياس الصحيح، أو أنّ العلّة الشرعية الصحيحة خُضَتْ بلا فرقٍ شرعي من فواتِ شرط أو وجود مانع، أو أن الاستحسان الصحيح يكون على خلاف القياس الصحيح من غير فرقٍ شرعي، فوجدتُ الأمر بخلاف ذلك، كما قاله أكثر الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض أيضًا، فيخصُّ ما يجعله علةً بلا فارقٍ مؤثّر، كما أنه قد يقيس بلا علّة مؤثّرة.
فالمقصود ضبط أصول الفقه الكلّية المطّردة المنعكسة، وبيان أن الشريعةَ ليس فيها تناقض أصلاً، والقياس الصحيح لا يكون خلافُه إلاّ تناقضاً، فإنّ القياس الصحيح هو التسوية بين المتماثلَين والفرق بين المختلفَين، والجمع بين الأشياء فيما جمع الله ورسولُه بينها فيه، والفرق بينهما فيما فرَّق الله ورسوله بينها فيه.
والقياس هو اعتبار المعنى الجامع المشترك الذي اعتبره الشارع وجعله مناطاً للحكم، وذلك المعنى قد يكون لفظ شرعي عام (١) أيضًا، فيكون الحكم ثابتاً بعموم لفظ الشارع ومعناه. وقد بيّنَّا
стр. 546
في غير هذا الموضع (١) أن الأحكام كلَّها بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظُه تناولتْ جميعَ الأحكام، والأحكام كلّها معلَّلةٌ بالمعاني المؤثرة، فمعانِيْه أيضًا متناولة لجميع الأحكام. لكن قد يفهمُ المعنى من لِم يَعرفِ اللفظَ العامّ، وقد يَعرِف اللفظ العائمَ ودلالتَه مَن لم يَفهم العلّةَ العامةَ. وكثيراً ما يَغلَطُ من يظنّه قال لفظاً ولم يقله، أو يجعله عاما أو خاصا ويكون مراد الشارع خلاف ذلك، كما يَغْلَط من ينفي لفظاً قاله، وكما يَغْلَطُ من يظنّه اعتبر معنًى لم يعتبره، أو ألغَى معنًى وقد اعتبره، ونحو ذلك.
ولنأتينَ بما يذكر العلماء أنه استحسانٌ على خلاف القياس:
فمن ذلك ما يقوله أحمد في إحدى الروايتين عنه إذا اعتبر الاستحسان، فإنه قد ذكر عنه روايتين (٢) كما تقدم، والقول الثالث وهو الذي يدكُ عليه أكثر نصوصه أن الاستحسان المخالف للقياس
стр. 547
صحيح إذا كان بينهما فرق مؤثر قد اعتبره الشارع، وليس بصحيح إذا جُمِعَ بغير دليلٍ شرعي وفُرقَ بغير دليلٍ شرفي، وأنه لا يجوز ترك القياس الصحيح.
أما قوله "أستحسن أن يتيمم لكل صلاة، لكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى يَجِدَ الماءَ أو يُحدِثَ" (١) فهذا القياس هو الرواية الأخرى عنه، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم (٢)، وهو الصواب، كما دل عليه الكتاب والسنة.
وقوله "القياس" هو قياس الشرع لفظاً ومعنًى. فإن قول النبي ﷺ : " الصعيدُ الطيبُ طَهورُ المسلمِ ولو لم يَجدِ الماءَ عَشْرَ سنينَ " (٣)، وقوله: "جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجداً وطَهوراً" (٤) ونحو ذلك، ألفاظ
стр. 548
دالة على أن التراب طَهور كالماء./والقراَنُ يدلُّ على أنّه طَهور بقوله لمّا ذكر التيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) (١). والذين أمروه بالتيمم لكل صلاةٍ تمسكوا بآثار رُوِيتْ عن بعض الصحابة، هي ضعيفة (٢)، وعنهم ما يخالفها. وقالوا: إنه لا يَرفعُ الحدثَ، وإنما هو مُبِيْحٌ، فيُبِيحُ بقَدْرِ الضرورة. قالوا: ولو رفع الحدث لما كان إذا قَدَرَ على استعمال الماء يستعمله بحكم الحدث السابق من غير تجددِ حَدَثٍ. واحتجوا بقوله لعمرو بن العاص: "أصليتَ بأصحابك وأنتَ جُنُبٌ؟ " (٣).
