ولا يشبهُ هذا اختلاف المجتهدين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المجتهدين يعتقدُ خطأَ صاحِبهِ في اجتهاده، وفي مسألتنا قد اتَّفقا في الاجتهاد.
قلت: الصَّوابُ أنَّه مع كثرة البُعد يكثُرُ المحاذي للعين.
فإن قيل: هذا إنَّما يكون مع التَّقوُّس كالدَّائرة حول النُّقطة، قلنا: تعم، ولكن الدَّائرة إذا عظُمتْ واتَّسعتْ جدًّا، فإن التَّقَوُّسَ لا يظهرُ في جوانب محيطها إلّا خفيًّا، فيكون الخَطُّ الطَّويلُ مُتَقَوسًا نحو شَعَرَةٍ، وهَذا لا يظهرُ للحِسِّ.
* إذا وطئَ الصَّبِيِّ هل يَجبُ عليه الغُسْلُ؟
أجابَ ابنُ الزاغوني: هذا لا نُسَمِّيه جُنُبًا؛ لأنَّ الجُنُبَ اسمٌ لمن أنزل الماءَ، والصَّبيُّ لا ماء له، وهل يجبُ عليه الغسلُ لالتقاء الخِتَانين؟ ينظر فيه، فإن كان مراهقًا وهو أن يجدَ الشَّهوةَ في ذلك وجبَ عليه الاغتسالُ، وإن لم يجِد ذلك فلا غسل عَليه، لكن يؤمَرُ به تمرينًا وعادَة.
وهكذا أجابَ ابنُ عقيل عن هذه المسألة في صَبِيٍّ وطئَ مثلَهُ، قال: إذ كان له شهوة لَزِمَهُ الغُسلُ، وإن كان ذلك على سبيل اللَّعِب بغير شهوة فلا غُسلَ عليه (١).
* إذا سجدَ على شيء مرتفع لعُذر فهل يجوزُ؟
أجاب ابن الزَّاغوني: إذا كانت الأرضُ ذاتَ صعودٍ وهبوط فلا يَضُرُّ إن سجد على الأعلى، ويجلسُ في المنهبط، فأمَّا إذا كان متَّخِذًا كالدَّرجة والصُّفَّةِ، وأمثال ذلك ولا حاجةَ تدعوه إلى السُّجود عليها، فإنه لا يجوز له ذلك.
стр. 1437
وإن كان مريضًا لم يَجُزْ له أن يتعَمَّدَ مثل ذلك، بل يومئُ بركوعِهِ وسجوده، ولا يترُك تحتَ جبهتِه شيئًا دون الأرض يسجدُ عليه، فأمَّا إذا زُحِم ولم يقْدِرْ إلَّا أن يسجدَ على ظهر أخيه سجدَ على ظهر أخيه وأجزأَهُ.
وأجاب أبو الخطَّاب: إن كان ارتفاعُه بحيثُ يخرجُ به عن صِفَةِ السُّجود لم يجزِئْهُ، وإن فعل ذلك لعذر جاز.
* هل يجوزُ أن يُحْدِثَ مدارًا أو حمَّامًا يتأذَّى به الجيران؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يجوز له فعل ما يتأذَّى به عقار الجيران وأبنيتهم ويؤذيهم في أجسامهم.
وأجاب ابن عَقِيل: إذا كان ذلك في خاصَّة مُلكِهِ بحيث لا تَتَزلزلُ حيطانهم بالرَّحا، ولا يتعدَّى دخان نار حمّامِهِ ولا ينزو ماؤُه إلى جدار جارِهِ = جاز.
وأجاب ابن الزاغوني: لا يجوز له أن يَتَصرَّفَ في ملكه على وجه يضُرُّ بجيرانِهِ بزلزال حائط أو حَرٌ (١) نار أو ماءٍ ينزلُ إلى بالوعة، أو غير ذلك مما فيه ضَرَرٌ عليهم إلَّا بإذنهم.
* إذا قال القاضي للشاهدين: أعلمُكما أني حكمتُ بكذا وكذا، هل يجوز أن يقولا: أشهدنا على نفسه أنَّه حَكَم (٢) بكذا وكذا؟
أجاب ابنُ الزاغوني: الشَّهادةُ على الحاكم (٣) تكونُ في وقت حكمه،
стр. 1438
فأمَّا بعد ذلك فإنَّه مخْبِرٌ لكما بحكمه، فيقول الشاهد: أَخبَرني أو أَعْلَمني أنَّه حكم بكذا في وقت كذا.
وأجاب أبو الخطَّاب وابن عَقِيل (١): بأنه لا يجوز أن يقولا: "أشهدنا" (٢)، وإنَّما يقولان: أخبرنا أو أعلمنا.
قلت: الصَّوابُ المقطوع به أنَّه يجوز أن يقولا: "أشهدنا" كما يقولان: "أعلمنا وأخبرنا" (٣)؛ لأنَّ الخبر شهادةٌ فكلُّ مخبرِ شاهدٌ. قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] ثم ذكر شهادته فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦].
وقال ابن عباس: "شَهِدَ عندي رِجَالٌ مَرْضيُّونَ أنَّ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الصَّلاة بعد العصر" (٤) الحديث.
وقال علي بن المديني: أقول: إنَّ العَشرَةَ في الجنَّة، ولا أشهد بذلك، فقال الإمام أحمد: متى قلت: "هم في الجنَّة" فقد شهدتَ (٥).
قالْ شيخُنا: وهذا صريحٌ من أحمد أن لفظ الشَّهادة ليس بشرط، قال: وهو الصَّحيح (٦).
стр. 1439
قلت: على أحمد ثلاثُ رواياتِ منصوصات حكاها أبو عبد الله بن تيميَّة (١) في "ترغيبه" (٢).
أحدها: الاشتراط وهي المعروفة عند متأخِّري أصحابنا.
الثَّانية: عدم الاشتراط، اختارها شيخُنا.
الثَّالثة: الفرقُ بين الأقوال والأفعال، فإن شهدَ على الفعل؛ لم يشترط لفظ الشهادة، بل يكفيه أن يقولَ: "رأيتُ وشاهدتُ وتيقَّنتُ"، ونحوه، وإن شهود على القول؛ فلابُدَّ من لفظ الشهادة.
إذا عُرِفَ هذا، فإذا قال الحاكم: "أُعْلِمكما أو أُخْبِركما"، أو قال شاهدا الأصل لشاهدي الفرع: نُعلمُكُما أو نخبِرُكما بأنا نشهدُ بكذا وكذا، ساغ أن يقولا: "أشْهدَنا" كما يسوغ أن يقولا: "أخْبَرَنا وأَعْلَمَنَا"، ولا فرقَ بينهما ألبتةَ لا في اللفظ ولا في المعنى، ولا في الشرع ولا في الحقيقة، فالتَّفريقُ بينهما تفريق بين المتماثلين والشريعةُ تأباهُ، وقد كان رسول الله ﷺ يدفعُ كُتُبهُ إلى رُسُلِهِ يُنْفِذونها إلى المكتوب إليه، ولم يقل لأحدِ منهم: أُشْهِدُك أن هذا كتابي، وكان الرسولُ يدفَع كتابَه إلى المرسَل إليه، ولا يقول: أشهدُ أن هذا كتابُ رسول الله ﷺ ، ولا يقول: أَشْهدَنِي على ما فيه، ولو سُئِلَ الشهادةَ لشَهِدَ قطعًا وقال: أشهد أَنَّه كتابُهُ.
стр. 1440
ومما يدلُّ على أن لفظَ الشهادة غيرُ مُشْتَرط قولُهُ تعالى ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ومعلومٌ قطعًا أنَّه لم ينكرْ عليهم إلّا مُجَرَّدَ قولهم: إن الله حَرَّمَ هذا، لم يخصَّ الإنكار بقول من قال: نشهدُ أن الله حَرَّمَه (١)، ولا نهى رسوله أن يتلفَّظَ بالشَّهادةِ على التَّحريم، بل هو نهيٌ له أن يقولَ (٢): إن الله حَرَّمَه.
* رجلٌ قال لعبده: إذا فرغت من هذا العمل فأنت حُرٌّ، وقال: أردتُ أنَّك حرٌّ من العمل؟
أجاب ابن عَقِيل وأبو الخطَّاب وابن الزاغوني: لا يُقبل قولُه في ظاهر الحكم، وأمَّا ما بيْنهُ وبَيْنَ الله فيُحتَمَلُ.
