قلوبُهم بين المعطي والآخذ، وكذلك في افتداءِ الأسيرِ وغيرِ ذلك. ومعلومٌ أنه لو أعطاه المصحفَ والأرضَ الخراجيةَ بلا عِوَضٍ جازَ، وقام فيه مقامه، بخلاف ما لا يجوز تملكُه كالخمر وغيرِها، فإذا بَذَلَ له هذا فيه العوضَ لم تكن مضرتُه إلاّ على البائع.
فإن قيل: فإذا لم يحصل للإنسان كلب مُعلَّمٌ إلاّ بثمنٍ فينبغي أن يجوز بذلُه، وإن لم يَجُزْ أخذُه.
قيل: إن لم يكن بينهما فرق مُؤثِّرٌ في الشرع فهكذا (١) هو، وإن قيل هناك: يجبُ عليه إعطاءُ الكلب بلا عوضٍ , بخلاف الأرض والمصحف، فهذا فرق. مع أن الثابت عن الصحابةِ كراهةُ بيع المصحف، وابن عباسٍ كان يكرهُه (٢)، وكان أيضًا يُجوِّزُه ويقول: إنّما هو مصوّر, وله أجرة تصويره (٣). فدلَّ على أنَّها كراهة تنزيه. ورُوِيَ عن غيرِه: وَدِدْتُ أنّ الأيديَ تُقطَعُ في بيع المصاحف (٤)، وهذا تغليظُ تحريم. ولهذا اختلفتِ الروايةُ عن أحمد: هل هو نهيُ تنزيهٍ أو تحريمٍ.
وأما شِرَاه ومبادلتُه فهل هو مباحٌ أو مكروه على روايتين، وعن ابن عباسٍ يجوز أن يبيعَه ويشتريَ بثمنِه مصحفاً آخر، وليس
стр. 562
في المبادلة والشِّرَى استبدال به عَرَضاً من الدنيا، فالأظهرُ جوازُ ذلك بلا كراهة (١)، وأنَ البيعَ أيضًا لا يحرم، بل يُكْرَه تعظيماً لكتاب الله، إذْ ليس على التحريم دليل شرعي.
وكذلك الأرض الخراجية ليس في مَنْع بيعها دليل شرعيّ أصلاً (٢)، فإنّ الذين منعوها من الفقهاء قالوا: إنهَا وقفٌ، وبيعُ الوقف لا يجوز. وهذا إنما هو في الوقف الذي يَبطُلُ حق أهل الوقف ببيعهِ، وهو الذي لا يُورثُ ولا يُوهَبُ، والأرضُ الخراجيةُ تُورَثُ وتُوهَبُ، والوقف الذي لا يُباع لا يُورَث ولا يُوهَبُ، وذلك أن المشتري لها يقوم مقامَ البائع، لا يُبطِلُ حَق أهلِ الوقفِ./
стр. 563
وأحمد في ظاهر مذهبه يُجوزُ بيعَ المكاتَب لهذا المعنى (١)، لان ذلك لا يُبطِل حقَّه من الكتابة، بل يكونُ عند المشتري كما كان عند البائع، وهو يُورَثُ بالاتفاق. ولكن لمّا انعقد فيه سببُ الحريةِ تخيلَ مَن مَنَعَ بيعَه أنه يُباعُ حر، كما تخيل أولئك أنه يباعُ وقف، وليس الأمرُ كما تخيلُوه، بل بيعُ الحز هو أن يُسْتَعْبَدَ فيصير بخلاف ما كان حرا، وبيعُ الوقف هو أن يُجعلَ طَلْقا ويُصْرَفَ فعلُه إلى غيرِ مستحقَيْه.
والأرضُ الخراجيةُ فعلُها هو فعلُها لم يتغيرْ، وهو الخراجٍ المضروب عليها، سواءً كان ضريبةً كخراجِ عمر، أو صَارَ مقاسمة كما فعلَه متأخرو الخلفاء بأرضِ السوادِ وغيرِها، كما فعلَه المنصورُ. فعلى التقديرين حق المسلمين باقٍ، كما يَبْقَى مع الموتِ والهبةِ.
والصحابة الذين كرهوا شِرَاها إنما كرهوه لدخول المسلمِ في خراج أهل الذمةِ، أو إبطالِ حقّ المسلمين به، فإن المشتريَ إنْ أدّى الخراجَ - وهو جزيةِّ- فقد التزمَ الصغار، وإن لم يؤدِّه أبطلَ حق المسلمين، فلذا كرهَ ذلك عمر وغيرهُ من الصحابة، وهم نَهَوا عن الشرَى.
وأما البيعُ فإنما كان يبيعُها أهلُ الذمّةِ، لأنّ الأرضَ الخراجية
стр. 564
إنما كانت بأيدي أهل الذمة، وكان ذلك أيضًا لئلا يَشتغلَ المسلمون بالفلاحة والصغار عن الجهاد. فلمّا كثر المسلمون، وصارَ أكثرُهم غيرَ مجاهدين، وصار أداؤُهم الخراجَ أنفعَ لعمومِ المسلمين من كونها بأيدي الذمة، لم يَصِرْ في ذلك من الصغار ما كان يكونُ في أول الإسلام إلاّ لمن يشتغل بعمارة الأرضِ عن الجهاد. وهذا لا يختص بالخراجية، بل قد رأى النبي ﷺ سِكَة فقال: "ما دَخَلَتْ هذه دارَ قويم إلاّ دَخلَها الذُّلُّ ". رواه البخاري (١). مع أن الأنصار كانوا هم الفلأحين لأرضهم، فهذا على الاشتغال بعمارة الدنيا عن الجهاد، وهذا لا يختصُّ بالخراجية.
وأما ما ذكره القاضي من قبولِ شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر (٢)، فلا ريبَ أن الفرقَ هنا ظاهر، وهذا من الاستحسان
стр. 565
وتخصيص العلَّة التي ظهر فيها الفرقُ، والمنعُ من شهادتهم على المسلمين ثبتَ بالنصِّ، والإذنُ فيها هنا ثبتَ بالنصِّ أيضًا للحاجة. وهل يُعدَّى هذا إلى جميع مواضع الحاجة؟ فيه عن أحمد روايتان (١)، بناءً على أنّ العلَّة معلومةٌ، وهي موجودة/في غير هذا الموضع. هذا وجهُ القولِ بالجواز.