стр. 549
وجوابُ هذا (١) أن قولهم "لا يَرْفَعُ بل يُبيح " كلائم لا حقيقةَ له، ولو صحَّ لم يكن لهم فيه حجة، فإنّ الحدثَ ليسَ هو أمراً محسوساً كطهارة الجُنُب، بل هو أمر معنويٌّ يَمنعُ الصلاةَ، فمتى كانت الصلاةُ جائزةً، بل واجبةً معه امتنع أن يكون هنا مانعٌ من الصلاة، بل قد ارتفع المانع قطعاً.
وإن قالوا: هو مانع، لكنه لا يمنع مع التيمُّم.
فالمانع (٢) الذي لا يمنع ليس بمانع.
فإن قيل: هو يمنع إذا قدر على استعمال الماء.
قيل: هو حينئذ! يُوجِدُ المانعَ.
فإن قالوا كيف يعودُ المانعُ من غير تجدُّدِ حَدَثٍ؟
قيل: كما عاد الحاظِرُ من غير تجدُّد حَدَب، فالحاظِرُ للصلاة هو المانعُ، والمبيحُ لها هو الرافعُ لهذا المانع.
فإن قيل: أباحَها إلى حِيْنِ القدرةِ على استعمال الماء.
قيل: وأزالَ المانعَ إلى حينِ القدرة، فكما يقال: أباح إباحةً موقَّتةً، يقال: إنه رفعَ رَفْعاً موقَّتاً.
وإن قالوا: نحن لا نَقبلُ إلاّ ما يَرْفَع مطلقاً كالماء.
стр. 550
قيل: ولا نَقبلُ إلاّ ما يُبيح مطلقاً كالماء. وأيضاً فالله ورسولُه قد سمَّاه (١) طَهوراً، وجعله النبي ﷺ طَهورَ المسلم ما لم يَجدِ الماءَ، وجعلَ تُربةَ الأرضِ طَهوراً. والطَّهُور ما يُتطهَّرُ به، وقد قاَل تعالى: (وَإِن كنُتُم جُنُبَا فَاَطًهَرُواْ" (٢). والتيمُّم قد يُطَهِّر، ومع الطهارة لا يبقَى حَدَثٌ، فإنّ الطهارةَ مناقضة للحدث، إذ غايتُه أن تكون نجاسةً معنويّةً، والطهارةُ تُناقِضُ النجاسةَ.
فإن (٣) قيل: الصلاة بالتيمُّمِ رخصة كأكْلِ الميتةِ في المَخْمَصَةِ، والرخصةُ استباحةُ المحظور مع قيام الحاظر ومَنْعِ المانع، فلو بقي مانعاً لم تَجُزِ الصلاةُ. فَعُلِمَ زوالُ المانعِ.
ولا يجوز أن يقال هنا: إنه استباحَ الصلاةَ مع قيامِ الحاظِرِ لها، فإنَّ كونَ الحاظرِ حاظراً زائل من الميتةِ لمعارضٍ راجحٍ، وذلك أن المعنى المقتضِي للحَظْرِ القائم بالميتةِ موجود حالَ المخمصةِ، كما هو موجودٌ في حال القدرة، فإَنّ الميتةَ في نفسها لم تتغَيَّرْ، وإنما تغيَّرَ حال الإنسانِ، كان غنيًّا عنها، ثمَّ صار محتاجاً إليها (٤). فهذا
стр. 551
يُمكن دعواه في الميتةِ، ولا يُمكن دعواه هنا، لأنه لا ٍتحصلُ له إلاّ الميتةُ، وقد تغيٍرَ حالُه إليها، وحاجتُه تدفع الفسادَ الحاصلَ بأكلها، ٍفكذلك التيمم.