قلت: أما التَّوقُّفْ لكونه يُدَيَّن (٣) فلا وجه له، فإنَّه إذا أراد بلفظِه ما يحتملُهُ ولم يخطرْ بقلبه العِتْق، وليس هناك قرينةٌ ظاهرةٌ تكذبُهُ فهو أعلم بنيَّتِهِ ومرادِهِ، وقد قال أحمد في رواية بشر بن موسى في الرجل يكتبُ إلى أخيه: أعتقْ جاريتي فلانة، ويريد أن يتهدَّدها بذلك، وينوي التَّصْحِيف: أكره ذلك ولا يُخبِرُه (٤) وهو عَبَثٌ، فيهدِّدها ويَسَعُه في ما بينه وبينَ الله أن يبيعَها والقاضي يفرِّقُ بينهما.
قلت: مرادُهُ بالتَّصحيفِ التعريض، وكأنه تصحيفٌ للمعنى، وهو العدول باللفظ عن معناه الموضوع له، وقد قال في رواية أبي الحارث إذا
стр. 1441
قال: "أنتِ طالقٌ" وهو يريدُ طالقٌ من عِقَالٍ: إذا كانت قد سأَلتْهُ الطَّلاقَ، أو كان بينهما غضبٌ، لم يُقْلْ قولُه، وهذا يدلُّ على قبوله عند عدم القرينة الدَّالةِ على الطَّلاق، فعلى هذا إذا قال له عبدُه: أعْتِقْني لله، فقال: إذا فرغتَ من هذا العمل فأنتَ حُرٌّ، لم يُقْبلْ قولُهُ.
وأمَّا إذا قال: أرِحْني من هذا العمل، واستعملْني في غيره، أو أَعْتِقْني من هذا العمل، فقال: إذا فرغتَ منه فأنتَ حُرٌّ، وأراد: مِنْ هذا العمل، قُبلَ قولُه، فالمراتبُ ثلاثة: ما يبعدُ معه صرف اللفظ عن عُرفه (١) لما هناك من القرائنِ، فلا يُقبلُ قوله، وما يقربُ معه الصرفُ كقرائنَ تحفُّ به فيقبل قوله، وما يكونُ مُتَجَرِّدًا عن الأمرينِ فهو محلُّ تردُّدٍ.
* إذا لقي امرأةٌ في الطَّريق، فقال: تَنَحَّيْ يا حُرَّة، فإذا هي جاريتُه؟
فأجابَ أبنُ الزَّاغوني بأن قال: اختلفَ أصحابُنا فيما إذا لقِيَ امرأة في الطَّريق فقال: تنَحَّيْ يا طالقُ، فإذا هي امرأتُهُ، فهل تطلق؟ على وجهين، قال: والعِتقُ مثله.
قلت: وقوعُ العتق في هذه الصُّورة بعيدٌ؛ إذ من عادة النَّاسِ في خطابهم في الطُّرُقاتِ وغيرها إطلاق هذا اللفظ، ولا يريدُ به المخاطب إنشاءَ العِتْقِ، هذا عُرفٌ مستقرٌ، وأمرٌ معلوم، وأيضًا فإنَّما يُريدونَ حرِّيَّةَ الأفعال وحرية العِفَّةِ، لا حرية العِتْقِ، ولم تَجْر العادةُ بأن تخاطَبَ المرأةُ الأجنبية بـ "يا طالق" (٢)، فلا يلزمُ من الحكمِ بوقوع الطَّلاقِ في مثلِ هذا: الحكمُ بوقوعِ العِتْقِ.
стр. 1442
* إذا قال المشهود عليه: أشهدت على نفسي بما في هذا الكتاب، ولم أعلم ما فيه، ولم يقرأ علي، وليس في الكتاب أَنَّه قرئ عليه، هل يمنع ذلك من الحكم به؟ وهل يجوز للشاهد أن يقول للمشهود عليه: أشهدُ عليك بجميع ما نُسِب إليك في هذا الكتاب من غير أن يعرفه ما فيه ويشهد به؟
أجاب ابن الزاغوني: لا يجوز للشاهد أن يشهد على المشهود عليه، إلَّا بأن يقرأ عليه الكتاب، أو يقول المشهود عليه: قد قرئ عليَّ، أو يقول: قد فهمت جميع ما فيه وعرفته، فإذا أقرَّ بذلك عند الشهود شهدوا عليه به. وإذا شهد الشاهدان عند الحاكم أنَّه أقر عندهم بفهم جميع ما في الكتاب، لم يلتفت إلى إنكار المشهود عليه.
وأجاب أبو الخطاب: إذا قال المشهود عليه: "أشهدت على نفسي بما في هذا الكتاب"، لا يشهد الشاهدان إلا أن يقول له: نشهد عليك بجميع ما في هذا الكتاب، وقد فهمته أو قرئ عليك، فيقول: نعم، أو يُقرأ عليه، فإذا وجد ذلك لم يقبل قوله: لم أعلم ما فيه، ولزمه الحكم في الظاهر.
قلت: وعلى هذا فكثير من كتب هذه الأوقاف المطوَّلة التي واقفُها امرأة أْو أعجمي أو تركي أو عامي لا يَعْرف مقاصد الشروطيين، لا يجب القيام بكثير من الشروط التي تضمنته؛ لأنَّ الواقف لم يقصدها ولا فهمها، وقد صرّح كثير من الواقفين بذلك بعد الوقف، وعلى هذا يصير كالوقف الذي لا تُعلم شروطه.
* إذا علمَ الحاكم من حال الشَّاهدين أنَّهما لا يفرِّقان بينَ أن يشهدا بما يذكران الشهادة به، وبينَ أن يعتمدا على معرفةِ الخَطِّ من
стр. 1443
غير ذكرٍ، هل يجوزُ إذا شهدا شهادةً قديمة أن يسألَهُما: هل يعتمدانِ على الخِطِّ، أو هما ذاكران للشهادةِ؟
أجاب ابنُ الزَّاغوني: إذا علمَ الحاكم أنَّهما يتجوَّزانِ بذلك صار حكمُهما في ذلك حكمَ المُغَفَّلين أو المجرحين (١)، إذا علم أنَّهما يُجرحانِ (٢)، ومَنْ هذه صفته لا يجوز له قَبولُ شهادتِهما بحالٍ، فإن كان يتوهَّمُ ذلك من غير تحقيق لم يَجزْ له (٣) أن يسألَهما عن ذلك، ولا يَجِبُ عليهما أنَّ يُخبراه بالصِّفةِ.
وأجاب أبو الخطَّابِ: لا يلزمُ الحاكمَ سؤالهما عن ذلك، ولا يلزمُ جوابه إذا قالا: "شهدنا من حيث جاز لنا الشهادة"، وإذا علم تَجوُّزهما في الشَّهادةِ صارا كالمغفلين، فلا يجوز له قبول شهادتهما.
* إذا شهدا: أنا لا نعلمُ لفلان وارثًا إلَّا هذا، فدفع إليه الحاكمُ المال، ثم عادا وشَهِدا لآخرَ أنَّه وارث معه فهل يشاركُ الأوَّل؟
أجاب ابن الزَّاغونيِّ: ليس بين الشَّهادتينِ تناقُضٌ؛ لأنه قد يعلمُ الإنسانُ بعضَ المعلوم في وقتِ، ويعلمُ في وقتٍ آخرَ ما بقي، وإذا ثبتَ هذا وجبَ أنَّ يشارِكَ الثَّاني الأولَ.
وأجاب أبو الخطَّاب: يُقْبَلُ قولُهما، وتقسمُ التَّركَةُ بينهما.
وأجاب ابن عَقِيل: الشهادَةُ الأولى لا تنافي الثَّانية، ولا تناقُض بينهما، فإن نَفْيَ العلمِ في حالي لا يُنافي ثبوتَهُ بطريقة فيما بعد فَيَرِثانِ جميعًا.
стр. 1444
* إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين، ثم بان له فسقُهما أو كذبُهُما وقتَ الشهادةِ؟
أجاب أبو الخطَّاب: ينقضُ الحكم الأوَّل ولا يجوز له تنفيذُهُ.
وأجاب ابن عَقيل: لا يُقْبَلُ قوله بعدَ الحكمِ، فإن قال: كنت عالمًا بفِسْقِهما قُبلَ قولُه.
وجوابُ ابن الزاغواني: لا يخلو قبولُه بشهادة الشَّاهدين؛ إمَّا أن يكون لعدالة ثبتت عندَه بعلمه أو بعدالة ثبتت بتعديل مزَكٍّ، أو بظاهرِ عدالةِ الإسلامِ، فإن كان لعدالة ثبتتْ عندَه بعلمه (١)، فالأمرُ في ذلك مبْنيٌّ على الحاكم، هل يجوز أن يحكمَ بعلمه؟ وفي ذلك عن أحمدَ روايتان:
إحداهما: أنَّه لا يحكمُ بعلمه، فعلى هذا قد أخبر بأنه حكمَ على وجه لا يجوز الحكمُ به فيُنقَض حكمُه.
