← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فيها رجلٌ؟ قال: يضمن ولا يضمن الحفارُ. قلت: فإن أخذ الحفار، قال: إن علم أن هذا الذي حفر لم يكن له، ضَمِنَ، وإن قال: جئتُ إلي شيء أظنُّ (١) أنه ملك لهذا، فليس عليه شيءٌ. قيل له: فما ترى في رجل حفر بئرًا قامَةً، فجاء آخرُ فحفرها حتى وصلَ الماء، فوقع فيها رجلٌ لمن (٢) يلزم الضمان؟ قال: بينهما. قلت: ما ترى في المرأة تحجُّ أو تسافر من (٣) غير مَحْرَم؟ قال: أعوذ بالله. قلت: ترى إن حَجَّتْ من غيرِ مَحْرَم يبطل؟ قال: أعوذُ بالله (٤)، إن حَجَّها جائزٌ لها، ولكنها أتت غَيْرَ ما أمرها النبي ﷺ (٥). قلت. ما تقولُ في رجل مملوك، له أبٌ حرٌّ وأولادٌ أحرارٌ من امرأةٍ حُرَّةٍ، مات العبد ولاء ولدِه لمن؟ قال:. لِموَالي أمِّهِ. قلت: إن بعضَهم يزعُمُ أن الجَد يجُرُّ ولاءَهم،. قال: ليس هذا ذاك، الذي يَجُرُّ الجَدُّ ولاءَهم، إنما ذاك في رجل مملوك، وله: أبٌ مملوك، وأولاد أحرار، مات الرجلُ المملوكُ والجَد مملوك، ثم إن الرجل عَتَقَ فهو يجُرُّ ولاءَهم؛ لأنه عَتَقَ بعد موتِ ابنه. قيل له: ما ترى في رجل حَفَر في داره بئرًا، فجاء آخَر فحفر في

стр. 1507

دارِه بئرًا إلي جانِب الحائط الذي بينَه وبينه، فجرَّت هذه البئر ماءَ تلك البِئر؟ قال: لا تسدُّ هذه من أجل تلك، هذه في ملك صاحبها. ومن مسائل أبي بكر أحمد بن محمد بن صدقة (١) قال سمعتُ أبا عبد الله وسئِل عن رجل قال: "بسم الله التَّحِيَّاتُ"، وقال: لا تقل "بسم الله" (٢)، ولكن لتَقُل: "التَّحِيَّات للهِ". وسُئِل عن الرجل يشهدُ وهو رديءُ الحفظ؟ قال: يكتبه هو عندَه، فقال: فإنْ وَدَعْتُ الشهادةَ أصلًا آثَمُ (٣)؟ ثم قال: إن كان يضُرُّ بأهل القريةِ ومثلُك يُحْتاج إليه، فلا تفعلُ. وسُئل عن مسجد إلى جنب رجلٍ، ومسجدٍ آخرَ كان أبوه مؤذنه (٤): أترى أن أصلِّيَ في المسجد الَذي إلى جنبي؟ قال: إن كانا عَتِيْقَين (٥) جميعًا فكلما بَعدَ فهو خيرٌ (٦). وسئل عن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا غرارَ (٧) في

стр. 1508

الصَّلاةِ ولا تَسلِيمَ" (١) قال: الإغرارُ عندنا أن يُسَلِّمَ منها ولا يكمِلُهاْ، وأما التسليمُ فلا أدري (٢). قيل له: حديثا ابن عمر أنه كان يحتجمُ ولا يتوضَّأ (٣)؟ قال: لا يصحُّ لأنَّ ابن عمر كان يتوضَّأُ من الرُّعاف (٤). وسئل عن الرجل يعطي أخاه أو أختَه من الزَّكاة؟ فقال: نعم، إذا كان لا يخافُ مَذَمَّتَهُم، وإن كان قد عَوَّدْتَهمْ فأعْطِهِم. وسئل عن رجل توضأَ بأقلَّ من مُدٍّ، واغتَسَل (ق/٣/ ٣ ب) بأقلَّ من صاع؟ فقال: (ظ/٢٣٩ أ) ما سمعنا بأقلَّ من مُدِّ، النبيُّ ﷺ اغتسل بالصَّاع وتوضَّأَ بالمُدِّ (٥). وَسئلَ عن الرجلِ يموتُ فيقول: وارثي فلان، فيقال له: كيف هذا، وارثُك فلان، وفلانٌ أقربُ إليك منه ببطنٍ؟! قال: ليس ذاك وارثي؛ لأن فلانًا جَدّه كان دَعِيًّا. وينكِر ذلك أهل القرية والجيرانُ،

стр. 1509

وفي الشائع المستفاض: أن هذا الذي زعم أنه جَدهُ فىَ دعيٌّ وارِثي أقربُ إليه، يُقْبَل قولُه؟ قال: لا يقبلُ قوله، "الولدُ للفِراش". وسئل عن المجوسيَّة تكون تحتَ أخيها أو أبيها (١) فيطلَقُها أو يموتُ عنها، فيرتفعانِ إلى المسلمين ألمهَا مَهْرها؟ قال أحمد: لم يُسْلِما؟ قال: لا، قال: فليس لها مهرٌ. وسئل عن الدرهم: إذا رأيتُه مطروحًا آخُذهُ؟ فقال: لا تَأْخُذه، فإن أخَذَهُ يُعَرِّفُهُ سنة، للخَبَر. وسُئِلَ عن أحاديث وهب بن مُنبهٍ، عن جابرٍ: كيف هي؟ قال: أرجو، ولم يكن إسماعيل يحدِّثُ بها ونحن ثمَّةَ، وكتبت أنا عن إبراهيم بن عقيل بن مَعْقِل -شيخًا كبيرًا- حديثين منها، ولم يكنْ إسماعيلُ يحدِّث وأرجو، وعَقيلُ بن مَعْقِل أحبُّ إليَّ من عبد الصمد (٢). وسئل عن رجلٍ حلف (٣) بصدقة ما يملكُ؟ فقال: كفارة (٤) يمين، فقيل له: ثلاثينَ حجَّة؟ قال: لا أُفتي فيه بشيء. وسئل عن الرجلِ يعزي الرجل، يصافِحُه؟ قال. ما أذكرُه، ما سمعتُ. وسئل عن حديث النبي ﷺ : "لا تَأتوا النِّساءَ طُرُوقًا" (٥) قال: نعم

стр. 1510

يؤذنهنَّ، قال: بكتابٍ؟ قال: نعم. ورأيتُه لما بَلَغَ المقابرَ خَلَعَ نعنيْهِ، ورأيته لما حَتى الترابَ على الميِّتِ انصرف ولم يجلس. قال أحمد في رواية المرُّوذيِّ: من اشترى ما يُكالُ فكاله البائعُ، فوجدَه المشتري زائدًا، فقد يَتَغابَنُ الناسُ بالقليل، فإن كان كثيرًا. رَدَّهُ إليه. قيل له: في القَفيز مكُّوْكٌ (١)؟ قال: هذا فاحشٌ يَردُّه. قيل: فكَيْلَجَة (٢) ونحوه؟ قال: هذا قد يتغابن الناس بمثله. ِ وقاك في رواية أحمد بن الحسن التِّرْمذي: العِينةُ عندنا أن يكون عند الرجلِ المتاع، فلا يبيعُه إلَاّ بنسيئةٍ فإن باع بنقدٍ ونسيئة فلا بأسَ. وقال في رواية ابن القاسم (٣) وسِندي: أكرهُ للرجل أن لا يكون له عادةٌ غير العِينةِ، لا يبيعُ بنقدٍ (٤).

