← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وهذا غلطٌ على الشارع، فإن هذا ليس من باب ضمانِ المتلف، بل هو من باب تملك ملك (١) الغير بالقيمة، فإنّ نصيبَ الشريك يملكه المعتق ثم يعتق عليه بعد ذلك، لا يتلفه قبل أن يملكه (٢)، بخلاف ما لو قتله، فإن ذلك إتلاف. والعلماء القائلون بالسراية متفقون على أنه يعتق على ملك الغير والولاء (٣) دون الشريك. وتنازعوا هل يَسْرِيْ عَقِبَ الإعتاق، أو لا يُعْتَق حتى يؤدي الثمن؟ على قولين مشهورين لهم: الأول هو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني قول مالك، وهو قول في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل (٤)، كما قد بُسِط في موضعه (٥). وعلى هذا فإذا أدَّى هل يُعْتَق من حينِ الأداء، أو يتبيّن أنه عتق من حين الإعتاق؟ على قولين. وعلى هذا يَنْبني لو أعتقَ الشريكُ نصيبَه بعد عتق الأول، فعلى القول الذي ذكرنا أنه الصحيح يجوز عتقُه، وعلى الآخر لا يجوز. وعلى هذا يَنْبني إذا قال أحدُهما: إذا أعتقتَ نصيبَك (٦) فنصيبي حر، فعلى القول الذي بينا رجحانَه يصحُّ هذا التعليقُ، ويُعْتَقُ

стр. 597

نصيبُ الشريكِ المعلقُ من مالِه، وعلى القول الآخر لا يصحُّ التعليقُ، ويُعْتَقُ كفُه من نصيب المعتق إن كان مُوسِرَا، وإن كان المعتق مُعسِرَا صحّ وعَتَقَ عليهما على القولين. وأيضا فإنه يُفرَّق بين أن يكون المُتْلَفُ (١) عينَا كاملة أو بعضَ عينِ، فإذا كان/ [١٦٢ أ]، المتلف (٢) بعضَ عينٍ فإنه إن وجب نُظِرَ ذلك الجزءُ، لكن بحسب القيمة إذا طلبها الشريكُ، فإن كان المشتركُ (٣) مما ينقسم عنه، وإلّا بيْعَ إذا طلب أحدُهما ذلك، وقسمَ الثمنُ، فلو أتلفَ أحدُ الشريكينَ عينَا مشتركة تُمكِنُ قسمتُها، فالواجب جز مقسوم لا مُشاع إذا طلب أحدُهما ذلك، وإن تراضيا بالشركة وَجَبَ جزءٌ مشترك، وإن كان مما لا تُمكِن قسمتُه فإنما يَجِبُ نصفُ عينٍ إذا تراضيا بذلك، وإلّا وَجَبَ نصفُ القيمة لأجلِ وجوبِ القيمةِ. والمقصود هنا أن الذين يُوجبون في ضمان المُتْلَفِ القيمةَ ليس معهم أصلٌ يُقِيمون (٤) عليه قولًهم، لا كتاب ولا سنَّة، وإنما هو رأي محض، ظَنوا أن المثلَ إنما يكون في القيمة. ثمَ مَن طَردَ منهم قياسَه ظهر تناقضُه (٥) للكتاب والسنة، ومن لم يَطْرده ظهر مناقضتُه

стр. 598

ومخالفته لبعض النصوص أيضًا. وهذا الأصل هو الحكومةُ المذكورة في كتاب الله (١)، التي حكَمَ فيها داودُ وسليمانُ إذ حَكَما في الحرث الذي نَفَشَتْ فيه غنَمُ القوم، والحرث هو البستان، وقد روي أنه كان بستانَ عنَبٍ الذي يُسمَّى الكَرْمَ، ونَفْشُ الغنمِ إنما يكون بالليل، فقضى سليمانُ بالضمان على أصحابِ الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل، بأن يَعْمُروا البستانَ حتى يعودَ كما كان. وأما مُغَلُّه مِن حِيْنِ الإتلافِ إلى حينِ الكمالِ فأعْطَى أصحاب البستان ماشيةَ أولئك، ليأخذوا من نمائِها بقدر نماءِ البستانِ، وقد اعتبرَ النَّماءَيْنِ فوجدهما سواءً. كما أن داود لمّا حكمَ لأصحاب البستانِ بالغنم نفسِها قد اعتبر قيمتَها، فوجدَها بقدر ما أُتْلِف (٢) من البسمتان، ولم يكن لهم مالٌ غيرُها، وقد رَضُوْا بأخذِها ما لم يُطالبوا بدراهم، أو تعذَّر بيعُها بدراهم. وقد تنازع علماءُ المسلمين في مثلِ هذه القضية على أربعة

стр. 599

أقوال (١): فمنهم مَن حَكَم بمثلِ حُكم (٢) سليمان ﵇ في النَفْشِ وفي المثل، وهذا هو الصواب، وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد ذُكِر (٣) ذلك وجهًا في مذهب الشافعي ومالك. والثاني: موافقتُه في النَّفْشِ دون المثل، وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد. والثالث: بالعكس، وهو موافقتُه في المثل دونَ النَّفْشِ، وهو قولُ من قاله من أهل الظاهر كداود وغيره. والرابع: أن النفْشَ لا يُوجِبُ الضمانَ، ولو كان لم يكن بالمثل بل بالقيمة، وهو مذهب أبي حنيفة. وهذا من اجتهاد العلماء في القياس والتمثيل الذي اتفقوا على صحةِ أصلِه، فإنهم متفقون على ما دلَّ عليه القرآن من أن جزاءَ سيئةٍ سيئةٌ مثلُها، وأن المعاقبةَ تكون بالمثل، وأنّ من اعتدى يعتدى عليه بمثل ما اعتدى (٤). فما كانت المماثلةُ فيه ظاهرةً لم يتنازعوا فيه،

