← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقوله عن ابن عباس: "إن استطعتَ أن لا تُصَلِّيَ صلاةً إلاّ سجَدتَ بعدَها سجدتين" إنما أرادَ به ابنُ عباس الركعتينِ بعد الفريضة جابرتين لما يكونُ في الفريضة (١) من خَلَلٍ، والركعةُ تُسمَّى سجدة، وقال ابنُ عمر: "حفظتُ عن رسول الله ﷺ سجدتينِ قبل الصُّبح، وسجْدَتَيْنِ قبلَ الظُّهرِ، وسجدتينِ بعدَها" (٢) الحديث. وهو كثيرٌ في الأحاديث والآثار إطلاقُ اسمِ السَّجدتين على الركعتين. وقد ذهبتْ طائفةٌ من الزيدية إلى أنه يشرعُ لكلِّ مُصَلٍّ أن يسجدَ سجدتي السَّهو في آخر كلِّ صلاةٍ، ولعلهم فهموا ذلك من قولِ ابن عباس، والله أعلم. ولا أعلم للورَّاق متابعًا على هذه الرِّواية، والمذهبُ على خلافِها (٣). عدنا إلى مسائِله: قال: قلت: الإِمامُ إذا خَتَمَ يقرأُ المعوِّذَتَيْنِ، يقرأُ بفاتحة الكتاب، ويبتدئُ بالبقرة؟ قال: لا أدري ما سمعت في هذا بشيء (٤). قلت: تجزئُ العِمامَةُ في الكسوة في كفَّارة اليمين؟ فقال لي: تجزئُ القَلَنْسُوَةُ، ثم قال: لا إلَّا الثوبُ أو القميصُ، وإن كسا امرأة فقميصٌ ومَقْنَعةٌ؛ لأنه لا يجوزُ للمرأةِ أن تصلِّيَ إلاّ في قميص ومقنعة، الكُسوةُ فيما تجوزُ فيها الصَّلاة.

стр. 1472

وسأله رجلٌ عن مسألة، فقال: لا أدري، فردَّها الرجلُ عليه، فقال: أكلُّ العلمِ نحسِنُهُ نحن؟! قال: فأَذْهَبُ إلى هؤلاءِ فأسْألُهم؟ -يعني: أصحابَ الرأي- فقال: لا، انظرُ إلى من يذهبُ إلى رأي أهلِ المدينةِ. وسمعتُ أحمد يقول: كان الحجَّاجُ بن أرطاةَ يقول: لا تقولوا في حدَّثَكَ، ولا من أخْبَرَكَ؟ قولوا: من ذَكَرَهُ، قيل له: كان يُدلِّسُ؟ قال: نعم. ومن مسائل أبي العباس أحمد بن محمَّد البِرْتي (١) قلت: إذا الْتَعَنَ الزوجانِ، ما أمرهما فسخ أو طلاق بتفريق الحاكمِ؟ وكيف يكونُ حالُ المرأة إذا ارتدَّت عن الإِسلام والخُلْع وما أشبه هذا؟ فقال: هذه مسألةٌ أنا فيها منذُ ثلاثينَ سنةً، لم يَتَّضِح الأمرُ فيها، فلا أدري اللِّعَانُ (٢) فيها أو لا (٣)؟ ومن مسائل زياد الطوسي (٤). سألته عن العقيقةِ؟ فقال: ليست بواجبةٍ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنه عَقَّ عن الحسن والحسين (٥).

стр. 1473

قال زياد: وأخبرني ابنه عبد الله أنه قال: تُعْطَى القابلة الرحل، كذا بخط القاضي، بحاء مهملة، وهو سهوٌ منه، وصوابه: الرِّجْلُ بالجيم. وروى أحمدُ بإسناده أن النَّبِيَّ ﷺ أمرهم أن يبعثوا إلى القابلة بِرِجْل (١) -يعني من العَقِيقةِ- ذكره الخلَاّلُ في "جامعه". عدنا إلى المسائل (٢): قال: وسمعت أحمد يقول: لا يعجبُنا أن يقول: مؤمنٌ حقًّا ولا يكفرُ من قاله، قال وسمعته يقول: لا تسمِّي في التَّشَهُّدِ إلا ما رُوي عن عبد الله: التَّحِيَّاتُ لله. ومن مسائل بكر (٣) بن أحمد البُرَاثي (٤) سألتُ أبا عبد الله: إذا فاتتني أوليُ صلاةِ الإمامِ، فأدركتُ معه ركعةً من آخِرِ صلاتِهِ؟ فقال لي: تقرأُ فيما يقْضى -يعني: الحمدُ لله

стр. 1474

وسُورة- وفي القعودِ تقعُدُ على ابتداء صلاتِكَ (١). ومن مسائل الفضل بن زياد (٢) قال: سمعتُ أبا عبد الله قيل له: ما تقولُ في التَّزويج في هذا الزَّمان؟ فقال: مثلُ هذا الزمان ينبغي للرَّجل أن يَتَزَوَّجَ، ليت أن الرجلَ إذا تزَوَّجَ اليومَ ثنتين يُفْلِت (٣)، ما يأمنُ أحدكم أن ينظرَ النَّظْرة فَيحْبَط عملُهُ. قلت له: كيف يصنُعُ؟ من أين يطعمُهم؟ فقالت: أرزاقُهم عليك؟! أرزاقُهم على الله . ومن مسائل عبد الملك الميموني (٤) قال: الزكاةُ أهونُ من الصَّدَقةِ؛ لأنَّ الله قال فيها: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فهو حِينَ يأخذُ الزكاةَ: فيخرجُ من منزله تلك الساعة هو ابنُ السبيل. قال القاضي: "قوله: "حينَ يأخذُ الزكاةَ يخرجُ من منزله تلك الساعة هو ابن سبيل" (٥)، يدلُّ على أن ابنَ السبيلِ هو المنشئُ للسفر، وعنه خلافٌ، وأنه المختارُ". انتهى كلامه.

стр. 1475

ولم يفسِّر قولَ أحمد: "الزكاةُ أهونُ من الصَّدقة"، وأُرَاه قد خَفِيَ عليه معنى كلامِ أحمد، ولم يُرِدْ أحمدُ ما فَهِمَ القاضي. وقال الميمونيُّ: قلت: يعتقُ من زكاته؟ قال: نعم، قلنا له: فإنْ جَنَى جنايةً أو أحدَثَ حَدَثًا أليسَ يرجعُ عليه؟ قال: بلى، قلنا له: فميراثُهُ له؟ قال: لا، قلنا: ولِمَ؟ قال: لأنَّ ذا للهِ، فإذا ورثَ منه شيئًا جعله في مثلِهِ، قلت: يعقلُ عنه ويؤخذُ بِجَريرتهِ في جنايَتِهِ فإذا ماتَ ذهب ميراثُهُ؟ قال: هو أراده وضيَّعَه بنفسِه. وسألته عن الحَبِّ يُجْمَعُ؟ قال: مسألة فيها اختلافٌ، قلت: إذا كنا نذهبُ في الذَّهبِ والفضَّةِ إلى أنْ لا نجمَعها، لم لا تُشَبَّهُ الحبوبُ بهما؟ قال: هذه يقعُ عليها اسمُ طعامٍ واسمُ حبوب. قال: ورأيتُ أبا عبد الله في الحبوب يُحِبُّ جمعَها، ومذهبُهُ في الذهب والفضَّةِ والبقرِ والغنَمِ أن يُزَكَّى كلُّ واحدٍ منها على حِدَتِه ولا يجمعُ بعضُها إلى بعض. سألته عن الرجل من أهل الكتاب لي عليه اليمين: أستحلفُهُ؟ قال: نعم، إلَاّ أن من الناس من يقول: يستحلفه بالكنيسة ويغلظُ عليه بأيمانهم، ومنهم من يقول: يستحلفُه باللهِ. قلت: فإذا استحلفه بالله (١) أو بالكنيسة، أليس ترى ذلك جائزًا؟ قال: بلى، وإذا رُفِعَ إلى الحاكم استحلفه بالكنيسة ويغلظ عليه، أو بالله . في الحاشية بخط القاضي: قوله: "أو بالكنيسة" يحتملُ أن يريد به:

