← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14539

شرح كتاب الصوم من صحيح البخاري

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (213 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الشرح: هذا الباب عقده المؤلف في مسألة الحجامة والقيء للصائم وعلق عن بعض الصحابة والتابعين في مسألة القيء. أما مسألة القيء: فالصحيح فيها أنه إن كان عن عمد فإنه مفطّر أما إن كان من غير قصد أو عمد بأن ألجئ إليه الإنسان فإنه لا يفطر، وأصح ما ورد في الباب ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر: «من استقاء عمدًا فليقض ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه». وقد جاء هذا في السنن من حديث هشام ابن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة ولكن الإمام أحمد والبخاري قد أعلاه وقال الإمام أحمد: ليس من ذا شيء. قول ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، نقول هذا في الأغلب لأنه يكون قد يخرج الشيء ويفطر كدم الحيض والحجامة على القول الراجح واختلف العلماء وكذا قبلهم الصحابة في مسألة الحجامة وسيأتي الكلام عليها، وأما حديث ابن عباس: «احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم» هذا الحديث يروى على أربعة أوجه كما قال ابن القيم وابن حجر وغيرهم: ١ - اللفظ الأول: يروى بلفظ «احتجم وهو محرم» من غير زيادة: «وهو صائم» وهذا جاء من طرق شتى عن ابن عباس واتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن بحينة وجاء من حديث ابن عباس وهذا هو أصح ما ورد. ٢ - اللفظ الثاني: يروى بلفظ «احتجم وهو صائم». رواه أهل السنن وله طرق.

стр. 107

٣ - اللفظ الثالث: يروى بلفظ «احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم» أخرجه البخاري. ٤ - اللفظ الرابع: يروى بلفظ «احتجم وهو صائم محرم» أخرجه النسائي وغيره وضعفه الإمام أحمد وابن المديني وآفته كما قال مهنا: سألت أحمد عنه فقال: ليس فيه «صائم» وأنكروا هذا الحديث على محمد بن عبد الله الأنصاري. فالخلاصة: أن البخاري أخرج حديث «احتجم وهو صائم» و «احتجم وهو محرم» والبخاري لم يبت في المسألة بل أطلق وإن كان في تعليقه عن بعض الصحابة ما يدل على أنه يرى أنه مفطّر كأبي موسى الأشعري أنه احتجم ليلًا وذكر حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» وهذا الحديث صححه الإمام أحمد وابن المديني وابن معين وصح من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس وهذان الحديثان الصحيح أنهما ناسخان لحديث ابن عباس. مسألة: اختلف أهل العلم في مسألة الفكر بالحجامة على قولين: القول الأول: وهو مذهب الجمهور مالك والشافعي وأبو حنيفة أن الحجامة لا تفطر. واحتجوا: ١ - بحديث أبي سعيد: «أن النبي ﷺ رخص في الحجامة للصائم» ولكن الصحيح في هذا الحديث أنه لا يصح رفعه لرسول الله ﷺ والصحيح

стр. 108

أنه موقوف على أبي سعيد الخدري وأصله فتيا سئل أبو سعيد عن حكم القبلة والحجامة: «فرخص فيهما» ثم وقع في هذا الحديث وهم فرفعه بعض الرواة وممن نص على ذلك الترمذي وأبو حاتم وأبو زرعة والبزار وابن خزيمة. فالصحيح أن حديث أبي سعيد لا يصح رفعه. ٢ - استدلوا بحديث أنس الذي أخرجه الدارقطني والبيهقي من طرق خالد ابن مخلد حدثنا عبد الله بن المثنى عن ثابت البناني عن أنس قال: «أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم ثم مر بهما النبي ﷺ وقال: «أفطر هذان» ثم رخص النبي ﷺ بعد ذلك في الحجامة وكان أنس يحتجم وهو صائم». وهذا الحديث منكر بهذا اللفظ فهو ضعيف الإسناد ومنكر المتن. قال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق»: خالد بن مخلد القطواني له مناكير وأخرج له البخاري بعض الأفراد وكذلك في سنده عبد الله بن المثني تكلم فيه غير واحد من الحفاظ كأبي داود والنسائي وقال العقيلي: لا يتابع على أكثر حديثه ثم أن أصل هذا الحديث في البخاري برواية شعبة جبل الحفظ يرويه عن ثابت البناني قال: سألت أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. فهذا أصل حديث أنس: «أفطر هذان». وحديث أنس: «أول ما كرهت الحجامة ....» طعن فيه شيخ الإسلام، وقال الحافظ ابن حجر: إن في إسناده ما ينكر.

стр. 109

القول الثاني: وهو مذهب أحمد أن الحجامة مفطرة واحتجوا: ١ - بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ «نهى عبد الرحمن للصائم والمواصلة ولم يحرمها إبقاء على أصحابه» هذا الحديث صحيح الإسناد. والجواب على هذا الحديث أن قوله: لم يحرمها إبقاء على أصحابه، نقول هذا فهم الراوي وظنه، وقد أخبر أن النبي ﷺ نهى عن ذلك فالنهي كافٍ والنهي يقتضي التحريم، وأيضًا قد خالفه جمهور الصحابة، وقوله: «إبقاء على أصحابه» هذا متعلق بالنهي. فالصحيح أنه لا يصح في أن الحجامة ناسخة أو لا تفطر سوى ما أخرجه البخاري في هذا «أنه احتجم وهو صائم» ولكن لا يتم الاستدلال لهذا الحديث على أن الحجامة غير مفطرة إلا بعد أربع مقدمات كما قال ابن القيم: وهي: ١ - أن يكون احتجم وهو صائم في فرض؛ لأنه إذا احتجم وهو نفل فالنفل يجوز الخروج منه. ٢ - أن يكون مقيمًا؛ لأن النبي ﷺ قد يكون احتجم وهو مسافر والمسافر يجوز له الفطر. ٣ - أن يكون النبي ﷺ سليمًا أما إذا كان مريضًا وقد احتاج إلى الحجامة فاحتجم فيكون كالمريض الذي احتاج إلى الفطر بالحجامة. ٤ - أن يكون متأخرًا عن حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم». قال ابن القيم: ولا سبيل إلى إثبات واحدة فكيف بالأربعة مجتمعة فلا