قيل: هذا قياس فاسد، وذلك أنه صَادَ ميتةَ وأكلَ، والميتةُ لم تتغيرْ، لكن تَغيَّرَ حالُ الآكل، وهنا ليس إلاّ المُحدِث الذي كانتِ الصلاةُ محرَّمةً عليه، ثمَ صارت واجبةً عليه أو جائزةَ بالتيمم، فلو لم يَتغيَّرْ حالُه بالتيمم لما جازتْ صلاتُه، وليس هنا إلاّ الحدث في الشرعِ، فأُبيْحَتْ (١) له الصلاةُ في حالٍ، وحُرِّمَتْ عليه في حالي، مع تسميتِه في حالِ الإباحةِ مُتطهراً، وجَعْلِ التراب طَهوراً كما جُعِلَ الماءُ طهوراً.
وقول النبي ﷺ لعمرو بن العاص: "أصَلَّيْتَ بأصحابكَ وأنتَ جُنُبٌ؟ " استفهامٌ (٢)، فسَألَه: أكانَ ذلك أم لم يكن؟ وليسَ هو خبراً أنه صفَى وهو جنبٌ، فلما أخبره أنه تيمم لخشية البَرْدِ تبيَّنَ أنه لم يكن جُنُباَ، فأقَره النبيُّ ﷺ . وإلاّ فلو كانَ المرادُ الخبرَ وهو قد صَفَى مع الجنابة صلاةً جائزةً لم يسألْهُ. وإن كانت الجنابةُ مانعةً من الصلاة مطلقاً لم يَقْبَلْ عُذْرَه. وهو لم يَقُلْ: "أصَلَّيْتَ وأنتَ (٣) جُنُبٌ بلا تيمُّمٍ " ليكون قد استفهمه عن حال التحريم، بل أطلق الصلاةَ مع الجنابة. وهم يقولون: يجوز مع الجنابة تارةً، ولا يجوز أخرى،
стр. 552
وكلام الرسول يقتضي منعَها مع الجنابة مطلقاً، وأن هذا استفهامُ إنكارٍ، وأنه لما بئنَ أنه تيممَ تَبينَ أنه لم يكن جُنُباً، فلا إنكارَ عليه بهذا أبداً، والله أعلم (١).
فقد تبينَ هنا أن القياسَ هو الصحيح، دون الاستحسانِ الذي يُناقِضُه، وتخصيص العلَّة، وهو كونُ هذا بدلاً طَهوراً مُبيحاً يقوم مقامَ الماء عند تَعذُرِه في جميع أحكامِه، ثُمَ يُخَص بعضُ الأحكامِ من حكم البدليةِ والطهوريّهِ والإباحةِ، والبدلُ يقوم مقامَ المبدلِ في حكمه لا في صورته، والحكمُ جوازُ الصلاةِ به ما لم يجدِ الماء أو يُحدِثْ. فذلك القول مخالفٌ للقياس وتخصيصٌ للعلةِ بلا ريبٍ، والعفَة صحيحةٌ بلا ريبٍ.
ونحن إذا قلنا: لا يجوز تخصيصٌ بدونِ فارقٍ مُؤَثرٍ أفاد شيئين: أحدهما: أنه إذا ثبت أنها علةٌ صحيحةٌ لم يَجُزْ تخصيصُها مثل هذا الموضع.
والثاني: أنه إذا ثبتَ تخصيصُها عُلِمَ بُطلانُها، وهذا معنى قولنا: لا يجتمع قياسٌ صحيح واستحسان صحيحٌ إلاّ مع الفارقِ المؤثر في الشرع.