стр. 1511

وقال في رواية صالح (١) -في الذي يبيعُ الشيءَ علي حدِّ الضَّرورةِ، كأنه يوكلُ به السلطان لأخذِ خَراجٍ فيبيحُ فيؤدَي-: (ق/٣٤٢ أ) لا يعجبُني أن يشتريَ منه. وقال في رواية حنبل: يُكْرَهُ بيعُ المضطر الذي يظلمه السلطانُ، وكلُّ بيع يكونُ على هذا المعنى فأحب إليَّ أن يَتَوَقَّاهُ لأنه يبيعُ ما يسوى كذا بكذا من الثمنِ الدُّونِ. وقال في رواية الميموني: ولا بأس بالعُرْبُونِ، وفي رواية الأثرم -وقد قيل له: "نهى النبيُّ ﷺ عن العُربان" (٢) فقال: ليس بشيء، وأحتج أحمد بما روى نافع بن عبد الحارث: "أنه اشترى لعمرَ دارَ السِّجنِ فإن رَضِيَ عُمَرُ وإلا له كذا وكذا" (٣). قال الأثرم: فقلت لأحمد: فقد يقالُ هذا، قال: أيُّ شيء أقول، هذا عمر ﵁!. وقال حرب: قيل لأحمد: ما تقولُ في رجل اشترى ثوبًا، وقال لآخر: انقدْ عني وأنتَ شرِيكي؟ قال: إن لم يُرِدْ منفعة، ولم يكن قرضٌ جرَّ نفعًا فلا بأس.

стр. 1512

قال حرب: وسئل أحمد عن دار بين ثلاثة، اشترى أحدهم ثُلُثَها بمائة، والآخر الثُّلثَ الآخر بمئتين، والآخر الثُلث الآخر بثلاث مئة، ثم باعوها بغير تعيين مساومةً؟ قال: الثمن بينهم بالسَّوية، لأن أصل الدَّار بينهم أثلاثًا. وسئل أحمدُ مرَّةً أخرى عن ثوبٍ بين رجلين قام نصفه على أحدهما بعشرين، ونصفهُ على أحدهما بثلاثين، فباعاه مساومةً؟ فقال: قال ابن سيرين الثَّمن بينهما نصفين. قال حرب: وهو مذهب أحمد. قيل لمَ؟ قال: لأنَّ لكلِّ واحد منهما نصفَهُ، قلت: وإن كان عبدًا؟ قال: وإن كان عبدًا، العبد والدَّابةُ (ظ/٢٣٩ ب) وكلُّ شيء بهذه المنزلة. انتهى. قلت: فإن باعوه مُرابحةً، فالثَّمنُ بينهم على قدر رؤوس أموالهم؛ لأن الربح تابعٌ لرأس المال، فإذا كان الربح عشرة فى مئة فقد قابل كلُّ درهمًا فيقسم الثمن بينهم كما يقسم الربح (١)، وقال صاحب "المغني" (٢): "نصَّ أحمد على أنهما إذا باعا مرابحةً فالثمن بينهما نصفان، وعنه رواية أخرى حكاها أبو بكر أنها على قدر رؤوس أموالهما" (٣). قال (٤) حرب: وسمعتُ أحمد يقول: يأخذ الرجل من مالِ ولدِه

стр. 1513

ما شاء، قلت: وإن كان الأبُ غَنِيًّا؟ قال. نعم، قيل: فإن كان للابنِ فَرجٌ شبهُ الأمَةِ؟ قال: أما الفَرْجُ فلا، وذهبَ إلى حديثِ النبيِّ ﷺ : "أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ" (١)، وحديث عائشة: "إن أوْلادَكمْ مِنْ كسْبِكمْ" (٢). فصل قال أحمدُ في رواية أبي طالب -فيمن عندَه رهونٌ لا يَعْرِفُ صاحبَها-: يبيعُها ويَتصَدَّق بها، ولا يأخذ ما على الرَّهن إذا باعه، فإن جاء صاحِبُها غرمَها. قال ابن عَقِيل: ولا أعرفُ لقولهِ: "ولا يأخُذُ ما على الرَّهْنِ"، وجهًا مع تجويز بيعِها، فإن كان المنع لأجل جهالةِ صاحبِها فيجبُ أن يمنعَ البيعَ والصَّدَقةَ بالثمنِ كما منع من اقتضاء الدَّيْن، وإن لم يمنعْ من الصَّدَقةِ والبيع فلا وجهَ لمنع اقتضاء الدَّيْنِ (٣)، ونقل أبو الحارث (٤) في ذلك: يبيعُه ويَتصَدَّقُ بالفضل، فإذا جاء صاحبُها كان بالخيار بينَ الأخذِ (٥) أو الثمنِ. قلت: فقد اختلفت الروايةُ عنه في جوار أخذِه حقَّه من تحتِ يدِه.

стр. 1514

قال ابنُ عَقِيل: وأصلُ هاتين الروايتَينِ جواز شراءِ (ق/٣٤٢ ب) الوكيل من نفسِهِ، وفيه روايتان، كذلك أخْذه من تحت يده يُخرَّج عليهما، وقد تضمَّنَ نصَّاه جواز البيعِ وإن لم يستأذِن الحاكمَ، وتأوَّلها القاضي على ما إذا تَعَذرَ إذن الحاكم، قال: وأما إذا أمكَنَ فلا يجوزُ له ذلك؛ لأنه لا ولاية له على مالِ الغائب، لا بولاية عامَّةِ ولا خاصَّة، ومجرَّد كون مالِ الغير في يدِهِ (١) لا يُوجِب الولايةَ. قال: وقد نصَّ أحمد فى رواية أبي طالب: إذا كان عندَه رهنٌ وصاحبُا غائب وخاف فسادَه، كالصُّوف ونحوه: يأتي إلى السلطان ليأمُرَ ببيعِهِ، ولا يبيعُهُ بغير إذن السلطانِ، فهذا النصُّ منه يقضي: على ذلك الإطلاق. قلت: والصوابُ تقريرُ النَّصَّينِ، والفرق بين المسألتين ظاهرٌ، فإنَّ فى الثانية: صاحِب الرهنِ موجودٌ ولكنة غائبٌ، فليسِ له أن يَتَصَرَّفَ في مال الغائب بغير وكاله أو ولاية وهو لا يأمنُ. شكايَتَه ومطالَبَتَا إذا قدِمَ، وهذا بخلاف ما إذا جهل صاحبَ المال، و (٢) أيسَ من معرفتِهِ، فإنَّ المعنى الذي في حقِّ الغائب الموجودَ مفقودٌ في حقّ هذا، والله أعلم. ومن مسائل أحمد بن محمد بن خالد البُراتي (٣) قال: سألتُ أبا عبد الله، فقلت: إذا فاتَتْني أَوَّلُ صلاةِ الإمامِ

стр. 1515

فأدركت معه من آخِرِ صلاتِهِ، فما أعتدُّ به أول صلاتي؟ فقال لي: تقرأُ فيما مضى يعني: الحمد وسورة، وفي القعود تقعدُ على ابتداء صلاتِك (١). ومن خطِّ القاضي أيضًا نقل مُهَنّا عن أحمد: في أسير في أيدي الروم مكثَ ثلاثَ سنينَ يصوم شعبان وهو يرى أنه رمضان = يُعِيدُ. قيل له: كيف؟ قال: شهرًا على أثرِ شهرٍ، كما يعيدُ الصّلَواتِ. ونقل عبد الله (٢) عنه في الرجل يُكبِّر تكبيرةَ الافتتاح، قبلَ الإمام = هذا ليس مع الإمامِ، يعيد الصلاةَ. إنما أمَرَهُ بالإعادةِ، ولمِ يجعلْه منفردًا بالصَّلاةِ لأنه نوى الائتمام بمن ليس بإمام؛ لأنه إذا كثر قبله فليس بإمام له، ولم تَصحَّ صلاة الانفراد؛ لأن النية قد بطلتْ، فإن صلى نفسان ينوي كل واحد منهما أنه يأتم بصاحبه لم تصحَّ صلاتُهما؛ لأنه ائتم بغير إمام، فإن صلى نفسان كل واحد منهما نوى أنه إمام صاحبه (ق/٣٤٤ أ) لم تصحَّ صلاتُهما أيضًا؛ لأنه (٣) نوى الإمامَةَ بمن لا يأتم به، فهو كما لو نوى الائتمامَ بغير إمام. نقل الحسن بن علي بن الحسن (٤)، سألت أبا عبد الله عن الرجل