стр. 600

كما لو أتْلَفَ مَكِيلاً أو موزونًا متماثلَ الأجزاءِ، كالدرهم والحِنْطة ونحو ذلك، فإن الواجبَ هنا المِثْلُ إذا أمكن. وكذلك يجبُ في القرضِ مِثْلُ ذلك. وكذلك لم يتنازعوا فيما ظَهرتْ فيه المماثلةُ في القصاص، كما لو قَطَعَ عُنُقَه بالسيف، فاتفقوا على أنه يُقْطَعُ عنقُه بالسيف. ولكن تنازعوا فيما إذا قتلَه بالجرحِ في غيرِ العنقِ، أو بغير القتلِ كالتحريق والتغريق (١): هل يُفْعَل به كما فَعَل- كما يقوله مالك والشافعي وأحمد في (٢) إحدى الروايات-؛ أو لا قَوَدَ إلاّ بالحديد في العُنُق- كقول أبي حنيفة واْحمد في إحدى الروايات-؛ أو يُفرق بين الجرح المُزْهِق وغير المُزْهق- كالرواية الثالثة عن أحمد-؛ أو بين المُزْهق وما كان مُوجبًا للقَوَدِ بنفسِه كقطع اليد، وبين ما ليس من هذين النوعين- كالرواية الرابعة عن أحمد-؟ فهذا من اجتهاد العلماء في (٣) تحقيق القياس والعدل والتماثل الذي اتفقوا على اعتبارِه، متى (٤) تعذرتِ المماثلةُ المطلقةُ من كل وجه. والذي يدكُ عليه النصُّ والاعتبار الصحيحُ هو القول الأول، وهو أن يُفعَل به كما فَعَلَ، فإن ماتَ بذلك، وإلّا قُتِل، فإن النبي

стр. 601

- ﷺ أَمَرَ برَضْخِ رأسِ اليهوديِّ الذي رَضَخَ رأس الجارية، لما اعترفَ بأنه قتلَها (١)، وكان/ [١٦٢ ب] هذا قَتْلاً بالقصاصِ لا بِنَقْضِ العَهْدِ، إذْ لو قَتَلَه بمجرد نقضِ العهد- كما يُقْتَل الحربيُّ الأسِيْرُ- لقَتَلَه في العنق. وأيضًا فالعدلُ في أن يُفْعَلَ به كما فَعَلَ أقربُ من أن تُضْرَبَ عنقُه بالسيف، مع كونه حَرَّقَ الأولَ، أو قَطَعَ أربعتَه، أو مَثلً به. وقد أباحَ اللهُ أن نُمَثلِّ بمن مَثَلَ بنا، وإن كانت المُثْلَةُ بدون ذلك منهيًّا عنها بقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (٢)، فدلَّ على أن التمثيلَ بجَدْعِ الأنفِ والأذنِ هو من العقوبة بالمثل. وإذا قِل: هذا يُفضِي إلى أن يُؤخذ أكثر. قيل: وما ذكرتم يُفضِي غالبًا إلى (٣) أن يُؤخَذَ أنْقَص من الواجب. وهذا أقربُ إلى المماثلة، فإنه يكون تارةً أكثرَ، وتارةً يكون أنقصَ، ولكن هذا أقرب إلى العدل من الذي يكون دائمًا أنقص. وإذا قيل: في غير الجرح المزهق ربما نقص منه، فيُفضي إلى جرحه مرتين.

стр. 602

قيل: لو ضربه في العنق فلم يَمُتْ (١)، كان له أن يضربه ثانيةً بالاتفاق، وإن كان في ذلك ضرب مرتين، لأن هذا أقربُ إلى العدل. والمقصودُ بهذا أن ننبه على أن الناسَ يتنازعون في التماثل الواجب، حيث اتفقوا على وجوب المثل، وأن الاجتهادَ في مثل هذا متفق عليه، فكذلك التماثلُ في غير هذا يتنازعون فيه، وذلك مما يدل على أن تنازعُ الناسِ في كثير من القياس لا يَمنعُ أن يكونَ أصل القياسِ- الذي يُقاس فيه الشيءُ بمثلِه وضدِّه- قياسًا صحيحًا، فاعتبارُه بمثله يُوجِب قياسَ الطَرْدِ الذي يُوجِب التسويةَ بينهما، واعتبارُه بضده يُوجب قياسَ العكس الذي يوجب تَضَاد حكمهما. كما إذا اعتبرنا دم السمكِ الذي (٢) تُباح ميتتُه بدمِ ما لا تُباح ميتتُه، فقلنا: يجب أن نفرَق بين الدمين، لأن ذلك لا يُبَاحُ إلاّ بسَفْحِ دَمِه، وهذا يُبَاحُ بدون سَفْحِ دَمِه، فدل على افتراقِ حكم الدميْنِ. وكذلك الوتر لما ثبتَ بالسنة الصحيحة أنه يُصفَى على الراحلة (٣)، ثبتَ بذاك الفرقُ بينَه وبينَ الواجباتِ التي لا يجوز فعلُها على الراحلة، فعُلِم أنه مُفارِق لها لا مماثل لها. والطَرْدُ هو قياسُ الجمع، والعكسُ هو الفَرْقُ، والجمع والفرقُ

стр. 603

يكون بالأمور المعتبرة في الجمع، فيُجْمَعُ بين ما جمع الله بينه، ويكون الجمعُ والفرقُ بالأوصافِ المعتبرةِ في حكم الله ورسوله. فهذا كفُه من الميزان الذي أنزلَه (١) الله مع رسوله (٢)، كما أنزلَ اللهُ الكتابَ.

стр. 604

فصل وإذا تبيَّن أن الكتاب والميزان مُنْزَلَان، فلا يجوز أن يناقض الكتاب بتناقض الميزان (١)، ولا يتناقض الكتابُ والميزانُ، فلا تَتناقَضُ دلالةُ النصوص الصحيحة لا دلالةُ الأقيسة الصحيحة، ولا دلالةُ النص الصحيح والقياس الصحيح، وإنما يكون التناقضُ بين الحق الصحيح واالباطلِ الذي ليس بصحيح، فأما الصحيح الذي كلُه حقّ فلا يتناقض، بل يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا. وقد بسطنا هذا المعنى في مواضع (٢). والمقصود هنا أن نقول: النصوصُ محيطةٌ بجميع أحكام العبادِ ، فقد بيَّن الله تعالى بكتابه وسنة رسوله جميعَ ما أمر الله به وجميعَ ما نهَى عنه، وجميعَ ما أحلَّه وجميعَ ما حرَّمَه، وبهذا أكملَ الدينَ، حيث قال: (اليوم أكملت لكم دينكم) (٣). ولكن قد يَقْصُر فَهْمُ كثيرٍ من الناس عن فَهْمِ ما دلَّت عليه النصوصُ ، والناسُ

стр. 605

متفاوتون في الأفهام، ولذلك قال تعالى: (فَفَهَّمنَاها سليمان) (١)، ولو كان الفهم متماثلاً لما خصَّ به. وكذلك في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ في القضاء إلى أبي موسى الأشعري: "الفَهْمَ الفَهْمَ فيما أُدْلِيَ إليك" (٢). وفي الحديث الصحيح (٣) عن علي ﵁: "إلاّ فهمًا يُؤتيْهِ اللهُ عبدًا في كتابه". وفي حديث أبي سعيد ﵁: (٤) وكان أبو بكر ﵁ أعلَمَنا برسولِ الله ﷺ . وفي الصحيح (٥)