стр. 1476

يستخلِفُهُ بالله في الكنيسة، ولم يُرِدْ أنه يَحْلف (١) بها. ويحتمل أن يريدَ يستحلفُه بالله، ويضم إليه: وهدم الله الكنيسة (٢). قلت: ما تقولُ في الصَّفِيِّ (٣)؟ قال: ذاك شيءٌ للنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً. قلت: فيكون للخليفةِ بعدَه قال: لا، إنّما كان للنبيِّ ﷺ خاصَّةً. قلت: قال الله : ﴿لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الآية، إنْ جعلها رجلٌ في صنفٍ واحدٍ أجزأ عنه؟ قال لي: ما علمتُ أنَّ أحدًا قال بذا، يُجعل في الأصناف كلِّها. وقال: أرأيتَ إن كان عندَه عشرةُ آلافٍ، وعليه عشرةُ آلافٍ (٤) لا يَحُجُّ، ما تقول في حجِّ هذا إذا حجَّ؟ قلت: على القياس حَجُّهُ فاسدٌ على قول من قال: ليس له أن يَحُجَّ من هذا المال. فقال لي: ما يرى هذا إلَاّ شنيعٌ. قلتُ: هذا القياسُ غيرُ صحيح؛ لأنه وإن كان دينُهُ بقدْر ما بيدِه فهو لم يحجَّ بمالٍ حرام، حتى تكونَ مسألةُ الحَجِّ بالمال الحرامِ، وإنما حجَّ بمالِه نفسِه، ولكنه أثِمَ بتأخيره قضاءِ الدَّيْن من هذا المالِ، ولو أنه اكتسبَ في هذا المالِ ونما، لكان نماؤُه له يختصُّ به، ولو

стр. 1477

تصدَّق منه لكان ثوابُهُ له، فلا يصِحُّ قياسُها على ما لو سَرَق مالًا لغيره وحَجَّ به. عدنا إلى المسائل: قلت: تخرجُ صدقة قومٍ من بلد إلى بلد؟ قال: لا، إلا أن يكونَ فيها فضلٌ عنهم. قلت: كيف يكونُ من فَضْلٍ؟ قال: يُعطيهم ما يَكفيهم، ويُخْرِجُ الفضلَ عنهم؛ لأن الذي كان يجيءُ المدينةَ إلى النَّبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمر إنما كان من فضلٍ عنهم. وقال لي أبو عبد اللهِ: إذا بَيَّتَ فأصابَ نساءَهم فليس عليه كفَّارةٌ، وليس عليه شيءٌ، وإذا عمد فليس عليه -أيضًا- لا دِيَةٌ، ولا كفَّارةٌ، ولكن لا يَقْتلُ، لا يدخل في نهي النبيِّ ﷺ . وقال أبو عبد الله: إنما الجهرُ بالقراءة في الجماعة، أرأيتَ إن صلَّى وحدَه عله أن يجهَرَ؟! إنما الجهرُ في الجماعةِ إذا صلَّوا. وسألوه عن الجُرْح يكونُ بالإنسان يخاف عليه، كيف يمسح عليه؟ قال: ينزع الخِرْقَةَ، ثم يمسحُ على الجرحِ نفسه. قلتُ: هذا النَّصُّ خلافُ المشهور عندَ الأصحاب، فإنَّهم يقولونَ: إذا كان مكشوفًا لم يمسحْ عليه حتى يسترَهُ، فإن لم يَكنْ مستورًا تَيمَّمَ له، ونصُّ أحمدَ صريحٌ في أنه يكشف الخِرْقَةَ، ثم يباشرُ الجرحَ بالمسحِ، وهذا يدلُّ على أن مسحَ الجرحِ البارزِ أولى من مسحِ الجَبِيرَةِ، وأنه خيرٌ من التَّيمُّمِ، وهذا هو الصَّوابُ الذي لا ينبغي

стр. 1478

العُدولُ عنه، وهو المحفوظُ عن السَّلفِ من الصحابة والتابعينَ، ولا ريْبَ أنه مقتضى القياس، فإنَّ مباشَرةَ العضو بالمسحِ الذي هو بعضُ الغَسْل المأمورِ به أولى من مباشرةِ غيرِ ذلك العضوِ بالتُّراب، ولم أزل استبعدُ هذا، حتى رأيتُ نص أحمدَ هذا بخلافه، ومعلوم أن المسحَ على الحائلِ إنَّما جاء لِضَرورةِ المشقَّةِ بكشفِهِ، فكيف يكونْ أولى من المسحِ على الجرح نفسِه بغير حائلٍ؟! فالقياسُ والآثارُ تشهدُ لصحَّةِ هذا النَّصِّ، والله أعلم. وقد ذكرتُ في الكتاب الكبير: "الجامع بين السنن والآثار" (١): من قال بذلك من السّلف، وذكرت الآثارَ عنهم بذلك وكان شيخُنا أبو العباس ابن تيميَّة: يذهبُ إلى هذا، ويضعفُ القولَ بالتَّيمُّم بدلَ المسحِ (٢). رجعنا إلى المسائل: وقال: إذا كان الإمامُ من أئمةِ الأحياء يسكر؛ هذا لا تُقْبَلُ له صلاة أربعينْ يومًا، كيف أُصَلِّي خلفَ هذا؟! أَلِيْ (٣) أن أختارَ؟ ليس هو واليَ المسلمينَ، والصلاةُ خلفَ الوُلاةِ لا بُدَّ، والصلاةُ خلف أئمَّةِ الأحياء لنَا أن نختارَ. قال أبو عبد الله: لم تَرِثْ بناتُ عُمر من مواليه شيئًا (٤).

стр. 1479

ومن مسائل الفضل بن زياد القطان سمعتُ أحمد وسُئلَ عن الرَّجل يختِن نفسَهُ، فقال: إذا قَوِيَ على ذلك. قلت: من أقرأُهم؟ قال: أحفظُهم. سألتُ أحمدَ عن التطَوَّعُ جالسًا هل يَتَربَّعُ؟ قال إن كان يُطيلُ القراءَةَ تَرَبَّعَ، وإن كان يُكْثِرُ الركوعَ والسجودَ لم يَتَربَّعْ. وسألت أحمد عن الرَّجل يُصَلِّي تَطَوُّعًا، فَيُصَيِّرُ بعض ذلك عن والدته (١)؟ فقال: أما الطَّوافُ فقد سَمِعنا، وأما الصَّلاةُ فما أدري أحتاجُ أن أنظرَ فيه. وسمعته سُئل عن القُنوت قبل الرُّكوع أو بعدَ؟ فقال: كلٌّ (٢) حسَنٌ إلاّ أني أختارُ بعدَ الرُّكوع. وسألتُه: إذا قنَتَ الرجلُ في الوِترِ يُكَبِّرُ ثم يقنُتُ؟ فقال: إذا قنت قبل الركوع ففرغ من القراءة (ق/٣٣٧ أ) كبَّر ثم قنتَ، وإذا قنت بعد الركوع، في فرع رأسه من الركوع قال: "اللَّهمَّ إنَّا نستعينُك ... " ولم يكَبِّر. وسألته عن قَدْر القيام في القُنوت؟ فقال: كقُنوتِ عُمَرَ (٣). وسمعتُه سئل عن الإِمام يقنُتُ ويُؤمِّنُ من خَلْفَهُ؟ قال: ما أحسَنَه

стр. 1480

إلاّ أنّا نحن ندعو جميعًا. سألتُ أحمد قلت: أختم القرآن أجعلُه في الوِتر أو في التَّراويح؟ قال: اجعله في التَّراويح. قلت: كيف أصنعِ؟ قال: إذا فرغتَ من آخرِ القرآن فارفعْ يديك قبلَ أن تركعَ، وادْعُ بنا ونحن في الصلاة، وأطِلِ القيامَ. وسألتُ أحمدَ عنِ إمام قومٍ، إذا كان آخرِ ليلةٍ من الشَّهر أقْبَلَ على الناسِ، ووعَظَ وذَكَّر وحَمِد الله وأثنى عليه ودعا؟ قال: حَسَن، قد كان عامَّةُ البصريين يفعلون هذا. أخبرنا أحمد، ثنا عبد الرزاق، أبنا عَقِيل بن مَعْقِل، عنْ وهب بن منَبِّهٍ، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ سُئلَ عن النُّشْرَةِ فقال: "هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ" (١). كتبتُ إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث ابن عباس: "إيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ" (٢)، ما معنى الغُلُوِّ؟ فأتاني (٣) الجوابُ: يغلو في كلِّ شيء في الحبِّ والبغضِ. صافحتُ أبا عبد الله كثيرًا فصافَحني، وابتدأني بالمُصافحة غيرَ مرَّة، ورأيتُه يصافِحُ الناسَ كثيرًا. أخبرنا أبو طالب عن أبي عبد الله قال: قلتُ: هؤلاء إذا قلنا لهم:

стр. 1481

يهديكم الله ويصلحُ بالكم، قالوا: إنما قال هذا لليهود، أليس يقرءون: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قلت: أليس دعاء النبي: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ" (١)؟ قال: بلى. الفضل: قال أبو طالب: سألته عن اليهود والنصارى، من أمّة محمد ﷺ ؟ قال: لا، النبي ﷺ يقول: "أُمَّتِي أُمَّتِي" (٢) لا يقع على اليهود والنصارى. وسألتُ أبا عبد الله عن الرجلِ يشتري الأضْحيَةَ ثم يبدو له أن يشتريَ خيرًا منها؟ فقال: إذا سمَّاها فلا يَبيعُها إلا لمن يريدُ أن يُضَحِّيَ بها. وسألته عن الإزار تحتَ السُّرَّةِ أعجبُ إليك أم فوقَ؟ فقال: تحت السُّرَّةِ. وسمعتُه سُئل عن معنى: "لا تَرَاءى نَارَاهُما" (٣)؟ فقال: لا ينزل من المشركينَ في موضع إذا أوقدتَ رأَوْا فيه نارَكَ، وإذا أوقدوا رأيتَ فيه نارَهم، ولكن تباعَدْ عنهم (٤).