стр. 1516

يُكَبِّرُ خلفَ الإمام يُخَافِتُ أو يعلنُ به؟ قال: لا نعرفُ فيه شيئًا. إنما يُعرف (١) الحديثُ: "إذا كبَرِّ فَكَبِّروا" (٢). قال القاضي: "ظاهر كلامِه التوَقُّف عن جهر المأموم بذلك، ويجبُ أن يكون السُّنَّة الإخفات (ظ/٢٤٠ أ) في حقِّه كسائر الأذكار في حقه، ولأن الإمام إنما يجهر ليعلَمَ المأموم بدخوله في الصلاةِ: وركوعِه، وإلَاّ فالسّنَّة الإخفاتُ كسائرِ الأذكار (٣) غير القراءةِ". انتهى. من خط القاضي أبي يَعْلى مما انتقاه من "شرح مسائل الكَوْسج" لأبى حفص البَرْمكي قال أبو حفص: إذا ترك التَّشَهُدَان صلاته تُجْزِئه، ولا فرقَ عندَه بين التَّشَهُّدِ الأوَّل والثاني، إن تَرَكَهما عامدًا أعاد الصَلاةَ، وإن تَركهما ناسيًا فصلاتُهُ جائزةٌ، وعليه سجودُ السَّهْوِ. وقال: سجود السهوِ عندَنا واجب إلا أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ بتركِةِ. قال: ومن الأبدال عندَنا ما يكونُ غيرَ واجب، وإن كان مُبْدَلُهُ واجبًا، مثلَ النكاحِ واجب، وجعل النبي ﷺ البَدلَ منه الصيام (٤)،

стр. 1517

وهو غير واجب (١). وقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾. فبدأ بالسجود، قيل: ذلك فى غير شريعتنا ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾، ولأن الركوع يسمى سجودًا، والسجودُ ركوعًا بدليل حديث عائشة: "صلى النبي ﷺ الكسوف ركعتين، فى كلِّ ركعة سجدتين" (٢) تريدُ: ركوعين، وفي حديث أبي هريرة: "من أدرك من العصر سجدة" (٣) يريد: ركعةً. وقال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ يريدُ: ساجدًا. قال أحمد: وإن انغمس فى الماء لا يُجزئهُ حتى يتوضَّأَ (٤). قال أبو حفص: إن كان اغتسالُهُ لغير الجنابة لا يجزئه من وضوئه وإن نوى الوضوء؛ لأن عليه التَّرتيب، وإذا خرج من الماء خرج رأسهُ قبل وجهه؛ ولأن الغُسل لا يقوم مقام المسح، والمنغمس في الماء، فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن رتَّب الأعضاء في جوف الماء، فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن خرج رأسه من الماء، ويكون قد تمضمض واستنشق أولًا = صحَّ وضوؤُه. قال أحمد: إذا علَّم رجلًا الوضوء لا يُجزؤهُ، يريد بهذا: إذا لم يَنو الوضوء لنفسه؛ لأن أبا داود (٥) رَوى عنه: علَّم رجلًا الوضوء (٦) ونوى أجزأه؛ لأن عثمان وعليًّا ﵄ جلسا يُعلِّمان الناس

стр. 1518

وضوءَ رسول الله ﷺ وكان لهما طُهورًا (١). عن أحمد ثلاثُ روايات في الجنب، هل يحتاجُ إلى الوضوء؟ إحداهنَّ: يُجْرئُهُ الغسل بلا وضوءٍ. الثانية: يجزئُهُ الغسلُ لوضوئه إذا نواه. الثالثة: لا يجزئه حتى يتوضَّأ. قلت: استشكلَ: بعض الأصحاب (ق / ٣٤٤ ب) الرِّوايَةَ الأولى، وهي الصحيحة دليلًا؛ لأن حكمَ الحَدَثَ الأصغرِ قد اندرجَ في الأكبر، وصار جُرءًا منه، فلم: ينفردْ بحكمٍ، لاسيَّما وكلُّ ما يجبُ غسلُهْ من الحَدَث الأصغر (٢) يجب غسله في الأكبر وزيادة، فهذه الرِّوايةُ هي الصَّحيحةُ، وبهذا الطَريق كان الصحيح أن العُمْرَةَ ليست بفريضةٍ، لدخولها في الحجِّ، والنبيُّ ﷺ علَّقَ الطُّهْرَ بإفاضةِ الماءِ على جميع الجَسَد (٣)، ولم يشترطْ وضوءًا، وفَعَله النبيُّ ﷺ لبيان أكملِ الغُسْل. قال أبو حفص: إن قيل: النبي ﷺ أفردَ المضمضةَ والاستنشاقَ بالذِّكر عن الوجهِ، فقال: "إنَّ العَبْدَ أذا تَمَضمَض واسْتَنشَقَ، خرَجتْ ذنوبه مِن فيهِ وَمنخَرَيْهِ، فإذا غسَل وَجْهَهُ ... " (٤) الحديث.

стр. 1519

قيل: لا يمنعُ ذلك أن يكونا من الوجه، كما قال: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن: ٤٤]، فلم يمنعْ تمييزه بين الحميم وبينَ جهنَّمَ أن يكون من جهنَّم، ولأنه أفردهما لأنه خصَّ الوجه بمعنى آخرَ وهو خطايا النَّظَرِ، ولأنهُ يمكن فعلهما في حالٍ، فجمَعَ بينهما في الذِّكْرِ، ولا يمكنُ جَمعُهما مع الوجه في الاستعمالِ، فأفردا بالذكر، وإنما لم يَجِبْ غسلُ باطن العينين؛ لأنه يورِثُ العَمَى فسقط للمشقَّةِ. وفيهما في الغُسل روايتان: إحداهما: لا يجبُ للمشَقَّةِ. والأخرى: يَجِب لعدم التَّكرار. واختلف أصحابنا في المبالغة في الاستنشاق، فقال ابنُ أبي علي (١): هي غيرُ واجبةٍ لأنها تسقُطُ (ظ/٢٤٠ ب) في صوم التَّطَوعُّ، وقال أبو إسحاق (٢): هي واجبةٌ، ولا يدلُّ سقوطُها في الصَّوم على سقوطِ فرضِها في غيره؛ لأن سَفَرَ التطَوعِّ يُسْقِطُ الجُمعَة، ولا تسقطُ في غير السَّفَرِ. وأجاب أبو حفص: بأن الجمعةَ منها بَدَلٌ، وليس من المبالغة بَدَلٌ. وأجاب أبو إسحاق: بأنه قد يسقطُ الفرض بالتَّطَوعُّ ولا بَدَلَ، كالسَفَرِ يسقِطُ بعض الصَّلاة. قال: إلى قيل: يلزمُ أن يجعلَ ما خلفَ الأذُن من البياضِ من الرأسِ؟ قيل: يقول: إنه منه. قل: يلزمُ أن يجوزَ الاقتصارُ من التقصِيرِ من شعر الأذن؟

стр. 1520

قيل (١) لا، عندنا يلزِمُ استيعابُ الرأس بالأخذ من جميع شعره، والمرأةُ تقصر من طرف شعرها أنملة؛ لأن شَعَرها منسبل فهو يأتي على شعرها. قيل:. يلزمُ أن يجوز الاقتصارُ بالمسح عليهما في الوضوء؟ قيل: في المسح روايتان؛ إحداهما: استيعابُ الجميع، والأخرى: البعض، ولا يجوزُ الاقتصارُ على الأُذُنَيْنِ إجماعًا. وقال: صفةُ مسح المرأة (٢): أن تمسحَ من وسط رأسِها إلى مقَدَّمِهِ، ثم من وسط رأسها إلى مُؤخرِهِ، على استواء الشعر، وكذا الرجلُ إذا كان له شعرٌ (٣). وقد روي عن النَّبي ﷺ أنه مسح من (ق/٣٤٥ أ)، مُقَدَّمِهِ إلى مؤخَّرِهِ (٤) يُجْزِيء في المَذي النَّضْح؛ لأنه ليس بِنجَسٍ، لقوله ﷺ : "ذاكَ مَاءُ الفَحْلِ، ولِكُلِّ فَحلٍ مَاءٌ" (٥)، فلما كان ماءُ الفحل طاهرًا، وهو المنِيُّ، كان هذا مثلَهُ، لأنهما ينشآن من الشَّهوة.