стр. 606

أن النبي ﷺ دعا لابن عباسٍ ﵁ فقال: "اللهم فَقَهْه في الدين وعَلمْه التأويلَ". لكن الناس صاروا هنا ثلاثةَ أقسام (١): (١) قوم من مُثبِتَةِ القياس قالوا: إن النصوص لا تُحيط بأحكام الحوادث، وغَلَا منهم من قال: ولا بعُشُرِ مِعْشارِ الحوادث (٢)، وقال بعضهم: إن النصوصَ متناهية، وحَوادث العبادِ غير متناهية، وإحاطة/ [١٦٣ أ] المتناهي (٣) بغير المتناهي ممتنع (٤). وهذا خطأ (٥)، لأن ما يتناهَى لا يَمتنعُ أن يُجْعَلَ أنواعًا،

стр. 607

فيُحْكَمَ (١) لكل نوع منه بحكيم، والأفرادُ التي لا تَتناهى تدخلُ تحت (٢) تلك الأنواع. هذا إن قُذَر وجودُ ذلك، مع أن أنواعَ الأفعالِ بل والأعراض كلها متناهية، ولو قُذَر أنها لا تتناهى فأفعالُ العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية. وهذا كما يُجْعَلُ الأقاربُ نوعينِ: نوعَا مباحًا، وهن بناتُ العمَ والعمَّةِ وبنات الخالِ والخالة، وما سوى ذلك حرامٌ. وكذلك يُجعَل ما يَنقُض الوضوءَ محصورًا (٣)، وما سوى ذلك لا يَنقُض الوضوءَ. وكذلك ما يُفسِد الصومَ محصورًا (٤)، وما سوى ذلك لا يُفسِدُه، وأمثال ذلك. وإذا كان (٥) أهلُ المذاهب جعلوا لهم قواعدَ (٦) يضبِطون بها ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ، فاللهُ ورسولُه أقدرُ على ذلك، وقد قال النبي ﷺ : "بُعِثتُ بجوامع الكلمِ" (٧)، فهو يأتي بالكلمة الجامعة، وهي قاعدة عامةٌ وقضيةَ كلّيةٌ تَجمع أنواعَا وأشخاصَا (٨)، كقوله لما سُئِل عن أنواع الأشربة كالبِتع والمِزْرِ، وكان قد أُوتيَ جوامعَ

стр. 608

الكلم، فقال: "كل مُسكرِ حرام " (١). والكتاب والسنة مَلَانُ (٢) من هذا (٣)، كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) (٤)، وقوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) (٥)، وقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (٦)، إلى غير ذلك من النصوص. (٢) وقومٌ من نُفاةِ القياس نَفَوا القياسَ الجليَّ الظاهر، حتّى فَرَّقوا بين المتماثلين، وزعموا أنّ الشارعَ لم يَشرع شيئَا لحكمةِ أصلَا، ونَفَوا تعليلَ خلقِه وأمرِه، فقالوا: إنه لا يَخلُق ولا يأمُر لحكمة ولا لنفعِ عبادِه. وهذا الأصل وإن كان قد قاله طائفةٌ من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر، وخالفوا القدريةَ في إثبات القدر، فهم وإن أصابوا في إثبات القدر، وبَينُوا تناقضَ المعتزلة النفاةِ للقدر، فقد رَدُّوا أيضًا من الحق المعلوم بالشرع والعقل ما (٧) صاروا به

стр. 609

ممن رَدَّ بدعةً ببدعةٍ، وقابلوا الفاسدَ بالفاسدِ، فإنهم أنكروا حكمةَ الله تعالى في خلقه وأمره، وأنكروا رحمتَه في خلقه وأمره. وأصلُ قَولهم هو قولُ جهم بن صفوان ومن وافقه على قوله في القدر، كما قد بُسِط الكلام عليهم في غير هذا الموضع (١)، فإنّ القدريةَ من المعتزلة ونحوهم والجهمية الجبرية تناقضوا في هذا الباب تناقضًا بيِّنًا، والسنّة وَسَط، ليست مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. وهؤلاء صاروا في القياس نوعين: قوم (٢) اقروا به، كالأشعري وأتباعه ومن وافقهم من الفقهاء، وقالوا: إن عِلَلَ الشرع إنما هي مجرد (٣) أماراتٍ محضة وعلاماتٍ، كما قالوا ذلك في سائَر الأسباب، فقالوا: إنّ الدعاء إنما هو علامة محضة، والأعمال الصالحة إنما هي علامات، وكذلك سائر ما وجدوه من (٤) الخلق والأمر مقترنًا بعضُه ببعضٍ، قالوا: أحدهما دليل على الآخر لمجرد الاقترانِ والعادةِ الموجودةِ في خَلْقِه وأمرِه، لا (٥) لأنّ أحدهما سبب للآخر، ولا علة له ولا حكمة، ولا له فيه تأثير بوجهٍ من الوجوه (٦).

стр. 610

وأما الفقهاء المعتبرون وسلفُ الأمة وأئمتُها وجمهورُها وجمهورُ متكلميها فعلى خلاف [هذا] (١) القولِ، وإثباتِ الحكمة والرحمة في خلقِه وأمرِه، وإثباتِ لامِ كَيْ في خلقِه وأمرِه، كما دَلَّ على ذلك الكتابُ والسنةُ مع المعقول الصريح، فاتفق على ذلك الكتابُ والميزانُ والسلفُ والفقهاءُ. وجمهورُ الأئمة وأكثرُ طوائفِ الكلام يُنكِرون (٢) قولَ المعتزلة المكذبين بالقدر، وقولَ هؤلاء الجهمية المكذبين بالحكمة والرحمة، فلا يقولون بقول القدرية ولا قول الجهمية. وعامةُ البدع الحادثة بالمعقول الفاسد (٣) في أصول الدين هي من قول هاتين الطائفتين: الجهمية والقدرية، فالجهمية هم رءوس الجبرية الذين أنكروا حكمتَه ورحمتَه، والقدرية أنكروا قدرتَه ومشيئتَه، فأولئك أثبتوا له نوعَا من الملك بلا حَمْدِ، وهؤلاء أثبتوا له [نوعًا] (٤) من الحمد بلا ملك. والصوابُ ما عليه سلفُ الأمة وأئمتها وأهلُ السنة والجماعة: أنه سبحانه/ [١٦٣ ب] له الملك وله الحمد، بل له كمالُ الملك وله كمالُ الحمد. وكلتا (٥) الطائفتين ناظرتِ الفلاسفةَ الدهريةَ في خَلْقِ الرب