стр. 1482

وسألته عن طواف الزِّيارة كم هو؟ قال: واحدٌ وعشرون طَوافًا، ثلاثةُ أسابيع كذلك أعجبُ إلينا. قلتُ: يريدُ أحمد أن أكملَ الطوافِ ثلاثةُ أسابيع: سبع للقُدْوم، وسبع للإفاضة، وسبع للوَدَاعِ، فأجاب السائل عن سؤاله وغيره، وقد صرَّح بهذا في موضعِ آخر (١). وسمعتُه يقول لقوم قدِموا من مكَّةَ: باركُ الله لكم في مَقْدَمِكُمْ، وتَقَبَّلَ منكم. وسمعتُه، سُئلَ عن المرأة تَلْبَسُ الحُلِيَّ وهي مُحْرْمَةٌ؟ فقال: لا بأسَ به. وسمعتُه سئل عن محْرِمٍ أحرمَ من خُراسَانَ، فلما صار ببغداد ماتَ أوصى أن يُحَجَّ عنه، يُحْرَمُ عنه من بغدادَ أو من المواقيت؟ قال: من المواقيت. وسألتُهُ عن المحرمِ يستظِلُّ؟ قال: لا يستظل. قلت: ترى عليه دمًا؟ فقال: الدمُ عندي كثيرٌ. كتبتُ إليه أسالُهُ عن رجلٍ له قراباتُ محاويجُ، لا يعرفونَ شرائعَ الإِسلام، ولا يتعلَّمونه، أيضعُ زكاتَهُ فيهم، أو في من يعرفُ شرائعَ الإِسلامِ (٢) من غير القراباتِ؟ فأتى الجواب: ينبغي له أن يُعَلِّمَهم ويَضَعَها فيهم ويُعْطِيَهُم من غير الزَّكاةِ (٣). وكتبتُ أسألهُ عن الحديث: "من أقَرَّ بالخَراجِ وهو قادرٌ على أن

стр. 1483

لا يُقِرَّ به فعليه لعنةُ الله"؟ فأتى الجواب: ما سمعنا بهذا هو حديثٌ منكرٌ. وقد رُوِيَ عن ابن عُمَرَ أنه كان يكرهُ الدخول في الخَراجِ، وإنما كان الخَراجُ على عهد عُمَرَ (١). وسألته على الرجل يكتبُ على الرجل ولا يراه؟ فقال: كتبتُ على عليِّ بن هاشم (٢) ولم أرَهُ. نافع، عن ابن عمر قال: كان يبعثُ بها قبلَ الفطر باليومين والثلاثة إلى المجمع، وكان عطاء يُعطي على أبويه صَدَقَةَ الفطرِ حتى مات. قيل لأبي عبد الله: يعجِبُكَ هذا؟ قال: هذا تَبَرُّعٌ، ما أَحْسَن هذا. سمعت أبا عبد الله يقول: أكذبُ الناسِ القُصَّاصُ والسُّؤْآل. وسمعته يردُّ على السَّائل إذا وقف ببابه: أعاننا اللهُ وإيَّاكَ. كتبتُ إليه أسأله عن رجل يعملُ الخوصَ قوته، ليس يُصيب منه أكثرَ من ذلك، هل يُقْدم على التزويج، فأتاني الجواب: يقدم على التَّزويج، فإنَّ الله يأتي برزقِها، ويتزوَّجُ ويستقرضُ. وسألتُه على رجل تزَوَّجَ امرأةَ على ألفِ درهَمٍ، فبعث إليها بقيمَةِ متاعٍ وثيابٍ ولم يخبْرهم أنه من الصَّدَاقِ، فلما دخل بها سأَلتْهُ الصَّدَاقَ؟

стр. 1484

فقال أبو عبد الله: لها ذلك. قلت: فإنه قال لها: إني قد بعثتُ إليك بهذا المتاع واحتسبتُه من الصَّداق (١)، فقالت المرأةُ: إنما صَداقي دراهم، فقالَ أبو عبد الله: صَدَقَتْ، قلت: كيف يصنع بهذا (٢)؟ قال: تَرُدُّ عليه الثياب والمتاعَ، وترجعُ المرأةُ عليه بصَدَاقِها. وسئل عن رجلِ قال لامرأته: "أنتِ طالقٌ ثلاثًا إن لبستُ أمِ غَزْلِكِ"، وعليه من غَزْلها؟ قال: يُلقي ما عليه من غَزْلها ساعةَ وقعتِ اليمينُ، قل له: فإن هو نسيَ وذكر بعدُ؟ قال: يُلقيه عه ساعةَ ذكر، قيل له: فإن مشى خطُوَاتٍ وهو ذاكر له، يقول: الساعة ألقيه؟ [قال]: أخشى أن يكون قد حنث. قلت: هذا منصوص أحمد هاهنا، وفي مسألة الحمل: إذا قال: "إن حَمَلْتِ فأنتِ طالقٌ"، فبانَتْ حاملًا طَلُقَتْ. وقال صاحب "المحرَّر" (٣): وعندي: أنها لا تطْلُقُ إلَاّ بحمل مُتَجَدِّدٍ. وقد وافق أبو البركات على مسألة اللُّبس، فقال: إذا حلف لا يلبسُ ثوبًا (٤) هو لابسُهُ، أو لا يسكنُ دارًا هو ساكنُها، أو لا يساكنُ فلانًا (٥) وهو مساكِنُهُ، فاستدامَ ذلك، حَنَثَ، وكذلك إذا حلَف أنْ لا يَتَسرَّى فوطِئَ أمَةً له قال: يحنَثُ، ثم قال: وإن حلفَ لا يَتَطَيَّبُ

стр. 1485

وهو مُتَطَيِّبٌ، أو لا يَتَطهَّرُ وهو مُتَطَهِّرٌ، أو لا يَتزوَّجُ وهو متزوِّجٌ، فاستدام ذلك لم يحنثْ، ثم قال: وإنْ حلفَ لا يدخلُ دارًا هو فيها فهلْ يحنثُ بالاستدامة إذا لم تكن له نِيَّةٌ (١)؟ على وجهين (٢). وهذه المسائل تحتاجُ إلى فرقٍ صحيحٍ، ويعسُرُ أو يَتَعذَّرُ إبداؤُهُ، فإنَّا إن اعتبرنا النِّيَّةَ فالجميع سواءٌ، وإن تعذَّرَ اعتبارُ النية لم يظهرْ فرقٌ أَلبتَّةَ بينَ أن يحلفَ أن لا يَتَسَرَّى وأن يحلفَ أن لا يتَزَوَّجَ، وغايةُ ما يمكنُ أن يفرقَ بينهما: أن التَّسَرِّيَ مأخوذٌ من السِّرَّ، وأصله التَّسرُّرُ، وهو الوطءُ؛ لأنه يكون سِرًّا، فيحنَثُ بوطء أَمَتِهِ، بخلافِ التَّزَوُّجِ، فإنَّ وطءَ الزوجة لا يقالُ له: تزوُّجٌ. وهذا الفرقُ ليس بشيء، فإن التَّزَوُّجَ أيضًا مأخوذٌ من ضم الزَّوج إلى زوجه، ولكن عند الإطلاق لا يفهمُ من التَّسَرِّي والتَّزَوُّجِ إلا تجديدُ فراشِ أمَتِهِ أو زوجِهِ، فإن كان استدامةُ فراشِ الأمَةِ يُعدُّ (٣) تَسَرِّيًا، فاستدامَة فراش الزوجةِ يُعدُّ زواجًا، وبالجملة فلا يظهرُ لي في هذه المسائل فرقٌ يعتمدُ عليه. عُدْنا: وسُئِلَ عن امرأةِ اختلعَتْ من زوجِها في مرضِه، فماتَ وهي في العِدَّةِ؟ لا تَرِثُهُ ليس هو مثل الطلاقِ. الطلاقُ ابتداءٌ والخلْعُ هو من قِبَلِها. حدثنا أبو طالب، عن أبي عبد الله أنه سأله على الأمَةِ إذا فقدت زوجَها؟