وأما قوله في المضارب (٢): إذا خالف فاشترى غيرَ ما أمرَ به
стр. 553
صاحبُ المال، فالربحُ لصاحب المال، ولهذا أجرةُ مثلِه، إلاّ أن يكونَ الرِّبْحُ يُحيط بأجرةِ مثلِه فيذهب، قال: وكنتُ أذهبُ إلى أن الربحَ لصاحب المالِ فاستحسنتُ. ف هذا استحسان بفرقٍ رآه مؤثراً ، والقياسُ مُستنبط، والاستحسانُ مستنبط، وهو تخصيصٌ لعلَّةٍ مستنبطةٍ بفرقٍ مستنبطٍ. وأحمد لا يَرُد مثلَ هذا الاستحسانِ، لكن قد تكون العفَتانِ أو إحداهما فاسدةً، كما لا يَرُدُّ تخصيصَ العلَّةِ المنصوصةِ بفرقٍ منصوصٍ./
والفرق أن المضارب مأمور بالعمل بجُعْلٍ، بل هو شريكٌ في الربح، وعملُه له ولصاحبِ المالِ جميعاً، ولهذا كان للعلماءِ فيما يستحقه في المضاربة الفاسدةِ ونحوِ ذلك قولان: هل يستحقُّ قسطَ مثلِه في الربح، أو أجرة مقدَّرةً تكونُ أجرةَ مثلِه (١)؟ والقول الأول هو الصوابُ قطعاً، وهذا قياسُ مذهب أحمد، فإنّ من أصله أنّ هذه المعاملاتِ مشاركة، لا مؤاجرة بأجرةٍ مَعلومةٍ، والقياس عنده صحتها.
وإنّما يقول أجرة المثل من يجعلها من باب الإجارة. ويَقول: القياس يقتضي فسادَها، والمأجور فيها مأجورٌ للحاجة. وبكلِّ حالٍ
стр. 554
فهو يعمل لنفسه لاستحقاق القسط أو الأجر، ويعمل لربِّ المال، فليس هو بمنزلةِ الغاصب الذي جُعِل عملُه لصاحبِ المالِ كالمتبرِّع، فإنّ هذا إنما قبضَ المالَ ليعملَ فيه بالعِوَضِ، وهو بالمخالفة لا يخرج عن كونِ المالِ بيده قبَضَه ليعمل فيه بالعوض، ولكن عَمِلَ غيرَ ما أُمِرَ به، فيكون ضامناً لتعدِّيْهِ، ولكن ليس إذا كان ضامناً يكون وجود عمله كعدمه، مع أنّه مأذونٌ له في التجارةِ به في الجملةِ، ليس هو كمن لم يؤذَن له في ذلك.
وهو أيضًا من أصل آخر، وهو أنه إذا تصرف بغير أمرِه كان فُضوليًّا (١)، فيكون المعقود موقوفاً. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وقول أكثر العلماء، وهي التي ذكرها الخِرَقِيُّ في مختصره: أنّ بيعَ الفضوليَ وشِرَاهُ ليس باطلاً بل موقوفاً (٢)، فإن باعَ أو اشترى
стр. 555
بعينِ المالِ فهو موقوف، وإن اشترى فى الذمَّة فهو موقوف. فإن أجازه المشترى له وإلاّ لَزِمَ المشتري (١).
وأما القاضي وأتباعُه فاختاروا أن تصرفه مُردد (٢) إلاّ إذا اشترى في الذمَّة. والذي ذكره الخِرَقي أصحُّ، لكنه قَرَنَ هذه المسألةَ في مواضعَ من مختصرِه بالعاملِ إذا خالفَ كان متصرِّفاً له بغيرِ إذْنِه، فإذا أجازَه وطلبَ نَصِيْبَه من الربْح صارَ مجيزاً له، وصارَ العاملُ مأذوناً له. والعامل إنما عَمِلَ لأجْلِ نَصِيبِه من الربح، فيستحقُّ نَصِيْبَه من الربح.
وقول أحمد: "كنتُ أذهبُ إلى أن الربحَ لصاحبِ المال، ثم استحسنتُ" رجوع منه إلى هذا، وجَعْلُه الربحَ في جميع الصُّوَرِ للمالك يَقتضي أنه يُصَحح تصرف الفضولي إذا أجيْزَ، وإلاّ كان البيعُ باطلاً.