стр. 611

وأفعالِه وأقوالِه وحدوثِ العالم مناظرةً فاسدةً، تنبني (١) على مقدِّماتٍ مخالفةٍ للشرع والعقل، وهم يَظُنون أنهم يوافقون الشرعَ والعقلَ، ف لا للإسلام نَصَرُوا ولا للأعداء كَسَرُوا (٢)، وصار ما ابتدعوه في أصول الدين سببًا لضلال طوائفَ ممن وافقَهم وممّن خالفَهم، فإنّ المخالفَ لهم من الفلاسفةِ استطال بما ابتدعوه عليهم وعلى المسلمين، وظَنَّ أنّ ما قالوه هو الذي يقوله المسلمون، وصارت الكتبُ المصنفةُ في الكلام إنما يُذكرَ فيها قولُهم وقول الفلاسفة، ويُجعَل قولُهم هو قول المسلمين، لم يأتِ فيه كتاب ولا سنةٌ، ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين. ولهذا عَظُمَتِ الفتنةُ بالكتب (٣) المصنَّفةِ في الكلام والفلسفة، حتى آل الأمرُ بالأفاضلِ من أهلها (٤) إلى الحيرة والشك (٥)، إذْ (٦) كان فيها من الأمور الإلهية مما يخالف المعقول الصريحَ والمنقول الصحيحَ ما يُوجبُ الحيرةَ والشك لمن لم يَعرِف الهدى إلاّ منها، كما أصاب ذلكَ كثيرًا من رؤساءِ النظار في الكلام المحدَثِ

стр. 612

والفلسفةِ، حتى دخل من ذلك في كلام الفقهاء وأهلِ أصول الفقه ما دخل، فتجدُ الواحدَ منهم إذا بحثَ في الفقه بحثَ فيه (١) بفطرتِه وإسلامه، مُعلِّلاً للأحكام بالعِلَلِ المناسبة، ذاكرًا أنّ اللهَ أَمَرَ بكذا لكذا، وخلقَ كذا لكذا، وفي موضع آخر يُنكِرُ هذا ويقول: لا يخلق ولا يأمر لِعِلةِ، واللام في ذلك لامُ العاقبة لا لامُ كَيْ. فهذا قولُ من أثبت القياسَ من نُفاةِ الحكمةِ والتعليلِ في خَلْقِه وأمرِه. وأما من نَفَى القياسَ فقولُه أشبهُ بهذا الأصلِ، فإنه إذا لم يأمر لحِكمةِ (٢) فلا معنى لتعليلِ أمرِه ونهيِه، لكن مُثبتةَ القياس من هؤلاء قالوا: إن الحكمةَ اقترنتْ (٣) بالأمر وإن لم يأمر لها، وقالوا في الأمر كما قالوا في الخلق، فقالوا: كما جرتْ عادةُ الله تعالى في خلقِه، فَخَلَقَ الشِّبَع عَقِبَ الأكل، والرِّيَّ عَقِبَ الشُّرب، والاحتراقَ عقبَ الإحراقِ، ونحو ذلك، وإن لم يكن خَلَقَ هذا لهَذا ولا لهذا، ولا جعلَ سبحانَه أحدَ هذين علَّةً للآخر عندهم. قالوا: فهكذا أمرُه، أمَرَ بقطِع السارق، لا لأجل حفظ الأموال، بل إذا قُطِعَ السارقُ حُفِظتَ الأموالُ، فاقترن هذا بهذا عادةَ، وإن لم يأمر بهذا لأجل هذا. فالمصلحة عندهم توجد عند

стр. 613

هذه الأسباب، لأنها والأفعال تَقتَرِنُ بها المصلحةُ عادةً، وإن لم تكن أسبابَا وعِلَلَا لها عندهم. . فهذا قولهم، وهو (١) موجود في أقوال كثيرٍ (٢) من المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بن أنس والشافعي وغيرهم، وهي أقوال مُبتَدعة مخالِفة لنصوص الأئمة وأصولهم، ولنصوص الكتاب والسنة، وإجماعِ السلف، والعقلِ الصريح، كما قد بُسِط (٣) في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن نفاةَ القياسِ لمّا سدوا على أنفسهم بابَ التمثيل والتعليل -وهو من الميزان والقسط الذي أنزل الله سبحانه- احتاجوا في معرفة الأحكام إلى مجرد الظواهر، [و] (٤) صاروا معتصمين (٥) بالظاهر والاستصحاب، فحيثُ فهموا (٦) من النصّ حكمًا أثبتوه، وحيثُ لم يفهموه نَفَوه، وأثبتوا الأمرَ على موجب الاستصحاب. وهم وإن أحسنوا في كونهم قالوا: إن النصوص تَفِيْ بجميع الحوادث، وإن الله ورسوله بين الأحكام، وأكملَ الدين، وأغنى الناسَ عما سوى الكتاب والسنة، وأحسنوا في ردِّهم ما

стр. 614

رَدُّوْهُ (١) من الأقيسة الفاسدة- فأخطأوا من ثلاثة أوجُهٍ (٢): أحده ا: ردّ القياس الصحيح . والثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فكم من حكمٍ دلَّ عليه النصُّ، فلم يفهموا دلالتَه عليه، فكانوا مقصِّرين في فهم الكتاب لما قصَّروا في معرفة الميزان. والثالث: جَزْمُهمْ بموجب الاستصحاب، لعدم علمهم بالناقل، وعدمُ العلمِ ليس علمًا بالعَدَم. وكذا تنازعَ الناسُ في استصحاب حال البراءة الأصلية (٣)، فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة: يَصلُح للدفع لا للإبقاء، أي يَصِحُّ أن يُدفَع به مَن/ [١٦٤ أ]، ادّعَى تغييرَ الحال، لإبقاءِ الأمر على ما كان، فإذا لم نَجِدْ دليلاً ناقلاً أمسكنا، لا نُثبت الحكم ولا ننفيه، بل (٤) ندفع من يثبِته (٥). فيكون حالَُ المتمسكِ بالاستصحاب حالَ المعترضِ مع المستدل