стр. 110

يستطيع من قال أن الحجامة غير مفطرة أن يثبت هذه الأربعة. فالخلاصة أن: حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» هو حديث صحيح من حديث ثوبان وشداد بن أوس والصحيح العمل به وأن الحجامة مفطرة وهو أيضًا موافق للقياس؛ لأن الصائم منهي عن إخراج ما يقويه وإدخال ما يقويه فهو منهي عن إدخال الأكل والشرب منهي عن إخراج الدم بالحجامة وغيرها؛ لأنه فيه إضعاف له والسر في إفطار الحائض هو إخراج الدم لأنه يضعفها وقول أنس في البخاري: «إلا من أجل الضعف» فكفى به علة أن الإنسان لا يخرج ما يقويه ولا يدخل ما يقويه حتى يصمد للابتلاء بالتكليف الشرعي؛ لأنه إذا تعاطى ما يقويه انتفت الحكمة من الصيام وإذا أخرج ما يقويه فإن ذلك يؤدي إلى هلاكه والعبادات إنما هي لتمحيص الإنسان والابتلاء لا لإهلاكه وتعذيبه، وقد قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] فالصحيح في هذه المسألة أن الصوم يفسد بالحجامة. مسألة: الحاجم والمحجوم سواء فإنهم يفطران سواء فالمحجوم ظاهر؛ لأن الدم يخرج منه وأما الحاجم فقال شيخ الإسلام: فإنه يمص الدم فربما خرج شيئًا إلى فيه فدخل فغلبه فنزلت المنظمة منزلة المئنة وهل يكون الحكم كذلك في الحجامة التي يتعاطاها الأطباء أو المحجمون من غير أن يمصوا الدم وذلك عن طريق الأجهزة هل نقول أن الحاجم يفطر؟ الجواب: شيخنا ابن باز يقول: يفطر حتى في هذه الحالة؛ لأنه معين على فطر أخيه فيفطر وأما شيخ الإسلام ومن وافقه من شيوخنا كابن عثيمين

стр. 111

قالوا: لا الوضع مختلف فهو لا يشفط بواسطة الفم وإنما يشفط عن طريق الأجهزة فيفطر المحجوم دون الحاجم وهذا عندي أصح. وقد اختار الفطر بالحجامة ابن خزيمة من الشافعية وابن المنذر وابن حبان وجماعة من المحدثين، وذكر بعضهم أن مذهب أهل الحديث هو الفطر بالحجامة ولا شك أن أهل الحديث هم أسعد الناس بإصابة الحق. ومن أراد الإطالة في مسألة الحجامة فليرجع إلى كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى في المجلد الخامس والعشرين فقد بين أن هذا وفق القياس. مسألة: ومثل الحجامة في عصرنا هذا التبرع بالدم؛ لأن التبرع بالدم يؤخذ قرابة ٢٥٠ مل إلى ٤٠٠ مل وهذه كثيرة تورث الضعف والإنسان إذا تبرع وهو مفطر يشعر بالضعف فكيف وهو صائم فالحكم واحد أمَّا دماء الجروح أو التحليل أو خلع الضرس أو ما أشبه ذلك فهذه ليست حجامة ولا في معناها.

стр. 112

٣٣ - بَابُ الصَّوْمِ في السَّفَرِ وَالإِفْطَارِ ١٨٣٩ - حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن أبي إسحاق الشيباني سمع ابن أبي أوفى ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال لرجل: «أنْزِلْ فَاجْدَحْ لِي» قال: يا رسول الله الشمس قال: «انْزِلْ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا ثُمْ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمْ». تابعه جرير وأبو بكر بن عياش عن الشيباني عن ابن أبي أوفى قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر. [ر ١٨٥٤، ١٨٥٥، ١٨٥٧، ٤٩٩١] ١٨٤٠/ ١٨٤١ - حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن هشام قال: حدثني عن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ. (١٨٤١) - حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : أّنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ». الشرح: الحديث الأول: أخرجه مسلم من رواية هشيم عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن أبي أوفى بلفظ: «في شهر رمضان» فهذا الحديث بينت رواية مسلم أنه في رمضان.

стр. 113

الحديث الثاني: اختصره المؤلف وله ألفاظ أخرى عند مسلم وطرق أخرى. فنقول في هذا الحديث: صوم شهر رمضان في السفر، وينبني على هذا مسألة هل الأفضل الصوم أو الفطر للمسافر في رمضان؟ الجواب: الصحيح أن الصوم أفضل إذا لم يجد مشقة فإن وجد مشقة فالفطر أفضل ولو كانت المشقة يسيرة. فإن قال قائل: ما وجه الترجيح بأن الصوم أفضل في السفر من دون المشقة؟ الجواب: نقول سبب التفضيل من وجوه. ١ - أن الصوم في السفر في شهر رمضان فعل النبي ﷺ كما سيأتي في حديث أبي الدرداء وأيضًا كما هنا في هذا الباب في حديث ابن أبي أوفى. ٢ - أن صوم رمضان في السفر أسرع في براءة الذمة. ٣ - أن فيه تيسيرًا على المكلف بحيث يصوم مع الناس وغالب من يفطر أيامًا كثيرة يشق عليه بعد ذلك القضاء حتى ربما أفضى ببعض الناس إلى أن يؤخر القضاء إلى أن يدخل عليه رمضان الآخر وهو لم يقض رمضان الماضي. ٤ - أن زمن الصوم وظرفه أفضل؛ لأنه يعمي في شهر تعظم فيه الحسنات وزمن أفضل من غيره وهو شهر رمضان بخلاف أيام القضاء فإنه يصوم قضاء ولكن ليس أجر القضاء كأجر الصوم في نهار رمضان. إن قال قائل: في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي .. عند مسلم له ألفاظ

стр. 114

منها ما رواه مسلم من طريق عروة عن أبي مراوح عن حمزة وفيه: «هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه». بهذا اللفظ احتج شيخنا ابن باز بأن الفطر في السفر أفضل مع عدم المشقة؛ لأن النبي ﷺ قال: «من أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، فغاية ما في الصوم هو رفع الجناح عنه. ففي هذا الحديث ترجيح لجانب الفطر، ويجاب عن ذلك: أن قوله: «من أحب أن يصوم فلا جناح عليه» نقول هذه اللفظة وردت إجابة للسؤال الذي ألقاه الرجل على رسول الله كما في صحيح مسلم أن هذا الرجل سأل النبي ﷺ قال: هل علينا جناح؟ فأراد النبي أن يزيل عنه التوهم في مسألة الصوم ويحسن له الرخصة فذكر الحديث: «أنه لا جناح عليه». أو يقال له هذا في بعض ألفاظ الحديث - أي حديث حمزة - والألفاظ تجمع فإن حصلت المشقة فالفطر أفضل وإن كانت يسيرة حتى وإن كانت المشقة على غيره وليس عليه شيء منها ولكن ينظر إليه بأنه قدوة فإن الأفضل له الفطر لكي يفطر غيره كما لو كان عالمًا أو طالبَ علم ينظر إليه الناس وهم معه فإنه يفطر ولو كان ما عليه مشقة وسيأتي ما يدل عليه.