والرواية الثانية: أنَّه يجوز له الحكم بعلمه، فعلى هذه الرواية لا ينقض حكمه؛ لأنَّه متَّهَمٌ في نقصه، وذلك؛ لأنَّه (٢) أتى بقولينِ مختلفينِ يُضيفهما إلى نفسه، فالعمل يكون على الأول دون الثَّاني.
وإن كان حَكَمَ بعدالتِهما بشهادة مُزَكَّين لعدالتهما، لم يَجُزْ له أن ينقص حكمه إذا أضافَهُ إلى علمه، وهل يفتقر في نقضه (٣) إلى شاهدينِ غيرِه يشهدان بفسقِهما؟ أو يَكتفي معه بشاهدٍ واحدٍ؟ فيه
стр. 1445
وجهان، ذكرهما أبو علي بن أبي موسى (١) من أصحابنا.
وإن كان حكَمَ بشهادتِهما لظاهر عدالةِ الإسلام، فهل يجوزُ له ذلك؟ فيه عن أحمد روايتان:
إحداهما: لا يجوز له الحكم بشهادة شاهدٍ حتَّى يعلمَ عدالته باطنًا وظاهرًا، فعلى هذا ينقض حكمه.
والرواية الثَّانية: أنَّه يجوز (٢) له ذلك، فعلى هذا هل (٣) يجوز له أن ينقض حكمه؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: ليس له ذلك، إلَّا أن يثبتَ (٤) عندَه ببيِّنَةٍ.
والثَّاني: يجوز له نقض الحكم؛ لأنَّه قد تظهر بالإسلامِ عدالةُ من لو كُشِفَتْ حالُه لم يكن عدلًا، وكان قولُه محملًا يبعدُ عن التهمة، ثم ينظرُ بعد هذا فإن وافقه المشهودُ له على ما ذكر وجبَ عليه ردُّ ما أخذ، فإن كان عالمًا (٥) نقض الحكم بنفسه دونَ الحاكم وإن خالَفَهُ فيه، فإن أوجبَه ذاك (٦) غرامَةً لزمت الحاكمَ.
* * *
стр. 1446
[فائدة] (١)
قال في رواية أبي طالب: إذا قال: "أمرك بيدك" فالأمر في يدها حتَّى ترجع أو يطأها، فإذا وطئها، فليس لها من الأمر شيء، مثل الوكيل إذا رجع فقد خرج الأمر من يده، وإذا قال: "أمرك بيدك" فقالت: قد اخترت، فليس بشىِءٍ إنما أخذت أمرها، ولم يقض بشيء.
ولو قالت: قد أخذت نفسي، فهو بمنزلة: اخترت نفسي وطلقت نفسي، وإذا قالت: أخذت أو قبلت، فليس بشيءٍ، مثل قول الوكيل: قد قبلتُ وكالتك وأخذت وكالتك، فإنَّما (٢) قبل ولم يعمل شيئًا.
فقد صرّح أحمد بأن هذا توكيل لا تمليك.
وقالت المالكية: تفويض الطلاق إليها ضربان: توكيل وتمليك، ففي التوكيل له أن يرجع ما لم تطلِّق نفسها، وفي التمليك ليس له ذلك إلَّا أن يبطل تمليكها، فالتمليك أن يقول: قد ملّكتك أمرك، وأمرك بيدك، أو طلاقك بيدك، أو ما أشبهه.
والتمليك عندهم نوعان:
أحدهما: تمليك تفويض، وهو هذا.
والثاني: تمليك تخيير، وهو أن يقول: اختاري، وهذا التخيير على ضربين.
стр. 1447
فوائد شتَّى (١)
قال القاضي (٢): نص أحمد على أن الإسراء كان يَقَظَة، وحكي له أن موسى بن عقبة (٣) قال: أحاديث الإسراء مَنَامٌ، فقال: هذا كلامُ الجَهْميَّة.
ونقل حنبلٌ أن الرؤيةَ منامٌ، ونقل الأثرم وغيره: أنَّه رآه ولا يُطْلَقُ شيء سوى ذلك (٤).
وقال أبو بكر النَّجَّاد (٥): رآه إحدى عشرةَ مرَّة، منها بالسُّنة تسع مرات ليلة المعراجِ حينَ كان يتردَّدُ بينَ موسى وبينَ ربِّه، ومرتينِ بالكتاب.
فائدة (٦)
قال القاضي: صنف المرُّوْذيُّ كتابًا في فضيلة النَّبيُّ ﷺ وذكر فيه
стр. 1448
إقعادَهُ على العرش، قال القاضي: وهو قولُ أبي داودَ، وأحمدَ بنِ أصرمَ، ويحيى بن أبي طالبٍ، وأبى بكر بن حماد، وأبى جعفر الدّمشقيُّ، وعباس (١): الدُّوري، وإسحاقَ بنِ راهويه، وعبد الوهاب الورَّاق، وإبراهيم الأصبهاني، وإبراهيمَ الحربى، وهارون بن معروف، ومحمدِ بن إسماعيل (٢) السُّلَمِيِّ، ومحمدِ بن مُصْعَب العابدِ، وأبى بكر بن صَدَقةَ، ومحمد بن بشر بن شَرِيكٌ، وأبي قِلابَةَ، وعلي بن سهل، وأبي عبد الله بن عبد النور، وأبى عبيد، والحسنْ بن فضل، وهارون بن العباس الهاشميِّ، وإسماعيلَ بن إبراهيمَ الهاشميِّ (٣)، ومحمَّد بن أبي عمران الفارسيِّ الزَّاهد، ومحمد ابن يونس البصري، وعبد الله بن الإمام أحمد، والمرُّوْذي، وبشر الحافي. انتهى.
قلتُ: وهو قول ابن جرير الطبريِّ، وإمام هؤلاء كلِّهم مجاهِدٌ إمام التفسير، وهو قول أبي الحسن الدارقطني، ومن شعره فيه (٤):
حديثُ الشفاعةِ في أحمد ... إلى أحمدَ المصطفى نُسندُه
وجاء حديثٌ بإقعاده ... على العرشِ أيضًا فلا نجْحدُهْ
أَمِرُوا الحديثَ على وجهِهِ ... ولا تُدْخِلوا فيه ما يُفسِدُهْ
ولا تنكِروا أنَّه قاعد ... ولا تنكِروا أنهْ يُقْعِدهْ
стр. 1449
فائدة
سئل القاضي عن مسائلَ عديدة وردت عليه من مكةَ، وكان منها:
* ما تقول في قول الإنسان إذا عَثَر: محمَّد وعلي؟
فقال: إن قصد الاستغاثةَ (١) فهو مخطئٌ؛ لأنَّ الغوثَ من الله تعالى، وهما مَيتانِ فلا يَصِحُّ الغوثُ منهما، ولأنَّه يجبُ تقديمُ الله على غيره (٢).
* ومنها: إذا قال القائل (٣): أفضل النَّاس بعد رسول الله الخلفاءُ ثم طلحةُ ثم الزُّبيرُ ثم سعد إلى آخر العشرة؟
فأجاب: الأوْلى العطفُ على الأربعة بالواو؛ لأنَّ (ثم) تقتضي التَّرتيب، فيقتضي تقديمَ طلحةَ على الزُّبير، والزُّبير على عبد الرحمن، ولا يمكن لأنَّه ليس فيه نقل يُرْجَعُ إليه، وعمرُ ﵁ أمرهم أن يختاروا للخلافة واحدًا من ستة، ولم يَنُصَّ على واحد منهم، وظاهرهُ التَّساوي.
* ومنها: وقد سئل عن حركة اللسان بالقرآن الكريم؟
فقال: لا يجوز أن يقالَ: إنَّها قديمة، بل حركة اللِّسان بالقرآن محدَثَة.
* ومنها: في البدريِّينَ أنهم أفضلُ في الجملة من غيرهم، ولا يفضلُ آحادُهم على غيرهم؛ لأنَّه قد يكون في غيرهم من هو أفضلُ
стр. 1450
من آحادهِم، كما قال النبي ﷺ : "خَيْرُكُمُ القَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ" (١)، فخايَرَ بين القرون في الجملة؛ لأنه قد يكون في التفضيل مَنْ غيرُهُ أفضلُ منه، ولهذا يعلم أن أحمَدَ أفضلُ من يزيدَ، ويزيدُ في عصر التابعين، لِمَا جرى من يزيدَ بما عاد في القدح في عدالته.
* ومنها: هل يجوز أن يقال: إنَّ اللهَ يرحمُ الكافرَ؟
فقال: لا يجوزُ أن يقالَ: إن الله يرحمُ الكافرَ؛ لأن فيه ردَّ الخير الصادق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ [البقرة: ١٦٢]، إلى أمثاله، بل يقال: يُحففُ عذابُ بعضهم، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، و ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨].