стр. 615

يمنعُه (١) الدلالةَ حتى يثبِتَها، لا [أنه] (٢) يُقيم (٣) دليلًا مناقضًا له. وذهب الأكثرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم إلى أنه يَصْلُح لإبقاءِ الأمرِ على ما كان عليه، فإنه إذا غَلَبَ على الظن انتفاءُ الناقل غَلَبَ على الظنّ بقاءُ الأمرِ على ما كان عليه. وهنا لنفي الحكم ثلاثُ (٤) مسالك: أحدها: التمسك بالاستصحاب المحض، مثل أن يقال في مسألة وجوب الوتر أو الأضحية أو غير ذلك: الأصلُ عدمُ الوجوب، والذمةُ كانتْ بريئةً من الإيجاب، وليس في الشرع ما يُزِيل ذلك، فالأصل بقاءُ الذمةِ بريئةَ من الوجوب. وهذا مستقيم فيما لا يَجبُ ولا يَحْرُم إلاّ بالشرع، كوجوب الوتر والأضحية وسجود التلاوة، وكذلك تحريم ما لا يحرم إلاّ بالشرع، كالضب واليربوع وسِنَّورِ البر، ونحو ذلك مما اختُلِفَ في تحريمه، وكالعقودِ المتنازعَ في تحريمها، كالمساقاة والمزارعةِ وغيرِ ذلك. المسلك الثاني: أن نُبين من أدلة الشرع العامة ما ينفي الوجوبَ والحرمةَ فيما لم يُوجِبْه الشارعُ ولم يُحرً مْه، كقوله تعالى:

стр. 616

(َقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (١)، وقول النبي ﷺ : "ذرُوني ما تَركْتكم، فإنما هلكَ من كان قبلكم بكثرةِ سؤالهم واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا نَهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" (٢). وقوله لما قال: "إن الله كتبَ عليكم الحج"، قالوا: أَفِي كل عام؟ قال: "لا، ولو قلتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ" (٣). والمسلك الثالث أن يقال: الحكم الشرعي لا يثبت إلاّ بدليله، والدليلُ مُنتفٍ، فلا يثبت. وهذا يُسَمَى حَصْرَ المداركِ ونفيها، وهذا مضمونُه أنَ ثبوتَ الحكمِ في حَقَّنا بدون دليلٍ منتفٍ، والدليلُ منتفٍ، فيَنْتَفي الحكمُ، وإذا انتفى أحدُ النقيضين ثبتَ الآخر. والدليل وإن كان لا ينعكس، بل قد يَثبتُ الشيءُ بدون دليله، فهذا مما (٤) ليس علينا معرفته. وأما الأحكام التي هي الأمر والنهي، التي علينا أن نَعرِفَها، فلا تَثبتُ بدون دليلها. وأيضًا فإنّ قولَ اللهِ ورسوله هو المثبتُ لهذه الأحكام، فإذا انتفى الموجبُ انتفى مُوجَبُه، فانتفتْ لانتفاء (٥) مُوْجبها، وهو دليلُه، فإن خَطابَ الشارعِ ليس دليلاً مختصًّا، بل هو الَدليل، وهو

стр. 617

المُثْبِتُ لها في نفس الأمر، ولا واجبَ إلاّ ما أوجبَه الله تعالى ورسولُه، ولا حرامَ إلاّ ما حرَّمه الله ورسولُه. هذا إذا (١) أثبتنا بموجب الخطاب، مثل أن نقول: أوجبَ اللهُ ذلك فوجبَ، وحَرَّمَه فحَرُم، فهُنا شيئان: إيجاب ووجوب، وتحريم وحرمة، فالايجاب والتحريم يعود إلى خطاب الشارع وكلامه، والوجوب والحرمة فهو صفة الفعل. والفقهاء يثبتون هذين النوعين من الأحكام (٢)، وأما المعتزلةُ فلا تُثبِت إلاّ الثاني، والجهميةُ ومن وافقَهم من الأشعرية وغيرهم لا يثبتون إلاّ الأولَ، إذ ليس عندهم للأحكام سببٌ (٣) ولا حكمةٌ. والمقصود أن كل واحدٍ من النوعين لا يثبُت إلاّ بالدليل الشرعي، فإذا انتفى الدليل الشرعي، لَزِمَ انتفاءُ هذا الحكم، لكون ثبوته مستلزمًا للدليل الشرعي، وثبوت الملزوم بدون اللازم محالٌ، بخلاف المدلول الذي لا يستلزم الدليلَ. وهذا لأن الدليل لابُدَّ أن يستلزمَ مدلولَه، فيلزم من ثبوت الدليلِ ثبوتُ المدلولِ، ولولا ذلك لم يكن دليلاً عليه، إذ لو اقترنَ به المدلولُ تارةً، وتَخَلَّفَ (٤) عنه أخرى (٥)، لم يكن- إذا تحقَّقَ الدليل- وجودُ المدلولِ معه بأولَى

стр. 618

من عَدَمه، فلهذا كان الدليل مستلزمًا للمدلول، إمّا قطعًا (١) إن كان يقينيًّا (٢)، وإما ظنًّا (٣) إن كان ظنيًّا، ولا ينعكس، فلا يلزم من عدم الدليل عدمُ المدلولِ، كما لا يلزم من عدمِ الملزوم عدمُ اللازم، لأنّ الدليل هو الملزوم، إلاّ أن تكون الملازمة من الجانبين، بحيث يكون كلّ من الأمرين لازمَا للآخر ملزومًا له، كالحكم الشرعي والدليل الشرعي، فإنه إذا ثبت الدليل الشرعي [ثبت الحكم الشرعي] (٤)، وإذا ثبت الحكم/ [١٦٤ ب] الشرعي فلابدَّ له من دليلٍ شرعي. فلما كان التلازم (٥) من الجانبين جاز الاستدلال بثبوت كل (٦) منها على ثبوت الآخر، وبانتفائه على انتفائه، كالأبوة والبنوةِ لما تلازما جاز أن يُستَدَلَ بثبوتِ كل منهما على ثبوت الآخر، وبانتفائه على انتفائه. وكذلك إرادةُ الرب ومرادُه، فإنه ما شاء كان وما لم يشأْ لم يكنْ، فإرادتُه تَستلزم (٧) المرادَ وتدل عليه، فوقوعُ الكائناتِ تَستلزم إرادتَه وتدلُّ عليها، ولهذا كان الاستثناءُ في الأيمانِ مانعًا من الحِنْثِ، كما إذا قال: واللهِ لا أفعل كذا إن شاء الله، فإن

стр. 619

فَعَلَه (١) عُلِمَ وجودُ المشيْئة، وإن [لم] (٢) يفعلْه عُلِمَ انتفاؤُها. وكذلك كل حكمٍ له سببٌ واحدٌ، كالقتل العمد العدوان المحض (٣)، فإنه مستلزم لثبوت القَوَد، وثبوتُ القود مستلزمٌ له. وكذلك القصر والسفر، فإن القصر ليس له سببٌ إلاّ السفر، فحيث كان سفرٌ كان قصرٌ، وحيث كان قصر (٤) كان سفرٌ، إما سفر مقدَّرٌ عند من يقول به، وإما مطلقُ السفر عند من لا يَخُص القصرَ بسفرٍ مقدر. فنفْيُ الحكم الشرعي تارة يكون بالاستصحاب، وتارة بدليلٍ شرعي يدكُ على نفسه، وتارةً بانتفاء دليلِه وسببِه اللازمِ له، فإنه إذا انتفى اللازمُ انتفى ملزومُه. والمقصود هنا أن نُفاةَ القياس لفا سَدُوا بابَ التعليل ونَفَوا (٥) التمثيل، وقَصَروا في معرفة النصوص وفهمها، ظهر من خَطَئِهم في الأحكام ما شَنَّعَ به عليهم الناسُ، وإلاّ فلو أَعْطَوا النصوصَ حقَّها من المعرفة والفهم لدلتْ على جميع الأحكام، واستغنَوا بذلك عن القياس، وإن كان القياس أيضًا دليلاً صحيحًا يوافقُ دلالةَ الظاهر.