стр. 1486

تَتَربَّصَ سنتينِ على النِّصفِ من الحُرَّةِ. سمعتُ أحمد يقول في حديث أبي هريرة: "من حَمَلَ جنازةً فَليَتَوَضَّأ" (١)؟ فقال: كأنه يقولُ: لا يحملُها حتى يتوضَّأَ، أو كما قال. وسألتُه عن قوم مالت فيهم ميِّتٌ، وليس عندَهم ماءٌ؟ فقال: يُيَمَّمُ. قلت: فإنَّهم يَمَّموه وصلَّوا عليه وأصابوا الماء، قال: لا أدري ما هذا، لم أسمعْ في هذا بشيءٍ. وكتبتُ إليه أسألُه عن من زارَ القبرَ يقف قائمًا أو يجلسُ فيدعو؟ فأتى الجوابُ: أرجو أن لا يكون به بأسٌ. ومن مسائل أحمد بن أصْرَمَ بن خُزَيْمَةَ بن عباد بن (٢) عبد الله بن حسَّان بن عبد الله ابن المُغَفَّل المُزَنى الصَّحابي (٣) سمعته وقال له رجلٌ: جمعنا الله وإيَّاك في مستقرِّ رحمته، فقال: لا تقُلْ هكذا. قلتُ: اختلف السَّلَفُ في هذه الدعوة، وذكرها البخاري في

стр. 1487

كتاب "الأدب المفرد" (١) له، وحكى عن بعض السَّلَف أنه كَرِهَها، وقال: مستقرُّ رحمتِه ذاتُه، هذا معنى كلامِه، وحُجَّة من أجازها ولم يكرهْها أن الرحمة هاهنا المراد: الرحمةُ المخلوقة، ومستقرُّها الجنة، وكان شيخُنا يميل إلى هذا القول (٢). انتهى. وسُئِلَ عن رجلِ استأجرَ أجيرًا على أن يحتطبَ له على حمارين، كلَّ يوم ينقل عليهما، فكان الأجيرُ ينقلُ على الحمارين وعلى حمار (٣) رجل آخرَ في نوبة (٤) هذا ويأخذُ منه الأجر، فقال: إن كان يُدخلُ عليه فيه ضَرَرًا ارتجع عليه بالقيمةِ، أو قال كلامًا هذا معناه. قلتُ: وشَبِيهٌ بهده المسألة: إذا أخذ من رجل مالًا مضارَبَةً، ثم ضارَبَ لغيرهِ، وَعلى الأول ضَرَرٌ في ذلك، فإنه يردُّ حِصَّتَهُ من الربحِ في شركة الأول. ووجهُ هذا: أن منافِعَهُ صارت مستحَقَّةً للمستأجرِ والمضارِب، فإذا بَذَلها لغيره بعِوَضٍ كان العِوَضُ لمستحقِّها. وسأله رجلٌ: إنَّ والدي تُوُفِّيَ وترك عليه دينًا، أفأقضيه من زكاةٍ مالي؟ قال: لا. وسُئِلَ عن رجل أَسْلَم في طعام إلى أجل مسمَّى، فإذا حلَّ الأجلُ يشتري منه عقارَا أو دارًا؟ (ظ/١٢٣٦) فقال: نعم يشتري منه مالًا يُكالُ ولا يُوزَنُ.

стр. 1488

وسمعتُه سُئِل عن رجلٍ حلف أن لا يَلْبَسَ من غَزْل امرأتِهِ، فخاط الخياطُ من غَزْلها؟ فلم يُجِبْ فيها بشيءٍ. وسُئِلَ عن امرأة (١) رُمِيَتُ فأقرَّت على نفسها، ثم ولدَتْ فَبَلَغ زوجَها، فطلَّقها (٢)؟ قال: الولد للفراش حتى يُلاعِنَ. وسُئِلَ عن رجلٍ أسلمَ من أهل الحرب في دار الحرب، ثم دخل دارَ الإسلام، وليس له وليٌّ في دارِ الإِسلامِ، فقتله رجلٌ من المسلمين خطأ، أيلزَمُ المسلمَ الدِّيَةُ مع الرَّقَبَة؟ قال: الذي أذهبُ إليه أنه ليس عليه دِيَةٌ، وعليه رَقَبةٌ. وسئل عمن طافَ وراءَ المَقَامِ، وقيل له: رُويَ عن عطاء أنه قال: من لم يُمكِنْهُ الطَّوافُ إلاّ خلَفَ المقام جلسَ، كأنّ عطاءً كَرِهَ الطَّوافَ خلفَ المقامِ؟. فقال: من رَوَى هذا؟ ليس هذا بشيء، الذي يكرهُ من هذا هو أكثرُ لتعبِهِ وأعظمُ لأجرِهِ. قيل له: طاف من وراء السِّقَايَةِ، قال: نعم هو أكثرُ لتعبِهِ (٣). قيل له: تذهب إلى حديث عبد الله بن عُكَيْم أن النبىَّ ﷺ قال: "لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهابٍ وَلا عَصَبَ" (٤)؟ قال: نعم.

стр. 1489

قيل: وقد رواه خالدٌ الحَذَّاء عمن سمع عبد الله بن عُكَيْم، قال: قد رواه شعْبَةُ، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكَيْم أصحَّ من هذا، وقد رواه عبَّاد، ورواه شعبة، عن الحكم، كأنه صحَّحه من غير حديث خالدٍ. ومن مسائل الفضل بن زياد القطان -أيضًا- كتبتُ إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث النعمان بن بشير: "مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ" (١) ما الشُّبُهات؟ فأتاني (٢) الجواب: هي منزَلةٌ بينَ الحلالِ والحرامِ، إذا استبرأَ لدِينه لم يقعْ فيها (٣). أحمدُ: حدثنا عبدُ الأعلى، عن هشام، عن محمَّد -يعني: ابن واسع-: أنه كان يكرهُ أن يشتريَ بالدَّنانير إلاّ العُتَّق، وبالدراهم التي فيها كتابُ الله أن يشتريَ بها أو يبيعَ. وقال أحمد: سمعت من مُعاذ بن هشام، عن أبيه، عن قَتَادَةَ، عن سعيد بن المُسَيِّب، قال: كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 1490

يَتَّجِرون في البحر، منهم طَلْحَة بن عبيد الله وسعيد بن زيد (١). سمعتُ أبا عبد الله وسُئل عن بيع الجُزَافِ (٢)، فقال: إذا استوى علمُهما فلا بأس -يعني: إذا جهلا به- فإذا عَلِمَ أحدُهما وجَهِلَ الآخرُ فلا. وسألته قلت: القطنُ يبيعُه فيرفع ظرفه العِدْل خمسة أمْناء: (٣)، قلت: نعم، وربما زاد فيحسبه للمشتري، فرخَّص فيه، ولم ينكرْه على طريق الصُّلح. قلت: فإنَّا نبيعُ بيعًا آخر، نبيع القطنَ في الكساء، فقال: هذا أحبُّ (٤) إلي من ذاك؛ لأنه يكون بمنزلة التَّمْر في جِلالِهِ وقَوَاصِرِه (٥)، ما زال هذا يُباعُ في الإِسلامِ. قلت: فإنهم يحملونا على أن (٦) نكشِفَه، فقال: هذا ضَرُورةٌ ليس عليكم هذا. قال القاضي: "إنما لم يشترط كشفَه على الرواية التي أجاز بيعَ الجُرُبِ قبل حلِّها، وقوله: نبيعُه بظرفِه أحبُّ إلَيَّ من أن يحتسبِ