وكذلك الشرَى بعين المال، كما يقوله الشافعيّ ومن نَصَر الرواية الأخرى"، ويكون عليه ضمان ما فوّته من مالِه فقط، ليس للمالك غيرُ هذا، ولا يكون للعامل أيضًا رِبْح، لأنّه لم يعمل شيئا. والآثار المأثورةُ عن الصحابة والتابعين في باب البيع والنكاحِ والطلاقِ وغيرِ ذلك تدلُّ على أنهم كانوا يقولون بوقف المعقود،
стр. 556
لاسيما حيثُ تعذَّرَ استئذانُ المالك (١).
ولهذا أحمد يقولُ بوقْفِها هنا كما في مسألة المعقود، اتباعاً للصحابة في ذلك. وإنما ادَّعَى أنها خلافُ القياسِ من لم يَتَفطَنْ لما فيها من وقف المعقود، كما في اللُّقطةِ (٢). وتكلُّمُ السَّلفِ فيمن يتجر بمال غيره في الربح دليلٌ على صحة التصُّرفِ عندهم إذا أجازه المالك.
وبهذا ظهر ما استحسنَه أحمد ورجعَ إليه أخيراً، لأنَه إذا صارَ بالإجازة كالمأذون له، وهو لم يعمل إلاّ بجُعْلٍ برضا المالك، فلا يجوز منعُه حَقَّه. وهذا بناء على أنَّه إذا تصرَّف ابتداءً فالرِّبْحُ كلُّه للمالك، وهو أحد الأقوالِ في المسألة، وقيل: يتصدَّقانِ به، وهو رواية عن أحمد. وقيل: هو للعامل، كقول الشافعي. وقيل: هما شريكانِ فيه، وهو أصح الأقوالِ، وهو المأثور عن عمر (٣) في
стр. 557
المضاربة (١)،/لأنَّ المالك لمَّا أَذِنَ فيه صار كالمضارب، وهو لم يعمل ليكون الربحُ للمالك كالمُبْضِع (٢)، فإنه لو فعل ذلك لكان الربح للمالك، وإنما اتَّجَر ليكون الربحَُ له أو بينهما، والمالكُ قد أجازَ بيعَه، ولم يُجزْه ليكون الربحُ كلُّه له، فيكون النماءُ حاصلاً بمالِ هذا وبيع هذا، وَالتصرُّفُ صحيحاً مأذوناً فيه، فيكون الربحُ بينهما. ومن قال: "يتصدَّقانِ به" جَعَلَه كغير المأذونِ فيه، فيكون خَبيثاً، وهو مُتَعَدٍّ، لأنّ الحقّ لهما لا يَعْدُوهما، فإذا أجاز التصرُّفَ جازَ.
وكذلك في جميع تصرُّف الغاصب، لاسِيَّما مَن لم يُعلَم أنَّه غاصبٌ، إذا تصرَّفَ في المغصوب بما أزال اسمَه، كطَحْنِ الحَبِّ ونَسْجِ الثوبِ ونحو ذلك، ففيه ثلاثةَ أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره:
قيل: كلُّ ذلك للمالكِ دون الغاصب، وعليه ضمانُ النقص، كقول الشافعي.
وقيل: يملكه الغاصب، وعليه بَدَلُه، كقول أبي حنيفة.
وقيل: يُخير المالك بينهما، كقولِ مالك. وهذا أصحُّ (٣)، بناءً
стр. 558
على وقفِ التصرُّفاتِ، فإن شاءَ المالك أجازَ تصرُّفَه، وطَالبَه بالنقصِ، كما في العاملِ المخالف، وإن شاءَ طالَبَه بالبَدَلِ لإفسادِه عليه، وبأخْذِه ذلك لأدائه عِوَضَه، فيُخَيَّر على المعاوضة لحقّ المالك.