فائدة
قال ابن عَقِيل: قولهم: إن الله جعل للمرأة شهوةٌ تزيدُ على شهوة الرجل بسبعة أجزاء (٢). قال: لو كان كذلك ما جعل الله للرجلِ أن يتزوَّجَ بأربعٍ ويَتَسَرَّى بما شاء من الإماء، وضيَّق على المرأة فلا تزيدُ على رجلٌ واحد، ولها من القَسْمِ الرُّبُعُ، وحاشا حكمته أن تُضَيِّق (٣) على الأحرج، وتُوسِّعَ على من دونَهُ في الحرج.
أجابه حنبليٌّ آخرُ فقال: إن ذلك إنما كان لمعارض راجح، وهو
стр. 1451
خوف اشتباه الأنساب، وأيضًا: ففي التَّوسعة للرجل تكثير النسلُ الذي هو من أهم مقاصد النِّكاح.
وأيضًا: فإن الرجلَ والمرأة لما اشتركا في التذاذ كلٍّ منهما بصاحبه، وقضاء وطرِهِ منه، وخُصَّ الرجلُ بالنَّفقة والكسوة وكُلفة المرأة، عُوِّضَ بأن أطلق له الاستمتاعُ بغيرها.
وأيضًا: فإن المرأةَ مقصورةٌ في الخِدْرِ، لا تدخلُ ولا تخرجُ إلَاّ لحاجةٍ، حتى إنَّ صلاتَها في بيتها أفضلُ من صلاتها في المسجد، لم يقعْ نظرُها من الرِّجال على ما يقعُ نظرُ الرجل عليه. فحاجتُه إلى أكثر من واحدة أشدُّ من حاجتها.
وأيضًا: فإن طبيعةَ الذَّكَر الحَرارةُ، وطبيعة الأنثى البُرودةُ، وصاحب الحرارة يحتاج من الجماع (١) فوقَ ما يحتاج إليه صاحب البرودة.
وأيضًا: فإن الله تعالى فضَّل الذَّكَرَ على الأنثى في الميراث والدِّيَةِ والشَّهادة والعقيقة، وغير ذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه﴾ [النساء: ٣٢] فكان من تفضيله الذَّكَرَ على الأنثى أن خُصَّ بجواز نكاح أكثرَ من واحدة، والله أعلم.
فائدة
سئل ابن عقيل: هل يجوزُ أن يَتَّخِذ النساءُ السُّفَرَ والمطارحَ والمخادَّ، وغير ذلك حريرًا؟
فقال: لا، بل ملابسَ فقط.
стр. 1452
فائدة
في "الفنون": سئل حنبلي (١) عن رجل سمع مؤذِّنًا يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: كذبتَ، هل يكفُرُ؟
فقال: لا (٢) يكفرُ لجواز أن يكونَ قصدُه تكذيبَ القائل فيما قال لا أصل الكلمة، فكأنه قال: أنت لا تشهدُ هذه الشهادةَ، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ (٣) [المنافقون: ١].
فائدة
قال الخَلاّلُ: حدثنا العباسُ بن أحمدَ اليماميُّ بطَرَسُوسَ، سأل أبا (٤) عبدِ الله رجلٌ عن الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ : "لا يَكْفُرُ أحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ بِذَنْب" (٥)، فقال: موضوع لا أصل له، كيف بحديث النبي ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فقدْ كفَرَ" (٦)؟! فقال له: يورث بالمِلَّة؟ فقال: لا يُورَثُ ولا يَرِثُ.
стр. 1453
فائدة
قال ابن الجَوْزي في آخر "منتخب الفُنوِن" (١) مما بلغه عن ابن عَقِيل من غير "الفنون"، قال: سمعت أبا يَعْلَى بنَ الفرَّاء يقول: من قال: إن بينَه وبينَ الله سرًّا فقد كفر، وأيُّ وصلة بينَه وبينَ الإله؟ وإنما ثَمَّ ظواهرُ الشَّرْعِ، فإن عنى بالسِّرِّ ظاهرَ (٢) الشَّرع فقد كذبَ؛ لأنه ليس بسِرٍّ، وإن عنى شيئًا وراء ذلك، فقد كفر.
وقال في قول المتوسِّلين بالميِّت: "اللَّهُمَّ إلي أسأَلُكَ بالسِّرِّ الذي بينَكَ وبينَ فلان": أيُّ سرٍّ بين العبد وبين ربِّه لولا حماقةُ هذا القائل؟!
قال ابن الجوزي معترضًا عليه: إنما يعني المتوسِّلُ بذلك العباداتِ المستورةَ عن الخَلْق.
فائدة
سئل رجلٌ: عن رجلٍ تزوَّج أُمَّ رجلٍ وأختيه فقال:
صورةُ المسألة: رجلانِ وطِئا أَمَةً في طُهْرِ واحدٍ، فأتتْ بولد فَتَداعياه، فأُري القافَةَ فألحقوهُ بهما على مذهب من يرى ذلك، وكان للرجلين بنتان، فجاء رجلٌ أجنبيٌّ (٣) فتزوَّجَ بالأَمَة بعد عِتْقِها وتزوَّجَ بنتي الواطِئَيْن؛ لأنه ليس إحداهما أختًا للأخرى، وإن كانتا أختين للولد المُلحق بالواطِئَيْنِ، فقد جمع هذا الرجل الأجنبيُّ بين أم ذلك الولد وأختيه من الواطئين، فأمه ليست أمهما.
стр. 1454
فائدة
استدل على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد بتخصيص آية الميراث بقوله: "لا ثورث ما تركناه صدقة" (١) والصدِّيق أول من خصَّصَه.
قال ابن عقيل: وهذه بلاهة من هذا المستدل، فإن الصدِّيق لم يخصصه إلا بما سمعه شفاهًا من النبي ﷺ ، فهو قطعي وليس النزاع فيه.
فائدة
قال ابنُ عقيل في مناظرته لبعض المعتزلة: أنتم اعتمدتم في نفي التثنية على دليل التمانع، وهو بعينه ينقلب عليكم في خلق الأفعال؛ لأنَّا إذا قدرنا أنه -تعالى- أراد تحريك جسم، وأراد العبدُ تسكينه فلا يخلو ... إلى آخره، وفِعْلُ الله لا يدخل تحت مقدور العبد، وفعل العبد لا يدخل تحت مقدور الله عندكم، فلا انفكاك لكم ألبتة عن هذا السؤال، فأين توحيدكم (٢)؟!.
فائدة.
جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عن رجلٍ يَنْتَقد للناس مئة دينار بدرهم، يخرج في نقده دينار رديء؟
стр. 1455
قال: وجب عليه أن يردَّ من أجرته جزءًا من مئة من درهم. قال القاضي: إنما صحَّت هذه الإجارة وإن لم يشاهد الدنانير؛ لأنه لا تفاوت بين الدنانير في النقد، فصحَّت الإجارة. انتهى.
فعلى هذا؛ إذا استأجره ليكيل له مئة مكُّوك (١) من طعام في بيتٍ لم يَرَه، صحت الإجارة (٢) للعلة التي ذكرناها، وإنما رجع عليه بجزءٍ من مئة جزء من الدراهم؛ لأن العمل لا يتفاوت في كل واحد منها، كما لو كان له مئة مكُّوك إلا مكُّوكًا.
فوائد شتى من خط القاضي أبي يعلى
أبو الفرج الهندباني (٣): سمعت المرُّوْذي يقول: سئل أحمد عما ورد عن النبي ﷺ : "إن الله احتجرَ التوبة عن صاحب بدعة" (٤)، وحَجْب التوبة أَيْشٍ معناه؟
فقال أحمد: لا يوفَّق ولا ييسَّر صاحب بدعة لتوبة، وقال النبي ﷺ لعائشة لما قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا
стр. 1456
لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، فقال النبي ﷺ : "هُمْ أَهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ، ليْسَتْ لَهُمْ تَوْبةٌ" (١).
فوائد
من مسائل أبي جعفر محمَّد بن أبي حرب الجُرْجرائي (٢)، بخط القاضي أبي يعلَى
قيل لأبي عبد الله: الرجلُ يحفِرُ إلى جنب قناة الرّجل ولا يضرُّ بها، أَلَه أن يمنعَهُ؟
قال: يُرْوىَ عن الزُّهريِّ أنه قال: "حريمُ العيون خمسُ مئة ذراعٍ" (٣) كأنه ذهبَ إليه.