стр. 1491

بوزنِ الظرفِ؛ لأنهم ربما اختلفوا في وزنِهِ" انتهى كلامُهُ. قلت: قول أحمد: "نبيعُ القطنَ في الكِسَاءِ أحبُّ إلَيَّ"، وقوله: "لأنه يكون بمنزلة التمرِ في جلالِهِ وقواصِرِه، ما زال هذا يُباعِّ في الإِسلام"، يؤخذ منه بيعُ المُغَيَّبَاتِ في الأرضِ؟ كالجزر والقُلْقاس والسَّلْجم ونحوها، بل أولى، وما زال هذا يُباع في الإِسلام ويتعذَّر عليهم بيعُ المزارع إلاّ هكذا، وعلمهم بما في الأرض أتمُّ من علم المشتري بما في الجُرُبِ والأعْدالِ؛ لأنهم يعرفونه بورقِهِ، ولا يكاد تخلو معرفتُهم به، بل رَبما كان اختلافُ ما في الجُرُب والأعدال (١) أكثرَ من اختلافِ المُغَيَّب في الأرضِ، والعسرُ فيه أكثر؛ لأنه بحسب دواعي البَشَر، وما في الأرض لا صُنْع لهم فيه، فالغالبُ تساويه (٢). وبالجملةِ؛ فلم يزلْ ذلك يُباعُ في الإسلام، وهذه قاعدةٌ من قواعد الشَّرْعٍ عظيمةُ النفع: أن كلَّ ما يعلمُ أنه لا غنىً بالأُمَّةِ عنه، ولم يزلْ يقعُ في الإِسلام، ولم يعلمْ من النبي ﷺ تغييرُهُ ولا إنكارُهُ ولا من الصحابة، فهو من الدِّينِ، وهذا كإجارةِ الإقطاع، وبيع المُعاطاة، وقرضِ الخبزِ والخَميرِ وردِّ أكبرَ منه وأصغرَ، وأكلِ الصيدِ من غير تفريزِ محلِّ أنيابِ الكلب ولا غسلِهِ، وصلاة المسلمينَ في جِراحاتهم، كما قال البخاريُّ (٣): "لم يزلِ المسلمون يُصَلُّون في جراحَاتِهمِ"، ومسحِهم سيوفَهم من غير غسلٍ، وصلاتِهم وهم حاملوها، ولو غُسِلتِ السيوفُ لفَسَدَتْ، ولا يُعرَفُ في الإِسلام غَسْل السيوف

стр. 1492

ولا إلقاؤها وقت الصلاة، وكذلك صلاة النساء في ثياب الرَّضاعة أمر مستمرٌّ في الإِسلام، مع أن الصِّبيانَ لا يزالُ لُعابُهمْ يسيلُ على الأمَّهاتِ، وهم يَتَقيَّئونَ ولا تُغْسَلُ أفواهُهم، وكذلك البيعُ والشراءُ بالسعرِ لم يزلْ واقعًا في الإِسلامِ حتى إنَّ مَنْ أنكره لا يجدُ منه بُدًّا، فإنه يأخذُ من اللَّحَّام والخَبَّاز وغيرهما كلَّ يومِ ما يحتاجُ إَليه من غير أن يساوِمَهُ على كلِّ حاجة، ثم يحاسبُهُ في الشهر أو العام، (ق / ٣٣٩ ب) ويُعطيه ثمنَ ذلك، فما يأخُذُه كلَّ يوم إنَّما يأخذُ بالسعر الواقع من غير مساوَمَةٍ، وكذلك الإجارةُ بالسِّعر في مثلِ دخول الحَمَّامِ، وغَسْلِ الغَسَّال، وطبخِ الطَّبَّاخِ والخَبَّاز وغيرهم، لم يزل الناسُ يفعلون ذلك من غير تقدير إجارَةٍ، اكتفاءً منهم بإجارة المثْل. وقد نصَّ اللهُ تعالى على جوازِ النِّكاحِ من غير تسميةٍ، وحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَهْرِ المِثْل (١)، فإذا كان هذا في النكاحِ، ففي سائرِ العقود من البيوعِ والإجاراتِ أولى وأحْرى. وقول القائل: "الصَّداقُ في النِّكاح دخيلٌ غيرُ مقصودٍ ولا ركنٌ"، كلامٌ لا تحقيقَ وراءَهُ، بل هو عِوَضٌ مقصودٌ، تُنْكَحُ عليه المرأة، وتُرَدُّ بالعَيْب، وتطالبُ به، وتمنعُ نفسَها من التسليم قبل قبضه، حيث يكونُ لها ذلك، وهو أحقُّ أن يُوَفَّى به من ثمن المَبِيع وعِوَضِ الإجارَة، فهو في هذا العقد أدخل من ثمن المَبيعِ وعِوَضِ الإجارة فيهما؛ لأن

стр. 1493

منافعَ الإجارةِ والأعيان المَبيعة قد تُسْتَباحُ بغير عِوَضٍ، بل تُباحُ بالبَدَلِ، بخلاف منفعةِ البُضْعِ، والمرأةُ لم تبذلْ بضعَها إلَاّ في مقابلة المهر، وبضعُها أعزُّ عليها من مالِها، فكيف يقال: إنَّ الصَّداقَ عارِيَّةٌ في النِّكاحِ غيرُ دخيل فيه، وهل هو إلَاّ أحقُّ بالوفاء من ثمنِ المَبيع. والذي أوجبَ لمن قال: إنه دخيلٌ (١) في العقد، أنهم رَأوا النكاحَ يَصِحُّ بدون تسمية، فدلَّتْ (٢) على أنه ليس ركنًا في العقد، فهذا هو الذي دَعاهم إلى هذا القول. وجوابُ هذا: أن النكاحَ لم ينعقدْ بدونه ألبتَّةَ، وإنما انعقدَ عند الإطلاق بصدَاقِ المِثْلِ، فوجَبَ صَدَاقُ المِثْلِ بنفس العقدِ، حتى صار كالمُسمَّى، وجعل الشارع سكوتَهم عنه بمنزلةِ الرِّضى به وتسميته، فلِم ينعقدِ النكاحُ بغيرِ صَدَاقٍ، وإنما انعقدَ (٣) بغير تسمية صَداقٍ، وفرْقٌ بينَ الأمرينِ. والمقصود أن الشارعَ جوَّزَ أن تكونَ أعراضُ المبيعاتِ، والمنافعُ في الإجاراتِ، ومنفعةُ البُضْعِ منصرفة عند الإطلاق إلى عِوَضِ المِثْلِ، وإن لم يُسَمَّ عند العَقْدِ، وليسَ هذا موضعَ تقرير هذه المسائل، وإنما أشرنا إليها إشارةً. قال: وسألتُه عن الرجل يشتري الثوبَ بدينار ودرهم؟ فقال: لا بأس به، قلت: فإن اشتراه بدينار غير درهم، قال: لا يجوزُ هذا (٤)

стр. 1494

وسمعتُه سئل عن المُكَحَّلَة (١) قال: لا يشتري بها شيئًا، ولكن إذا كان لك على رجلٍ دراهم فأعطاك مُكَحَّلَةً فخذ منه، كأنك أخذتَ دون حَقِّكَ. ورأيته يشدِّدُ في المُزَبَّقة (٢) جدًّا. وسئل عن رجل كان ساكنًا، فقال له صاحبُ الدار: تحوَّلْ، فقال الساكنُ: قد دفنتُ في دارك شيئًا، فقال صاحبُ الدَّار: ليس ذلك لك، فقال أبو عبدٍ الله: ينبشُ كلُّ واحدٍ منهما ما دفن، فكلُّ من أصاب الوصفَ كان ذلك له، أو نحو ذلك. قلت: هذا له ثلاثةُ أصول: أحدُها: وصفُ اللُّقَطَةِ، فإنه يُوْجِبُ أو يُسَوِّغُ على القولِ الآخر دفعها إلى الواصف. الثاني: الدعوى المتأيدة بالظَّاهر والعادة، كدعوى كُلٍّ من الزوجين ما يصلح له دونَ صاحِبِه، فإنه يُعطاهُ بدعواهُ المتَأَيِّدةِ بالظَّاهر (٣) والعادة. الثالث: إن العلمَ المستفادَ من وصف أحدهما له بصِدْقه أقوى من العلم المستفاد بالشاهِد الواحدِ واليمين، أو نكولِ الخصمِ، وهذا مما لا سبيلَ للنفسِ إلى دفعِهِ، ومحالٌ أن يحْكَمَ بالأضعف، ويُلْغَى حُكْمُ ما هو أقوى منه، والذي منع منه الشرعُ أن المُدَّعِيَ لا يُعطى بدعوى مجرَّدة لا دليل معها شيئًا، فإذا تميَّزَتْ بدليل لم يُحْكَمْ له

стр. 1495

بدعوى مجرَّدة، ولهذا يحكمُ له بالشاهدين تارةً، وبالواحد تارةً (١)، وبالنُّكولِ تارةً، وبالقرائنِ الظاهرةِ وبالصِّفَة وبالشَّبَهِ (٢)، وهذا كُلُّه أمرٌ رائدٌ على مجرَّدِ الدَّعوى، فلم يحكمْ له بدعوى مجرَّدة، وأين تقَعُ معاقدُ القُمُط ووجوهُ الآجُرِّ والخصِّ (٣) من الصِّفَةِ هاهنا، وفي اللُّقطة والله الموفق. وقال أحمد: إذا ادعى أحدُهم الدارَ أجمع، قال الآخر: لي نصفُها، فهي بينَهما نصفانِ، وقد يقولُ بعضُ الناسِ: هي بينَهما ثلاثةُ أرباع لمدَّعي الجميعِ، وللآخرِ الرُّبُعُ. قلت: وجهُ هذا: أن مدَّعي النِّصفِ قد اعترفَ أن النِّصفَ الآخر لا حقَّ له فيه، فلا منازعَ لخصمِه فيه، فينفردُ به وخصمُهُ ينازعه في هذا النصفِ المدَّعى، وكلاهما يَدَّعِيه، فهما فيه سواءٌ. ووجهُ المنصوص وهو القياسُ: أن أيديهما على الدَّار سواءٌ، فلكلِّ واحدٍ نصفُها، ومُدَّعي الكلِّ يَدَّعي النصفَ الذي للآخر وهو يُنْكِرُهُ، فلو أُعطي منه شيئًا لأعطيَ بمجرَّد دعواه، وهو باطلٌ، فإن خصمَه إنما يُقِرُّ له بالنِّصفِ، فلأي شيء يُعطى نصفَ ما بيدِ خصمِه بمجرَّد الدعوى، فهذا القولُ ضعيفٌ جدًّا. وقولهم: "إنهُ يُقِرُّ (٤) لخصمِه بالنِّصفِ، فينفردُ به، وهما متداعيانِ للنصف الآخرِ، فيقسم بينهما".

стр. 1496

فجوابه: أن استحقاقَ خصمِهِ للنصفِ لم يكن مستنِدًا إلى إقراره له به، بل النصفُ له، سواءٌ أقرَّ له به خصمُه أو نازعَهُ، فإقرارهُ إنما زادَه تأكيدًا، ويدُ كلِّ منهما مثبتةٌ (١) لنصف المُدَّعَى، وأحدُهما يقول لصاحبه: ليست يَدُكَ يدَ عُدْوانٍ، والآخرُ يقولُ لُمدَّعي النِّصفِ: يَدُكَ يدُ عُدْوانٍ، فلو قضينا له بشيءٍ مما بيدِ خصمِه لقضينا له بمجرَّدِ قولِهِ ودعواه، وهذا لا نَصَّ ولا قياسَ، واللهُ أعلم. وقال له رجل: أكري نفسي لرجلٍ أُلْزِمُ له الغُرَماء؟ قال: غيرُ هذا أعجبُ إليَّ. وسمعته يقول: ما أقلَّ بَرَكَةَ بيْع العقار إذا بيع. وقيل له: ما تقولُ في رجل اكترى من رجل دارًا، فوجد فيها كناسةً، فقال صاحب الدار: لم يكن هذا في داري، وقال السَّاكنُ: بل (٢) قد كان في دارِك؟ فقال هو على صاحبِ الدار. سألتُ أبا عبد الله عن الصَّائغ يغسلُ الفِضَّةَ بدُرْدِي (٣) الخمر؟ قال: هذا غِشٌّ، لعلَّ الفضة تكون سوداء فَتَبْيَضُّ. أملى عَليَّ أبو عبد الله: إنما على الناس اتِّباعُ الآثارِ عن رسول الله ﷺ ، ومعرفةُ صحيحها من سقيمها، ثم بعد ذلك قولُ أصحاب رسول الله ﷺ إذا لم يكنْ قولُ بعضِهم لبعض مخالفًا (٤)، فإن اختلفَ نُظِرَ في الكتاب، فأيُّ قولهم كان أشبَهَ بالكتابِ أُخِذَ به،

стр. 1497

وبقولِ رسول الله ﷺ أُخِذَ به، فإذا لم يأتِ عن النبيِّ ﷺ ولا عن أحد من أصحاب النبيِّ ﷺ نُظِرَ في قول التَّابعينَ، فأيّ قولهم كان أشبهَ بالكتاب والسنة، أُخِذَ به وتُرِكَ ما أحدثَ الناسُ بعدَهم. سمعتُ أبا عبد الله وقد سُئِلَ عن الرجل يسألُ عن الشيءِ من المسائلِ، فيرشدُ صاحبَ المسألةِ إلى رجلٍ يسألُهُ؟ قال: إذا كان رجلًا متِّبَعًا أرشدَه إليه فلا بأسَ. وقال: ابنُ أبي ذئب أصلَحُ (١) في تَدَيُّنِهِ وأوْرعُ وأقوَمُ بالحقِّ من مالكٍ عند السلاطين، فدخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يَهُلْهُ أن قال له بالحقِّ، وكان يُشَبَّهُ ابنُ أبي ذئب بسعيد بن المسيَّب في زمانه (٢). قلت: رجل يُقرئ رجلًا مئتي آية ويُقرئ آخرَ مئة؟ قال: ينبغي له أن ينصفَ بين الناس. قلت: إنه لِأخذُ على هذا مئتي آية لأنه يرجو أن يكونَ عاملًا به، ويأخذ على هذا أقلَّ لأنه لم (٣) يبلغْ مبلَغَ هذا في العمل؟ قال: ما أحسن (٤) الإنصافَ في كلِّ شيءٍ. وسمعت أبا عبد الله وذُكر عنده أبو الوليد (٥)، فقال: هو شيخ الإسلام (٦).

стр. 1498

أبو عبد الله، عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن قَتَادةَ، عن أبي خالد (١)، قال: ذكر له أن موسى لما أخذ الألواحَ قال: رَبِّ إني أجدُ في الألواحِ أمَّةً هم الأوَّلونَ والآخِرونَ السَّابقُون، قال قَتَادةُ: هم الأوَّلونَ في العَرْضِ يومَ القيامة، وهم الآخروُن في الخَلْق، السَّابقونَ (٢) في دخول الجَنَّةِ، اجْعَلْهم أُمَّتي، قال: تلك أمَّة أحمَدَ، قال: إني أجدُ في الألواح أُمَّةً أناجيلُهمِ في صدورِهم، يقرأونها، قال قتادة: وكان مَنْ قَبْلَكُم إنّما يقرأُونَ كُتبَهُم نظرًا، فإذا رفعوها لم يَعوها، ولم يحفظوها، وإنَّ الله أعطى هذه الأمَّةَ من الحفظِ ما لم يعْطِ الأمَمَ قَبْلَها، وذكره إلى آخره (٣). وسألتُ أبا عبد اللَّه عن الطَّعامِ في أرضِ العدوِّ إلى متى يأكلونَ؟ فقال: إذا بلغوا الدَّربَ أَلْقَوْا ما معهم. [من مسائل ابن هانئ] (٤) قال ابن هانئ (٥): سألتُ أبا عبد الله عن الرَّجُل يأخذ من عارضَيْهِ؟

стр. 1499

قال: يأخذ من اللحية بما فضل عن القَبْضَة. قلت له: فحديث النبي ﷺ : " أحْفُوا الشواربَ وأَعْفُوا عن اللِّحَى" (١)؟ قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقِه، ورأيت أبا عبد الله يأخذُ من عارضَيْه، ومن تحتِ حَلْقِهِ. قال (٢): ورأيتُ أبا عبد الله يأخذُ من حاجبِهِ بالمِقْراضِ. قال (٣): وسألته عن خَاتَمِ الحديدِ؟ فقال: لا تَلْبَسْهُ. وسئل عن جُلود الثعالب؟ قال: البَسْهُ ولا تُصَلِّ فيه (٤). وسئل عن السَّراويل أحَبُّ إليك أم المآزر فقال: السَّرَاويلُ مُحْدَثٌ، ولكنه أستر (٥). قال ابن هانئ (٦): خرج أبو عبد الله على قومٍ في المسجد، فقاموا له، فقال: لا تَقومُوا لأحدٍ، فإنه مكروهٌ. قال (٧): وكنتُ مع أبي عبد الله في مسجدِ الجامعِ، فصلَّيْنا، ثم رجَعْنا فقعدَنا، واستراحَ (٨) وأنا معه، فجاء رجلٌ كأنه محمومٌ فقال:

стр. 1500

يا أبا عبد الله: إني كنت شارب مسكرٍ، فتكلَّمت فيك بشيءٍ، فاجعلني فى حِلٍّ: ففال: أنتَ في حِلٍّ إن لم تَعدْ، قلت: يا أبا عبد الله لمَ قلتَ له لعله يعود؟ قال: ألم ترَ إلى ما قلت له: إن لم يَعدْ، فقد اشترطت عليه، ثم قال: ما أحْسَنَ الشرطَ، إذا أراد أن يعودَ فلا يعودُ إن كان له دِين. قلت: وهذا صريح في جواز تعليقِ الإبراءِ على الشرط، وهو الصوابُ. وقال إسحاق بن هانئ (١): قال رجل لأبي عبد الله: أوصني، فقال: أعِزَّ أمرَ الله حيثما كنت يُعِزَّكَ الله. وقال لي (٢): يا إسحاق ما أهون الدُّنيا على اللهِ ، قال الحسن:. أَهِينوا الدنيا، فوالله إني لأهنأ ما يكون حين تُهان: وقيل له: ما معنى الحديث: "لا يقُمْ أحدٌ لأحدٍ" (٣)؛ فقال: إذا كان عنى جهةِ الدُّنيا مثل ما روى معاوية (٤)، فلا يُعْجِبُني (٥).

стр. 1501

قيل له (١): يقدم الرجل حاجًا فيأتيه الناسُ وفيهم المشايخُ أيقومُ لهم؟ قال: قد قام النبيُّ ﷺ لجعفر (٢). وفي المعانَقَةِ احتجَّ بحديث أبي ذرٍّ: أنَّ النبي ﷺ عانقه (٣). وسألته عن الرجلِ يلقي الرجلَ أيعانِقُه؟ قال. نعم قد فعلَه أبو الدرداء. ومحوتُ قدامَهُ لوحًا بثوبي (٤) فقال: لا تملأ ثيابك سوادًا امحُ اللوحَ برجْلِكَ (٥) وجئته بكتاب من خُراسان فإذا عنوانه: لأبي عبد الله أبقاه الله، فأنكره وقال: أيْش هذا (٦)؟! قال ابن هانئ (٧): دفع إليَّ أبو عبد الله يومًا في المسجد ثلاثَ قطع فيها قريب من دانَقَيْنِ فقال. أعطها هذا وأشار إلى رجل، فجاء معي (ظ/٢٣٨ أ) حتى وَقَفَ عليه، فدفعتها إليه وهو ينظرُ إليَّ، فلما أن دخَلْنا المسجدَ وصليْنا الفريضةَ، إذا نحن بالسَّائلِ يقول: واللهِ -مِرارًا-

стр. 1502

ما دفعْ إلَيَّ اليومَ شيءٌ، ولا وقعَ بيدي اليوم شيءٌ. فلما صِرنا في الطريق، قال لي أبو عبد الله: ألم تَر إلى ذلك السائلَ ويمينَه باللهِ ! يُروى عن عائشة عن النبيِّ ﷺ إن صحَّ-: "لَوْ صَدَق السَّائل ما أفْلَحَ منْ رَدَّهُ" (١). وقال لي أبو عبد الله: يكذبون خير لنا، لو صدقوا ما وَسِعنا حتى نواسيَهم مما معنا، وما رأيته تصدق في مسجد الجامع غير تلك المرَّة. ففي هذا جواز الصَّدقَةِ على سؤال المساجدِ فيها، ووجوب المواساةِ عند الحاجةِ، وجواز رواية الحديث الضعيفِ مُعَلَّقًا باشتراطِ الصّحّة. فصل إذا سبَّحَ أحدٌ في مسألة، فإن كان السائلُ سأله عن تحريمِها أو كراهتِها، فهو تقريرٌ لما سأله عنه، كقول ابن منصور (٢) له: يُكْرَه التحريش بين البهائم؟ قال: سبحان الله! إي لَعَمْري. وإن سبَّحَ جوابًا للسائلِ، فإن كان قرينة ظاهرةٌ في التحريم حمل عليه، وإلا احتمل وجهين: التحريم والكراهَةِ. وإن قال: لا ينبغي فهو للتَّحريم، وإن قال: ينبغي ذلك، فهل هو للوجوب أو الاستحباب (٣)؟ على وجهين، والصّواب: النظرُ إلى القرينةِ. قال. إسحاق بن منصور (٤): "قلت لأحمد: المتمتعُ (ق/ ٣٤١ ب)

стр. 1503

كم يسعى بين الصَّفا والمرْوَة؟ قال: إن طافَ طَوافينِ فهو أجودُ، وإن طافَ طوافًا واحدًا فلا بأسَ. قلت: كيف هذا؟ قال: أصحابُ النبي ﷺ لما رَجعوا من مِنى لم يطوفوا بين الصَّفا والمروة". وكذلك قال في رواية ابنه عبد الله (١)، إلاّ أنه لم يذكر الدليلَ، وكذلك نقل عنه ابن مُشَيْش (٢). وقال ابن منصور: قلتُ لأحمد: إذا عَلِمَ من الرجل الفجورُ أيخبرُ به الناسَ؟ قال: بل يسترُ عليه، إلا أن يكون داعية، وزاد إسحاق: يخبرُ به عند الحاجةِ في تعديل أو تجريح أو تزويج. قلت: يُكْرَهُ الخِضَابَ بالسَّواد؟ قال: إيْ واللهِ مكروهٌ. قال إسحاق كما قال شديدًا، إلا أن يريدَ به تزيُّنًا لأهلِهِ ولا يَغُرُّ به امرأة. قلت: يكرهُ أن يقولَ الرجل للرجل: فِدَاك أبي وأمي؟ قال: يكرهُ أن تقولَ: جعلني اللهُ فِداكَ، ولا بأس أن تقول: فداكَ أبي وأمي، قال إسحاقُ كما قال (٣). قال حرب: باب من تزَوَّجَ امرأة ولم يدْخل بها فجاءت بولدٍ. قال أحمد في رجل تزوَّجَ امرأة لم يدخلُ بها وإنها وَلَدَتْ ولدًا: إنه لا يلزمُهُ.

стр. 1504

قال ابن منصور: قلت لأحمد: في كم تُعْطى الدِّيَةُ؟ قال: لا أعرف فيه حديثًا إلا إذا كانت العاقلةُ تقدر أن تحملَها في سنة، فلا أرى به بأسًا، ويُعجبُني ذلك. قال ابن منصور: في ثلاث سنين، كل سنة ثلُثًا؛ لأنه وإن لم يكنِ الإسنادُ متَّصِلًا عن عُمَرَ (١)، فهو أقوى من غيرِه. ومن مسائل ابن بَدِينا محمد بن الحسن (٢) سمعتُ أبا عبد الله سئل: تحضرُ الجمعةُ والجنازةُ، ونخافُ الفوتَ، فبأيِّهما نبدأُ؟ قال: يُبدأ بالجنازَةِ. كذا فيه، وهو غلطٌ من الكاتب، وإنما الصواب يُبدأُ بالجُمُعَة. حدثني أبو بكر الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: روى شعبةُ، عن قَتَادَةَ، عن أنس أنه كرِهَ إذا أعتقَ الأمَةَ أن يَتزوَّجَها، قال: نعم إذا أعتقها لوجهِ الله كره له أن يرجعَ في شيء منها، فأما إن أعتَقها ليس لوجهِ الله، إنَّما أعتَقَها. ليكون عِتْقُها صداقَها فجائز. وروي بإسناده عن صُهَيْب، قال: قال رسول الله ﷺ : (ظ/٢٣٨ ب) "مَنْ تَزَوَّجَ امرأة ونوَى أنْ يَذهَبَ بِصَدَاقِها، لَقِيَ الله وَهُوَ زانٍ" (٣).

стр. 1505

ومن مسائل أبي علي الحسن بن ثَوَاب (١) قال؟ قلت: الرجلُ يُقَالُ له: اشْهَد أن هذه فلانة؟ قال: إذا كانتْ ممن قد عُرفَ اسمُها، ودُعِيَتْ، فذهبتْ وجاءت، فليشهدْ، وإن كان لا يعلم ما اسمُها فلا يشهدُ. قلت: ولا يجوز أن يقولَ الرجلُ للرجل: اشهد -إذا كان عندَه ثقة- أن هذه فلانةٌ، فيشهد على شهادةِ ذلك الرجل؟ قال: إذا عَرفْتَ فاشهدْ. قلت: رجلٌ رهن دارًا عند رجل، فتصدَّقَ بها في المساكين؟ قال: ليس هذا بمنزلة العِتْق، لا يجوز. قلت: رجلٌ زنى بامرأة أبيه تحرم عليه امرأتُه؟ قال: نعم. ومعنى هذا القول: أن يكون رجلٌ تزوَّجَ امرأة وابنه بِنْتها، ثم وطئ الابنُ أمَّ زَوْجِته (٢). قلت: رجلٌ حفرَ بئرَا؟ قال: إن كان مما أخذه به السلطان فلا يضمنْ، وإن كان مما أراد بها (ق/٣٤٣ أ)، النفعَ لداره، أو ليحدثَ فيها الشيءَ ضَمن، وضمِنَ الحفار معه، إذا جاء به إلى طريق وهو يعلمُ [أن] مثله لا يكون ملكا له، فحفر له، شاركَه في الضَّمَان. قلت: فإن كان حَفَرَ نصفَها في حَده، ونصفَها في فِنَائِهِ، فوقع

стр. 1506

فيها رجلٌ؟ قال: يضمن ولا يضمن الحفارُ. قلت: فإن أخذ الحفار، قال: إن علم أن هذا الذي حفر لم يكن له، ضَمِنَ، وإن قال: جئتُ إلي شيء أظنُّ (١) أنه ملك لهذا، فليس عليه شيءٌ. قيل له: فما ترى في رجل حفر بئرًا قامَةً، فجاء آخرُ فحفرها حتى وصلَ الماء، فوقع فيها رجلٌ لمن (٢) يلزم الضمان؟ قال: بينهما. قلت: ما ترى في المرأة تحجُّ أو تسافر من (٣) غير مَحْرَم؟ قال: أعوذ بالله. قلت: ترى إن حَجَّتْ من غيرِ مَحْرَم يبطل؟ قال: أعوذُ بالله (٤)، إن حَجَّها جائزٌ لها، ولكنها أتت غَيْرَ ما أمرها النبي ﷺ (٥). قلت. ما تقولُ في رجل مملوك، له أبٌ حرٌّ وأولادٌ أحرارٌ من امرأةٍ حُرَّةٍ، مات العبد ولاء ولدِه لمن؟ قال:. لِموَالي أمِّهِ. قلت: إن بعضَهم يزعُمُ أن الجَد يجُرُّ ولاءَهم،. قال: ليس هذا ذاك، الذي يَجُرُّ الجَدُّ ولاءَهم، إنما ذاك في رجل مملوك، وله: أبٌ مملوك، وأولاد أحرار، مات الرجلُ المملوكُ والجَد مملوك، ثم إن الرجل عَتَقَ فهو يجُرُّ ولاءَهم؛ لأنه عَتَقَ بعد موتِ ابنه. قيل له: ما ترى في رجل حَفَر في داره بئرًا، فجاء آخَر فحفر في

стр. 1507

دارِه بئرًا إلي جانِب الحائط الذي بينَه وبينه، فجرَّت هذه البئر ماءَ تلك البِئر؟ قال: لا تسدُّ هذه من أجل تلك، هذه في ملك صاحبها. ومن مسائل أبي بكر أحمد بن محمد بن صدقة (١) قال سمعتُ أبا عبد الله وسئِل عن رجل قال: "بسم الله التَّحِيَّاتُ"، وقال: لا تقل "بسم الله" (٢)، ولكن لتَقُل: "التَّحِيَّات للهِ". وسُئِل عن الرجل يشهدُ وهو رديءُ الحفظ؟ قال: يكتبه هو عندَه، فقال: فإنْ وَدَعْتُ الشهادةَ أصلًا آثَمُ (٣)؟ ثم قال: إن كان يضُرُّ بأهل القريةِ ومثلُك يُحْتاج إليه، فلا تفعلُ. وسُئل عن مسجد إلى جنب رجلٍ، ومسجدٍ آخرَ كان أبوه مؤذنه (٤): أترى أن أصلِّيَ في المسجد الَذي إلى جنبي؟ قال: إن كانا عَتِيْقَين (٥) جميعًا فكلما بَعدَ فهو خيرٌ (٦). وسئل عن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا غرارَ (٧) في

стр. 1508

الصَّلاةِ ولا تَسلِيمَ" (١) قال: الإغرارُ عندنا أن يُسَلِّمَ منها ولا يكمِلُهاْ، وأما التسليمُ فلا أدري (٢). قيل له: حديثا ابن عمر أنه كان يحتجمُ ولا يتوضَّأ (٣)؟ قال: لا يصحُّ لأنَّ ابن عمر كان يتوضَّأُ من الرُّعاف (٤). وسئل عن الرجل يعطي أخاه أو أختَه من الزَّكاة؟ فقال: نعم، إذا كان لا يخافُ مَذَمَّتَهُم، وإن كان قد عَوَّدْتَهمْ فأعْطِهِم. وسئل عن رجل توضأَ بأقلَّ من مُدٍّ، واغتَسَل (ق/٣/ ٣ ب) بأقلَّ من صاع؟ فقال: (ظ/٢٣٩ أ) ما سمعنا بأقلَّ من مُدِّ، النبيُّ ﷺ اغتسل بالصَّاع وتوضَّأَ بالمُدِّ (٥). وَسئلَ عن الرجلِ يموتُ فيقول: وارثي فلان، فيقال له: كيف هذا، وارثُك فلان، وفلانٌ أقربُ إليك منه ببطنٍ؟! قال: ليس ذاك وارثي؛ لأن فلانًا جَدّه كان دَعِيًّا. وينكِر ذلك أهل القرية والجيرانُ،

стр. 1509

وفي الشائع المستفاض: أن هذا الذي زعم أنه جَدهُ فىَ دعيٌّ وارِثي أقربُ إليه، يُقْبَل قولُه؟ قال: لا يقبلُ قوله، "الولدُ للفِراش". وسئل عن المجوسيَّة تكون تحتَ أخيها أو أبيها (١) فيطلَقُها أو يموتُ عنها، فيرتفعانِ إلى المسلمين ألمهَا مَهْرها؟ قال أحمد: لم يُسْلِما؟ قال: لا، قال: فليس لها مهرٌ. وسئل عن الدرهم: إذا رأيتُه مطروحًا آخُذهُ؟ فقال: لا تَأْخُذه، فإن أخَذَهُ يُعَرِّفُهُ سنة، للخَبَر. وسُئِلَ عن أحاديث وهب بن مُنبهٍ، عن جابرٍ: كيف هي؟ قال: أرجو، ولم يكن إسماعيل يحدِّثُ بها ونحن ثمَّةَ، وكتبت أنا عن إبراهيم بن عقيل بن مَعْقِل -شيخًا كبيرًا- حديثين منها، ولم يكنْ إسماعيلُ يحدِّث وأرجو، وعَقيلُ بن مَعْقِل أحبُّ إليَّ من عبد الصمد (٢). وسئل عن رجلٍ حلف (٣) بصدقة ما يملكُ؟ فقال: كفارة (٤) يمين، فقيل له: ثلاثينَ حجَّة؟ قال: لا أُفتي فيه بشيء. وسئل عن الرجلِ يعزي الرجل، يصافِحُه؟ قال. ما أذكرُه، ما سمعتُ. وسئل عن حديث النبي ﷺ : "لا تَأتوا النِّساءَ طُرُوقًا" (٥) قال: نعم

стр. 1510

يؤذنهنَّ، قال: بكتابٍ؟ قال: نعم. ورأيتُه لما بَلَغَ المقابرَ خَلَعَ نعنيْهِ، ورأيته لما حَتى الترابَ على الميِّتِ انصرف ولم يجلس. قال أحمد في رواية المرُّوذيِّ: من اشترى ما يُكالُ فكاله البائعُ، فوجدَه المشتري زائدًا، فقد يَتَغابَنُ الناسُ بالقليل، فإن كان كثيرًا. رَدَّهُ إليه. قيل له: في القَفيز مكُّوْكٌ (١)؟ قال: هذا فاحشٌ يَردُّه. قيل: فكَيْلَجَة (٢) ونحوه؟ قال: هذا قد يتغابن الناس بمثله. ِ وقاك في رواية أحمد بن الحسن التِّرْمذي: العِينةُ عندنا أن يكون عند الرجلِ المتاع، فلا يبيعُه إلَاّ بنسيئةٍ فإن باع بنقدٍ ونسيئة فلا بأسَ. وقال في رواية ابن القاسم (٣) وسِندي: أكرهُ للرجل أن لا يكون له عادةٌ غير العِينةِ، لا يبيعُ بنقدٍ (٤).
следующие страницы →