стр. 115

٣٤ - بَابٌ إذَا صَام أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ ١٨٤٢ - حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵃: أن رسول الله ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى إذا بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبو عَبْد الله: وَالكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. [١٨٤٦، ٢٧٩٤، ٤٠٢٦، ٤٠٢٩] الشرح: قوله: «حتى إذا بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس» نقول: المعروف أنه أفطر لما علم أن الناس قد شق عليهم الصيام فأطر ليراه الناس وجاء هذا في بعض ألفاظ حديث ابن عباس وجاء عند مسلم صريحًا من حديث جابر، وهذا شاهد لما تقدم من أن الإنسان المقتدى به يراعي غيره ولا ينظر إلى نفسه. وفي هذا الحديث شاهد لما ترجم له المؤلف وهو «باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر» يعني أن رمضان دخل على النبي ﷺ وهو بالمدينة، ووقع عند مسلم من حديث أبي سعيد أنه خرج في ثمانية عشر ولبعض الرواة تسعة عشر ولبعضهم اثنتى عشرة، والمشهور من السيرة أنه خرج لعشر مضين من رمضان ودخل مكة لتسع عشرة خلت من رمضان وكان في سفره تسع ليال وهذه هي المدة نفسها التي خرج فيها للحج فقد مكث تسعة أيام.

стр. 116

الفوائد: ١ - الخروج في رمضان وأنه لا كراهة في أن يسافر الإنسان في نهار رمضان. ٢ - إنه إذا خرج وهو صائم فإن له الفطر على الصحيح لكن متى يفطر؟ قال بعضهم: بابُدَّ أن يخرج من البنيان وهذا هو الصحيح. وقال بعضهم: لا، بل إذا نوى السفر ولو كان في البلد فإنه يفطر وهذا غير صحيح واحتجوا على هذا بحديث أنس في السنن وحديث أبي بصرة الغفاري، والصحيح أنه ليس له الفطر حتى يخرج من البنيان وأما إذا كان في البلد فهو مقيم وليس مسافرًا وأما حديث أنس في السنن أنه خرج فنزل منزلًا آخر فدعا بسفرته فهو محتمل كما قال أبو محمد في «المغني»: أنه نزل منزل بقرب البنيان خارجًا عنها لا داخل البنيان وبكل حال فإن هذه الأحاديث لا تعارض ظواهر النصوص في الكتاب والسنة وأما حديث أبي بصرة فقط أفطر وهو يرى البنيان فهو انفصل عن البنيان وشرع في السفر فلا إشكال. وفي هذا الحديث من الفوائد: أن مراسيل الصحابة مقبولة فإن ابن عباس يخبر أن النبي ﷺ خرج إلى مكة في رمضان ومعلوم أن ابن عباس كان مع أبيه بمكة وقد قيل أن العباس والد ابن عباس خرج وقابل النبي ﷺ في ذي الحليفة وقيل بالجحفة، ومراسيل الصحابة - الذين لم يدركوا هذا الحديث ومات النبي ﷺ وهم في سن التمييز - حجة بالاتفاق كما قال الحافظ في مقدمة الإصابة.

стр. 117

مسألة: هل يشترط أن يكون السفر الذي تباح به الرخص أن يكون سفرًا مباحًا، يعني إذا سافر سفرًا محرمًا هل تباح له الرخص أم لا؟ الجواب: قال بعضهم: أنه يشترط أن يكون السفر الذي تباح به الرخص أن يكون سفرًا مباحًا أما إذا سافر سفرًا محرمًا فإن رخص الله لا تستباح بالمعاصي. والصحيح في هذه المسألة: أنه متى سافر سفرًا سواء كان معصية أو طاعة فإنه يستبيح الرخص الشرعية؛ لأن الجهة منفكة فهو يستبيح الرخص الشرعية؛ لأنه سافر ولكنه يأثم لأنه تعاطى ما حرم الله، وشيخ الإسلام: يجيز الترخص برخص السفر في السفر المحرم كالسفر المباح وهذا هو مشهور مذهب أبي حنيفة وأما المشهور من مذهب الحنابلة على أنه لا تستباح الرخص بالمعاصي فلو سافر سفرًا محرمًا ليس له أن يفطر ولا يمسح ثلاثة أيام ولا يقصر الصلاة ولا يجمع الصلاة وهكذا ولكن الصحيح خلافه. فائدة تتعلق بهذا الحديث: في حديث أبي سعيد عند مسلم قال: «سافرنا مع النبي ﷺ إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلًا فقال: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلًا آخر فقال: «إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى فأفطروا «فكانت عزيمة فأفطرنا». هنا أمر النبي ﷺ بالفطر صريح، فهل سبب أمر النبي ﷺ الصحابة

стр. 118

بالفطر هنا لأجل السفر أم لأجل مقابلة العدو؟ الجواب: لأجل مقابلة العدو؛ لأنه في المرة الأولى منهم من صام ومنهم من أفطر لكن ما دنوا من العدو أمرهم بالفطر ليتقووا بذلك على لقاء العدو ولهذا جاء عند مسلم من حديث جابر أنه قال لما بلغه أن بعض الناس صام: «قال: أولئك العصاة أولئك العصاة» وبهذه المناسبة لما وقع ما وقع من دخول التتار في دمشق في زمن شيخ الإسلام أفتى شيخ الإسلام الناس في مدينة دمشق بالفطر فأنكر عليه بعض الفقهاء وقالوا: هؤلاء ليسوا مسافرين ولا مرضى بل يجب عليهم الصيام. فشيخ الإسلام: ناظرهم وأفحمهم واستدل بأمر النبي هذا قوله: «والفطر أقوى لكم» فالعلة أن الفطر أقوى لهؤلاء أما كونه وقع في سفر فهذه واقعة عين ليست قيدًا في الحديث فكان شيخ الإسلام يأكل التمر ويمشي بين الجند حتى يقتدوا به في ذلك فأفطروا وقاتلوا وانتصروا على الأعداء.

стр. 119

٣٥ - بابٌ ١٨٤٣ - حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر أن إسماعيل بن عبيد الله حدثه عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيَّ ﷺ فيِ بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَاسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلاَّ مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن عبيد الله ولفظه «في شهر رمضان في حر شديد» فهذا الحديث فيه الرد الواضح الجلي على ابن حزم الذي قال: إن الإنسان إذا سافر في نهار رمضان فإنه يلزمه الفطر واستدل بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فيقول ابن حزم: فرضه العدة من أيام أخر لابد أن يفطر إذا سافر ويقضي من أيام أخر، وتقدير هذه الآية عند الجمهور: فمن كان مريضًا أو على سفر «فأفطر»، والسنة توضح هذا التقدير أنه إذا كان على سفر وأفطر فبعد ذلك يكون يقضي في أيام أخر ولا مناص من هذا، وهذه حجة دامغة على ابن حزم ومذهبه. فهذا الحديث صريح في أنه في الفريضة وأن النبي ﷺ صائم. هل هذا السفر هو سفر فتح مكة؟

стр. 120

هذا ليس في غزوة الفتح؛ لأنه يقول في الحديث: «وليس منا صائم إلاّ رسول الله وابن رواحة» ومعلوم أن ابن رواحة استشهد في عزوة مؤتة وكانت قبل الفتح بأشهر وكانت في سنة ثمان، وأيضًا كان الصائمون في غزوة الفتح كثير، وهنا ليس فيهم إلا النبي وابن رواحة فلعله سفر في رمضان آخر وقع لرسول الله وليس هو سفر الفتح.

стр. 121

٣٦ - بابُ قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الحَرُّ: «لَيْسَ مِنَ البرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» ١٨٤٤ - حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵃ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟ «فَقَالُوا: صَائِمٌ فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». الشرح: قول المؤلف: «باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصوم في السفر» نقول أن هذا الاستنباط من المؤلف استنباط سديد وكأن المؤلف يقول أن قول رسول الله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» أي لمن اشتد عليه الحر فشق عليه الصيام فقيده المؤلف بواقع الحال في الحديث. وقوله: «ليس من البر الصوم في السفر» هذا ليس عام في كل سفر وصوم إنما هو مختص في مثل حال هذا الرجل الذي شق عليه الصوم لشدة الحر فقد ظلل عليه ولمشقة الصيام عليه. فإن قال قائل: قول النبي ﷺ ليس من البر في السفر ينبغي أن لا يقيد؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 122

الجواب: نقول: نعم، ونحن نلتزم هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لكن في مثل حالة هذا الرجل فالتقيد في هذه الحالة ليس لهذا الشخص، وإنما لكل من كانت حالته مثل حالة هذا الرجل من حيث مشقة الصيام وشدة الحر عليه فليس من البر الصوم في السفر في هذه الحالة.

стр. 123

٣٧ - بَابٌ لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ ١٨٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ وَلاَ المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. الشرح: هذا الحديث محمول على حال ليس فيه مشقة ولا شدة في السفر؛ لأنه قد مر معنا كما في حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «ليس من البر الصوم في السفر» فهذا فيه عيب الصوم في السفر في مثل هذه الحالة، وأما في حال الاعتدال إذا لم يكن هناك مشقة فلا بأس بالصيام؛ لأن الصحابة لم يكن يعيب بعضهم على بعض الصوم في السفر. ومسلم ذكر طرقًا كثيرة عن أبي سعيد وجابر وأنس وفي بعض طرق حديث أبي سعيد قال فيه: «في نهار رمضان أو في رمضان» فهو صريح في الرد على ابن حزم ومن نحا نحوه في أن الصيام في السفر غير صحيح، وقد تقدم لنا أن ابن حزم قال في حديث أبي الدرداء قال: لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا وقد مر عنا أن حديث أبي الدرداء وقع في بعض طرقه أنه في نهار رمضان. والصوم في السفر إذا كان ليس هناك مشقة فالصوم أفضل وهذا في الفرض والنافلة مثله.

стр. 124

٣٨ - باب من أفطر في السفر ليراه الناس ١٨٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَةُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. [ر١٨٤٢] الشرح: نقول كما قال ابن عباس لما ذكر أن رسول الله قد صام وذكر أنه قد أفطر ثم بعد ذلك قال ابن عباس: فمن شاء صام ومن شاء أفطر، نقول فيه أن القدوة الذي ينظر إليه أنه إذا كان يرى أن المصلحة في الفطر إما؛ لأن الصوم فيه مشقة على أهل السفر أو غيرها من المعاني فإنه يفطر لو كان ليس عنده وهو مشقة؛ لأن الناس يقتدون به وهذا هو ظاهر حديث ابن عباس هذا ولذلك يراعي القدوة أو رئيس القافلة الناس في مثل هذه الأمور، فلا يشق على الناس لأنه لو صام الرئيس أو القدوة قد يخجل بعض الناس ويستحي فيتم صومه، فيشق عليه، وفي الخبر: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه»، فيخشى أن يدخل تحت طائلة هذا الخبر؛ لأن «شيئًا» نكرة في سياق الشرط تعم.

стр. 125

٣٩ - بَابٌ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [ البقرة: ١٨٤] قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع: نسختها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ١٨٤٧ - وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ : نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيُقُهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْم. ١٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: قَرَأَ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. [٤٢٣٦] الشرح: قوله: نسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذا ليس فيه نسخ والصواب أن الناسخ الآية التي بعدها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا هو الناسخ.

стр. 126

قول المصنف: قول ابن عمر هذا الحديث وصله المصنف كما سيأتي وأما حديث سلمة بن الأكوع وصله المؤلف في التفسير وأخرجه مسلم بإسناده ومتنه وسياق حديث سلمة عند ملم «قال: كنا في رمضان على عهد النبي ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بطعان مسكين حتى نزل ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾». فأول ما فرض الصيام على التخيير، إنا أن يفكر ويطعم مكانه مسكينًا ومن شاء صام وهذا تفسير الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ يعني من شاء صام ومن شاء أفطر وإذا أفطر فدى بإطعام مسكين، وأما قول بعض أهل العلم أن معنى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ أي يتكلفونه ويشق عليهم فدية طعام مسكين وهذا يكون في حق الكبير. نقول: ظاهر الآية خلاف ما ذكروا فلا يستقيم هذا مع وجود النص الصريح الصحيح عن هؤلاء الصحابة في سبب نزول هذه الآية. أما قول ابن عباس: ليست منسوخة هي في الشيخ الكبير والشيخة، هذا الأثر لم يخرجه البخاري هما في كتاب الصيام، وإنما أخرجه عن ابن عباس في كتاب التفسير وليته أشار إلى طرف منه هنا لمناسبة المقام، ومراد ابن عباس في هذه الآية: أن حكم الآية باقٍ لأنه لما كان في أول الأمر الإطعام بإزاء الصيام فهناك صيام وإن لم تصم تطعم، قال ابن عباس ليست منسوخة يعني المعنى فإذا كان الإنسان شق عليه الصيام بالفعل فإنه يعدل إلى البدل الذي هو الإطعام كما كان في أول الإسلام، وشذ بعض أهل العلم وقال: ﴿وَعَلَى

стр. 127

الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قالوا: أي لا يطيقونه بتقدير حذف النفي وهذا باطل وهو خلاف الآية، وقول ابن عباس هو الصحيح في تفسير الآية: أن الكبير الذي لا يستطيع الصيام لمرض ايرجى برؤه أو لكبر سنه فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا، وصح عن أنس أنه لما كان في آخر حياته وشق عليه الصيام أفطر فأطعم عن ذلك ثلاثين مسكينًا، وهذا الإطعام لابُدَّ أن يكون بعد العبادة فلا يطعم قبل العبادة؛ لأنها لم تدخل عليه ولم يخاطب بذلك فله أن يطعم بعد ذلك اليوم يعني بعد غروب شمس ذلك اليوم، أو يجعل هذا في آخر الشهر يطعم ثلاثين مسكينًا إذا كان كاملًا وتسعًا وعشرين إذا ان ناقصًا.

стр. 128

٤٠ - بَابٌ مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لاَ بَاسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ العَشْرِ: لاَ يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ أخَرُ يَصُومُهُمَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ وَلَمْ يَذْكُرِ الله الإِطْعَامَ إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ١٨٤٩ - حّدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ل تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ . الشرح: هنا المؤلف ذكر مسائل: - المسألة الأولى: لا بأس أن يقضي قضاء رمضان بالتفريق أو بالتتابع وهذا قول ابن عباس لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ولم يقل متتابعة وهو الصحيح. ٢ - قول سعيد بن المسيب في صوم العشر: لا يصلح حتى يبدأ برمضان. نقول المراد بالعشر هنا عشر ذي الحجة أنها لا تصام حتى يقضي رمضان- والمقصود التسع الأيام الأولى من ذي الحجة إلا يوم العيد فإنه لا يصام

стр. 129

وهذا من باب التغليب- يعني معنى كلام سعيد لابد من البدء بالفرض، وهذا الكلام من سعيد بن المسيب يحتمل أمرين: (١) يحتمل أنه لا يصوم العشر بنية القضاء فيجمع بين القضاء وبين ونه متنفلًا في العشر. (٢) ويحتمل أنه لا يصوم العشر على وجه النفل وهو لم يقض رمضان وأصل المسألة مسألة التنفل القضاء أصلها فيها خلاف مشهور: ١ - فذهب بعض أهل العلم ومنهم الأصحاب الحنابلة «أنه لا يجوز للإنسان إذا كان عليه أيام من رمضان أن يتنفل بل يجب عليه أن يبدأ بالفرض وقالوا: إن تنفل فإن صومه باطل وغير صحيح». ٢ - وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان عليه قضاء من رمضان فله أن يتنفل وقالوا: إن وقت الفرض موسع، وحديث عائشة يدل عليه أنها ما كانت تقضي رمضان إلا في شعبان، والصحيح في المسألة: أنه ينبغي البداءة بالفرض؛ أما إن بدأ بالنفل فالصحيح أن النفل صحيح، مثاله: النافلة بين يدي الفريضة في الصلاة فإن الإنسان إذا دخل وقت الفريضة فإنه يتنفل بين يدي الفريضة وهذا نفل قبل الفريضة وقد دخل وقت الفريضة وقد بدأ خطاب الشارع بأدائها. وأما المسألة الثانية في أحد الوجهين في صوم العشر عن سعيد بن المسيب: يعني أنه يصوم العشر بنية القضاء وبنية حصول النفل فهذا يروى عن علي ﵁ أنه نهى عن القضاء في العشر وأشار إليه المصنف: وروي بإسناد أصح منه عند ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق الأسود بن قيس عن

стр. 130

أبيه عن عمر أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر وهذا مبني على مسألة التداخل، وهذا الإسناد لا بأس به عن عمر وهو يجري مجرى التداخل بين الفرض والنفل، فإن الإنسان إذا صام قضاء رمضان في أيام العشر بنية القضاء وخصول أجر النفل في الأيام العشر فأصح الأقوال في هذا أنه جائز وهذه من مباحث التداخل بين الفرض والنفل وهي مسألة لطيفة قد ألفت فيها مصنفات وقول عمر هذا لا بأس به، وفيه رد على من منع من ذلك وفيه استيعاب العشر بالصيام وهو متفق عليه بين العلماء والمراد تسع ذي الحجة. مسألة: المؤلف أيضًا تعرض إلى مسألة الإطعام إذا أفرط في القضاء حتى جاء رمضان آخر وهو لم يقض هل يطعم مع القضاء؟ الجواب: صح عن ثلاثة من الصحابة ﵃: أبي هريرة وابن عباس وابن عمر أنه من فرط حتى يأتي رمضان آخر فإنه يقضي ويطعم وظاهر القرآن كما في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لم يذكر الله الإطعام كما أشار المصنف إليه وهو اختياره ولهذا علق عن إبراهيم النخعي قال: إذا فرط حتى جاء رمضان آخر فإنه يصومها أي الشهر الحالي ثم بعد ذلك يقضي الماضي ولم ير عليه إطعامًا. وهذا هو الصحيح في المسألة؛ لأن ظاهر القرآن ليس فيه إطعام، وأما فتيا الصحابة الثلاثة ﵃ فقد يقول قائل هذا من باب التفقه ونحن لا نعلم أن هذا من الأمور التي لا للاجتهاد مجال فيها فقد يكون هذا من الصحابة الثلاثة من باب التفقه، وأن هذا الإنسان إذا فرط في القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر وهو لم يقض أنه

стр. 131

عليه القضاء والإطعام وهذا عنهم من باب التعزيز وهذا للاجتهاد فيه مدخل، والصحيح أنه ليس عليه إطعام وهذا اختيار ابن عثيمين. وأيضًا من الأوجه التي نر فيها زيادة الإطعام مع القضاء: أنه هو سوف يأتي بالصيام وإنما الإطعام في الحقيقة بدل عن الصيام فلا يجمع بين البدل والمبدل منه. الحديث الثاني: حديث عائشة، هذا الحديث عند مسلم من طريق ابن جريج عن يحيى وفيه (فظننت أن هذا لمكانتها عند النبي ﷺ منه) وكذلك عنده من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بلفظ (إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله حتى يأتي شعبان) ففي هذا أنه ليس عائشة وحدها التي كانت تفعل هذا بل أزواج النبي كلهن أو كثيرًا من زوجات النبي ﷺ . الفوائد: ١ - أنه لا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى أن يأتي رمضان آخر إذ لو كان هذا جائز لما كان في إخبار عائشة بأنها تقضي في شعبان قبل دخول رمضان الآخر فائدة وهذا التأخير صوم رمضان حتى يأتي رمضان آخر من جنس تأخير الصلاة إلى أن يدخل وقت الأخرى وهذا ممنوع وحتى لا تتراكم العبادات على فيشق عليه فعلها. ٢ - أن قضاء رمضان على التراخي ليس على الفور؛ لأننا لو قلنا على الفوز لكان معناه أنه من حين يفطر في عيد الفطر يجب عيه القضاء متتابعًا، وكلاهما الصحيح خلافه فلا يجب القضاء على الفور ولا يجب سرده

стр. 132

متتابعًا لكنه أفضل ولا شك في ذلك ومن حكمة الشارع أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر كله». فهذا تلطف من الشارع لكي يبادر العبد في قضاء رمضان في شوال ثم يصوم الست من شوال ويحصل هذا الأجر وهذا غاية التلطف من الشارع الحكيم وقيادة العباد إلى حسن التعبد لرب العالمين حيث يريد منهم أن يفرغوا من الواجبات بأقصر الطرق ويثيبهم على ذلك. فهل بعد هذه الحكمة من حكمة. ٣ - صيام القضاء إذا تضايق وقته فلا يحتاج إلى إذن الزوج فإذا لم يبق من شعبان إلا عشرة أيام وكانت المرأة عليها صيام عشرة أيام ماضية فإنها لا تستأذنه وذلك لأنه الآن تعيّن عليها الصيام حتى لو استأذنت المرأة الزوج ورفض فلا تطعه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. مسألة: لو أن امرأة أرادت أن تصوم قضاء رمضان في أوقت الموسع كما في محرم وصفر فهلا لابد من الاستئذان أم لا؟ الجواب: أما النفل فلا بد من الاستئذان وهذا واضح وجاءت به أحاديث ثيرة ولكن الفرض الواجب إذا كان وقته موسعًا هل تستأذن فيه؟ الجواب: قال بعض أهل العلم أن الفرض لا استئذان فيه إذ أنَّ الفرض واجب ولا خيار لفعل المرأة في هذا الصوم وقال بعضهم: إنه لما كان وقت الواجب موسعًا فيه كان لزامًا عليها الاستئذان؛ لأن الاستئذان ليس راجعاّ إلى فريضة وإنما هو راجح إلى المبادرة إلى الفريضة وحق الزوج الأصل فيه

стр. 133

الوجوب وعلى الفور لتجدده فهو متعين عليها الآن ولا يكون القضاء متعينًا إلا حينما تبقى عدة هذا الصيام من شهر شعبان فهذا هو القول الراجح عندي في هذه المسألة وهو اختيار جماعة من العلماء كالشافعية وغيرهم وعليه إذا أرادت المرأة أن تصوم قضاء شهر رمضان والوقت موسع يجب عليها أن تستأذن زوجها؛ لأنها قد تباغته وهو يريدها فمن حسن العشرة الزوجية على الأقل أن تستأذنه وهي في سعة ولم يجب عليها القضاء الآن. فإن قال قائل: أنه يلزم إذا كان هذا الأمر متعين وهو الاستئذان في الفرض أنه يلزم المرأة إذا دخل وقت الصلاة أن تستأذن زوجها في الصلاة بعد الدخول مباشرة ولو كان الوقت موسعًا؟ الجواب: نقول أنه ليس بلازم أن تستأذن المرأة زوجها في أداء الصلاة؛ لأن وقت الصلاة قصير ولا يمنع حق الزوج ثم لم ينقل أن المرأة كانت تستأذن زوجها في أداء الصلاة في أول الوقت بل هذا من التنطع في الدين لكونه لم ينقل، ولأن هذا حاجة يسيرة بإمكان الزوج أن يصبر إنما هي دقائق أما كون الزوج يصبر يومًا فهذا قد يكون متعسرًا. ٤ - (وهذا خاصة برواية مسلم) عناية أزواج النبي ﷺ وقيامهن بحقه بأتم وخير قيام: وهذا الذي يدل عليه ما أدرجه يحيى الأنصاري بالشغل بالنبي ﷺ وقيامهم بحقه وهو الظاهر. مسألة: إن قال قائل: إن عائشة لا تتنفل قبل ذلك بشيء لا يوم عرفة ولا ست من شوال ولا غيره من النوافل؟

стр. 134

نقول: نعم هذا هو الظاهر، وعند عائشة أن هذا الظاهر عارضه شيء أولى منه وهو القيام بحق الزوجية. فإن قال قائل: النبي ﵊ عنده نساء كثير فمتى يأتي دور عائشة حتى يأتيها النبي ﷺ فكان لها مندوحة أن تصوم. نقول: إن من سنة النبي الثابتة أنه كان يدنو من نسائه كل يوم بعد العصر من غير مسيس وهذا لفظ أبي داود وقد جاء في بعض الألفاظ أنه كان يمس ويجامع فإنه قد يجامع أزواجه في ساعة واحدة (١) فإنها لا تدري متى يأتي دورها فتقدم متعة الزوجية وحقها على النفل، فحينئذ عائشة لم تكن تصوم شيئًا قبل رمضان من النفل وقد يقال: أن عائشة كانت تصوم النفل وتأخر القضاء فالنقل إذا جاءها النبي قطعت هذا النفل وإذا لم يأتيها فهي على ما نوت وإن كنت أميل إلى أن عائشة لم تكن تتنفل أصلًا ولا بأس أن الإنسان يترك شيئًا من النفل إلى شيء أعظم منه؛ لأن بعض العبادات أعظم من الأخرى ولأن النبي إذا جاءها وهي صائمة فقد يستحي منها فلذلك قدمت حق النبي، ولا شك أن أداء حق النبي ﷺ أعظم من صوم النفل ولم ينقل عن عائشة ل أنها كانت تستأذن النبي ﷺ في صيام النفل فالذي يظهر لي أن أزواج النبي ﷺ لم يكن يضمن نفلًا لأجل حق النبي ﷺ .

стр. 135

٤١ - بَابُ الحَائِضِ تِتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ وَقَالَ أَبو الزِّنَادِ: إنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الحَقِّ لَتَاتِي كَثِيرًا عَلَى خِلاَفِ الرَّايِ فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدًّا مِنَ اتِّبَاعِهَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ. ١٨٥٠ - حّدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَضُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا». [ر٢٩٨] الشرح: أبو الزناد: عبد الله بن ذكوان. معنى قول أبي الزناد: أن الرأي لا بُدَّ أن يوزن بميزان الشريعة فالرأي يخطئ ويصيب والشريعة كلها صواب لا خطأ فيها فقد يظن ظان أن القياس كذا أو الوجه كذا وأن الذي ينبغي كذا فتأتي الشريعة على خلاف الرأي فتكون هي أصلًا وقياسها هو القياس الصحيح. وقول بعض الناس: أن هذا الحكم خلاف الشرع أو خلاف اقياس فهذا من ضعف عقله بل هي القياس وهي الحكمة وهي العدل. شرح الحديث: الحائض تترك الصوم أداءً ولا تتركه قضاء فإنها تؤمر كما أسند المؤلف

стр. 136

عن أبي سعيد وفي حديث عائشة: «ـكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» أما الصلاة فإنها لا تؤمر بها قضاء ولا أداء فلا تقضيها؛ لأنها كثيرة متكررة وقد التمس بعض العلماء الحكمة في قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة، قالوا: إن الصلاة تكرر والصوم لا يتكرر فلو لم نأمرها بقضاء الصوم لفات عيها صوم الشهر ولو أمرناها بقضاء الصلاة لشق عليها ذلك فإنها الآن تؤدي صلاة في وقتها وعليها فائت ففي هذا مشقة عليها. وزيف بعض أهل العلم جميع الحكم المستنبطة وقال: إن الحكمة هي طاعة الله ورسوله وأن المتبع في ذلك النص وهذا قول إمام الحرمين وهذا قول قوي في النظر لكن لا مانع من الالتماس لشيء من الحكمة دون القطع بها. هل إذا تركت المرأة الصلاة هل يكتب لها أجر الصلاة. الجواب: الظاهر أنه لا يكتب لها أجر الصلاة إذ لو كان أجر الصلاة مكتوبًا لها لما قال النبي ﷺ : «فذلك نقصان دينها» فنقصان دينها أنها لا تصلي فإنها تثاب على هذا الترك من حيث الامتثال ولا تثاب أجر الصلاة فهناك فرق بين ثواب أجر الصلاة وبين ثواب الترك امتثالًا لله ولرسوله، فالأول أجر عمل وجنس أجر العمل أعظم من جنس أجر النية بالاتفاق، ولهذا من هم بحسنة كتبت حسنة، وإن عملها كتبت عشرًا.

стр. 137

٤٢ - باب من مات وعليه صوم وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا جاز. ١٨٥١ - حّدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حّدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْه صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُهُ». تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرٍو وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ. ١٨٥٢ - حّدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عِنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى». قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الحَكَمُ وَسَلَمَةُ: وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الحَدِيثِ قِالاَ: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الحَكَمِ وَمُسْلِمٍ البَطِينِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتِ امْرَأَةٌ للِنَّبِيِّ ﷺ : إَنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. وَقَالَ يَحْيَى وَأَبو مُعَاويَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتِ امْرَأَةٌ للَنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ.

стр. 138

وَقَالَ عُبَيْدُ الله عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَنَيْسَةَ عَنِ الحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتِ امْرَأَةٌ للَنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. وّقّالّ أَبو حَرِيزٍ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتِ امْرَأَةٌ للَنَّبِيِّ ﷺ : مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. الشرح: قول المؤلف: قال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا جاز. نقول: نعم إذا مات الإنسان وعليه ثلاثون يومًا أو شهر رمضان كاملًا وقد تمكن من القضاء ولكنه لم يقض فصام عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا جاز ذلك؛ لأنه أدي عنه دينه جملة واحدة. لكن إذا مات هذا الإنسان وعليه أيامًا متتابعة كالكفارة بأن كان عليه شهران متتابعان أو نذر نذرًا متتابعًا فهل يجزئ عنه أن يصوم ستون رجلًا يومًا واحدًا أو ثلاثون رجلًا يومين؟ الجواب: لا، لا بُدَّ أن يتبرع أحد من أقاربه أو أوليائه أو أحد غيرهم فيسردها متتابعة؛ لأنه لا يحصل صورة التتابع إلا من شخص واحد، ولا تحصل من أشخاص فلا يحصل القضاء إلا بأن يتبرع شخص ويصوم الشهرين متتابعين. شرح الحديث الأول: قال النبي ﷺ : «من مات وعليه صيام» هذه جملة شرطية، وفعل الشرط «مات» وجوابه: «صام عنه وليه» وقوله: «وعليه صيام» نكرة في سياق الشرط فيدل على عموم كل صوم من صوم رمضان أو صوم نذر أو صوم كفارة أو غير ذلك قوله: «وليه» أي وارثه من الأقارب.

стр. 139

مسألة: هل معنى صام عنه وليه على سبيل الوجوب يعني ليصم عنه وليه؟ الجواب: التزم هذا بعض أهل العلم وقالوا: لا بُدَّ أن يصوم عنه ليه والصحيح أن هذا الأمر للولي بالصوم غير واجب لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. مسألة: قال بعض أهل العلم المراد بقوله: «من مات وعليه صيام» المراد به صيام النذر وقالوا: إن هذا في صيام النذر خاصة واحتجوا بحديث ابن عباس الذي سوف يأتي وهؤلاء أخطأوا حيث حملوا النذر الذي نهى عنه النبي ﷺ وفسروا به هذا الحديث وسبب خطئهم أن النذر مكروه وقيل بحرمته وأيضًا ابتلاء الناس الذين عليهم صيام النذر دون ابتلائهم بصوم شهر رمضان فكثير من الأشخاص الذين يموتون وعليهم شهر رمضان وأما الذين يموتون وعليهم صيام نذر قليل وحمل الحديث الذي قال به أفصح الخلق ﵊ على القليل النادر وإخراج الكثير المشهور فهذا من سقم الفهم ومن التقدم بين يدي الله ورسوله بالتخصيص والإلغاء، فالصحيح في هذا الحديث أنه عام في كل صوم ويدخل فيه صوم الفرض دخولًا أوليًّا. شرح الحديث الثاني: هذا الحديث في إسناده اختلاف وفي متنه اختلاف لكن البخاري: أخرجه موصولًا من طريق زائدة عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير

стр. 140

عن ابن عباس، وكذلك أخرجه مسلم من طريق زائدة وكأنهما ارتضيا هذا الطريق وذلك لحفظه وكونه من أكابر الحفاظ وأيضًا اختار هذا المتن مع أن الحديث في متنه كلام واختلاف كثير فالبخاري ومسلم اختارا إخراجه من طريق زائدة بلفظ: «إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها» وقد جاء في هذا الحديث ألفاظ كثيرة من ضمنها لفظ غريب أخرجه أحمد عن ابن نمير وفيه زيادة «وعليها شهر رمضان» وهذه الزيادة من طريق ابن نمير كانت أظنها رواية من أفراد ابن نمير وهو ثقة حافظ مشهور ولكن تبين أنها ليست رواية وإنما هي مقحمة من الناسخ لأمرين: ١ - أن الحافظ ابن حجر في أطراف مسند الإمام أحمد لم يشر إليها من طريق ابن نمير. ٢ - الذي رأيته في نسخة الرسالة من مسند الإمام أحمد أنهم أشاروا أن في النسخة التي فيها لفظ ابن نمير وجدوا في بعض النسخ أنه قد ضرب على هذه اللفظة لفظة «رمضان» وشطب عليها فالصحيح أنه لا يصح في هذا الحديث «وعليها شهر رمضان» وكان شيخنا ابن باز كان يحتج بهذه اللفظة أن من مات وعليه صيام شهر رمضان فإنه يُقضى عنه بالنص والصحيح أنه يقضى عنه بالعموم؛ لأن زيادة: «شهر رمضان» لا تصح رواية كما قررنا هذا. وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن النبي ﷺ لم يستفصل؛ وأنها على العموم وذكر النذر في بعض ألفاظ الحديث ليس من باب القيد وإنما من باب الواقع فلا يجوز أن تقيد به العمومات، فمن مات وعليه صوم فإنه

стр. 141

يصوم عنه وليه، وإذا لم يصم عنه فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكينًا، وذهب بعض أهل العلم على أنه لا يصوم أحد عن أحد واحتجوا بحديث لا يصح والصحيح أنه يصام عنه وينفعه، وذهب شيخ الإسلام إلى أنه يجوز الصيام عن الحي العاجز وهو حي فيقول: إن أطعم عنه وإلا صيم عنه وهو حي. ولكن نقول: الصوم عن الحي العاجز في حياته فيه نظر إنما جاء الصوم عن الميت، وأما الحي العاجز الذي عجزه مستديم فالصحيح أن فرضه الإطعام، وهناك وجه آخر لترجيح الإطعام على الصيام عن الغير وهو أن الإطعام عبادة يتولاها المكلف العاجز بنفسه، وأما الصيام فإنه يتولاه عنه غيره والعبادة التي من المكلف أعظم من العبادة التي فيها النيابة عنه مع ما في الحديث من موافقة الأصول.

стр. 142

٤٣ - بَابٌ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِم؟ وِأَفْطَرَ أَبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ ١٨٥٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَو بْنِ الخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». ١٨٥٤ - حّدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: «يَا فُلاَنُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله لَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ الله فَلَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلُ قّدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». [ر١٨٣٩] الشرح: ذكر المؤلف أن أبا سعيد أفطر حين غاب قرص الشمس، نقول نعم: إذا غاب قرص الشمس وقرنها الأعلى فقد حل الفطر. شرح الحديث الأول: معنى قول النبي ﷺ : «إذا أقبل الليل من ها هنا والنهار من ها هنا وغربت

стр. 143

الشمس فقد أفطر الصائم» فهل المراد بقوله: «أفطر الصائم» أي حل له الفطر أم المراد أنه أفطر حكما وإن لم يأكل بالفعل؟ الجواب: أنه حل الفطر؛ لأنه إذا كان في حكم المفطرين لم يكن هناك فائدة في الوصال أو لم يكن هناك جواز للوصال ولكانت مرتبة الوصال ساقطة فالصحيح أن معنى الحديث أنه أبيح له الفطر، وهذا الحديث ظاهر في شرعية المبادرة بالفطر عند التحقق من غروب الشمس. شرح الحديث الثاني: في هذا الحديث المبادرة بالفطر والنبي ﷺ قال: «انزل فاجدح لنا» كأنه يأمره بأن يهيئ له شيئًا من الشراب الذي فيه شيء من السويق والصحابي استنكر هذا لأنه رأى البياض مازال قويًّا مع أن الشمس قد غربت فقال: يا رسول الله لو أمسيت، فقال رسول الله: «انزل فاجدح لنا» فقال الصحابي «لو امسيت» ومراجعة الصحابي لا على وجه الرد بل على وجه التنبيه الذي يظنه هذا الصحابي أنه في محله فأخبره النبي ﷺ أن يهيئ الشراب لهم؛ لأن الفطر قد حل ولهذا بيّن لهم وقال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم».

стр. 144

٤٤ - بَابٌ يُفْطِرُ بمَا تَيَسَّرَ مِنَ المَاءِ أَوْ غَيْرِهِ ١٨٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ الله لَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَنَزَلَ فَجَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلُ قّدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»، وَأَشَارَ بِأِصْبَعِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. [ر١٨٣٩] الشرح: يسن الفطر على الماء أو على ما تيسر فقد جاء هذا في حديث سلمان بن عامر الضبي أن النبي ﷺ قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على رطبات فإن لم يجد فتمرات فإن لم يجد فماء» إذا لم يتيسر إلا الماء فإنه يفطر عليه. شرح الحديث: قوله: «فاجدح لنا»، إذا قلنا أن السويق شيء قد مرر على النار ففيه رد على من قال: إنه يستحب الفطر على شيء لم تمسه النار وإذا لم يكن كذلك فالأصل جواز الفطر على كل شيء أباحه الله، ولكن الأفضل أن يكون الفطر كما قال النبي ﷺ في حديث سلمان بن عامر الضبي الذي أخرجه الترمذي وغيره أنه يفطر على الرطب «وهو التمر الرطب» لما فيه من الحلاوة ولأنه

стр. 145

يسرع لإعادة ما نقص من قوة الصائم فإن لم يجد فعلى تمرات وإن لم يجد فعلى ماء فإن لم يجد فعلى ما يسر الله من المباح. مسألة: ابن حزم نقل عن الشارح «ابن حجر»: أنه قد شذ فأوجب الفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء. قلت: وكفى بهذا ظاهرية فجة فهذا إنما هو من باب الاستحباب فإذا وجد الرطب أو التمر فلا ينبغي أن يعدل إلى غيره.
следующие страницы →