وإذا رَضِيَ المالكُ به فهل يكون الغاصبُ شريكاً لما في عمله؟ فيه وجهان، والأظهر في الجميع أنَّ أثر عمله له، وكونه ظالماً يَظْهر في تَضمينه له، لا في أن يؤخذَ أثرُ عملِه، فيُعْطَى لغيره بلا عِوَضٍ، فإنَ هذا ظلمٌ له، والواجبُ إزالةُ الظلم بالعدل، لا بظلمٍ آخر، "وَجَزاؤاْ سَيّئَةٍ سَيئةٌ مثلُهَا" (١) لا زيادة عليها.
وأما قوله فيمن غَصَبَ أرضاً فزرعَها: "الزرعُ لرب الأرض، وعليه النفقةُ، وليس هذا شيئا يوافق القياس، أستحسن أن يدفع إليه نفقته" (٢)، فهذا قاله بالنصّ كما تقدم، لحديث رافع بن خَدِيْج. فيجب أن يكون القياس المخالف لهذا النصّ فاسداً إن لم يَدُلَّ نصّ على صحتِه، ويظهر الفارقُ المؤثِّر، وإلَاّ فالقياس إذا خالف النص كان فاسداً. أمّا فسادُ الحكمِ المخالفِ للنص فبالاتّفاق، وفسادُ العلَّة على قولِ الجمهور الذين لا يرون (٣) تخصيصَ العلَّة إلاّ بفارقٍ مؤثِّر،
стр. 559
وهذا نصٌّ قد خالف القياس.
وقولهم: "القياس أن الزرعَ لزارعِه" ليس معهم بذلك نص ولا نظير، بل القياسُ (١) أنَّ الزَّرعَ إمّا أن يكون بينهما كالمزارعة، أو يكون لرب الأرضِ، لأنَّ الزرعَ في الأرضِ كالحَمْلِ في البطنِ، وإلقاءُ البِذْرِ كإلقاءِ المنيِّ، ولو وَطِيءَ ذكرٌ أنثَى كان الحملُ لمالكِ الأنثى دون مالك الذكَرِ، وهذا اختيار ابنِ عقيل وغيرِه. لكن المنيَّ لا يقوم، بخلافِ الزَّرع، فلهذا جعل له نفقته، فإنّ الزرعَ عامّته في الأرضِ، في ترابها وَمائها وهوائها وشمسها، كما أن الحمل في البطن عامّته في الأمّ، وماء الأب قليل، كما أنّ الحَبَّ قليل./
وكذلك الشجرُ إذا لُقِّحَ أُنْثاه بذكرَ فإنَّ الثمرَ لصاحبِ الأنثى، لا لصاحب اللقاح، والحَبُّ كاللِّقاح.
وقول أحمد: "عليه نفقتُه" يَقتضِي مثلَ البذْر، ويَقتضِي أجرةَ عملِه وعمل فَدَّانِه (٢). فقوله: "ليس هذا شيئاً يوَافق القياسَ" كقوله في العامل المخالف: "ثمَّ استحسنتُ أن يُعْطِيَه الأجرةَ"، فكان قياسُه على ما يراه في الغاصب أن لا يكون له أجرة عمله وعمل فدّانِه، فهو
стр. 560
مخالف للقياس في هذه الحجة (١)، لأنه إنما عَمِلَ ليأخذَ العوضَ، لم يعمل مجاناً كالعاملِ في المضاربة، ولأنّ البذرَ له، فليس غاصباً محضاً.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد: هل يُعطَى ما أنفقَ أو أجرةَ مثلِه؟ والنص ورد بالأول بقوله: "فليس له في الزرع شيء، وله نفقته"، والقياس يقتضي الثاني. فقد يكون قولُه على خلاف القياس من هذا الوجه، وما وردَ به النصُّ قد يكون ما أنفق وأجرة مثله فيه سواء.