قيل لأبي عبد الله: فإنْ حفرَ على أكثرَ من خمس سنة ذراع فأضرَّ به هل له أن يمنَعَهُ؟
قال: ليس له أن يمنَعَهُ إذا جاوز حريمَهُ، أضَرَّ به أو لم يُضرَّ به.
قيل لأبي عبد الله: رجلٌ عَمِلَ في قناة رجلٍ بغير إذنه، فاستخرجَ الماءَ، فجاء صاحبُ القناة؟
стр. 1457
فقال: لهذا الذي عَمِلَ نفقتُه إذا عَمِلَ ما يكونُ منفعةً لصاحب القناة. وفي الحاشية بخط القاضي: إنما رَجَع بنفقته! لأن الآبار كالأعيان، ولو عمِلَ في مُلكِ غيره عملًا له فيه أعيانٌ رجعَ بها، كذلك في الآبار، هذا كلامُ القاضي، وفيه نظرٌ.
قيل لأبي عبد الله: الرجلُ يسبق إلى دكاكين السُّوق؟
قال: إذا لم يكنْ لأحد، ولم يحجزْهُ (١) أَحَدٌ، فمن سبق إليه غدْوةً فهو له إلى اللَّيلِ، قال: وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى.
قيل: أيُكْرَهُ بيعُ الطعام، وأن تكونَ تجارةُ الرَّجل كلُّها في الطَّعام؟
قال: إذا لم يُرِدِ الحُكْرَةَ فلا بأسَ، هذا ضيق بالمدينة ومكَّة، فأما هاهنا فربما كان خيرًا لهم، ثم قال: إنما هاهنا شبه البحر.
قيل: من أحقُ بالسَّوْم؟ قال: البائع.
قلت له: فإن أوقد نارًا في السَّفينة، فقال: بُدٌّ له من أن يطبُخَ، وكأنه لم يَزِد عليه.
قيل له: رجلٌ اشترى من رجل حائطًا على أن يعمَلَ له فيه سنةً أو سنتين؟ قال: لا بأس.
وكتبتُ إلى أبي عبد الله أسأله، قلت: بنتُ أخٍ لي، خطَبها ابنُ أختٍ لي فقير، وأمُّها تكره ذلك؟
قال: لا تفعَلْ فإن النبي ﷺ قال: "وآمِرُوا النِّسَاءَ في بَنَاتِهِنَّ" (٢)،
стр. 1458
وما ذكرتَه من أمر الفقر فزوِّجْ، فإن الفقرَ والغنى إلى الله، فزوَّجتُ الفقيرَ فلم أرَ إلا خيرًا.
وسألته عن الرَّجل: يشتري البقَرَ للإكار؟ فَكَرِهَهُ.
قلت: يأخذ الرجلُ يَحُجُّ عن الرَّجلِ؟ قال: لا يأخذُ.
قلت: فيأخذ الفرس أو لا يأخذ في السَّبيل؟ قال: يأخذ، لم يزلِ: النَّاسُ يأخذونَ، فإذا بلغ مَغْزاه فهو كسائر ماله.
وسُئل عن الطَّواف؟
فقال: ثلاثةٌ واجبة: طواف القُدوم وطوافُ الزِّيارة وهو أنْ الصَّدَر. وأما طوافُ الزيارة فلا بدَّ منه، ولو أُنْسِيَهُ الرجلُ حتى يرجعَ إلبى مدينته عليه أن يأتيَ به. قيل له: كيف يصنعُ؟ قال: يدخل معتمرًا فيطوف بعمرة، ثم يطوف طواف الزيارة بعد ذلك.
وسئل عن المُحْرِم يغسل بَدَنهُ بالمحلب (١)؟ قال: أراه يكرهُهُ؟ وكره الأُشْنانَ.
وسئل عن الخضاب للمحرم؟ فقال: ليس هو بمنزلة الطيب، ولكنه زينة.
وسئل عن صيد الليل؟ فقال: لا أعلم فيه شيئًا، حديث ثابت (٢) روى فيه حديث ابن عباس، ثم ذكر تفسيره، أُرَاه عن نافع أو غيره، قال: كانوا في الجاهلية إذا خرجوا يُطَيَّرون الطَّيرَ من مكانِهِ، قال رسولُ الله ﷺ : "أَقِرِّوهُ في مَكَانِهِ" (٣) يعني: أنه يَضُرُّ ولا ينفعُ، ولم يَرَ به بأسًا.
стр. 1459
وسئل عن أكل الكُرَّاث والبَصَل في السَّفر؟
قال: إن كان من عِلَّةٍ فأرجو، وإن كان من غير ذلك فلا يؤكل، وأما الكُرَّاثُ فليس له كبيرُ شيء، وهو أهونُ من البصل.
قيل له: فالثُّومُ؟ قال: إنما جاءتِ الكراهةُ في الثُّوم والبَصَل فلا تأكُلْ.
وسألُه عن أكل الطين (١)، سمعتَ في كَرَاهَتِهِ شيئًا يثبت؟ قال: لا، وكأنه لم يكرَهْهُ ولم يتكَلَّمْ فيه.
وسئل عن شِراء الأرضِ بالثُّغورِ؟ فقال: هو أيسرُ من غيره؛ لأنهم بإزاء العدو، وهم يدفعون عن المُسلمينَ.
فوائد
من مسائل أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (٢) لأحمد:
سمعتُ أبا عبد الله يقول: السَّائمةُ: التي تَرْعَى، والسَّائبة: التي تُسَيَّبُ وليس لها رِعَاءٌ، وفي السائمةِ الزَّكاةُ.
وقال رجلٌ لأحمد: بلغني أن نصارى يكتبونَ المصاحفَ، فهل يكونُ ذلك؟ قال: نعم نصارى الحيرة، كانوا يكتبون المصاحفَ، وإنما كانوا يكتبون لقِلَّةِ من كان يكتُبُها، فقال رجل: يعجبُكَ ذلك؟
стр. 1460
فقال: لا يعجبُني.
وسئل عن رجل أعطى رجلًا درهمًا يشتري له به شيئًا فخلطه مع دراهمه فضاعا؟ قال: ليس عليه شيءٌ.
وسئل عن رجل أوصى أن يشتَريَ بألف درهم فرسًا للجهاد ومئة للنفقة، قال: يُشْتَرَى له مِثْلُ ما أوصى لا يُزادُ على ذلك شيء، قال: فإن أصيبا بأقل من ألف بخمسين أو بأكثر؟ قال: يُزادُ على نفقته.
فوائد من مسائل مُثَنَّى بن جامع (١) الأنباري
سألته عن رجل استودع مالًا وديعةً، فمات الرجل الذي أودعه وله صبيٌّ؟ وكأنه أوسعَ له أن يدفعَ المستودعُ المالَ إلى رجل مستور ينفقُ عليه، قال القاضي: ومعنى هذا إذا لم يكن وصِيٌّ ولا حاكمٌ.
وسُئِلَ عن الرَّجل يكونُ له الجاهُ عند السلطانِ فيُسال له الماءُ، فأَسْتقي منه إذا لم يكنْ له (٢) تُرْكيٌّ يرد على من قد سيل عنه، أو نحوًا مما قلت له. فأجازَ لي ذلك إذا أخذت بقَدْر حاجَتي.
وذهبَ في الشُّفْعَةِ أن لا يحلفَ للذي يطالِبُهُ، وإنْ قدَّمَهُ إلى الحاكمِ فأخرجَهُ خَرَجَ.
ورأى أنَّ ما كان في النُّطفةِ والعَلَقَةِ أنه لا يكون نِفَاسًا، وما كان
стр. 1461
في حَدِّ المُضْغَةِ أنه نِفَاسٌ.
وودَّعْتُهُ غيرَ مرَّة، فقال: أحسنَ الله لك الصحابةَ، وطوىَ لك البعيدَ.
قلت له: كيف الحديثُ الذي جاء في المَعَاريضِ في الكلام؟ قال: المعاريضُ لا تكونُ في الشِّراء والبيع وتَصْلُحُ بين النَّاسِ.
وسألتُهُ عن الأذان الذي يوجبُ (١) على من كان خارجًا من المِصْرِ أن يشهدَ الجُمُعَةَ؟ هو الأذانُ الذي على المنارةِ أو الأذانُ الذي بينَ يدي المنبرِ؟ قال: هو الذي في المنارةِ.
وسألتُهُ عن كتابةِ الحديثِ بالأجرة (٢) فلم يَرَ به بأسًا، وكتابة القرآنِ أيضًا.
وسألتُهُ عن رجل اشترى من رجل شيئًا بدنانيرَ أو دراهمَ فدفعها إليه، فقال: اذهبْ فانتقدْها وزِنْ حَقَّكَ ورُدَّ عليَّ الباقِيَ، فضاعتْ؟ فرأى أنها من مالِ المشتري، إلاّ أن يقولُ: هذا حقُّكَ فخُذْ ورُدَّ عليَّ الباقِيَ، فكان معنى قوله: يكونُ من مال البائع إذا ضاعتْ.