стр. 620

والتعليلُ صحيحٌ (١)، وهم مخطئون في نفي التمثيل والتعليل. كما أن مُثبتةَ القياسِ لو لم يقيسوا إلاّ قياسًا صحيحًا لَمَا خالفوا نصًا قَط، لكنَ حيث خالفوا النصوص بالقياس فلابدّ أن يكون القياسُ فاسدًا، ولكن قد يَخفَى فسادُه، كما قد تخفى صحتُه إذا دَق. فكما تَخْفَى دلالةُ النص تارةً وتظهر أخرى، وخفاءُ الدلالة وظهورُها أمرٌ نِسْبِى، فقد يَخْفى على هذا ما يَظْهر لهذا. وإلّا (٢) فالذين خالفوا أحاديثَ القُرعَة (٣) والقيافة (٤)، وحديثَ ذي اليدين (٥)، وحديثَ أكلِ الناسي في رمضان (٦)، وحديث الصَيد الذي يوجد ميتًا بعد المغيب ولا أثَرَ فيه إلاّ للسهْم (٧)، حديث إيجاب التسمية على الذبيحة والصيد (٨)، وحديث الشاهد

стр. 621

واليمين (١)، وأحاديث الجمع بين الصلاتين (٢)، وحديث قَطْعِ الصلاة بالكلب الأسود والمرأة والحمار (٣)، وحديث جَعْلِ الطلاقِ الثلاثِ واحد (٤)، وحديث يُعذب الميّتُ ببكاء أهلِه عليه (٥)، وأمثال ذلك من الأحاديث الصحيحة، التي ليس مع مخالفيها إلاّ ما يُظَنُّ أنه ظاهر، أو ظاهر نمن آخر، أو مُقتضَى قياس (٦)، متى تدبَّرتَ المعارضَ لذلك لم تَجدْه -ولله الحمد (٧) - معارضًا صحيحًا، بل تجدُ (٨) ما عارضَ بهَ الظاهرَ إما حديثٌ ضعيف، وإما

стр. 622

حديث ظاهر لا دلالة فيه، وإمّا قياسٌ فاسد، وإمّا دعوى إجماع قد عُلِمَ انتفاؤه ووجودُ النزاعِ في تلك المسألة. وكذلك نُفاةُ القياس مع قصورهم في فهم النصوص تجدهم قد اضْطُرُّوا إلى مقالات في غاية الفساد، كأقوال في الفرائض، فإنّ المسائل التي تنازعَ فيها الصحابةُ- كالعُمَريتَيْنِ (١) والحِمَارِية التي تُسمَّى المشتركة (٢)، وأمثال ذلك- لمّا لم يدخلوا في المعاني، ولا فهموا دلالةَ النصوص على ذلك، صاروا يعملون بما يَظنونه استصحابًا للإجماع، فيقولون في مسألة الحمارية -وهي زوجٌ وأمٌّ وابنان من ولد الأم وبعض ولد الأبوين- يقولون: قد اتفقوا على توريث ولد الأمّ، وتنازعوا في توريث ولد الأبوين، ولم يَقُمْ دليلٌ على توريثهم، فيَنْتَفِي توريثُهم لانتفاءِ دليلِه. وهذا خطأ، فإن الإجماع إنما انعقد على أنهم يَرِثون بعضَ

стр. 623

الثلث الباقي، وتنازعوا في بعضه الآخر، هل هو لهؤلاء أو (١) هؤلاء، فإذا جعلناه لأحدهما لم يكن ذلك مجمعًا عليه، فإن كان معنا دليلٌ غيرُ الإجماع، وإلاّ فهذا قولٌ بلا دليلٍ أصلاً. وهذا بخلاف تنازُعِهم في ديّةِ الذمّي، إذا قال قائل: هي دون الثلث، لأنّ الإجماعَ انعقدَ/ [١٦٥ أ] على وجوب ذلك، والذمةُ بريئةٌ مما زاد عليه، ولا بيّنةَ إلاّ بدليل، فإن هذا نَفَى الزيادة (٢) باستصحاب براءة الذمة. والتمسكُ بالاستصحاب في مثل هذا وإن كان أَضْعَفَ من غيرِه -لأنه قد وُجد جناية تُوجِبُ شَغْلَ الذمةِ قطعًا، فعلمنا أن الذمة مشتغلة قطعًا (٣)، وقد وجب لهذا على هذا حق، لكن لم يُعْلَم مقدارُه- فليس هذا كالميراثِ المتنازعَ فيه، لأنه لأحد المتنازعين قطعًا، ولم يُجمِعُوا على وجوبِه لأحدِهما، ولا يُورَثُ أحدُهما دون الآخر (٤) الجميع. وأما استصحابُ حال الإجماع بعد زوال المحلّ المجمع عليه، كقولهم في المصلي إذا رأى الماء: كانت صلاتُه صحيحةً بالإجماع قبل وجود الماء، والأصلُ بقاءُ ما كان على ما كان، ولم يَقُمْ دليلٌ على الفساد. وكذلك قولهم: أمُ الولدِ كان بيعُها صحيحًا قبل الاستيلاد،

стр. 624

فمن ادعى التحريم فعليه الدليل. فهذا فيه نزاع مشهور (١)، يحتج به طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، كالمزني والصيرفي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي عبد الله بن حامد وأبي عبد الله بن الخطيب الرازي وغيرهم. وينكره آخرون، كابي حامد والطبري والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب والحلواني وابن الزاغوني وغيرهم. والذين أنكروه قالوا: إن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محل النزاع، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة، فأما بعد الرؤية فلا إجماع، فيمتنع دعوى الإجماع في محل النزاع. وهذا الذي قالوه نقيضُ الإجماع في محل النزاع، وهذا صحيح، والذين استدلوا به لم يَدعُوا الإجماع في محل النزاع، بل استصحبوا حالَ المجمع عليه. قال المنكرون: فالحكم إذا كان إنما يثبت بالإجماع، يزول الحكم لزوالِ دليله، ويبقى إثباتُ الحكمِ بعد ذلك إثباتا بغير دليل. وأما المستدِلُون فيقولون: الحكم لمّا كان ثابتًا، وعلمنا بالإجماع ثبوتَه، فالإجماعُ ليس هو علةَ ثبوته ولا سببَ ثبوته في