стр. 1521

قال: قوله ﷺ : "إذَا قَامَ أحَدكُمْ مِنْ مَنمامِهِ" (١) إشارة إلى نوم اللّيل؛ لأن المنامَ المطلقَ إشارةٌ إلى الليل (٢)؛ ولأنه قال: "باتَت يدُه"، والبيتوتةُ لا تكونُ إلاّ بالليل، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨]، فخصَّ البيَاتَ بالليل، ثم ذَكَرَ النهار (٣). قال أحمد: مسّ الدرهم الأبيض على غير وضوء، أرجو، يحتمل أن يكون سَهَّل، لحاجةِ الناسِ إلى المعاملة به وتقليبه (٤). وقال أحمد في الرجلِ يجامِعُ أهلَه في السفر وليس معه ماءٌ: لا أكرهُ له ذلك (٥)، قد فعله ابن عباس، رُوي أنه تَيَمَّم وصلَّى بِمُتوَضِّئينَ، ثم التفتَ إليهم فقال: إني أصبتُ من جارية رُومِيَّة، ثم تَيَمَّمْتُ وصلَّيْتُ بكم. أحتجَّ للتَّيَمُّم لا يجوزُ بغير تراب بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] قال: فإن قيل: النبي ﷺ سمَّى المدينة طَيْبةَ وطابة (٦)، وكانت سَبْخَةً؟ قيل: سماها طَيْبَة؛ لأنها طابتْ له وبه، لا أن هذا

стр. 1522

الاسم استحَقَّتْهُ الأرضُ. قال في الدَّمِ في أكثرُ الروايات (١): "إن الفاحشَ ما يستفحشه الإنسانُ في نفسِه"، وقد قال هاهنا (٢) بالذِّراع والشّبر، ولا يَدلُّ ذلك: على أن ما دونَه ليس بفاحِشٍ؛ لأنه قال في مَسائل المرُّوْذي: "خمس بزقات من دم"، وإنما لم يُوَقت في ذلك؛ لأن التوقيتَ لم يأتِ عمَّن تَقَدَّم. روي عن ابن عمر أنه تَيمَّمَ، والماء منه على غَلْوَة أو غَلْوتيْنِ (٣)، ثم دخل المصر وعليه وقتٌ، أي غسل (٤). روى وَهْب بن الأجدع، عن عليٍّ أن النبيَّ ﷺ -قال: "لا صَلاةَ بعْدَ العَصْرِ، إلا أن تكون الشَّمسُ بيضَاءَ نقِية" (٥)، قيل: يحتَمل أن يعني وقتَ العصرِ؛ لأنه روي أنه نهى عن الصلاة بعد العصرِ، أي: فعل الصلاة. قوله -"أسْفروا بِالفَجْرِ، فَإنَّهُ أعْظَمُ للأجْرِ" (٦)، فيه ضعف، ويريدُ

стр. 1523

بذلك الإسفارَ في نفسِ الصلاة، فيكونُ قد ابتدأها بعدَما طَلَعَ الفجرُ، وأسْفَرَ بها بتطويلِ القراءة، أبو بكر قرأ بهم (البقرة) في الفجر، وقال: "لو طَلَعَتْ ما وَجَدَتْنا غافِلينَ" (١). قلت: للناس في هذا الحديث أربع (ظ/٢٤١ أ) طرق: أحدها: تضعيفُه، وهي طريقة أبي حفص وغيره. الثانية: حملُه على الإسفار بها في ليالي الغَيْم واللَّيالي المقمرَةِ، خشيَةَ الصَّلاةِ قبل الوقتِ. الثالثة: أن الإسفارَ المأمورَ (ق/ ٣٤٥ ب) به: الإسفارُ بها استدامةً وتطويلًا لها لا ابتداءً، وهذه أصحُّ الطُرُق، ولا يجوزُ حملُ الحديث على غيرها؛ إذ من المحال أن يكونَ تأخيرُها إلى وقتِ الإسفار أفضلَ وأعظَمَ للأجر، والنبيُّ ﷺ يواظِبُ على خلافِه هو وخلفاؤه الرَّاشدون من بعدِهِ. وتفسيرُ هذا الحديث يُؤخَذ من فعلِهِ، وفعلِ خلفائِهِ وأصحابهِ، فإنهم كانوا يُسْفِرونَ باستدامَتِها لا بابتدائِها، وهو حقيقةُ اللَّفظِ، فإنَّ قوِله: "أسْفِروا بها"، الباء للمصاحَبَةِ، أىِ: أطيلوها إلى وقتِ الإسفار، وفهْم هذا المعنى من اللفظ أقوى من فهم معنى آخر، والشروع فيها إلى وقت الإسفار، ولو قُدِّر أن اللَّفظَ يحتمل المعنيينِ احتمالًا متساويًا (٢) لم يَجُزْ حملُه على المعنى المخالِفِ لعملِهِ وعمل خلفائِهِ الراشدينَ، والله أعلم.

стр. 1524

الطريقة الرابعة: أنَّ تأخيرَها أفضل، وحملوا الإسفار بها على تأخيرها إلى وقتِ الإسفارِ. قال: دليل الجمع للمطر: روى عبدُ الرزاق، عن معْمرٍ، عن أيّوب، عن نافِع، قال: كان أهلُ المدينة إذا جمعوا بين المغرب والعشاء في اللّيلة المطيرة صلَّى معهم ابنُ عمر (١)، ورُوي عن ابن الزبير مثله (٢). قال: ورُوِىِ عن أحمد: الشفقُ الحُمرَةُ حضرًا وسفرًا، وعنه: البياضُ سفرًا وحضرًا. قال: احتجَّ من قال بطهارةِ الكلب بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، وإطلاقُ الماء يقتضي الطهارة. قيل: لا يمنعُ أن يقلب الله عينها إلى النَّجاسةِ كالعصير يتحمَّر، والماءُ ينقلبُ (٣) بولًا. سئل أحمد عن جيران المسجد، فقال: كلُّ من سَمعَ النَّداء. وسُئل: يَؤُمُ الرَّجلُ أباه؟ قال: إيْ واللهِ، يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم، وأحتجَّ أبو حفص أن النبي ﵁ قال: "ورأيتني في جماعة منَ الأنبياء" إلى أن ذكر إبراهيمَ، قال: "فصلَّيت بِهِم" (٤). عن أحمد في النفخِ، قال: أكرهُهُ شديدًا إلا أني لا أقولُ: يقطع