الرجلُ يُوجَدُ ميتًا مخضوبًا أقلفَ؟ فرأي الصلاةَ عليه.
قلت: فإن وُجِدَ مَيِّتٌ أقلفَ؟ فرأى دفْنَهُ ولم يَرَ الصلاةَ عليه.
وكنت على باب أحمدَ، فجاء رجلٌ يسألُ عن رجلٍ أراد أن يَتَصدَّقَ، -يعني؟ بمالٍ- أيشتري به موضِعَ غلَّة أو يتصدَّقُ به؟ فخرجَ
стр. 1462
إليه الجوابُ: أنه (١) لا يدري من يقومُ بها، وقال: إن كان له قرابةٌ محتاجونَ تصَدَّقَ عليهم.
قلت له: ما تقولُ فيمن باعَ دابَّة بنَساءٍ، هل يشتريها من صاحبها إذا حل مالُهُ بأقلَّ مما باعها، إذا كان قَد هَزَّلها وعملَ عليها؟
فقال: فيه اختلافٌ، ولم يُجِزْهُ، ولم يعدلْ عندَه أن يكون مثلَ من باع ما يُكَالُ، فيأخذُ ما يُكَالُ، فذكرت له الشراءَ عند الضَّرورْةِ، فلم يكرَهْهُ.
قلت: ما تقولُ إذا ضربَ رجلًا بحضرتي أو شَتَمَهُ، فأرادَنِي أن أشهدَ له عليه عند السلطانِ؟
فقال: إن خافَ أن يَتَعدَّى عليه لم يشْهَدْ، وإن لم يَخَفْ شَهِدَ.
ولم يعجبه أن يكونَ في الكفنِ ثوبٌ رقيقٌ، قال: وكانوا يكرهونَ الرَّقيقَ.
من مسائل البُرْزَاطِي (٢) بخط القاضي انتقاه من خطِّ ابن بَطَّةَ
حديث ابن عمر "مضت السُّنَّةُ أن ما أدركته الصَّفْقَةُ حيًّا مجموعًا، فهو من مال المُبتاع" (٣).
стр. 1463
قال ابن بَطَّةَ: أنا أقولُ: هذا الحديثُ مرفوعٌ، ويدخلُ في المسند لقوله: "مضتِ السُّنَّةُ".
مسجد فيه نخلةٌ؛ ترى لجيران المسجد أن يأكلوا من ثَمَرَتِها؟
فقال: إن كانتِ النَّخلة في أرضٍ لرجلٍ فجعَلها مسجدًا والنخلةُ فيه (١)، فلا بأسَ أن يأكُلوا (٢) منها، وإن كانتِ النخلةُ غُرِستْ بعد أن صار مسجدًا وصُلِّيَ فيه، فهذه غُرِسَتْ بِغير حقِّ، والذي غَرَسَها ظالمٌ غَرَسَ فيما لا يملكُ، قال النبي ﷺ : "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" (٣)، فلا أحِبُّ الأكل منها، والتَّوَقِّي لها (٤) أحبُّ إِلَىَّ.
قلت: فترى إن كانتِ النخلةُ هكذا غُرِسَتْ أن تُقْلَعَ؟ قال: من يَقْلَعُها؟ لو فعل ذلك الإمامُ كان (٥).
وسُئِلَ عن رجلِ تَيَمَّمَ في السَّفرِ لسجود القرآن أو للقراءةِ في المصحف، وصلَّى به فريضةً؟ قال: يُعيدُ ما صلَّى من الفريضةِ بذلك التَّيمُّمِ.
قلت: يخرج الرجلُ من الصَّفِّ ويقدَّم أباه في موضِعِهِ؟ قال: ما يعجِبُني هو يقدرُ أن يَبَرَّ أباه بغيرِ هذا.
стр. 1464
رجلٌ تَيَمَّمَ في السَّفَرِ، وصلَّى على جنازةٍ، ثم جيء بجنازةٍ أخرى، يُصلِّي عليها بذلك التَّيَمُّم؟
فقال: إن جيءَ بالأخرى حين سلَّمَ من الأولى، صلَّى عليها بذلك التَّيَمُّمِ، وإن كان بينَهما وقت، مقدارُ ما يمكنُهُ التَّيَمُّم لم يُصَلِّ على الأخرى حتى يُعِيدَ التَّيِمُّمَ.
قال القاضي: "قد ذكرنا هاهنا أنه يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ"، وقال في الفوائت: "يُصَلِّيها بتيمُّمٍ واحدٍ" فيخَرَّج الجميعُ على روايتين. وقوله: "إن جيء بالأخرى حين سَلَّمَ صلَّى بذلك التّيَمُّمِ"؛ لأحد وجهينِ:
أحدهما: أن وقتَ الأولى إلى تمامِ فعلِها، فإذا جاءَ بعدَ ذلك وقد خَرَجَ الوقتُ، والتَّيمُّمُ يقدَّرُ (١) بالوقت.
والثاني: أنه إذا جاءتِ الثانيةُ عَقِيبَ الأولى لِحِقَت المَشَقَّة في التَّيَمُّم لتفاوُت الزَّمانِ، وإذا تراخىَ لم يَشُقّ، ويجبُ أن تكون المسألةُ محمولةً على أنه تعيَّنَ عليه الصلاةُ عليها، فأما إن لم يَتَعَيَّنْ عليه جاز أن يُصلِّيَ بتَيَمُّمٍ واحدٍ، كالنوافلِ تجمعُ بتَيَمُّم واحدٍ، ولو قيل: إنه يُصَلِّي عليهما بتَيمُّمٍ واحدٍ مع التَّعَيُّنِ (٢) وجهًا واحدًا، وفي الفوائتِ على روايتينِ؛ لأن الجنازةَ إذا تعيَّنتْ فهي فرضٌ على الكفاية، فهي أخفُّ، وتلك فرضٌ على الأعياد فهي آكَدُ" انتهى كلامُ القاضي، وعُدْنا إلى مسائل البرزاطي.
الرجل يتوضّأُ بفَضْل وضوء (٣) المرأة وسُؤْرِها؟ قال: أكرهُ ذلك.
стр. 1465
قلت: فإنْ توَضَّأَ وصَلَّى؟ قال: لا آمُرُهُ بالإعادَةِ.
رجلٌ في سوقِهِ مسجدٌ لا يُصَلَّى فيه إلَاّ الظهرَ والعصرَ، ويسألُهُ أهلُ سوقِهِ أن يُصَلِّيَ بهم فيه هاتينِ الصلاتينِ؟
قال: أحِبُّ له أن يخرجَ يُصَلِّيَ مع الناسِ في مساجدِ الجماعَةِ التي تُصَلَّى فيها الصلواتُ الخمسُ.
مسجدٌ في بعضِهِ غَصبٌ (١)؟
قال: إذا كان موقِفُ الإمامِ منه في الغضب أعادَ الإمامُ ومن صلَّى خلْفَهُ، وإذا لم يكن موقفُ الإمامِ في الغضب، أعاد من صلَّى في الغصْبِ.
قلت: رجلٌ دخل المسجدَ ورجلانِ يقرآن سورَتَيْنِ فيهما سجدةٌ فسجدا جميعًا، قال: إذا سَمِعَهما جميعًا يقرآن السجدةَ، وقد سجدا، سَجَدَ الرجلين (٢) سجدتينِ.
سألتُ أحمد عن رجل يعملُ القلانِسَ ويَبِيعُها، فربما خلطَ القطنَ العتيقَ بالقطنِ الجديدِ أو بشيء من الصُّوفِ، وحَشَى القلانِس به؟
قال: هذا من الغِشِّ، وأكرهُ له ذلك إلا أن يعرِّفَ من يشتريها إلى أن القطنَ فيه عتيقٌ وفيه صوفٌ.
سألت أحمدَ عن رجل ماتَ وخلَّف أولادًا صغارًا، وخلَّفَ لهم مالًا، ولهم والدةٌ، أتَرَى لها أن تأكلَ من مالهم؟ قال: لا أحِبُّ لها
стр. 1466
أن تأكلَ من مالِهم إن كان لها مالٌ.
قلت: إنها تَكْفِيهم (١) وتحْضُنُهم وتقومُ عليهم، فلا يجوزُ لها أن تأكلَ من مالِهم؟
قال: لا، إلاّ من ضَرُورَةٍ وحاجةٍ، ولا تجدُ إلَّا ذلك، أو تصيرُ إلي الحاكم، حتى يفرضَ لها في مالِهِم حقَّ الحضانَةِ لمثلها.