стр. 625

نفس الأمر، حتى يلزمَ من زوالِ العلَّة زوالُ المعلول، ومن زوالِ السبب زوالُ حكمه، وإنما الإجماع دليل عليه، وهو في نفس الأمر يَستند إلى نص أو معنى نص. فنحن نعلم أن الحكم المجمعَ عليه ثابتٌ في نفس الأمر، والدليل لا ينعكس، فلا يَلزمُ (١) من انتفاء الإجماع انتفاءُ الحكم، بل يجوز أن يكون نافيًا، ويجوز أن يكون منتفيًا (٢)، لكن الأصلَ بقاؤه، فإن البقاءَ لا يفتقر إلى حادث، ولكن يَفتقِرُ (٣) إلى بقاءِ سببِ ثبوته. وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يُزِيْلُ الأولَ، وإلى ما يُحْدِثُ الثاني، وإلى ما يُبْقي (٤) الثاني، فكان ما يَفتقِرُ إليه الحادثُ أكثر مما يفتقر الباقي، فيكون البقاءُ أولى من التغيير. وهذا مثل استصحاب حال براءةِ الذمَّةِ، فإنها كانت بريئةً قبلَ وجودِ ما يُظَن أنه شاغل (٥)، ومع هذا فالأصل البراءة. والتحقيقُ أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة، لكن لا يجوز الاستدلالُ به إلاّ بعدَ الاجتهادِ في معرفةِ المُزِيْلِ، ولا يجوز الاستدلالُ به لمن لا (٦) يَعرِفُ الأدلة الناقلة، كما لا يجوز

стр. 626

الاستدلال بالاستصحاب لمن لا يعرف الأدلة الناقلة. وبالجملة الاستصحابُ لا يجوز الاستدلالُ به إلاّ إذا اعتقد انتفاء الناقلِ، فإن قَطَعَ المستدلُّ بانتفاء الناقل قَطَعَ ببقاء الحكم، كما يَقْطَعُ ببقاءِ شرع محمد ﷺ ، وأنه غير منسوخ، وإن ظنّ انتفاءَ الناقلِ ظنَّ بقاءَ الحكم، فإن كان الناقلُ دليلاً تَبَيَّنَ (١) له انتفاءُ دلالتِه ظنَّ انتفاءَ النقلِ (٢)، وإن كان معنى مؤثرًا وتبينَ له عدمُ اقتضائِه، تبيَّن له بقاءُ النقل، مثل رؤية الماء في الصلاة، فلا يطمئن قلبه إلى بقاء الصلاة إن لم يتبين له أن رؤيةَ الماء في الصلاة لا تُبطِل الطهارةَ، وإلّا فمعَ تجويزِه لكونِ هذا ناقضًا للوضوء لا يَطمئن ببقاء الوضوء. وهكذا في كل من يَتَورع في انتقاضِ وضوئه ووجوب الغسل عليه، فإن الأصلَ بقاءُ طهارته، كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاساتِ من غير السبيلين، وبالخارج النادر منهما، وبمسّ النساء لشهوةٍ ولغير شهوةٍ غيرِ الجماع، ومسنَ الذكر، وأكلِ ما مسَّتْه النار، وغسل الميت، وغيرِ ذلك، لا يمكن اعتقادُ/ [١٦٥ ب] استصحاب الحالِ حتى يَتبينَ له بطلانُ ما يُوجبُ الانتقالَ، وإلاّ بقي شاكًا، وإن لم يَتبينْ له صحةُ الناقل، كما لَو أخبره فاسق بخبير، فإنه مأمور بالتبين والتثبُّت، لم يُؤْثرْ (٣) تصديقَه ولا تكذيبَه، فإن كلاهما ممكن

стр. 627

منه، وهو مع خبره لا يستدل باستصحاب الحال، كما كان يستدل به بدون خبره. ولهذا جُعِلَ ذلك لوثًا وشُبهة في أظهر قولي العلماء. وإذا شَهِدَ مجهولُ الحال فإنه هناك شاك في حال الشاهد، ويلزم منه الشك في حال المشهود به، فإذا تَبيَّنَ عدلُه تَمَّ الدليلُ، وعند شهادة المجهولين تَضعُف البراءةُ أعظمَ مما تَضْعُفُ عند شهادةِ الفاسق، فإن الشهادة قد يكون دليلاً، ولكن لم تُعْرَفْ دلالتُه، وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بذلك، لكن يمكن وجودُ المدلولِ في هذه الصورة، فإنَّ صدقَه ممكن.

стр. 628

[فصل] (١) والمقصود هنا أن النصوص شاملة لجميع الأحكام، ونحن نبين ذلك فيما هو أشكل الأشياء ليُستدل به على ما سواه، والفرائض من أشكلها، إذ نُفاة القياس عَدَلوا في كثير منها عن دلالة النصّ إلى أن أثبتوا ما ظنوه مُجْمَعًا عليه، ونفوا ما ظنوه غيرَ مُجْمَعٍ عليه، وكلاهما غلط: أما الأول: فقد بيناه. وأما الثاني: فتقديرُه عدمِ الإجماعِ إذا انتفَى دليلٌ بمعيَّن (٢)، فلابدّ من نفي سائر الأدلة الشرعية، كما ذكروه في مسألة المشرّكة (٣)، فإنه لو قُدِّرَ ثبوتُ ميراثِ أحدهما بالإجماع، فعدم الإجماع عن الآخر لا يَنفِيْ ميراثَه، إذ لم تنتفي (٤) سائرُ الأدلة.

стр. 629

فنقول: النص والقياس- وهما الكتاب والميزان- دَلا على أن الثلثَ يختص به ولدُ الأم، كما هو قول علي (١) ﵁ ومن وافقه (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وروى عنه حربٌ التشريكَ، وهو قول زيد (٣) ومن وافقه (٤)، وقول مالك والشافعي. واختُلِف في ذلك عن عمر وعثمان (٥) وغيرهما [من الصحابة] (٦)، حتى قيل: إنه اختُلِفَ فيها عن جميع الصحابة إلاّ علي وزيد ﵄؟ فإن عليًّا ﵁ لم يُختَلفْ عنه أنه لم يُشرِّكْ، وزيد ﵁ لم يختلف [عنه] (٧) أنه شرَّك (٨).