стр. 1525

الصَّلاة، وليس هو كلام، وعنه. أن النفخَ يقطعُ الصلاةَ، وعلى الروايتين هو مكروهٌ. صلاةُ الضُّحى، قُتِل عثمانُ وما أحد يُسَبِّحُها (١)، قيل: وليس في ترك الصحابةِ ما يمنعُ من فعلِها، فقد فعلَها ﷺ وقتًا وتَرَكَها وقتًا، وهذا اختيارُ أحمدَ أن لا يُداوَمَ عليها (٢). قال: إذا قال المؤَذِّن: "قد قامتِ الصلاةُ" وجَبَ أن يقومَ الإمامُ ولا يسبقوه، ثم يقوموا، وإذا لم يكنْ في المسجد أيضًا قاموا فانتظروهُ قِيامًا، َ وقد رَوَى أبو هريرة قال: "أقِيْمتِ الصلاةُ، وصفَّ الناسُ صفوفَهم، فخرجَ علينا رسولُ الله ﷺ ... إلى قولهِ، ثم ذكر أنه لم يغتسلْ فقال بيدِهِ للناس: "مكانَكم" (٣)، وأما قوله: "لا تَقُوموا حَتَّى تَرَوني" (٤)، فنقول: إذا لم يكنْ في المسجدِ جاز أن يقوموا إذا قال: "قد قامتِ الصلاةُ" ينتظرونَه قيامًا (ق/ ٣٤٦ أ) لحدِيث أبي هريرة، وإذا كانَ في المسجدِ قاموا ولم يتَقدَّموه، لأنه قال: "حتى تَروني" أيْ: قائمًا. اختار أحمد حديثَ عمَرَ في الاستفتاح (٥)، وقد روى أبو سعيد

стр. 1526

عن النبي ﷺ (١)، وليس بصحيح، لأن رواية عليِّ بن عليِّ الرِّفاعي، عن أبي المتوكّل النَّاجي، عن أبي سعيد، وقد قال أحمد: عليُّ بن علي لا يُعبأُ به شيئًا (٢). حديث البَراء أنه ﷺ "كان إذا افتَتحَ الصلاةَ رَفعَ يديْهِ، ثمَّ لا يعودُ" (٣)، قال أحمد: "لم يَعُد" من كلامِ وكيع (٤). قال: لا يختلفُ المذهب في اللَّحْنِ الذي هو مخالفة الإعراب (ظ/ ٢٤١ ب)، لا يبْطِلُ الصلاةَ. واختلف قولُه إذا خَتَم آيةَ رحمة بآيةِ عذاب، على روايتين؟ إحداهُما: عليه الإعادة، والثانية: لا، ووجهها ما روى قابوس بن أبي ظبيان، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس، قال: صلى رسولُ الله ﷺ فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون قال: فأكثَرُوا، فقال: إنَّ له

стр. 1527

قَلْبَيْنِ ألا تسمعونَ إلى قوله، والآية في الصلاة (١). قال ابن عباس: "لا يَؤُمُّ الغلامُ حتى يحتلمَ" (٢)، إن قيل: يلزمُ عليك إمامَتُهُ إذا كان ابنَ عشر؛ لأنه خُوطِبَ بالصَّلاةِ عندَك؟ قيل: الخَبَرُ ألَزَمَ ذلك في النَّظَر. إن قيل: فقد أَمَ عَمْرو بنُ سَلِمَةَ وهو غلامٌ (٣). قيل: سمَّي غلامًا وهو بالغٌ، ورواية أنه كان له سبعُ سنين فيه رجلٌ مجهولٌ فهو غيرُ صحيح (٤). الكوسج (٥): قلت: يَؤُمُ القومَ، وفيهم من يكرهُ ذلك، قال: إذا كان رجلًا أو رجلينِ فلا حتى يكونوا جماعةَ ثلاثةَ فما فوقَهُ.

стр. 1528

قال أبو حفص: جعل الحكمَ للكثيرِ فى الكراهَةِ لأنَّ الحكمَ للأغلب. روي أنس: "صلَّيْت خَلْفَ النبي ﷺ أنا ويتيمٌ لنا وأم سُلَيم خَلْفَنا" (١). يحتمل أن يكون كان بالغًا ويحتملُ أن يكونا صَبيَّيْنِ، أما إذا كان أحدهما بالغًا فعلى حديث ابن مسعود: "أنه صلَّى بَعلقمةَ والأسودِ، وأحدُهما غيرُ بالغ، فأقام أَحَدَهما عن يمينهِ، والآخرَ عن يَسَارهِ، ورفعه إلى النبي ﷺ " (٢). الكوسج (٣): قلت: إذا دخل والإمامُ راكِع يركعُ قبل أن يَصِلَ إلى الصف؟ قال: إذا كان وحدَه وظنَّ أنه يُدْرِكُ فعَلَ (٤). احتجَّ أبو حفص بحديث أبي بَكْرَةَ (٥). فإن قيل: فقد نهاه ﷺ ؟ قيل: نهاه عن شدَّة السَّعْيِ. قلت: الإشارةُ (٦) في الصَّلاة؟ قال: قد أشارَ النبيُّ ﷺ : "اجلِسوا" (٧) إذا كان يُفهِمهم شيئًا من أمر صلاتِهم (٨). الصلاةُ لغير القِبْلَةِ وهو لا يعلمُ ثم عَلِمَ؟ قال: يستديرُ، قلت:

стр. 1529

يُعِيدُ ما صلَّى؟ قال: لا (١). أبو حفص: دليلُه أهل قُبَاء. قوله ﷺ : "فَلْيصَلَّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْن مِنْهَا لا يقْطَعِ الشَّيْطَان عَلَيْهِ صَلاتَهُ" (٢). إن قيل: فقد روي أنه ﷺ (ق/٣٤٦ ب) خَنَقَ شيطانًا وهو يُصَلِّي (٣)؟ قيل: يحتملُ أنه خَنَقَهُ يَمْنَةً أو يَسْرَةً. قال أحمد: لا يعجبُني أن ينقضى وِتْرهُ (٤)، وعنه الجواز؛ لحديثِ عثمان، وابنُ عباس وأسامَةُ رخَّصا فيه. قلتُ: إن رجلًا قال: يا رسولَ الله إني أعملُ العملَ أُسِرُّهُ، فَيطلَعُ عليه، فيُعْجبُني (٥)؟ قال: لما أسرَّ العملَ فأظهر الله له الثناءَ الحَسَنَ فأعجبه، فلَم يعبْ ذلك أن الرجلَ يعجِبهُ أن يقالَ فيه الخير (٦).

стр. 1530

لا بأس أن يُعجبَ الإنسان ما قيلَ عنه من الخير، إذا كان مَقْصَدهْ في عمله اللهُ؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: "المؤمنُ تسُرُّه حسنتُه" (١). قوله ﷺ : "إذا نسِيَ أحدُكُمْ صَلاةً، فَلْيصلها إذا ذكَرَهَا ولوَقْتِها مِنَ الغَد" (٢) محمول على النسخ (٣) بحديث عمرانَ بن حُصَيْن: سِرْنا مع رسول الله ﷺ .. فذكره، إلى قوله: فصلَّى بنا رسولُ الله ﷺ فقلنا: يا رسولَ الله نَقْضيها لميقاتِها من الغد؟ قال: "لا، أيَنهَاكم رَبكم عَنِ الرِّبا ويقبلهُ منكم" (٤). قال ابن مسعود: "لا يقصرُ إلا حاجٌّ أو غازٍ" (٥). يحملُ على ما شاهَدَهُ من الرَّسولِ؛ لأن أسفارَهُ لم تكن إلاّ في حَجٍّ أو غزو.

стр. 1531

اختلفتِ الرِّواية في صلاةِ النائمِ، فرُوِيَ عنه: على جَنْبٍ، وعنه: مستلقيًا ورجلاه إلى القِبْلَةِ. تجبُ الصلاةُ على الصَّبي عند تكامل العَشر، لا كما يقولُ مخالفُنا: عند تَكامُلِ الخَمس عَشْرَة (١). قلت: رجلٌ وضع يديه على فَخِذَيه في الركوع، أو وضع إحدى يديهِ على رُكْبَتَيْهِ، (ظ/ ٢٤٢ أ) ولم يَضَعِ الأخرى. قال أحمد: أرجو أن يُجْزِئَه (٢). قال أبو حفص: معنى هذه المسألةِ إذا كان ذلك من عِلَّةٍ، أما من غير عِلَّة فلا، لما روي عن سعد: كنا نُطَبقُ، ثم أُمِرْنا أَن نَضع الأيديَ على الرُّكَب (٣)، وابن مسعود لم يبلغْه ذا، وكان يُطَبِّقُ، ولو أنَّ رجلًا لم يبلغْه فَعمل بالمنسوخ كابن مسعود لم تبطلْ صلاتُهُ، ولزمَهُ ذلك منذ وقتِ عَلِمَ. إذا سها في صلاتِه عشرينَ مرةً، يكفيه سجدتانِ (٤)، لحديث عمران بن حُصَيْن فإنه حصلَ منه سهو كثيرٌ، واكتفى بسجدتينِ، من ذلك أنه جَلَس في الثالثةِ ساهيًا وسلَّم ساهِيًا، وسؤالهم له ساهِيًا، ودخوله الحجرةَ ساهيًا (٥).

стр. 1532

إذا أدركَ إحدى سجدتي السَّهْوِ، يقضي السجدةَ ثم يقومُ فيقضي ما فَاتَه، إنما لم يَجُزْ (١) تأخيرها إلى آخر صلاتِه بل يقضيها معه، لقوله: "وَمَا فَاتكُم فَاقْضْوا" (٢)، وقد فاتَتهُ سجدةٌ فيجِبُ أن يسجدَها، لا زيادةَ عليها (٣). رجلان نسي أحدُهما الظُّهْرَ أمس والآخر أوَّل أمس، قال أحمد: يجمعان جميعًا من يوم. واحدٍ، وأيامٍ متفرِّقَةٍ (٤). وعنه في رواية صالح أنهما لا يَجمعان من أيام متفَرِّقةٍ (٥). وَجْه. رواية الكوسج: أن صلاتهما يجمعهما اسمُ ظُهْر، (ق/٣٤٧ أ): وليس بينهما اختلاف، هذا قول أبي حفص. وجهُ رواية صالح: ما ذكره الشريف أبو جعفر من أن ظُهْرَ يوم واحد في حكم الجنس الواحد، ومن يومين في حكم الجنسين، بدليل أنه قد سقط ظهر أحدهما بما لا يسقطُ به ظهْر الآخَرِ، وهو ظهرُ يومِ الجمعةِ، وبقيَّةُ الأيام تسقط (٦) بظهر مثلها، وهذا معدومٌ في

стр. 1533

اليوم الواحد وهذا فرق صحيحٌ، وقد ذكرناه بعينهِ إذا كان عليه كفَّارتان من جنسين، أنه يفتقرُ إلى التَّعيين. قال في رجلينِ صَلَّيا جميعًا ائْتَمَّ كلُّ واحدِ منهما بصاحِبه: يُعِيدان جميعًا (١). والدليلُ عليه أنه لم يحصل (٢) واحدٌ منهما معتقدًا للإمَامَةِ. قال: ولو أن رجلًا ائْتَمَّ برجل ولم يَنْو ذلك الرجل أن يكونَ إمامَهُ: يجزئُ الإمامَ ويعيدُ هو (٣). دليلُهُ أن الإمَامَةَ لا تَصِحُّ إلاّ بنيَّةِ. فإن قيل: ابن عبَّاس ائْتَمَ بالنَّبِي ﷺ في صلاة اللَّيل (٤)، وكان قد ابتدأها لنفسِه؟ قيل: النبيُّ ﷺ ليس كغيرِه، هو إمامٌ كيف تصرَّفَتْ أحوالُه، إلا أن ينقلَ نفسَه فيصيرَ مأمومًا. قال إسحاق الكوسج (٥): قلت: يكرَه لهؤلاء الخيَّاطين الذين في المساجد؟ قال: لَعَمري شديدًا. دليلُه عمر رأى رجلينِ يَتبَايَعَانِ في المسجد، فقال: هذا سوقُ الآخِرَةِ فاخْرجا إلى سُوقِ الدنيا (٦). قضاءُ الركعتينِ بعدَ العصرِ خُصوصًا له ﷺ ، بدليلِ حديثِ أم سَلَمَةَ:

стр. 1534

يا رسولَ الله أنقضيها إذا فاتَتْنَا؟ قال: "لا" (١) الفرقُ بين الإسلام يَصِحُّ في الأرض المغصوبة دون الصلاة، أنَّ الإسلام لا يفتقرُ إلى مكان بخلاف الصلاةِ. المسلمُ إذا أعتق عبدَهُ النَّصْرَاني فهل عليه جِزيَة؟ على روايتينِ (٢)، وجه سقوطِها أن ذمَّتَهُ ذِمَّة سيدِهِ. كراهتهُ للمعتكفِ أن يعتكفَ في خيمةٍ، إلا أن يكونَ بَرْد (٣)؛ لأنَّ الخيمةَ تُضَيِّق المسجد، والنبيُّ ﷺ اعتكفَ في زمان باردٍ في قُبّةٍ وخيمة، يدلُّ عليه قوله: "إنى رَأيتُنِي أسْجدُ فْي صَبيْحَتِها في ماءٍ وطينٍ" (٤) " فعُلِم أن الزمان بارد لوجود المطَرِ. في إتيان المستحاضة، قال: لا يأتيها إلاّ أن يطولَ ذلك بها (٥). وليس أنه أباح ذلك إذا طال ومنع ذلك إذا قَصُر، ولكنه أراد: أنه إذا طال عَلِمَتْ أيام حَيْضِها من أيام استحاضَتِها يقينًا، وهذا لا تعلمُهُ إذا قَصُر ذلك. قوله في المرأة تشربُ دواءً يقطعُ الدَّمَ عنها، قال: إذاِ كان دواءً يُعْرَفُ فلا بأسَ (٦).

стр. 1535

قال أبو حفص: معناه عندي: إذا ابْتُلِيَتْ بالاستحاضَةِ الشديدةِ فهو مَرَضٌ، لا بأسَ بشرب الدَّواء، أما الحيض فلا، لأن الحَيض كتبهُ الله على بناتِ آدَمَ، وإنما تَلِدُ إذا (ق/٣٤٧ ب)، كان حَيْضُها موجودًا، ولا جائز أن يتعرَّض (ظ/٢٤٢ ب) لما يقطع الوَلَدَ. في إتيان الحائض، قال أحمد: لو صحَّ الحديثُ كنا نرى عليه الكفَّارَةَ (١). قال أبو حفص: إن لم يَصِحَّ عن النبي ﷺ صحَّ عن ابن عباس (٢)، ومذهب أحمد الحكمُ بقولِ الصَّحَابِيِّ إذا لم يُخالفْ، قال: واختياري ما قال الكوسجُ: إنه مُخيَّرٌ في الدينار أو النصف دينار. قوله في أكثر الحيض: أكثرُ ما سمعنا سبعة عشر يومًا. يحتملُ أن يكونَ ذكره لأنه قوله، ويمكن أن يكون على طريق الحكاية، والأشبَهُ عندي أن يكونَ قولُه لا يختلِفُ أنه خمسة عشر يومًا، وإنما أخبرَ عن السبعَ عَشْرَةَ أنه سمعه لا أنه يُقَلِّدُهُ (٣). قوله في الطهر إنه على قدر ما يكون. فليس عندَه أنَّ لأقَله حَدًّا، كما ليس لأكثرهِ حَدٌ، وكل شيء ليس لأكثره حَد ليس لأقلِّهِ حَدٌّ.

стр. 1536

فإن قيل: ينبغي أن كان ليس لأقلِّهِ حَدّ (١)، لو ادَّعَتِ انقضاء: عِدَّتِها في أربعةِ أيام تباحُ للأزواج؟ قيل: العدةُ ليس من هذا؛ لأن قوله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يزيدُ الأقْرَاءَ الكاملةَ، وأقل الكاملة أن تكون في شهر لحديث علي مع شُرَيح (٢). وقوله في الصبيِّ: لا يُزَوِّجُ لا يكون وَلِيًّا حتى يحتلِمَ (٣)، وعنه: ابنْ عشر يُزوِّجُ ويَتزوَّج. آخر المنتقى من خط القاضي ما انتقاه من "شرح مسائل الكوسج" لأبي حفص قال: ومبلغهُ ستةُ أجزاء. * * *

стр. 1537

فصل قال أحمد في رواية الحسن بن ثَواب (١): إذا كان الرهن غلامًا فاستعملَه المرتَهن، أو ثوبًا فَلَبسَا، وُضِع عنه (٢) قَدْر ذلك. قال أصحابُنا يعني: أَنه يضعُ من دينِ الرّهن بقدْرِ ما انتفعَ بالرَّهْن. ونقل عنه أيضا: إذا كان الرهن دارًا فقال المرتَهِن: أنا أسكنُها بكرائِها، وهي وثيقة بحقِّي: تنتقل فتصيرُ دينا، وتتحوَّلُ عن الرهن، وهذا نصٌ منه على أن الراهن إذا أجَّر العَيْنَ المرهونةَ للمرتَهِن خرجتْ عن الرَّهنِ، وبقي دينهُ بلا رَهْن، هذا معنى قوله: "تنتقِلُ فتصير دَيْنًا"، أن يبقى حقه في (ق/٣٥٥ أ) الذِّمَّة فقط، لا يتعلَّقُ برقبة الدّار، وتخرج الدَّار عن كونها رهنًا. ونقل عنه بكر بن محمد (٣): إذا رَهَنَ جارية فسقتْ ولَدَ المُرْتَهِنِ: وضِعَ عنه بقَدْر ذلك، يعني: وُضِع عن الراهن من الدَّيْنِ بقدر أجرة مثلِها لرضاعِ ولدِ المرتهنِ. فصل إذا قال الراهن للمرتهِنِ: إن جئتُك بحقِّك إلى كذا، وإلَّا فالرَّهنُ لَكَ بالدَّيْنِ الذي أخذتهُ منكَ، فقد فعله الإمام أحمد في حَجَّتِه (٤)،

стр. 1538

ومنع منه أصحابُهُ، وقالوا: نصَّ في روايةِ حرب على خلافِهِ، فقال: باب الرهنِ يُكتب شراء. قيل لأحمد: المتبايعان بينهما رَهْنٌ فَيَكْتبان شراء؟ فكرهَهُ كراهة شدِيدة، وقال: أوَّلُ شيء أنه يكذب، هو رهن ويُكتَبُ شراء، وكرهَهُ جدًّا. قال ابن عَقِيل: ومعنى هذا: أن المرتهن يكتب شراءً لموافقة بينَه وبينَ الراهنِ، إن لم يأتهِ بالحق إلى وقتِ كذا يكون الرَّهْنُ مَبيعًا، فهو باطلٌ من حيث تعليق البيع على الشرط، وحرامٌ من حيثَ إنه كَذبٌ وأكل مال بالباطلِ. قلت: وهذا لا يناقض فعلَه، وهذا شيءٌ وما فعله شيء، فإن الراهن والمرتهن قد اتَّفقا على أنه رهن، ثم كتبا أنه عَقد تبايع في الحال، وتواطَئا على أنه رهْن، فهو شراء في الكتاب رهْنٌ في الباطن، فأين هذا من قولهما ظاهرًا وباطنًا: "إن جئتك بحقِّكَ في محلِّه، وإلا فهو لك بحقِّك"، ألا ترى أن أحمد قال: هذا كذب، ومعلوم أن العقدَ إذا وقع على جهة الشرط فليس بكَذِب، وليس في الأدِلَّةِ الشَّرعيَّةِ ولا القواعدِ الفقهيَّة ما يمنع تعليقَ البيع بالشَّرطِ، والحقّ جوارهُ، فإنَّ المسلمينَ على شروطِهم، إلا شرطًا أحل حَرامًا أو حَرَّم حلالًا، وهذا لم يتضمن واحدًا من الأمرين، فالصَّواب جواز هذا العقد، وهو اختيارُ شيخِنا (١) وفعل إمامنا (٢). قال أحمد في رواية أبي (ظ/٢٤٣)، طالب: "إذا ضاع الرهنُ عندَ

стр. 1539

المرتهن لَزِمَهُ". قال ابنُ عقيل: وهذه الرواية بظاهرها تُعطي أن الرهنَ مضمونٌ، إلَاّ أن شيخنا (١) -على عادتِهِ- حَمَل ذلك على التِّعدَّي؛ لأجل نصُوص أحمد على أن الرَّهْنَ أمانة، وعادتُهُ تأويلُ الرِّواية الشَّاذَةِ لأجل الرِّوايات الظَّاهرةِ، وهذا عندي لا يجوز إلا بدلالة، فأما صَرْفُ الكلامِ عن ظاهرِهِ بغير دلالةِ تدل فلا يجور، كما، يجور في كلام صاحبِ الشَرْعِ. انتهى كلامُهُ. فصل إذا قدر الرجل على التّزَوُّجِ أو التَّسَرِّي حَرُمَ عليه الاستمناءُ بيده، قاله ابنُ عَقِيل، قال: وأصحابُنا وشيخُنا لم يذكروا سوى الكراهة، لم يطلقوا التحريم. قال: وإن لم يقدر على زوجة ولا سرية ولا شهوةَ له تحملُه على الزِّنا، حَرُمَ عليه الاستمناءُ لأنه استمتاعٌ بنفسِهِ، والآيةُ تمنعُ منه. وإن كان متردِّدَ الحال بين الفتورِ والشهوة ولا زوجةَ له ولا أَمَةً، ولا ما يتزوَّجُ به، كُره ولم يَحْرمْ. وإن كان مغلوبًا على شهوتهِ يخافُ العَنَت كالأسيرِ والمسافرِ والفقيرِ جازِ له ذلك، نصَّ عَليه أحمدُ، وروى أن الصَّحَابَةَ كانوا يفعلونه في غزَواتِهم وأسفارِهم (٢). وإن كانت امرأةٌ لا زوجَ لها واشتدَّت غُلْمتُها، فقال بعض أصحابنا:

стр. 1540

يجور لها اتخاذ الاكرنبج (١)، وهو شيءٌ يُعْملُ من جلود على صُورة الذّكَرِ، فتستدخِلُهُ المرأةُ أو ما أشبهَ ذلك من قِثّاءٍ وقَرع صغار، والصحيح عندي: أنه لا يُبَاحُ؛ لأن النبي ﷺ إنما أرشد صاحبَ الشَّهْوَةِ إذا عَجَزَ عن الزواجِ (٢) إلى الصَّوم (٣)، ولو كان هناك معنى غيرُه لذكَرَه. وإذا اشتهى وصَوَّر في نفسه شخصًا أو دعى باسمه؛ فإن كان زوجة أو أَمَةً له فلا بأسَ إذا كان غائبًا عنها، لأن الفعلَ جائزٌ، ولا يصنعُ من تَوَهُّمهِ وتخيُّلِهِ، وإن كان غلامًا أو أجنبيةً كُرِهَ له ذلك؛ لأنه إغراءٌ لنفسِهِ بالحرامِ وحثٌّ لها عليه. وإن قوَّر بطِّيخَة أو عجينًا أو أَدِيمًا أو نخشًا في صَنَم (٤) فأولج فيه؛ فعلى ما قَدَّمنا في التَّفصيل. قلتُ: وهو أسهل من استمنائِهِ بيده، وقد قال أحمدُ فيمن به شهوةُ الجماع -غالبًا لا يملكُ نفسَهُ ويخاف أن تنشَقَّ أُنثياه: أَطْعم، هذا لفظَ ما حكاه عنه في "المغني" (٥) ثم قال: "أباح له الفطرَ؛ لأنه يَخَافُ على نفسِهِ، فهو كالمريض ومَن يخافُ على نفسِه الهلاكَ لعطش ونحوه، وأوجب الإطعامَ بدلًا من الصيام، وهذا محمولٌ على

стр. 1541

من لا يرجو إمكان القضاءِ، فإن رجا ذلك فلا فديةَ عليه، والواجبُ انتظارُ القضاء وفعله إذا قَدَر عليه، لقول ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، وإنما يُصار إلى الفدية عند اليأسِ من القضاءِ، فإن أطعمَ مع يأسِهِ، ثم قَدَر على الصِّيام، احْتَمَل أن لا يلزمَهُ؛ لأن ذمَّتَه قد برِئَتْ بأداءِ الفِدْية التي كانت هي الواجبَ، فلم تَعُدْ إلى الشغل بما برئَتْ منه، واحتمَل أن يلزمَهُ القضاء؛ لأنَّ الإطعامَ بدلُ إياس، وقد تبينَّا ذهابَهُ، فأشبَهَ المعتدَّةَ بالشهورِ لليأس إذا حاضتْ في أثنائها" (١). وفي "الفصول" (٢): روي عن أحمد في رجل خاف أن تنشقَ مثانَتُه من الشَّبق، أو تنشقَّ أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان: يَسْتَخرج الماء. ولم يَذْكر بأي شيء يستخرجُه، قال: وعندي أنه يستخرجُه بما لا يفسد صومَ غيره؛ كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة، فإن كان له أمَةٌ (٣) طفلة أو صغيرة استمنى بيدها، وكذلك الكافرة، ويجوز وطْئُها فيما دون الفَرج، فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره، فعندي أنه لا يجوزُ؛ لأن الضرورة إذا رُفِعت حَرُم ما وراءها، كالشبع من الميتة (٤)، بل هاهنا آكد، لأن بابَ الفروج آكدُ في الحَظْر من الأكل (٥). قلت: وظاهر كلام أحمد جواز الوطء (٦)؛ لأنه أباح له الفطر

стр. 1542

والإطعام، فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولًا واحدًا، فلو اتفق ذلك: لمحْرِم أخرجَ ماءَهُ ولم يجز له الوطء. (ظ/٢٤٣ ب) فصل فإن كان شبَق الصائم مستدامًا جميعَ الزمان سقطَ القضاءُ وعَدَلَ إلى الفدية كالشيخ والشيخة، وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قَضى في الزمن الآخر ولا فديةَ هنا؛ لأنه عذرٌ غير مستدام فهو كالمريض، ذكر ذلك في "الفصول". فائدة قوله في "المقنع" (١): "وإن جاءت وهو جالس، لم يقم لها -يعني الجنازة-". لم أرَ هذا في كلام أحمد، وقد قال "إن قام لم أعِبْه، وإن قعدَ فلا بأس (٢). وقال الميموني في "مسائله": سمعته يقول. إذا تَبعَ الجنازةَ فلا يجلس حتى توضعَ، كذا قال أبو هريرة وأبو سعيد، وإذا رآها قام، قال: كأن هذا أكثر في الخبر (٣)، عَشرةٌ من أصحابِ رسول الله ﷺ يروونه. ثم قال الميموني: تسميةُ من يَرْوِي عن النبي ﷺ أنه كان إذا رأى جنازة قام لها: عثمان بن عفانَ. سعيدُ بن زيد. عامر بن ربيعةَ. قيسُ ابن سعد. سهلُ بن حنيْف. يزيد بن ثابتٍ أحْو زيد بن ثابت .. أبو سعيد

стр. 1543

الخدْري. أبو هريرة. أبو موسى الأشعريُّ. ابنُ عباس. حسن وحسين، فهؤلاء اثنا عشر من الصحابة، ثم ساق الميمونيُّ أحاديثَهم كلَّها بإسناده. وقال حربٌ في "مسائله": قلت لأحمد: الرجلُ يرىَ الجنازةَ أيقوم لها؟ فقال: قد رُويَ عن علي أن النبيَّ ﷺ قام ثم قعد (١)، وكان ابنُ عُمر يقوم، وسَهَّلَ أبو عبد الله فيه. وقال أبو داود في "مسائله" (٢): سمعت أحمد بن حنبل سُئلَ عن القيام إذا رأى الجنازةَ، قال: إن لم يقمْ أرجو، وإن قامَ أرجو. قيلَ: القيامُ أفضلُ عندَكَ؟ قال: لا. وقال في رواية ابن هانئ (٣): إذا رأى الجنازةَ فقام فلا بأس، وإن لم يقمْ فلا بأس. قال ابن هانئ (٤): وسُئِلَ -يعني: أحمد- عن الرجل يموتُ فيُوصي أن يدفنَ في داره؟ قال: يُدْفَن في مقابر المسلمينَ، وإِنْ دُفِنَ في داره أضَرَّ بالوَرثةِ، والمقابرُ مع المسلمينَ أعجب إليَّ. وقال في روايتِهِ (٥): أكرهُ أن يجعلَ على القبرِ ترابًا من غيرِهِ. قال (٦): وسئل عن الحائض تغسِلُ المرأة المَيتةَ؟ قال: لا يعجبُني أن

стр. 1544

تغسلَ الحائض شيئًا من المَيِّتِ، والجنابَةُ أيسرُ من الحَيْض. قال (١): وسئل عمَّن غسَّلَ المَيِّتَ، أعليه غسلٌ أم وضوءٌ؟ قال: يتوضَأُ، وقد أجزأَهُ. قال (٢): وسألته: هل على من غسل الميت غُسْلٌ، قال. عليه الوضوءُ فقط. واتَّبَع أحمد في ذلك آثارَ الصحابةِ، فإنه صحَّ عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة الأمرُ بالوضوء منه، ولا يُحفظُ عن صحَابِى خلافهم، وهو قولُ حذيفةَ وعليٍّ أيضًا. وقال الجُوزْجَانِىُّ: حدثنا يزيدُ بن هارونَ، أنبأنا مباركُ بن فَضَالَة، عن بكر بن عبد الله المزَنِيِّ، عن علقمة بن عبد الله المُزنيِّ، قال: غسَّل أباك -يعني: أبا بكر: بن عبد الله- أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ممن بايع نبيَّ الله تحت الشجرة، فما زادوا على أن شمَّروا أكِمَّتهم، وجعلوا قُمُصَهم تحت حُجُزهم، وتوضَّأوا ولم يغتسِلوا (٣). وفي "الموطأ" (٤): مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أن أسماءَ بنتَ عميْس امرأة أبي بكر غَسَلَتْ أبا بكر الصِّدِّيقَ حين تُوُفِّيَ، ثم خرجتْ، فسألت من حضرها من المهاجرينَ والأنصار، فقالت: إني صائمة، وإن هذا اليوم شديدُ البرد فهل عليَّ مِنْ غسْل؟ قالوا: لا.

стр. 1545

قال إسماعيلُ بن سعيد: قلت لأحمد بن حنبل: أرأيتَ إن كان الميت كافرًا، قال: عليه الغسلُ لحديث عليٍّ (١) -يعني: على غاسِلِهِ الغُسْلُ- وهو قول أبى أيوب، قال الجوزجانيّ: وأقول: إن هذا وهم منهما، وذلك أنه ليس في حديث عَليٍّ أنه غسل أبا طالب (٢). فصل قال أحمدُ في الرجل يعملُ الخيرَ، ويجعل النِّصْف لأبيه أو لأمِّه (٣): أرجو. وقال: الميِّتُ يصِلُ إليه كل شيء من الخير، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ مِنَ البِرّ بَعْدَ البِرِّ أن تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلاتِكَ، وأنْ تَصُومَ (ظ/٢٤٤ أ) لهما مَعَ صَومكَ، وأنْ تَتَصَدّقَ لَهُما مَعَ (ق/٣٥٥ ب) صَدَقَتِك" (٤). انتهى. ولا يشترطُ تسمية المهْدَى إليه باسمه، بل يكفي النِّيَّةُ، نصَّ عليه في رواية أبيه عبد الله (٥): لا بأسَ أن يَحجَّ عن الرجل ولا يُسَميِه (٦).
следующие страницы →