وأمَّا وجهُ المنع فإمّا أن نقولَ: لم نَعلم العلةَ وإنّها مشتركة، أو علمنا اختصاصَها بهذه الصورة للضرورة العامَّة فيها. هذا إذا ثبتَ عمومُ المنع في غير هذه الصورة، إمّا لفظاً وإمّا معنًى. وألفاظ القرآن لا عمومَ فيها بالمنع، وكذلك السنّةُ ليس فيها لفظ عامّ بالمنع. لم يَبْقَ إلاّ القياس، وتلك المواضع أُمِرَ فيها بإشهاد المسلمين، ومعلومٌ أن ذلك إنما هو عند القدرة على إشهادهما، وهذا واجب في الوصية في السفر. وأمّا إذا تعذَّر إشهادُهما على الذَين في السفر أو على الرجعة فليس في القرآن ما يدل على المنع من ذلك. وإذا لم يكن في الكتاب والسنّة منعٌ من إشهاد أهل الذمّة عند تعذُّرِ إشهاد المسلمين، لم يكن هنا قياسٌ يخالف هذه الآية، وقد عمل بها
стр. 566
الصحابةُ وجمهورُ التابعين. والذين لم يعملوا بها ليس معهم في خلافِها لا نصٌّ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ، وقد تأوّلوها ناجزين (١) من غير أصل يُسَلَّم، وقال بعضهم: هي منسوخة، وقال بعضهم: الشهادة اليمين. والأقوال الثلاثة باطلة من وجوهِ كثيرة.
وقول من قال: "لا يجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين بحالٍ " ليس معهم بذلك لا نصٌّ ولا قياسٌ، ولكنْ كثير من الناس يَغلَطُون لأنهم يجعلون الخاصَّ من الشارع عامًّا، والله أمرَ بإشهاد المسلمين على المسلمين إذا أمكن، فظَنَّ مَن ظَنَّ أن هذا يقتضي أنه لا يَشْهَدُ غيرُهم ولو لم يُوجَدْ مسلمٌ.
وبابُ الشهاداتِ مَبْنَاها على الفرق بين خالِ القدرة وحالِ العَجْزِ، ولهذا قُبلَتْ شهادةُ النساءِ فيما لا يَطلعُ عليه الرّجالُ. وقد نصنَ أحمدُ على شَهادتهنّ في الجراحِ وغيرِها إذا اجتمعنَ ولم يكن عندهنَّ رجالٌ، مثل اجتماعهنّ في الحمّامات والأعراسِ ونحوِ ذلك. وهذا هو الصواب (٢)، فإنّه لا نصّ ولا إجماع ولا قياس يمنع شهادةَ النساءِ في مثل ذلك. وليس في الكتاب والسنّة ما يمنع شهادةَ النساء في العقوباتِ مطلقاً (٣).
стр. 567
وأما إذا نَذَرَ ذَبْحَ ولدِه أو نفسِه فأحمد اتبعَ ما ثبتَ عن ابن عباس (١)، وهو مقتضى القياس والنص، فإن. كان قادراً كان عليه كَبْش، وإن سلف فيه بمالٍ فعليه كفارة يمين. وهذا أصحُ الروايات عن أحمد (٢)، وهو الذي يصرح به في مواضع. وقيل: عليه كفارةُ يمينٍ في الجميع. وقيل: كبْش في الجميع (٣). وقيل: لاشيء عليه (٤). وذلك لأنّ مَن نَذَر نَذْراً فعليه المنذورُ أو بَدَلُه في الشرع، وهنا لما تعذرَ المنذورُ انتقلَ إلى البَدَلِ الشرعي، وهو الكَبْش، كما في نظائرِه، فليس هنا ما يخالف القياس الصحيح (٥).
стр. 568
وهذا الباب- بابُ تدبر العموم والخصوص من ألفاظِ الشرع ومعانيه التي هي عِلَلُ الأحكام- هو الأصل الذي تُعْرَف منه شرائع الإسلام. والله أعلم، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله.
стр. 569
قاعدة في شمول النصوص للأحكام
стр. 570
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فإن مباحث القياس لم تُحرَّر على طريقة فقهاء أهل الحديث في كتب الأصول التي وصلتنا، وأكثرها على منهج المتكلمين وأهل الرأي الذين لم يُنصِفوا أهلَ الحديث في الغالب، ونسبوا إليهم ما لا يقولون به، وعدُّوهم مثل الظاهرية مخالفين للقياس. ونحن نعرف أن الظاهرية أنكروا القياس وحجيته والحاجة إليه، وسَدوا على أنفسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحِكَم والمصالح، فاحتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، وحمَّلوهما فوق الحاجة، ووسَّعوهما أكثر مما يسعانِه، فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه، وحيث لم يفهموه منه نفوه وحملوه على الاستصحاب. فهم وإن أحسنوا في اعتنائهم بالنصوص وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة وبيانِهم تناقضَ أهلها واضطرابهم في القياس تأصيلاً وتفصيلا، وذِكْرِ أمثلةِ من تفريقهم بين المتماثلين وجمعِهم بين المختلفين- إلاّ أنهم أخطأوا من وجوه عديدة:
منها: رد القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علته
стр. 571
التي يجري النصّ عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ.
ومنها: تقصيرهم في فهم النصوص، فكم من حكيم دلَّ عليه النصُّ ولم يفهموا دلالتَه عليه، وسبب هذا الخطأ حَصْرهم الدلالةَ في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرْفِه عند المخاطبين.
ومنها: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقّه، وجَزْمُهم بموجبه، لعدم علمهم بالناقل. وليس عدم العلم علمًا بالعدم.
أما أصحاب الرأي والقياس فلم يعتنوا بالنصوص كما ينبغي، ولم يعتقدوها وافيةً بالأحكام ولا شاملةً لها، حتى قال بعضهم: إن النصوص لا تَفي بعُشُر معشار أحكام العباد، فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، وقالوا: إن النصوص متناهية وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع. فوسَّعوا طرق الرأي والقياس، وعلَّقوا الأحكام بأوصافٍ لا يُعلَم أن الشارع علَّقها بها، واستنبطوا عللاً لا يُعلَم أن الشارم شرع الأحكام لأجلها. ثمّ اضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس؟ ثمَّ اضطربوا فتارةً يقدمون القياس، وتارةً يقدمون النصّ، وتارةً يفرقون بين النصّ المشهور وغير المشهور، واضطرهم ذلك أيضًا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شرِعت على خلاف القياس. فكان خطؤهم من وجوه:
أحدها: ظنُّهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث.
стр. 572
الثاني: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس.
الثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف القياس، وادعوا فيها الاستحسان، فظنوا أن الاستحسان خلاف القياس.
الرابع: اعتبارهم عللاً وأوصافًا لم يعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم عللاً وأوصافا اعتبرها الشارع.