стр. 630

قال العنبري (١): القياس ما قال علي ﵁، [والاستحسان ما قال زيد. قال الخَبْري (٢): هذه وساطة مليحة، وعبارة صحيحة (٣). فيقال: النص والقياس دلا على ما قال علي] (٤). أما النص فقول الله تعالى: (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ). (٥) والمراد به: ولد الأم، فإذا أدخلنا فيهم ولدَ الأبوين لم يشتركوا في الثلث؛ بل زاحمهم غيرهم. وإن قيل: ولد الأبوين منهم لكونه من ولد الأمِ، فهذا غلط، لأن الله تعالى قال: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) الآية (٦).

стр. 631

وفي قراءة ابن مسعود (١) وسعد (٢): "من أمّ". والمراد ولد الأم بالإجماع، ودل على ذلك قوله: () فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) (٣)، وولدُ الأبوين لم يُفْرَضْ لواحدٍ منهما السدسُ. وأيضًا فإنه قد ذُكِرَ حكمُ ولدِ الأبوين والأب في آية الصيف (٤) في قوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا) (٥). فجعل لها النصف، وله جميع المال، وهذا حكم ولد الأبوين. ثم قال: (وَإن كاَنوُا أخوَةً رجَالًا وَنسَاء فلِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ اَلأُنثَيَين) (٦). وهذا حكم ولد الأبوين لا الأمَ، باتفاق المسلمين. ودلّ ذكرُه تعالى لهذا الحكم في هذه الآية، ولذلك الحكم في تلك الآية، على أن أحد الصنفين غيرُ الآخر. فلا يجوز أن يكون

стр. 632

ذلك الصنف هو هذا الصنف، وهذا الثاني هو ولد الأبوين والأب بالإجماع. فالأول ولد الأم كما في القراءة الأخرى التي تصلح أن تكون مفسِّرةً لقراءتنا (١)، ولهذا ذكر ولد الأم في آية الزوجين، والزوجان (٢) أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه، وكذلك ولد الأم أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه. وكلاهما لا حظَّ له في التعصيب بحالٍ (٣). بخلاف مَن ذُكِرَ في آية العمود (٤) وفي آية الصَّيْف (٥)، فإن لجنسهم حطًا في التعصيب. ولهذا قال سبحانه في آية الشتاء: (٦) (غَيْرَ مُضَارٍّ)، ولم يذكر في آية العمود، لأن الإنسان كثيرًا ما يَقصِد ضَررَ الزوج وولدِ الأم، لأنهم ليسوا من عصبتهم، بخلافِ أولادِه وآبائِه، فإنه (٧) لا يضارهم في العادة. وإذا كان النص قد أعطى ولدَ الأم الثلثَ، فمن نَقَصَهم منه فقد ظلمهم. وولد الأبوين جنسٌ آخر، هم عصبة،/ [١٦٦ أ]، وقد قال النبي ﷺ : "أَلحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بَقِيَ فَلأَوْلَى

стр. 633

رجل (١) ذكر" (٢). وهذا يقتضي أنه إذا لم تُبقِ الفرائضُ لم يكن للعصبة شيء، وهنا لم تُبقِ الفرائضُ شيئًا. وأما قول القائل (٣): "هَبْ أن أباهم (٤) كان حمارًا، فقد اشتركوا (٥) في الأم "، فقول فاسد (٦) حسًّا وشرعًا. أما الحسّ فلأن الأب لو كان حمارًا لكانت (٧) الأم أتانًا، ولم يكونوا من بني آدم. وإذا قيل: قُدَرَ وجودُه كعدمِه. فيقال: هذا باطل، فإن الموجود لا يكون معدومًا. وأما الشرع فلأن الله حكمَ في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. وإذا قيل: فالأب إن لم ينفعهم لم يضرهم.

стр. 634

قيل: بل قد يضرهم ولا ينفعهم، بدليل ما لو كان ولد الأم واحدًا وولد الأبوين كثيرين (١)، فإن ولد الأم وحده يأخذ السدس، والباقي (٢) يكون لهم كلهم، ولولا الأب لشاركوا هم وذلك الواحد في الثلث، وإذا جاز أن يكون وجود الأب ينفعهم جاز أن يَحرِمَهم، فعُلِم أنه قد يضرهم. وأيضًا فأصول الفرائض مبنية على أن القرابة المتصلة ذكر وأنثى لا تفرق أحكامها، فالأخ من الأبوين لا يكون كالأخ من أب، ولا (٣) كالأخ من الأم، ولا يُعطَى بقرابة الأم وحدها، كما لا يُعطًى بقرابة الأب وحده؛ بل بالقرابة المشتركة من الأبوين. وإنما يُفْرَد بحكم إذا كان قرابةُ الأم منفردة، مثل ابنَيْ عمًّ أحدهما أخ لأم (٤)، فهنا ذهب الجمهور إلى أن للأخ من الأم السدسَ، ويشتركان في الباقي. وهو مأثور عن علي (٥) ﵁. وروي عن شُرَيح (٦) أنه جعل الجميعَ للأخ من الأم، كما لو كان ابن عمّ لأبوين.

стр. 635

والجمهور يقولون: كلاهما في بنوة العم (١) سواء، هما ابنا عم من أبوين أو من أب. والأخوةُ من الأم مستقلةٌ ليست مقترنةً بأبوةٍ حتى يُجعل كابن عم لأبوينِ. ومما يُبيِّن الحكم في مسألة المشتركة: أنه لو كان فيها أخواتٌ لأب لفُرِضَ لهنَّ الثلثان، وعالت الفريضةُ، فلو كان معهن أخوهن سقطن، ويسمى "الأخ المشؤم"، فلما كنّ يصرن (٢) بوجوده عصبةً صار تارةً ينفعهن، وتارةً يَضُرُّهن، ولم يُجعَلْ وجودُه كعدمِه في حال الضرار. كذلك قرابةُ الأب لما صارَ الإخوةُ بها عصبةً صار ينفعهم تارةً ويضرهم أخرى. وعَلى هذا مَجرَى العُصوبة، فإن العصبة تارةً تَحُوز المالَ، وتارةً أكثرَه، وتارةً تحوز أقلَّه، وتارةً لا يبقى لها (٣) شيء، وهو إذا استغرقتِ الفرائضُ المالَ. فمن جعلَ العصبةَ تأخذ مع استغراق الفرائض المالَ فقد خرج عن الأصولِ المنصوصة في الفرائض. وقول القائل "هذا استحسان" مخالفٌ للكتاب والميزان؛ فإنه ظلم للإخوة من الأم؛ حيث يؤخذ حفُهم، فيُعطاه غيرهم. وإذا كانوا يَعقِلون عن الميّت ويُنفِقون عليه، فعاقلةُ المرأة يعقلون عنها،
следующие страницы →