سألت أحمد عن الرجلِ يرهنُ الثوبَ عند التاجرِ، فلمَّا رآه جاء بفكاكِه، أَخرج المُرْتَهِن الثوبَ إليه، فقال الراهنُ: ليس هذا ثوبي، وقال المرتهنُ: هذا ثوبُكَ الذي رَهَنتَهُ؟
قال: القولُ قول الراهِنِ (٢) مع يميِنه، "إنَّ هذا ثوبُكَ وإنَّه ما خَرَجِ من يدِهِ إلى يدِ غيرِه منذ أخذه إلى يومِ أخرجَه إليه".
وفي الحاشية: بخط القاضي قوله: "القولُ قولُ الرّاهِنِ" سهوٌ من الرَّاوي، ومعناه المرتهنُ؛ لأنَّ كلامَهُ فيما بعدُ يدلُّ عليه، وهو قولُه: "يَمِينك، إنّ هذا ثَوْبُك، ما خَرَجَ من يَدِهِ إلى يدِ غيرِه منذ أخذه"؛ لأنه غارِم ولأنه أمينٌ.
قلت لأحمد: ماتت زوجتُه، وقد حكم عليه القاضي أن يدفعَ صبيانَهُ إلى جدَّتِهم لتحضنَهم، وهي في قريةٍ بعيدةٍ عن قريتِه؟
قال: إن كانت بحيثُ يمكنه أن يراهم في كل يومٍ ويَرَوْنَه فلا بأس بذلك، قد قضى أبو بكر على عمرَ أن يدفعَ ابنه إلى جدَّتِه، وهي بقُباء
стр. 1467
وعمر بالمدينة (١).
سألتُه عن معنى نهي النبي ﷺ عن منع نقع البئر (٢).
قال: هو الرجلُ تكون له الأرضُ، وليس فيها بئرٌ، ولجارِه بئرٌ في أرضه، فليس له أن يمنع جاره أن يسقي أرضه من بئره.
سألته: عن إجارةِ بيتِ الرَّحى الذي يديرهُ الماءُ؟
قال: الإجارةُ على البيت والأحجار والحديد والخشبِ، فأما الماءُ فإنه يزيدُ وينقصُ وينضُبُ ويذهبُ فلا تقعُ عليه إجارةٌ.
قلت: إذا قال لعبدِهِ: "أنت حُرٌّ"، وقال: إنما أردتُ مِنْ هذه الصَّنعة؟ قال: هو حرٌّ ونِيَّتُهُ فيما بينَه وبينَ الله تعالى (٣).
وسألته عن رجل يزعمُ أنه يعالجُ المجنون من الصَّرعِ بالرُّقَى والعزائم، ويزعُمُ أنه يخاطبُ الجنَّ ويكلِّمهم، وفيهم من يحدِّثُه، فترى أنه يدفع إليه الرجل المجنون ليعالِجَه؟
قال: ما أدري ما هذا! ما سمعتُ في هذا شيئًا، ولا أحبُّ لأحدٍ أن يفعَلَهٌ، وتركُهُ أحبُّ إليّ.
وسئل عن رجلٍ مات وخلَّف ألفَ درهم، وعليه للغرماءِ ألفا درهم،
стр. 1468
وليس له وارثٌ غيرُ ابنه، فقال ابنُهُ لغرمائه: اتركوا هذه الألفَ في يدي وأَخَروني في حقوقكم ثلاث سنين حتى أُوَفِّيَكُم جميعَ حقوقِكم، ترى (١) هذا جائزًا؟
قال: إذا كانوا قد استحقوا قبضَ هذه الألف وإنما يؤخرونَه فيوفيهم (٢) لأجل تركها في يديه، فإذا لا يؤخَّرُ (٣) فيه إلا أن يقضوا الألفَ منه ويؤخِّرونه في الباقي ما شاءوا.
قلت: وجه هذا: أن الألْف قد انتقلت إلى ملكهم وليس لهم في ذمة الابن شيءٌ، فإذا أخَّروا قبضَها ليستوفوها ألفين. صار كالنسيئة بزيادة، وبعد فلا يخلو ذلك من نظر، فإنهم لو أخَّروا قبضَ الألف اتفاقًا لا لأجل الزيادة، ثم اتَّجر الولدُ بالتركة، وربح فيها ما يقوم بوفائهم لاستوفوا (٤) حقَّهم كلَّه، ولا يكون هذا من بات عمل الإنسان في مال غيره، فإنهم لا يستحقون الربح كله، وإنما يستحقون منه تمام حقهم وحق الغرماء.
وإن تعلَّق بالتركة، فهو كتعلق الوهن، لا أنهم يملكون التركة بمجرَّد موت الغريم، ولو وفَّاهم الورثة من غيرها لم يكن لهم أن يمتنعوا من الاستيفاء، وهذا على قولنا: إن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الوَرَثة أظهر، فإن التركة تنتقل إليهم وتبقى ديونُ الغرماء على نفس التركة (٥)، فلو ربحتْ لاستحقوا من الربح بقدر ديونهم،
стр. 1469
وليس هذا من الربا في شيءٍ، فإن الغريم يستحق الألفين استحقاقًا صحيحًا بوجه لا ربا فيه، وإنما يؤخَّرُ قبض بعض حقه ليستوفيه كاملًا، فليس هذا من باب الزيادة على رأس ماله لأجل الأجل في شيءٍ، وهذا حقيقة الربا.
وإنما هذا صبر منه ليستوفي ما وَجَب له بأصل العقد، كما لو كان الغريم حيًّا وأفلس، ولم يَسَع ماله لوفاء ما عليه، فيصبر الغرماء ليستوفوا حقهم كاملًا، ولا يُغني الفرق بأن ذمة الميت قد خربت بالموت، وذمة المعسر ياقية لوجهين:
أحدهما: المنع، بل الدين باقٍ في ذمةِ الميِّت، كما هو باقٍ في ذمة الحيّ، وإنما تعذَّرت المطالبة بالموت، والذمةُ مشغولةٌ مرتَهَنة بالدين، وتعذُّرُ مطالبَتِه كتعذر مطالبة الغريم إذا سقط عنه التكليف بالجنون، وذلك غير مانع من التأخير لتمام الاستيفاء، فكذا في الموت، وهذا على أصول أبي عبد الله وقواعِدِه أَطْرَد، والله أعلم.
ومن مسائل أبي جعفر محمد بن علي الورَّاق (١)
قيل له: قال: حجَّ عني، قال: يحجُّ عنه، يعني: يفرد الحج، قيل له: قال وما فَضَل فهو لك، كيف ترى؟ قال: إذا قال فأرجو أن يطيب له.
صلّى بنا أبو عبد الله يوم جمعة صلاة الفجر، فقرأ: (تنزيل السجدة، وعبس) فسها أن يقرأ السجدة، فجاورها فسجد سجدتي السهو قبل التسليم.
стр. 1470
قيل له: لِمَ سجدتَ سجدتي السهو؟
قال: لا يضره، وذكر حديث ابن عباس: "إن استطعتَ أن لا تُصلِّيَ صلاةً إلاّ سجدتَ بعدَها سجدَتَين" (١) أما رأيتني ما صنعتُ، يقول: إني لم أقرأِ السجدةَ.
قلت: هذه الروايةُ في غايةِ الإشكال؛ لأن سجدةَ يوم الجمعة ليست من سُنن صلاة الفجرِ، ولهذا لا يستحبُّ أن يتعمَّدَ قراءة آيةِ سجدةٍ من هذه السُّورة ولا من غيرِها في فجرِ الجمعةِ، وإنما المقصودُ قراءةُ هاتينِ السورتين (تنزيل، وهل أتى)، لما فيهما من مبْدَءِ خَلْقِ الإنسان، وذكر القيامَةِ، فإنهما في يوم الجُمُعَةِ، فإن آدمَ خُلِقَ يومَ الجُمُعةِ، وفي يوم الجمعة تقومُ الساعةُ، فاستحبَّ قراءة هاتينِ السُّورتين في هذا اليومِ تذكيرًا للأمَّةِ بما كان فيه ويكونُ، والسَّجدةُ جاءت تَبَعًا غيرَ مقصودة، فلا يستحبُّ لمن لم يقرأْ سورة "تنزيل" أن يتعمَّدَ قراءة آية سجدةٍ من غيرها، لا سيَّما وقد آل هذا بخلقٍ كثيرٍ إلى اعتقادهم أن يومَ الجمعةِ خُصَّ بزيادةِ سجدة، فيشتدُّ إنكارُهُم على من لم يسجدْ ذلك اليومَ، وربَّما يُعيدونَ الصلاة، وينسبونه مع سَعَةِ علمِه وفقهِه إلى أنَّه لا يُحْسِنُ أن يُصَلِّي.