وأما شِرَى المصاحف والسواد (٢) فإنما فرّق فيهما بين الشَرَى والبيع، لأن العلَّة موجودة في البيع دون الشِّرَى، فإن المشترِيَ راغبٌ في المصحف، معظمٌ له، باذلٌ فيه مالَه، والبائع معتاضٌ عنه بالمال، والشرعُ يُفرقُ بين هذا وهذاَ (٣)، كما فَرقَ في إعطاءِ المؤلفةِ
стр. 561
قلوبُهم بين المعطي والآخذ، وكذلك في افتداءِ الأسيرِ وغيرِ ذلك. ومعلومٌ أنه لو أعطاه المصحفَ والأرضَ الخراجيةَ بلا عِوَضٍ جازَ، وقام فيه مقامه، بخلاف ما لا يجوز تملكُه كالخمر وغيرِها، فإذا بَذَلَ له هذا فيه العوضَ لم تكن مضرتُه إلاّ على البائع.
فإن قيل: فإذا لم يحصل للإنسان كلب مُعلَّمٌ إلاّ بثمنٍ فينبغي أن يجوز بذلُه، وإن لم يَجُزْ أخذُه.
قيل: إن لم يكن بينهما فرق مُؤثِّرٌ في الشرع فهكذا (١) هو، وإن قيل هناك: يجبُ عليه إعطاءُ الكلب بلا عوضٍ , بخلاف الأرض والمصحف، فهذا فرق. مع أن الثابت عن الصحابةِ كراهةُ بيع المصحف، وابن عباسٍ كان يكرهُه (٢)، وكان أيضًا يُجوِّزُه ويقول: إنّما هو مصوّر, وله أجرة تصويره (٣). فدلَّ على أنَّها كراهة تنزيه. ورُوِيَ عن غيرِه: وَدِدْتُ أنّ الأيديَ تُقطَعُ في بيع المصاحف (٤)، وهذا تغليظُ تحريم. ولهذا اختلفتِ الروايةُ عن أحمد: هل هو نهيُ تنزيهٍ أو تحريمٍ.
وأما شِرَاه ومبادلتُه فهل هو مباحٌ أو مكروه على روايتين، وعن ابن عباسٍ يجوز أن يبيعَه ويشتريَ بثمنِه مصحفاً آخر، وليس
стр. 562
في المبادلة والشِّرَى استبدال به عَرَضاً من الدنيا، فالأظهرُ جوازُ ذلك بلا كراهة (١)، وأنَ البيعَ أيضًا لا يحرم، بل يُكْرَه تعظيماً لكتاب الله، إذْ ليس على التحريم دليل شرعي.
وكذلك الأرض الخراجية ليس في مَنْع بيعها دليل شرعيّ أصلاً (٢)، فإنّ الذين منعوها من الفقهاء قالوا: إنهَا وقفٌ، وبيعُ الوقف لا يجوز. وهذا إنما هو في الوقف الذي يَبطُلُ حق أهل الوقف ببيعهِ، وهو الذي لا يُورثُ ولا يُوهَبُ، والأرضُ الخراجيةُ تُورَثُ وتُوهَبُ، والوقف الذي لا يُباع لا يُورَث ولا يُوهَبُ، وذلك أن المشتري لها يقوم مقامَ البائع، لا يُبطِلُ حَق أهلِ الوقفِ./
стр. 563
وأحمد في ظاهر مذهبه يُجوزُ بيعَ المكاتَب لهذا المعنى (١)، لان ذلك لا يُبطِل حقَّه من الكتابة، بل يكونُ عند المشتري كما كان عند البائع، وهو يُورَثُ بالاتفاق. ولكن لمّا انعقد فيه سببُ الحريةِ تخيلَ مَن مَنَعَ بيعَه أنه يُباعُ حر، كما تخيل أولئك أنه يباعُ وقف، وليس الأمرُ كما تخيلُوه، بل بيعُ الحز هو أن يُسْتَعْبَدَ فيصير بخلاف ما كان حرا، وبيعُ الوقف هو أن يُجعلَ طَلْقا ويُصْرَفَ فعلُه إلى غيرِ مستحقَيْه.
والأرضُ الخراجيةُ فعلُها هو فعلُها لم يتغيرْ، وهو الخراجٍ المضروب عليها، سواءً كان ضريبةً كخراجِ عمر، أو صَارَ مقاسمة كما فعلَه متأخرو الخلفاء بأرضِ السوادِ وغيرِها، كما فعلَه المنصورُ. فعلى التقديرين حق المسلمين باقٍ، كما يَبْقَى مع الموتِ والهبةِ.
والصحابة الذين كرهوا شِرَاها إنما كرهوه لدخول المسلمِ في خراج أهل الذمةِ، أو إبطالِ حقّ المسلمين به، فإن المشتريَ إنْ أدّى الخراجَ - وهو جزيةِّ- فقد التزمَ الصغار، وإن لم يؤدِّه أبطلَ حق المسلمين، فلذا كرهَ ذلك عمر وغيرهُ من الصحابة، وهم نَهَوا عن الشرَى.
وأما البيعُ فإنما كان يبيعُها أهلُ الذمّةِ، لأنّ الأرضَ الخراجية
стр. 564
إنما كانت بأيدي أهل الذمة، وكان ذلك أيضًا لئلا يَشتغلَ المسلمون بالفلاحة والصغار عن الجهاد. فلمّا كثر المسلمون، وصارَ أكثرُهم غيرَ مجاهدين، وصار أداؤُهم الخراجَ أنفعَ لعمومِ المسلمين من كونها بأيدي الذمة، لم يَصِرْ في ذلك من الصغار ما كان يكونُ في أول الإسلام إلاّ لمن يشتغل بعمارة الأرضِ عن الجهاد. وهذا لا يختص بالخراجية، بل قد رأى النبي ﷺ سِكَة فقال: "ما دَخَلَتْ هذه دارَ قويم إلاّ دَخلَها الذُّلُّ ". رواه البخاري (١). مع أن الأنصار كانوا هم الفلأحين لأرضهم، فهذا على الاشتغال بعمارة الدنيا عن الجهاد، وهذا لا يختصُّ بالخراجية.
وأما ما ذكره القاضي من قبولِ شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر (٢)، فلا ريبَ أن الفرقَ هنا ظاهر، وهذا من الاستحسان
стр. 565
وتخصيص العلَّة التي ظهر فيها الفرقُ، والمنعُ من شهادتهم على المسلمين ثبتَ بالنصِّ، والإذنُ فيها هنا ثبتَ بالنصِّ أيضًا للحاجة. وهل يُعدَّى هذا إلى جميع مواضع الحاجة؟ فيه عن أحمد روايتان (١)، بناءً على أنّ العلَّة معلومةٌ، وهي موجودة/في غير هذا الموضع. هذا وجهُ القولِ بالجواز.
وأمَّا وجهُ المنع فإمّا أن نقولَ: لم نَعلم العلةَ وإنّها مشتركة، أو علمنا اختصاصَها بهذه الصورة للضرورة العامَّة فيها. هذا إذا ثبتَ عمومُ المنع في غير هذه الصورة، إمّا لفظاً وإمّا معنًى. وألفاظ القرآن لا عمومَ فيها بالمنع، وكذلك السنّةُ ليس فيها لفظ عامّ بالمنع. لم يَبْقَ إلاّ القياس، وتلك المواضع أُمِرَ فيها بإشهاد المسلمين، ومعلومٌ أن ذلك إنما هو عند القدرة على إشهادهما، وهذا واجب في الوصية في السفر. وأمّا إذا تعذَّر إشهادُهما على الذَين في السفر أو على الرجعة فليس في القرآن ما يدل على المنع من ذلك. وإذا لم يكن في الكتاب والسنّة منعٌ من إشهاد أهل الذمّة عند تعذُّرِ إشهاد المسلمين، لم يكن هنا قياسٌ يخالف هذه الآية، وقد عمل بها