الخامس: تناقضهم في نفس القياس، ففرقوا- كثيرًا- بين المتماثلين وجمعوا بين المختلفين.
والصواب الذي عليه أئمة السنة والحديث أن الله تعالى قد أنزل الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متعاضدة متناصرة يُصدِّق بعضها بعضا، ويشهد بعضُها لبعض.
والنصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا الله ورسوله على
الرأي، بل قد بيَّن الأحكام كلها، والنصوص كافية وافيةٌ بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان: الكتاب والميزان. وقد تخفى دلالةُ النصّ أو لا تبلغُ العالمَ فيعدِل إلى القياس، ثمّ قد يظهر موافقًا للنص فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له فيكون فاسدًا.
هذا المذهب الثالث- الذي هو مذهب فقهاء أهل الحديث-
стр. 573
وسَط بين الظاهرية وأهل الرأي كما نرى، ولكنا لا نجد من الأصوليين مَن نَصَره عند كلامه على القياس، حتى جاء شيخ الإسلام ابن تيمية فتكلم عليه وقرره في مواضع من رسائله وكتاباته، وأهمُّها هذه القاعدة التي ننشرها الآن. وتبعه تلميذه العلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/ ٣٥٠ - ٣٨٣)، فنقل معظم مباحث هذه القاعدة بلفظها أو بمعناها، مع زيادة التوضيح والشرح بأسلوبه المعروف.
وهو وإن لم يذكر شيخه في هذا الموضع، فقد أشار إليه عند الكلام على أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس (١/ ٣٨٣).
وهذه القاعدة أحد الفصول الثلاثة التي يقول ابن القيم فيها إنها "من أهم فصول الكتاب" (١/ ٣٥٥)، فلا نستغرب أن يقتبسها من شيخه، على طريقته في الاستفادة من كتبه، كما يظهر ذلك لكلّ من يقرأ كلام الشيخين في موضوع واحد.
والكتاب مقسم إلى قسمين: في القسم الأول منهما تأصيل لقاعدة شمول النصوص للأحكام وموافقتها للقياس الصحيح. وفي الثاني تطبيق لها على أحكام الفرائض، فإنها من أشكل الأشياء، والنصوص الواردة فيها قليلة محصورة، ومع ذلك شملت جميع الأحكام التي نحتاج إليها، فهذا من أظهر الأدلة على صحة القاعدة المذكورة.
وقد أُفرِد القسم الثاني- لأهميته- في بعض النسخ، كما سيأتي ذكرُها فيما بعد، وذكره ابن رشيق (١) بعنوان "شمول النصوص في
_________
(١) "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية": ٢٤٧ (ضمن "الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية").
стр. 574
الفرائض". ونُشِر مختصر من هذا القسم بحذف كثيرٍ من كلام المؤلف (١)، وتدلُّ بدايتُه على أنه تكملة لكلام سابق، فقد بدأ بقوله: "والمقصود هنا أن النصوص شاملة لجميع الأحكام، ونحن نبين ذلك فيما هو من أشكل الأشياء، ليُستَدَلَّ به على ما سواه ... ".
وقد ظهرتْ نسختان كاملتان للكتاب تحتويان على القسمين، فاعتمدنا عليهما في نشرتنا له كما كتبه المؤلف دون اختصار، عسى الله أن ينفع به القراء والباحثين.
• عنوان الكتاب وتوثيق نسبته إلى المؤلف
ذكر ابن رُشَيِّق (٢) وابن عبد الهادي (٣) والصفدي (٤) وابن شاكر الكتبي (٥) هذا الكتاب ضمن مؤلفات شيخ الإسلام بعنوان "قاعدة في شمول النصوص للأحكام"، ووصفه بعضهم بأنه "مجلد
_________
(١) في "مجموع الفتاوى" (٣١/ ٣٣٨ - ٣٥٦) و"تفسير آيات أشكلت" (٢/ ٤٩١ - ٥٧٣). والثاني أوفى، ومع ذلك فقد سقطت منه نصوص كثيرة في مواضع، كما يظهر ذلك بالمقارنة بينه وبين هذا الكتاب.
(٢) "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية": ٢٤٦ (ضمن "الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية"). وقد سقط ذكره من طبعة صلاح الدين المنجد للكتاب الذي نشره منسوبًا إلى ابن القيم، مع أنه موجود في الأصل الذي اعتمد عليه.
(٣) "العقود الدرية" ص ٤٥. ونقل نصاًّ من هنا (ص ٢٦٤) في "اختياراته" (نسخة الظاهرية).
(٤) "الوافي بالوفيات" (٧/ ٢٦) و"أعيان العصر" (١/ ٣٥ أ).
(٥) "فوات الوفيات" (١/ ٧٨).
стр. 575
لطيف". وقد تحرَّف هذا العنوان في بعض المصادر (١) إلى "شمول النفوس لأحكام الفقه المنصوص"! ولا يُستفاد منه معنى صحيح ولا سجعٌ مقبول، فلا يُلتَفت إليه. ويكون المعتمد ما ذكره تلاميذ شيخ الإسلام وأصحابه، لكونه موافقًا لبداية النسختين الكاملتين للكتاب.
وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا الكتاب في "قاعدته في الاستحسان" (ص ٢٠٦ - ٢٠٧) فقال: "وقد بَينَّا في غير هذا الموضع أن الأحكام كلُّها بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظه تناولت جميع الأحكام، والأحكام كلُّها معلَّلة بالمعاني المؤثرة، فمعانيه أيضًا متناولة لجميع الأحكام". والكتاب الذي بين أيدينا فصَّل فيه الكلام على الموضوع الذي أشار إليه، وقرَّر أنّ الله تعالى بيَّن جميعَ ما أمر به ونهى عنه، وجميع ما أحلَّه وحرَّمه، وبهذا أكمل الدين، ولكن قد يقصر كثير من الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، فيقولون: إنّ النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث. وبمقابل هؤلاء قوم من نفاة القياس نفوا القياس الجليّ الظاهر حتى فرَّقوا بين المتماثلين، وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئًا لحكمة أصلاً، ونفوا تعليل خلقه وأمره، واقتصروا في معرفة الأحكام على مجرد الظواهر، فحيثما فهموا من النصّ حكمًا أثبتوه، وحيث لم يفهموه نفوه وأثبتوا الأمر على موجب الاستصحاب. ثمَّ بيَّن خطأ الفريقين، وناقشهما مناقشة طويلة، وقرَّر أن السنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وأن النصوص
_________
(١) "إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون" (٢/ ٥٨).
стр. 576
شاملة لجميع الأحكام، ولو أُعطِي حقُّها من المعرفة والفهم لدلَّت على جميع الأحكام. ويعتبر القياس دليلاً صحيحًا آخر يوافق دلالة الظاهر والتعليل الصحيح.
وقد تكلم شيخ الإسلام في هذا الموضوع في مواضع أخرى من كتاباته وفتاواه، فذكر في فتوى له (١) أن الناس تنازعوا في ذلك: فقوم زعموا أن أكثر أحكام أفعال العباد لا يتناولها خطاب الشارع، بل تحتاج إلى القياس، وقوم زعموا أن جميع أحكامها ثابتة بالنص، وأسرفوا في تعلقهم بالظاهر حتى أنكروا فحوى الخطاب وتنبيهه. وقوم يقدمون القياس تارةً، لكون دلالة النص غير تامة أو لكونه خبر الواحد، وقوم يعارضون بين النص والقياس، ويقدمون النص ويتناقضون. ونحن قد بينا في غير هذا الموضع أن الأدلة الصحيحة لا تتناقض، فلا تتناقض الأدلة الصحيحة العقلية والشرعية، ولا تتناقض دلالة القياس إذا كانت صحيحة، ودلالة الخطاب إذا كانت صحيحة. فان القياس الصحيح حقيقته التسوية بين المتماثلين، وهذا هو العدل الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل.
وفي الكتاب الذي بين أيدينا قرر المؤلف أن قياس الجمع والفرق يكون بالأوصاف المعتبرة في الشرع، وهذا كله من الميزان الذي أنزله الله مع رسله كما أنزل الكتاب، وإذا ثبت أن الكتاب
_________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٣٣١ - ٣٣٢). وذكر في "منهاج السنة" (٦/ ٤١١ - ٤١٢) مذاهب الناس في هذا الباب.
стр. 577
والميزان منزلان فلا يجوز أن يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح والقياس الصحيح. وإنما يكون التناقض بين الحق الصحيح والباطل الذي ليس بصحيح، فأما الصحيح الذي كله حق فلا يتناقض، بل يصدّق بعضه بعضًا (١).
وقال في موضع آخر (٢): إن الأحكام الشرعية كلها بينتها النصوص أيضًا، وإن دلّ القياس الصحيح على مثل ما دلّ عليه النص دلالة خفية. فإذا علمنا بأن الرسول لم يُحَرِّم الشيء ولم يُوجِبْه علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب، وأن القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد.
وذكر في فتوى أخرى (٣) في هذا الموضوع أن الصواب الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد، ومن أنكر ذلك لمِ يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله، وشمولها لأحكام أفعال العباد. ثم مثّل بلفظ "الخمر" و"الميسر" و"الربا" و"الأيمان" وغيرها، فقال عن الخمر إنها تناولت كل مسكر، فصار تحريم كل مسكر بالنصّ العام والكلمة الجامعة لا بالقياس وحده، وإن كان القياس دليلاً آخر
_________
(١) انظر ص ٢٧٢.
(٢) "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٣٦).
(٣) نشرت في "مجموعة الفتاوى الكبرى" (١/ ٤١٠ - ٤١٥)، وعنها في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٨٠ - ٢٨٩).
стр. 578
يوافق النصّ. ومن كان متبحرًا في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدلّ على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة.
وردّ في موضع آخر (١) على من يقول إن "الحشيشة" لم يرد فيها آية ولا حديث، وقال: هذا من جهله، فان القرآن والحديث فيهما كلمات جامعة هي قواعد عامة وقضايا كلية تتناول كل ما دخل فيها، وكلُّ ما دخل فيها فهو مذكور في القرآن والحديث باسمه العام، وإلاّ فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص. ثمَّ ذكر أمثلة لهذه الألفاظ وشرح معانيها، منها: "الناس" و"الميسر" و"الأيمان" و"الماء" و"المشركين" و"الذين أوتوا الكتاب"، وقال: هذا وأمثاله نظير عموم القرآن لكل ما دخل في لفظه ومعناه، وإن لم يكن باسمه الخاص. ولو قُدّر بأن اللفظ لم يتناوله، وكان في معنى ما في القرآن والسنة أُلحِقَ به بطريق الاعتبار والقياس. وقد بعث الله محمدًا ﷺ بالكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، والكتاب: القرآن، والميزان: العدل، والقياس الصحيح هو من العدل، لأنه لا يفرق بين المتماثلين.
وقد أشار المؤلف إلى هذا المعنى في الكتاب الذي بين أيدينا فقال: "وإذا كان أهلُ المذاهب جعلوا لهم قواعد يضبطون بها ما يحل ويحرم، فالله ورسوله أقدر على ذلك، وقد قال النبي ﷺ : "بُعِثتُ بجوامع الكلم"، فهو يأتي بالكلمة الجامعة، وهي قاعدة
_________
(١) "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ٢٠٦ - ٢١٠).
стр. 579
عامة وقضية كلية تجمع أنواعًا وأشخاصًا". ثم مثل لها ببعض الأمثلة (١).
هذه النصوص المتشابهة التي عرضناها تؤكّد أن الكتاب الذي بين أيدينا من تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد فصَّل هنا ما أجمله في مواضع أخرى، ورأيه فيه هو رأيه المعروف في سائر كتاباته، وكلامُه هنا في موضوعات عديدة يُشبه كلامَه في كتبه الأخرى، كما أشرت إلى ذلك في تعليقاتي على الكتاب، فلا حاجة إلى الإعادة. وأذكر على سبيل المثال كلامه في "الاستصحاب" هنا (ص ٢٨٣ - ٢٨٧، ٢٩٠ - ٢٩٥)، فهو موافق لما ذكره في مواضع أخرى (٢)، كما يظهر ذلك بالمقارنة، وهو هنا أكثر تفصيلا وتوضيحًا.
• وصف النسخ الخطية
وصلت إلينا نسختان كاملتان من الكتاب، وثلاث نسخ ناقصة تحتوي على بيان شمول النصوص في الفرائض وهو القسم التطبيقي للنظرية التي شرحها المؤلف قبله.
أما النسختان الكاملتان فإحداهما في مكتبة الإسكوريال بإسبانيا برقم [١٣٣٦] (ق ١٦٠ ب- ١٧١ أ)، ليس عليها تاريخ النسخ واسم الناسخ، وهي مكتوبة بخط مغربي متأخر، لعله من خطوط القرن
_________
(١) ص ٢٧٥.
(٢) "مجموع الفتاوى" (١١/ ٣٤٢، ١٣/ ١٢١ - ١٢٢، ٢٣/ ١٥ - ١٦، ٣٩/ ١٦٦).
стр. 580
الحادي عشر. والنسخة بحجم كبير، وعدد الأسطر في كل صفحة ٣٣ سطرًا، ومتوسط عدد الكلمات في كل سطر ١٦ كلمة. ولعل هذه النسخة أصابها البلل، فانطمست بعض الكلمات في الركن الأعلى من كل ورقة. ويلاحظ في هذه النسخة أن الناسخ كثيرًا ما يكتب جزءًا من الكلمة في آخر السطر وتكملتها في السطر التالي.
انظر مثلا السطر الثاني في أول الكتاب، تجد أنه كتب "موا" في آخر السطر، و"فقة" في السطر التّالي، لتصبح "موافقة"!
والنسخة الثانية ضمن مجموع في الخزانة العامة بالرباط برقم [ق ٢٠٩] (ص ١٥٦ - ١٧٨)، كتبت في رمضان سنة ١٠٠١، بخط مغربي أيضًا. وعدد الأسطر في كل صفحة منها ٢٧ سطرًا، ومتوسط عدد الكلمات في كل سطر ١٧ كلمة. وهي مرقمة الصفحات.
وبعد دراسة النسختين والمقابلة بينهما ظهر لي أنهما من أصلٍ واحدٍ، فهما تتفقان كثيرًا في التصحيف والتحريف والسقط، وكلتاهما تبدأ بـ "الحمد لله وحده حقَّ حمده. وله رحمه الله تعالى فصل...". وتنتهي بـ "والله سبحانه أعلم". وفي النسختين اضطرابٌ في الترتيب وتداخلٌ في الكلام أدَّيا إلى اختلال المعنى، وسبب ذلك أن أصلهما كان مضطرب الأوراق، فنُسِخت عنه النسختان، وانتقل إليهما هذا الاضطراب الذي يبدأ في النسخة الأولى من السطر التاسع من الورقة (١٦٨ ب) بعد قوله "فلما بطل سقوطها وفرضها"، وينتهي بالسطر السابع عشر من الورقة (١٦٩ أ)
стр. 581
بقوله: "رجل ذكر ... ". وكذا فيما يوافق هذا الموضع من النسخة الثانية. وهذا مما يؤكد أن أصلَ النسختين واحد.
وقد اهتديتُ إلى الترتيب الصحيح لكلام المؤلف بمراجعة النسخ الثلاث الناقصة التي كانت تحتوي على تلك النصوص بسياقها الطبيعي، وهي:
١ - نسخة فيسبادن بألمانيا برقم [٣٩٦٨] (ق ١٤١ - ١٥٥).
٢ - نسخة دار الكتب المصرية برقم [٦٩٥] (ق ٩٨ - ١٠٩).
٣ - نسخة المكتبة السعودية التابعة للإفتاء برقم [٥٧٢/ ٨٦] (ق ٦ - ١٤).
هذه النسخ الثلاث تتفاوت في الصِّحة، وبعضها أسوأ من بعض، فلا يمكن الاعتماد على واحدةٍ منها، لشيوع التصحيف والتحريف والسقط فيها جميعًا، كما يظهر ذلك بمقابلتها على النسختين المغربيتين. إلاّ أنها أفادت في معرفة الترتيب الصحيح لكلام المؤلف كما ذكرتُ، وترجيح بعض الكلمات الموجودة فيها إذا كان ما في النسختين لا وجهَ له أو مبنيًّا على التحريف الواضح.
وكان منهجي في إثبات النصّ أن أختار من النسختين الكاملتين ما هو أصحّ وأنسب في السياق وأقرب إلى أسلوب المؤلف، وأشير إلى ما يخالفه في التعليق، ولم أذكر جميع الفروق والتحريفات، فلا فائدةَ منها في فهم الكلام، ولا يجوز نسبتها إلى المؤلف، لأن النصّ لم يصل إلينا بخطه.
стр. 582
وإذا اطمأننت إلى صحة النص في ضوء النسختين لم ألتفت إلى النسخ الثلاث الباقية، لكثرة التحريف الواقع فيها، ولكن إذا كان النص محرَّفًا وغيرَ مفهوم فيهما رجعتُ إلى بقية النسخ في القسم الذي تحتوي عليه، وأثبت ما هو الصواب أو الراجح في نظري، مع الإشارة إلى ما في النسختين، وقد جعلت نسخة الإسكوريال هي الأصل، ورمزت لها بـ "س"، ولنسخة الخزانة العامة بـ "ع". وأشرت إلى النسخ الثلاث الناقصة بقولي "سائر النسخ" أو "بقية النسخ"، ولم أعتمد على واحدةٍ منها بعينها.
وراجعت كذلك كتاب "إعلام الموقعين" لترجيح بعض الكلمات على غيرها، وقد ذكرت فيما مضى أنه يحتوي على أكثر مباحث الكتاب بالنصّ أو بالمعنى، مع زيادة التوضيح والتمثيل والتعليق. ولكني لم أثقل الهوامش بالنقل عنه، وعلى القراء والباحثين أن يراجعوه عند قراءة هذا الكتاب للمزيد من الشرح والتفصيل والبيان.
وفي الختام أحمد الله تعالى على أن وفقني لإخراج هذا الأثر النفيس من آثار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأدعوه أن يجعله نافعًا للعلماء والطلاب، إنه سميع مجيب.
محمد عزير شمس
стр. 583
نماذج من النسخ الخطية
стр. 584
النص المحقق
стр. 585
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليما. الحمد لله وحدَه حقّ حمده.
وله رحمه الله تعالى:) (١)
فصل
في شمول النصوص للأحكام وموافقة ذلك للقياس الصحيح قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) (٢)، وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (٣). فأخبر أنه أَنزلِ مع رسوله الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقِسط. وقوله: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ) دليل على أن الميزان مما جاءت به الرسل، كما ذكر أنه أنزل الكتاب والحكمة، وأنه أوحى القرآن والإيمانَ في قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) (٤).
стр. 586
وفي الصحيحين (١) عن حذيفة قال: حدَّثنا رسولُ الله ﷺ
حديثين، قد رأيتُ أحدَهما، وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا أن الأمانةَ تنزل في جذْرِ قلوب الرجال، ثم نزل القرآنُ، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدَّثنا عن رفع الأمانة، قال: "ينامُ الرجلُ النَّومةَ، فتُقْبَضُ الأمانةُ من قلبه، فيَظَلُّ أثرُها مثلَ الوَكْتِ، ثم ينام النَّومةَ، فتُقْبَضُ الأمانةُ من قلبه، فيَظَلُّ أثرُها مثلَ المَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه على رجلِك، فنَفِطَ، فتَراه مُنْتَبِرًا وليس فيه شيءٌ" ... الحديثَ (٢).
والجذر: الأصل، والأمانة: الإيمان. فأخبر أن الله سبحانه أنزل الإيمان في أصل قلوب الرجال، وقد قال تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) (الْأَمْثَالَ (١٧)) إلى قوله (الْأَمْثَالَ (١٧)) (٣).
وفي الصحيحين (٤) عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ ما بعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل غَيثٍ أصابَ (٥) أرضًا،
стр. 587
فكانت منها طائفة قَبلَتِ الماء فأنبتتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكثيرَ؛ وكانت منها طائفة أَمْسًكتِ الماءَ، فشَرِبتِ الناسُ وسَقَوْا وزَرَعُوا؛ وكانت منها طائفة إنّما هي قِيْعَان، لا تُمسِكُ ماءً (١)، ولا تُنبِتُ كَلأً. فذلك مَثَلُ مَن فَقُهَ في ديِن الله، ونفعَه ما بَعثَني اللهُ به من الهدى والعلم، ومَثَلُ مَن لم يَرْفع بذلك رأسًا، ولم يَقْبَل هُدى الله الذي أُرسِلْتُ به ".
فضربَ رسولُ الله ﷺ في هذا الحديث مثلَ ما جاءَ به بالماء الذي يَنزِلُ على الأرض، وشَبَّه القلوبَ بالأرض، والهدى والعلم الذي أنزله الله تعالى بالماء الذي نزل على الأرض، وجعلَ الناسَ ثلاثة أقسام: قسمًا سمعوا وفقهوا وعلموا، وقسمًا حفظوه وبَلَّغُوا غيرَهم فانتفعوا به، وقسمًا لا هذا ولا هذا.
هذا المثل يُطابق المثلَ الذي في القرآن (٢)، حيثُ شبَّه الله القلوبَ بالأودية التيَ منها كِبار تَسَعُ ماءً كثيرًا، وصغار لا تَسَعُ إلاّ ماءً قليلا، كما أن القلوبَ منها ما (٣) تَسَعُ علمًا عظيمًا، ومنها ما لا تَسَعُ إلاّ دُونَ ذلك، وأن الماءَ بمخالطة الأرض يحتمل زبداً رابيًا لا
стр. 588
ينفع، كذلك العلم الذي نزل على القلوب يحتمل من الشهوات والشبهات بسبب مخالطته الأنفس ما يكون كالزبد الذي لا ينفع. وبين أن الزَّبَد الذي يذهبُ جُفَاء فيخفى، وما ينفع الناسَ يمكث في الأرض، كذلك العلم في القلوب ما ينفع الناس.
وقال تعالى: (كَذَلِكَ يَضرِبُ اللهُ اَلأَمثَالَ (١٧))، فأخبر أن هذا مثلٌ مضروب. وقال تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا) (١). وقال تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) (٢).
فبين أنه يُلْهِم المؤمنين (٣) الإيمان وما ينفعهم، وذلك إيحاء إليهم وإن لم يكونوا أنبياء.
. وفي الصحيحين (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمر".
وفي المسند والترمذي (٥) حديث النّواس بن سمعان عن النبي ﷺ قال: "ضَربَ الله مثلَا صراطاً مستقيمَاً، وعلى جَنْبَتَي الصراط
стр. 589
سُوْرَان فيهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستورٌ مُرْخَاة/ [١٦١/أ]، وعلى رأس الصراطِ داع يدعو، يقول: يَا أيها الناس! ادخلوا الصراطَ جميعًا ولا تخرجًوا، وداع يدعو من جَوْفِ الصّراطِ، فإذا أراد أحدٌ أن يَفتَح شيئًا من تلك الأبواب قال: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْه، [فإنك إن تفتحه] (١) تَلِجْه ". وفي رواية (٢): "فلا يقع أحدٌ في حدود الله حتى يكشف الستْرَ". قال: والصراط: الإسلام، والسوْرَانِ: حدود الله تعالى، والأبواب المفتَحة: محارم الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي في جوف الصراط: وَاعِظُ الله في قلبِ كلِّ مسلم".
فبيَّن أن في قلب كل مؤمنٍ واعظًا يَعِظُه، والوعظ هو الأمر والنهي، ترغيبٌ وترهيب (٣)، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) [أي يؤمرون به] (٤) (لكان خيراً لهم) (٥). وقال تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)) (٦) أي ينهاهم، وذلك يُسمَّى إلهامًا ووحيًا.
وأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان، وقد قال كثير من السلف:
стр. 590
الميزان: العدل (١)، وقال بعضهم: الميزان اسم لما يُوزَن به، والمقصود به العدل، كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (٢). فأخبر أن المقصود بإنزال ذلك أن يقوم الناس بالقسط. فدلّ ذلك على أنه أنزل في القلوب من الميزان ما يعلم [به] (٣) القسط. ومن ذلك: الاعتبار، وهو اعتبار الشيء بنظيره، كما قال ابن عباس ﵁ في دية الأصابع: هلاّ اعتبرتموها بدية الأسنان؟ (٤) يعني إذا كانت ديتها واحدةً مع اختلافِ منافعها، فكذلك الأصابع ديتها واحدة مع اختلاف منافعها، كما أن النفوس مختلفة الفضائل مع (٥) أن ديتَها واحدة، إذْ (٦) كان جَعْل (٧) الديات المقررة بالشرع مختلفةً باختلاف التلف أمرًا (٨) لا يقدر البشر على معرفته وضبطه، وما عجزوا عن العلم به سقطَ عنهم الأمر به، كما يسقط فيما يعجزون عن العمل به.
стр. 591
ولهذا قال تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (١). فبيَّن أنه لا يكلف النفوس (٢) إلاّ وسعها، لا يكلّفها من القسط الذي أُمِروا به ما يعجزون عن معرفته، ولهذا يقال: هذا أمثل من هذا وأشبه، أي أقرب إلى العدل الثابت في نفس الأمر، الذي لا يمكنُ العبادَ معرفتُه، وإنما كلِّفوا من ذلك ما يُطيقونه، وهو الأقرب إليه. ولهذا يقال لمثل هذه الطريقة: المُثْلَى، ثم كل قوم يسمون ما يرونه أقربَ إلى العدل: الطريقة المُثْلَى، ويقولون: هذا أمثل، كما قاله فرعون: (ويذهبا بطريقتكم المثلى (٦٣)) (٣).
ولهذا كان ضَمَانُ النفوس والأموال مبناهُ (٤) على العدل ، كما قال: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (٥)، وقال (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (٦)، وقال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم) (٧).
والتماثل المأمور به معتبرٌ (٨) بحسب الإمكان، والاجتهادُ في
стр. 592
معرفة التماثل هو من باب الاجتهاد الذي اتفق عليه العلماء: مُثبِتو القياس ونُفَاتُه، وقد يكون في نوع من الأنواع، وقد يكون في عيني معيَّنه، ويُسمَّى تحقيق المناط. كَاختلافهم في المظلوم بالضرْب واللَّطْم ونحوِ ذلك (١)، مما لا (٢) يُمكِن فيه أن يفعل بخصمه مثل ما فعل به من كل وجه. فأيما أقربُ إلى العدل: أن يُقتَص منه، ويُعتَبر التماثل بحسب الإمكان، كما كان (٣) الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة يفعلون ذلك، وهو المنقول عن النبي ﷺ (٤)؛ أو أن يُعزَّر الظالم تعزيرًا يُرَدُّ إلى اجتهاد الوالي؟ على قولين. والأول هو المنصوص عن أحمد، وهو قول جمهور السلف، والثاني قول طائفة من متأخري أصحابه، وهو المنقول عن أبي حنيفة ومالك والشافعي، قالوا: لأنه لا يمكن فيه المماثلة، والقصاص لا يكون إلاّ مع المماثلة.
ونَظَرُ (٥) الأول أكمل (٦)، وهم أَتبعُ للكتاب والميزان للنصّ
стр. 593
والقياس، لأن المماثلة [من كل] (١) وجهٍ متعذرة، فلو لم يبقَ إلاّ أحدُ أمرينِ: قصاصٌ قريب إلى المماثلة، أو تعزير بعيد عن المماثلة، فالأول أولى؛ لأن التعزير لا يُعتَبر فيه جنس الجناية ولا قدرُها، بل قد يُعزره بالسَّوط أو العصا، وتكون إما لَطمة بيده، وقد يزيد وينقص، وكانت العقوبة بجنس ما فعلَه،/ [١٦١/ب] وتَحرِّيْ المماثلة (٢) في ذلك بحسب الإمكان في ذلك أقربُ إلى العدل الذي أمر اللهُ به، وأنزل له الكتابَ والميزان.
وكذلك تنازعً العلماءُ في المُتْلَف من المال (٣)، إذا لم يُوجَد مثلُه من كل وجهٍ، كالحيوان والآدميين والعقار والثياب والأبنية، وأكثر المعدودات والمذروعات، فمنهم من قال: لا يجب في ذلك إلاّ القيمة بنقد البلد، فيُعطَى المظلومُ الذي فُوتَ عليه حَفُه من الدراهم ما يُقاوَم به ذلك في الشُوق (٤). وقالوا: لأن المثل في الجنس متعذر.
ثمَ مِن هؤلاء مَن طَردَ قياسَه، فقال: وكذلك إذا تلف صيده في الحرم والإحرام، إنما تجب قيمتُه كما لو كان مملوكًا، وقالوا: لا يجوز قَرضُ ذلك، لأن موجب القراض ردّ المثل، وهذا لا مثلَ
стр. 594
له، فلا يجوز قرضه، وهذا قول أبي حنيفة.
ومنهم من خرج عن موجب هذا القياس في الصيد، لدلالة الكتاب والسنة وآثار الصحابة على أن الصيد يضمن بمثله من النَّعَم (١)، وهو مثل مُقَيَّد بحسب الإمكان، ليس مثلاً من كل وجه، وهو في النعامة بدنة، وفي بقرة الوحش بقرة، وفي الظبي (٢) شاة.
وهذا قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد. وهؤلاء يجوِّزُون (٣) قرض الحيوان أيضًا (٤)، لأن السنة دلَّت عليه، فإنه قد ثبت في الصحيح (٥) أن النبي ﷺ استسلف بَكْرًا، وقضى جَملاً خِيَارًا رَبَاعِيًّا، وقال: "إن خياركم أحسنكم قضاء".
ثمّ (٦) من هؤلاء من قال: إن [كان] (٧) القرضُ حيوانًا رد قيمته، طردا للقياس أصله في الإتلاف، فإنه قال: كما يضمن في
стр. 595
الغصب والإتلاف بالقيمة، فكذلك (١) في القرض، إذ لا مِثْلَ له. وهذا قولٌ في مذهب أحمد وغيره، وقال الأكثرون: بل يجب المثل من الحيوان بحسب الإمكان، كما دلّت عليه السنة، وهذا هو المنصوص عن الأئمة.
واختلفت (٢) أقوالهم في الغَصْب والإتلاف، فتارةً يقولون:
يضمن بالقيمة، وتارةً يقولون: يضمن ما سوى الحيوان بالقيمة، وتارةً يقولون: بل الجميع يضمن بالمثل بحسب الإمكان. وهذه الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد. وقد اختلف في ذلك قول (٣) مالك والشافعي أيضًا، فقال الشافعي في الجدار المهدوم ظلمًا: يُعادُ مثلُه، وقال في مواضع: يضمن بالقيمة.
ولم يكن مع من يوجب القيمة في الإتلافِ من النصوص إلاّ قولُ النبي ﷺ (٤): "من أعتقَ شِركا له في عبدٍ، وكان له من المال ما بلغَ ثمنَ العبد، فقُوِّمَ عليهِ قيمةَ عدلٍ، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وأُعْطِيَ شُركاؤُه حِصَصَهم، وعَتَقَ عليه العبدُ".
قالوا: فالنبي ﷺ أوجبَ في نصيب الشريك القيمةَ، ولم يُوجِبْ نصفَ عبدٍ، ولو كان العبد يضمن بالمثل لأوجبَ نصف عبد.
стр. 596
وهذا غلطٌ على الشارع، فإن هذا ليس من باب ضمانِ المتلف، بل هو من باب تملك ملك (١) الغير بالقيمة، فإنّ نصيبَ الشريك يملكه المعتق ثم يعتق عليه بعد ذلك، لا يتلفه قبل أن يملكه (٢)، بخلاف ما لو قتله، فإن ذلك إتلاف. والعلماء القائلون بالسراية متفقون على أنه يعتق على ملك الغير والولاء (٣) دون الشريك. وتنازعوا هل يَسْرِيْ عَقِبَ الإعتاق، أو لا يُعْتَق حتى يؤدي الثمن؟ على قولين مشهورين لهم: الأول هو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني قول مالك، وهو قول في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل (٤)، كما قد بُسِط في موضعه (٥).
وعلى هذا فإذا أدَّى هل يُعْتَق من حينِ الأداء، أو يتبيّن أنه عتق من حين الإعتاق؟ على قولين.
وعلى هذا يَنْبني لو أعتقَ الشريكُ نصيبَه بعد عتق الأول، فعلى القول الذي ذكرنا أنه الصحيح يجوز عتقُه، وعلى الآخر لا يجوز.
وعلى هذا يَنْبني إذا قال أحدُهما: إذا أعتقتَ نصيبَك (٦) فنصيبي حر، فعلى القول الذي بينا رجحانَه يصحُّ هذا التعليقُ، ويُعْتَقُ
стр. 597
نصيبُ الشريكِ المعلقُ من مالِه، وعلى القول الآخر لا يصحُّ التعليقُ، ويُعْتَقُ كفُه من نصيب المعتق إن كان مُوسِرَا، وإن كان المعتق مُعسِرَا صحّ وعَتَقَ عليهما على القولين.
وأيضا فإنه يُفرَّق بين أن يكون المُتْلَفُ (١) عينَا كاملة أو بعضَ عينِ، فإذا كان/ [١٦٢ أ]، المتلف (٢) بعضَ عينٍ فإنه إن وجب نُظِرَ ذلك الجزءُ، لكن بحسب القيمة إذا طلبها الشريكُ، فإن كان المشتركُ (٣) مما ينقسم عنه، وإلّا بيْعَ إذا طلب أحدُهما ذلك، وقسمَ الثمنُ، فلو أتلفَ أحدُ الشريكينَ عينَا مشتركة تُمكِنُ قسمتُها، فالواجب جز مقسوم لا مُشاع إذا طلب أحدُهما ذلك، وإن تراضيا بالشركة وَجَبَ جزءٌ مشترك، وإن كان مما لا تُمكِن قسمتُه فإنما يَجِبُ نصفُ عينٍ إذا تراضيا بذلك، وإلّا وَجَبَ نصفُ القيمة لأجلِ وجوبِ القيمةِ.
والمقصود هنا أن الذين يُوجبون في ضمان المُتْلَفِ القيمةَ ليس معهم أصلٌ يُقِيمون (٤) عليه قولًهم، لا كتاب ولا سنَّة، وإنما هو رأي محض، ظَنوا أن المثلَ إنما يكون في القيمة. ثمَ مَن طَردَ منهم قياسَه ظهر تناقضُه (٥) للكتاب والسنة، ومن لم يَطْرده ظهر مناقضتُه
стр. 598
ومخالفته لبعض النصوص أيضًا.
وهذا الأصل هو الحكومةُ المذكورة في كتاب الله (١)، التي حكَمَ فيها داودُ وسليمانُ إذ حَكَما في الحرث الذي نَفَشَتْ فيه غنَمُ القوم، والحرث هو البستان، وقد روي أنه كان بستانَ عنَبٍ الذي يُسمَّى الكَرْمَ، ونَفْشُ الغنمِ إنما يكون بالليل، فقضى سليمانُ بالضمان على أصحابِ الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل، بأن يَعْمُروا البستانَ حتى يعودَ كما كان. وأما مُغَلُّه مِن حِيْنِ الإتلافِ إلى حينِ الكمالِ فأعْطَى أصحاب البستان ماشيةَ أولئك، ليأخذوا من نمائِها بقدر نماءِ البستانِ، وقد اعتبرَ النَّماءَيْنِ فوجدهما سواءً. كما أن داود لمّا حكمَ لأصحاب البستانِ بالغنم نفسِها قد اعتبر قيمتَها، فوجدَها بقدر ما أُتْلِف (٢) من البسمتان، ولم يكن لهم مالٌ غيرُها، وقد رَضُوْا بأخذِها ما لم يُطالبوا بدراهم، أو تعذَّر بيعُها بدراهم.
وقد تنازع علماءُ المسلمين في مثلِ هذه القضية على أربعة
стр. 599
أقوال (١):
فمنهم مَن حَكَم بمثلِ حُكم (٢) سليمان ﵇ في النَفْشِ وفي المثل، وهذا هو الصواب، وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد ذُكِر (٣) ذلك وجهًا في مذهب الشافعي ومالك.
والثاني: موافقتُه في النَّفْشِ دون المثل، وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد.
والثالث: بالعكس، وهو موافقتُه في المثل دونَ النَّفْشِ، وهو قولُ من قاله من أهل الظاهر كداود وغيره.
والرابع: أن النفْشَ لا يُوجِبُ الضمانَ، ولو كان لم يكن بالمثل بل بالقيمة، وهو مذهب أبي حنيفة.
وهذا من اجتهاد العلماء في القياس والتمثيل الذي اتفقوا على صحةِ أصلِه، فإنهم متفقون على ما دلَّ عليه القرآن من أن جزاءَ سيئةٍ سيئةٌ مثلُها، وأن المعاقبةَ تكون بالمثل، وأنّ من اعتدى يعتدى عليه بمثل ما اعتدى (٤). فما كانت المماثلةُ فيه ظاهرةً لم يتنازعوا فيه،
стр. 600
كما لو أتْلَفَ مَكِيلاً أو موزونًا متماثلَ الأجزاءِ، كالدرهم والحِنْطة ونحو ذلك، فإن الواجبَ هنا المِثْلُ إذا أمكن. وكذلك يجبُ في القرضِ مِثْلُ ذلك.
وكذلك لم يتنازعوا فيما ظَهرتْ فيه المماثلةُ في القصاص، كما لو قَطَعَ عُنُقَه بالسيف، فاتفقوا على أنه يُقْطَعُ عنقُه بالسيف.
ولكن تنازعوا فيما إذا قتلَه بالجرحِ في غيرِ العنقِ، أو بغير القتلِ كالتحريق والتغريق (١): هل يُفْعَل به كما فَعَل- كما يقوله مالك والشافعي وأحمد في (٢) إحدى الروايات-؛ أو لا قَوَدَ إلاّ بالحديد في العُنُق- كقول أبي حنيفة واْحمد في إحدى الروايات-؛ أو يُفرق بين الجرح المُزْهِق وغير المُزْهق- كالرواية الثالثة عن أحمد-؛ أو بين المُزْهق وما كان مُوجبًا للقَوَدِ بنفسِه كقطع اليد، وبين ما ليس من هذين النوعين- كالرواية الرابعة عن أحمد-؟
فهذا من اجتهاد العلماء في (٣) تحقيق القياس والعدل والتماثل الذي اتفقوا على اعتبارِه، متى (٤) تعذرتِ المماثلةُ المطلقةُ من كل وجه. والذي يدكُ عليه النصُّ والاعتبار الصحيحُ هو القول الأول، وهو أن يُفعَل به كما فَعَلَ، فإن ماتَ بذلك، وإلّا قُتِل، فإن النبي