ولهذا والله أعلمُ، كَرهها مالكٌ وأبو حنيفة وغيرهما، فالسَّجدةُ ليست من سنن الصَّلاة (٢)، فلا يستحبُّ سجودُ السَّهوِ لِترْكِها، وهذا إن كان قد صَحَّ عن أحمد فالظاهر -والله أعلم- أنه رَجَعَ عنه، ولم يستقرَّ مذهبُه عليه.
стр. 1471
وقوله عن ابن عباس: "إن استطعتَ أن لا تُصَلِّيَ صلاةً إلاّ سجَدتَ بعدَها سجدتين" إنما أرادَ به ابنُ عباس الركعتينِ بعد الفريضة جابرتين لما يكونُ في الفريضة (١) من خَلَلٍ، والركعةُ تُسمَّى سجدة، وقال ابنُ عمر: "حفظتُ عن رسول الله ﷺ سجدتينِ قبل الصُّبح، وسجْدَتَيْنِ قبلَ الظُّهرِ، وسجدتينِ بعدَها" (٢) الحديث. وهو كثيرٌ في الأحاديث والآثار إطلاقُ اسمِ السَّجدتين على الركعتين.
وقد ذهبتْ طائفةٌ من الزيدية إلى أنه يشرعُ لكلِّ مُصَلٍّ أن يسجدَ سجدتي السَّهو في آخر كلِّ صلاةٍ، ولعلهم فهموا ذلك من قولِ ابن عباس، والله أعلم.
ولا أعلم للورَّاق متابعًا على هذه الرِّواية، والمذهبُ على خلافِها (٣).
عدنا إلى مسائِله:
قال: قلت: الإِمامُ إذا خَتَمَ يقرأُ المعوِّذَتَيْنِ، يقرأُ بفاتحة الكتاب، ويبتدئُ بالبقرة؟ قال: لا أدري ما سمعت في هذا بشيء (٤).
قلت: تجزئُ العِمامَةُ في الكسوة في كفَّارة اليمين؟ فقال لي: تجزئُ القَلَنْسُوَةُ، ثم قال: لا إلَّا الثوبُ أو القميصُ، وإن كسا امرأة فقميصٌ ومَقْنَعةٌ؛ لأنه لا يجوزُ للمرأةِ أن تصلِّيَ إلاّ في قميص ومقنعة، الكُسوةُ فيما تجوزُ فيها الصَّلاة.
стр. 1472
وسأله رجلٌ عن مسألة، فقال: لا أدري، فردَّها الرجلُ عليه، فقال: أكلُّ العلمِ نحسِنُهُ نحن؟! قال: فأَذْهَبُ إلى هؤلاءِ فأسْألُهم؟ -يعني: أصحابَ الرأي- فقال: لا، انظرُ إلى من يذهبُ إلى رأي أهلِ المدينةِ.
وسمعتُ أحمد يقول: كان الحجَّاجُ بن أرطاةَ يقول: لا تقولوا في حدَّثَكَ، ولا من أخْبَرَكَ؟ قولوا: من ذَكَرَهُ، قيل له: كان يُدلِّسُ؟ قال: نعم.
ومن مسائل أبي العباس أحمد بن محمَّد البِرْتي (١)
قلت: إذا الْتَعَنَ الزوجانِ، ما أمرهما فسخ أو طلاق بتفريق الحاكمِ؟ وكيف يكونُ حالُ المرأة إذا ارتدَّت عن الإِسلام والخُلْع وما أشبه هذا؟
فقال: هذه مسألةٌ أنا فيها منذُ ثلاثينَ سنةً، لم يَتَّضِح الأمرُ فيها، فلا أدري اللِّعَانُ (٢) فيها أو لا (٣)؟
ومن مسائل زياد الطوسي (٤).
سألته عن العقيقةِ؟ فقال: ليست بواجبةٍ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنه عَقَّ عن الحسن والحسين (٥).
стр. 1473
قال زياد: وأخبرني ابنه عبد الله أنه قال: تُعْطَى القابلة الرحل، كذا بخط القاضي، بحاء مهملة، وهو سهوٌ منه، وصوابه: الرِّجْلُ بالجيم.
وروى أحمدُ بإسناده أن النَّبِيَّ ﷺ أمرهم أن يبعثوا إلى القابلة بِرِجْل (١) -يعني من العَقِيقةِ- ذكره الخلَاّلُ في "جامعه".
عدنا إلى المسائل (٢):
قال: وسمعت أحمد يقول: لا يعجبُنا أن يقول: مؤمنٌ حقًّا ولا يكفرُ من قاله، قال وسمعته يقول: لا تسمِّي في التَّشَهُّدِ إلا ما رُوي عن عبد الله: التَّحِيَّاتُ لله.
ومن مسائل بكر (٣) بن أحمد البُرَاثي (٤)
سألتُ أبا عبد الله: إذا فاتتني أوليُ صلاةِ الإمامِ، فأدركتُ معه ركعةً من آخِرِ صلاتِهِ؟ فقال لي: تقرأُ فيما يقْضى -يعني: الحمدُ لله
стр. 1474
وسُورة- وفي القعودِ تقعُدُ على ابتداء صلاتِكَ (١).
ومن مسائل الفضل بن زياد (٢)
قال: سمعتُ أبا عبد الله قيل له: ما تقولُ في التَّزويج في هذا الزَّمان؟
فقال: مثلُ هذا الزمان ينبغي للرَّجل أن يَتَزَوَّجَ، ليت أن الرجلَ إذا تزَوَّجَ اليومَ ثنتين يُفْلِت (٣)، ما يأمنُ أحدكم أن ينظرَ النَّظْرة فَيحْبَط عملُهُ. قلت له: كيف يصنُعُ؟ من أين يطعمُهم؟ فقالت: أرزاقُهم عليك؟! أرزاقُهم على الله .
ومن مسائل عبد الملك الميموني (٤)
قال: الزكاةُ أهونُ من الصَّدَقةِ؛ لأنَّ الله قال فيها: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فهو حِينَ يأخذُ الزكاةَ: فيخرجُ من منزله تلك الساعة هو ابنُ السبيل. قال القاضي: "قوله: "حينَ يأخذُ الزكاةَ يخرجُ من منزله تلك الساعة هو ابن سبيل" (٥)، يدلُّ على أن ابنَ السبيلِ هو المنشئُ للسفر، وعنه خلافٌ، وأنه المختارُ". انتهى كلامه.
стр. 1475
ولم يفسِّر قولَ أحمد: "الزكاةُ أهونُ من الصَّدقة"، وأُرَاه قد خَفِيَ عليه معنى كلامِ أحمد، ولم يُرِدْ أحمدُ ما فَهِمَ القاضي.
وقال الميمونيُّ: قلت: يعتقُ من زكاته؟ قال: نعم، قلنا له: فإنْ جَنَى جنايةً أو أحدَثَ حَدَثًا أليسَ يرجعُ عليه؟ قال: بلى، قلنا له: فميراثُهُ له؟ قال: لا، قلنا: ولِمَ؟ قال: لأنَّ ذا للهِ، فإذا ورثَ منه شيئًا جعله في مثلِهِ، قلت: يعقلُ عنه ويؤخذُ بِجَريرتهِ في جنايَتِهِ فإذا ماتَ ذهب ميراثُهُ؟ قال: هو أراده وضيَّعَه بنفسِه.
وسألته عن الحَبِّ يُجْمَعُ؟ قال: مسألة فيها اختلافٌ، قلت: إذا كنا نذهبُ في الذَّهبِ والفضَّةِ إلى أنْ لا نجمَعها، لم لا تُشَبَّهُ الحبوبُ بهما؟ قال: هذه يقعُ عليها اسمُ طعامٍ واسمُ حبوب.
قال: ورأيتُ أبا عبد الله في الحبوب يُحِبُّ جمعَها، ومذهبُهُ في الذهب والفضَّةِ والبقرِ والغنَمِ أن يُزَكَّى كلُّ واحدٍ منها على حِدَتِه ولا يجمعُ بعضُها إلى بعض.
سألته عن الرجل من أهل الكتاب لي عليه اليمين: أستحلفُهُ؟ قال: نعم، إلَاّ أن من الناس من يقول: يستحلفه بالكنيسة ويغلظُ عليه بأيمانهم، ومنهم من يقول: يستحلفُه باللهِ.
قلت: فإذا استحلفه بالله (١) أو بالكنيسة، أليس ترى ذلك جائزًا؟ قال: بلى، وإذا رُفِعَ إلى الحاكم استحلفه بالكنيسة ويغلظ عليه، أو بالله .
في الحاشية بخط القاضي: قوله: "أو بالكنيسة" يحتملُ أن يريد به: