← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ومن ذلك قولهم: إنَّ قوةَ القمر الترطيب، وإنَّ العلةَ في ذلك قربُ فلكِه من الأرض، وقبولُه للبخارات الرَّطبة التي ترتفعُ إليه منها، وإنَّ قوة زُحل أن يُبرِّد ويجفِّف تجفيفًا يسيرًا، وإنَّ علَّة ذلك بعدُه عن حرارة الشَّمس وعن البخارات الرَّطبة التي ترتفعُ من الأرض، وإنَّ قوةَ المرِّيخ مجفِّفةٌ مُحرِقة، لمشاكلة لونه للون النار، ولقربه من الشَّمس؛ لأنَّ الكرةَ التي فيها الشَّمس موضوعةٌ تحته». قلت: فليتأمَّل العاقلُ ما في هذا الكلام (١) من ضروب المحال. وما للفلَك ووصول البخارات الأرضية إليه! وهل في قوَّة البخارات تصاعدُها إلى سطح الفلك مع البُعد المُفْرِط؟! والبخارُ إذا ارتفعَ فغايةُ ارتفاعه كارتفاع السَّحاب، لا يتعدَّاه، وهل تتأثَّر العُلويَّات بطبائع السُّفليَّات وتتكيَّف بكيفيَّاتها وتنفعِل عنها؟! ومما يدلُّ على فساد ذلك أيضًا: أنَّ القمرَ لو كان يترطَّبُ من البخارات وجبَ أن تزدادَ رطوبتُه في كلِّ يوم؛ لأنه دائمُ القبول للبخارات. ولا يقولون ذلك. وإن التزمه منهم مكابرٌ، وقال: كلُّ يومٍ يزدادُ رطوبةً، قيل له: فما تُنكِرُ أن تكون دلالةُ زُحَل والمريِّخ على النُّحوس تتزايدُ وتكونُ دلالته على النُّحوس في اليوم أكثر من دلالته في الأمس؟! ولو فُتِحَ عليكم هذا البابُ فلعل السَّعْدَ ينقلبُ نحسًا، وبالعكس، وهذا يرفعُ الأمانَ عن أصول هذا العلم.

стр. 1367

وأيضًا؛ فإذا جوَّزتم انفعالَ الفلكيَّات عن أجزاء هذا العالم السُّفليِّ لَزِمَكم تجويزُ فساد هذه الكواكب من هذه الأجزاء (١) العنصريَّة، ولزمكم تجويزُ أن يرتفعَ إلى القمر من الأدخِنة ما يوجبُ جفافَه وبلوغَه في اليُبس الغاية. وأيضًا؛ فإذا جوَّزتم ذلك فَلِمَ لا تجوِّزون نفوذَ تلك البُخَارات إلى ما وراء فلَك القمر، حتى يترطَّب فلَكُ الأفلاك؟! فإن قلتم: فلكُ القمر عائقٌ عن ذلك. قلنا: وكرةُ الأثير (٢) حائلةٌ بين عالمنا هذا وبين فلك القمر، فكيف جوَّزتم وصولَ البُخارات الأرضيَّة إلى فلَك القمر؟! [وأما زعمهم أنَّ في] (٣) مشابهة لون المرِّيخ للون النَّار ما يقتضي (٤) تأثيره الإحراقَ والتجفيف، فهل في الهذَيان أعجبُ من هذا؟! فإن أرادوا النارَ البسيطة فإنها لا لونَ لها، وإن أرادوا النارَ الحادثةَ فهي بحسب مادَّتها التي توجبُ حُمْرتَها وصُفْرتها وبياضها.

стр. 1368

وأمَّا كونُ الشَّمس تحته فهذا لا يقتضي تأثيرَها فيه، وإعطاءه قوَّة التَّجفيف والإحراق؛ فإنَّ الشَّمس لو أثَّرت فيه ذلك وأعطته إيَّاه لكانت بهذا التأثير والإعطاء للزُّهَرة أولى؛ لأنَّ كُرتَها (١) فوق كرة الزُّهَرة، ونسبتها إلى كرة الزُّهَرة كنسبتها إلى كرة المرِّيخ، فهلَّا كانت قوَّةُ الزُّهَرة التجفيفَ والإحراق؟! بل تأثيرُ الشَّمس فيما تحتها أولى من تأثيرها فيما فوقها. قال صاحبُ الرسالة: «وإنَّ الكواكبَ الثَّابتةَ (٢) التي في الدُّبِّ الأكبر (٣) قوَّتُها كقوة المرِّيخ. وهذا غلطٌ عظيم؛ لأنَّ لونَ هذه الكواكب غيرُ مُشْبِهٍ للون النار، وليست الكرةُ التي فيها الشَّمس موضوعةً تحتها، بل الكرةُ التي فيها زُحَل موضوعةٌ تحتها، فهي بأن يكون حالُها مُشْبِهًا لحال زُحَل أولى؛ لأنها فوقه، وبُعْدُها عن الشَّمس وعن حرارات الأرض أكثرُ مِن بُعْدِه». قلت: والعجبُ من هؤلاء، يعلَمون قولَ مُقَدَّمهم بَطْليموس: إنَّ طبائعَ الأجرام السَّماوية واحدة؛ ثمَّ يحكمون على بعضها بالحرارة، وعلى بعضها بالبرودة، وكذلك بالرُّطوبة واليُبوسة! قال: «وزعموا أنَّ عطاردَ معتدلٌ في التجفيف والترطيب؛ لأنه لا يَبْعُدُ في وقتٍ من الأوقات عن حَرِّ الشَّمس بُعْدًا كثيرًا، ولا وَضْعُه فوق كرة القمر، وأنَّ الكواكبَ الثابتةَ التي في الجاثي (٤) حالُها شبيهةٌ بحاله، وليس يوجَدُ لها

стр. 1369

من السَّببين (١) اللذَيْن دلَّا على طبيعة عطارد شيئًا، بل الذي (٢) يوجَدُ لها ضدُّ ذلك، وهو أنها بعيدةٌ من الشَّمس في أكثر الأوقات، وأن فلكها أبعدُ أفلاك الكواكب من كرة القمر. وقالوا: إنَّ الكواكبَ التي في العواء (٣) تشبهُ حالَ عطارد وزُحَل في بعض الأوقات، وتشبهُ حالَ المشتري والمرِّيخ في بعضها». قلت: وقد استدلَّ فضلاؤكم (٤) على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها، فقالوا: زُحَل لونُه الغُبْرة والكُمُودة (٥)، فحكمنا بأنه على طبع السَّوداء، وهو البردُ واليُبس، فإنَّ السوداء لها من الألوانِ الغُبْرةُ. وأمَّا المرِّيخُ، فإنه يشبهُ لونُه لونَ النار، فلا جرَمَ قلنا: طبعُه حارٌّ يابس. وأمَّا الشَّمس، فهي حارَّةٌ يابسة؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ لونها يشبهُ لونَ الحُمْرة. الثاني: أنَّا نعلمُ بالبديهة (٦) أنها مسخِّنةٌ للأجسام، منشِّفةٌ للرطوبات.

стр. 1370

وأمَّا الزُّهَرة، فإنَّا نرى لونَها كالمركَّب من البياض والصُّفْرة، ثمَّ إنَّ البياض يدلُّ على طبيعة البلغم الذي هو البردُ والرطوبة، والصُّفرة تدلُّ على الحرارة. ولما كان بياضُ الزُّهَرة أكثر من صُفْرتها حكمنا عليها بأنَّ بردَها ورطوبتَها أكثر. وأمَّا المشتري، فلمَّا كانت صُفْرتُه أكثر مما في الزُّهَرة كانت سخونتُه أكثر من سخونة الزُّهَرة، وكان في غاية الاعتدال (١). وأمَّا القمر، فهو أبيض، وفيه كُمُودة، فبياضُه يدلُّ على البرد (٢). وأمَّا عطارد، فإنا نراه على ألوانٍ مختلفة (٣)، فربما رأيناه أخضر، وربما رأيناه أغبَر، وربما رأيناه على خلاف هذين اللَّونين، وذلك في أوقاتٍ مختلفة، مع كونه في الأفق على ارتفاعٍ واحد، فلا جَرَمَ قلنا: إنه لكونه قابلًا للألوان المختلفة يجبُ أن يكونَ له طبائعُ مختلفة، إلا أنا لمَّا وجدنا في الغالب عليه الغُبرة الأرضية، قلنا: طبيعته أميَلُ إلى الأرض واليُبس. وهذا التقريرُ باطلٌ من وجوهٍ عديدة (٤): أحدها: أنَّ المشاركةَ في بعض الصِّفات لا تقتضي المشاركةَ في الماهيَّة

стр. 1371

والطبيعة ولا في صفةٍ أخرى. الوجه الثاني: أنَّ الدَّلالةَ بمجرَّد اللَّون (١) على الطبيعة ضعيفةٌ جدًّا؛ فإنَّ النُّورة والنُّوشادِر (٢) والزَّرنيخ والزِّئبق المصعَّدَين (٣) والكبريت في غاية البياض مع أنَّ طبائعَها في غاية الحرارة. الثالث: أنَّ ألوانَ الكواكب ليست كما ذكرتم. فزُحَل رصاصيُّ اللون، وهذا مخالفٌ للغُبرة والسَّواد الخالص. وأمَّا المشتري، فلا شكَّ (٤) أنَّ بياضَه أكثرُ من صُفرته، فيلزمُ على قولكم أنَّ بردَه أكثرُ من حرِّه. وهم ينكرونَ ذلك. وأمَّا الزُّهَرة، فلا صُفرةَ فيها البتة، بل الزُّرقةُ ظاهرةٌ في أمرها (٥)، فيلزمُ أنْ تكونَ خالصةَ البرد. وأمَّا المرِّيخ، فإن كان حرُّه (٦) لشبهه بالنارِ في لونه، فهذه المشابهة بين الشَّمس (٧) والنار أتمُّ، فيلزمُ أن تكونَ حرارةُ الشَّمس وسخونتُها أقوى من

стр. 1372

حرارة المرِّيخ (١). وهم لا يقولون بذلك. وأمَّا عُطارد، فإنَّا وإنْ رأيناه متخلفَ اللون في الأوقات المختلفة إلا أنَّ السببَ فيه أنَّا لا نراه إلا إذا كان قريبًا من الأفق، وحينئذٍ يكونُ بيننا وبينه بخاراتٌ مختلفة، فلا جَرَمَ اختلفَ لونه (٢) لهذا السبب. وأمَّا القمر، فقد قال زعيمُكم المؤخَّر أبو معشر: إنه لا يَنْسِبُ لونَه إلى البياض إلا من عَدِمَ الحِسَّ البصريَّ (٣). فتبينَّ بطلانُ قولكم في طبائع الكواكب وتناقضُه واختلافُه. ولما علم بعض فضلائكم فسادَ قولكم في طبائع الكواكب، وأنَّ العقلَ يشهدُ بتكذيبه، صدَفَ عنه وأنكره، وقال: إنما نشيرُ بهذه القوى والطبائع إلى ما يحدثُ عن كلِّ واحدٍ من الأجرام السماويَّة وينفعلُ بها من الكائنات الفاسدات، لا أنها بطبائعها تفعلُ ذلك، بل يحدثُ عنها ما يكونُ حارًّا أو باردًا أو رطبًا أو يابسًا، كما يقال: إنَّ الحركةَ تُسَخِّنُ والصَّومَ يجفِّف (٤)، لا على أنها تفعلُ ذلك بطبائعها، بل بما يحدُث عنها، فبَطْليموس قال: إنَّ القمرَ يرطِّبُ والشَّمس تسخِّنُ بحسب ما يحدثُ عنهما، وتنفعلُ المنفعلاتُ بتلك القوى، لا بأنَّ طبائعَها مكيِّفات.

стр. 1373

فيقال: نحن لم ننازعكم في تأثير الشَّمس والقمر في هذا العالَم بالحرارة والرطوبة والبرودة واليُبوسة وتوابعها، وتأثيرها في أبدان الحيوان والنبات، ولكنْ هما جزءٌ من السبب المؤثِّر، وليسا بمؤثِّرٍ تامٍّ، فإنَّ تأثيرَ الشَّمس مثلًا إنما كان بواسطة الهواء وقبوله للسُّخونة والحرارة بانعكاس شعاع الشَّمس عليه عند مقابلتها لجِرْم الأرض، ويختلفُ هذا القبولُ عند قُرب الشَّمس من الأرض وبُعْدِها، فيختلفُ حالُ الهواء وأحوالُ الأبخرة في تكاثُفها وبرودتها وتلطُّفها وحرارتها، فتختلفُ التأثيراتُ باختلاف هذه الأسباب، والشَّمس جزءُ السبب (١) في ذلك، والأرضُ جزء، والهواءُ جزء، والمقابلةُ الموجِبةُ لانعكاس الأشعَّة جزء، والمحلُّ القابلُ للتأثير والانفعال جزء. ونحن لا ننكرُ أنَّ قوةَ البرد بسبب بُعْدِ الشَّمس عن سَمْتِ رؤوسنا، وقوةَ الحرِّ بسبب قُرب الشَّمس من سَمْتِ رؤوسنا. ولا ننكرُ أنَّ الشَّمس إذا طلعت فإنَّ الحيوانَ ناطقَه وبهيمَه يخرجُ من مكامنه وأكنَّته، وتظهرُ القوةُ والحركةُ فيهم، ثمَّ مادامت الشَّمس صاعدةً في الربع الشرقيِّ (٢) فحركاتُ الحيوان في الازدياد والقوَّة والاستكمال، فإذا مالت الشَّمس عن وسط السماء أخذَت حركاتُ الحيوان وقُواهم في الضعف، وتستمرُّ هذه الحالُ إلى غروب الشَّمس، ثمَّ كلما ازدادَ نورُ الشَّمس عن هذا العالم بُعْدًا ازدادَ الضعفُ والفتورُ في حركة الحيوان، وهدأت الأجساد، ورجعت الحيواناتُ إلى مكامِنها، فإذا طلعت الشَّمس رجعوا إلى الحالة الأولى.

стр. 1374

ولا ننكرُ أيضًا ارتباطَ فصول العالم الأربعة بحركات الشَّمس وحلولها في أبراجها. ولا ننكرُ أنَّ السُّودان لما كان مسكنُهم خطَّ الاستواء إلى محاذاة ممرِّ رأس السَّرطان (١)، وكانت الشَّمسُ تمرُّ على [سَمْت] (٢) رؤوسهم في السنة إمَّا مرَّةً وإمَّا مرتين؛ تسوَّدت أبدانُهم، وتجعَّدت شعورُهم، وقلَّت رطوباتهم، فساءت أخلاقُهم، وضعُفت عقولُهم. وأمَّا الذين مساكنُهم أقربُ إلى محاذاة ممرِّ السرطان، فالسَّوادُ فيهم أقلُّ، وطبائعُهم أعدَل، وأخلاقُهم أحسن (٣)، وأجسامُهم أنصَف (٤)، كأهل الهند، واليمن، وبعض أهل الغَرب، [وكلِّ العرب] (٥). وعكسُ هؤلاء الذين مساكنُهم على ممرِّ رأس السرطان إلى محاذاة بناتِ نَعْشٍ الكبرى، فهؤلاء لأجل أنَّ الشَّمس لا تُسَامِتُ رؤوسَهم، ولا تبعُد عنهم أيضًا بُعْدًا كثيرًا، لم يَعْرِض لهم حرٌّ شديدٌ ولا بردٌ شديد، فألوانهم متوسِّطة، وأجسامُهم معتدلة، وأخلاقُهم فاضلة (٦)، كأهل الشَّام والعراق

стр. 1375

وخراسان وفارس والصِّين (١). ثمَّ من كان من هؤلاء أميَلُ إلى ناحية الجنوب كان أتمَّ في الذَّكاء والفهم، ومن كان منهم يميلُ إلى ناحية المشرق فهم أقوى نفوسًا وأشدُّ ذكورةً (٢)، ومن كان يميلُ إلى ناحية المغرب غلبَ عليه اللِّينُ والرَّزانة (٣). ــ ومن تأمَّل هذا حقَّ التأمُّل، وسافر بفكره في أقطار العالَم، عَلِمَ حكمةَ الله في نشر مذهب أهل العراق (٤) وما فيه من اللِّين وما شاكله في أهل المشرق، ومذهب أهل المدينة (٥) وما فيه من الشدَّة والقوَّة في أهل المغرب ــ. وأمَّا من كانت مساكنُهم محاذيةً لبنات نَعْش، وهم الصَّقالبةُ والرُّوس (٦)، فإنهم لكثرة بُعْدِهم عن مسامتة الشَّمس (٧) صارَ البردُ غالبًا

стр. 1376

عليهم، والرطوبةُ الفَضْليَّة فيهم؛ لأنه ليس من الحرارة هناك ما يُنَشِّفُها ويُنْضِجُها، فلذلك صارت ألوانُهم بيضاء، وشُعورهم سَبِطَةً (١) شقراء، وأبدانُهم رَخْصَة (٢)، وطبائعُهم مائلةً إلى البرودة، وأذهانُهم جامدة (٣). وكلُّ واحدٍ من هذين الطرفين (٤) ــ وهما الإقليمُ الأولُ والسابع ــ يقلُّ فيه العمران، وينقطعُ بعضُه عن بعض؛ لأجل غلبة اليُبس (٥)، ثمَّ لا تزالُ العمارةُ تزدادُ في الإقليم الثاني والسادس [والثالث] والخامس، ويقلُّ الخرابُ فيها. وأمَّا الإقليمُ الرابعُ فإنه أكثرُ الأقاليم عِمارة، وأقلُّها خرابًا؛ لفضل (٦) الوسط على الأطراف، بسبب اعتدال المزاج. ــ وهو الذي انتشرت فيه دعوةُ الإسلام، وضَرَبَ الدِّينُ بجِرانِه فيه (٧) وظهرَ فيه أعظمَ من ظهوره في سائر الأقاليم. ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «زُوِيَت لي الأرضُ، فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، وسيبلغُ مُلكُ أمتي ما زُوِيَ لي منها» (٨)، فمكان انتشار (٩) دعوته ﷺ

стр. 1377

في أعدل الأرض، ولذلك انتشرت شرقًا وغربًا أكثر من انتشارها جنوبًا وشمالًا، ولهذا لمَّا زُوِيَت له فأُرِيَ مشارقَها ومغاربها، وبشَّر أمَّته بانتشار مملكتها في هذين الرُّبعين، فإنهما أعدلُ الأرض، وأهلُها أكملُ الناس خَلْقًا وخُلُقًا، فظهرَ الكمالُ له في الكتاب، والدِّين، والأصحاب، والشَّريعة، والبلاد، والممالك، صلواتُ الله وسلامُه عليه. فإن قيل: فقد فضَّلتم الإقليمَ الرابعَ على سائر الأقاليم (١)، مع أنَّ شيئًا من الأدوية لا يتولَّدُ فيه إلا دواءً ضعيفًا، وإنما تتكوَّنُ الأدويةُ في سائر الأقاليم. قيل: هذا من أدلِّ الدَّلائل على فضله عليها؛ لأنَّ طبيعةَ الدَّواء لا تكونُ معتدلة، إذ لو حصَل فيها الاعتدالُ لكان غذاءً لا دواءً، والطبيعةُ الخارجةُ عن الاعتدال لا تحدُث إلا في المساكن الخارجة عن الاعتدال ــ. وكذلك حالُ الشَّمس في المواضع التي تسامتُها، فموضعُ حضيضِها وغاية قُربها من الأرض في البراري الجنوبية تكونُ تلك الأماكنُ محترقةً ناريَّة لا يتكوَّنُ فيها حيوانٌ البتة. ــ ولذلك، والله أعلم، كانت أكثرُ البحار (٢) من الجانب الجنوبيِّ (٣) دون الشماليِّ؛ لأنَّ الشَّمس إذا كانت في حضيضِها كانت أقربَ إلى الأرض، وإذا كانت في أوْجِها كانت أبعَد، وعند قُربها من الأرض يَعْظُمُ

стр. 1378

تسخينُها، والسُّخونةُ جاذبةٌ للرطوبات، وإذا انجذبت الرطوباتُ إلى الجانب الجنوبيِّ انكشف الجانبُ الشماليُّ ضرورةً، وصار مستقرًّا للحيوان الأرضي، والجنوبيُّ أعظم الجانبين رطوبةً وأكثرها مياهًا ومقرًّا للحيوان المائيِّ ــ. وأمَّا المواضعُ المسامتةُ لأوج الشَّمس في الشمال فهي غيرُ محترقة، بل معتدلة لبُعْدِ الشَّمس من الأرض. وبسبب التفاوت القليل الحاصل بين أقرب قُرب الشَّمس من الأرض وأبعدِ بُعْدِها منها صار [الجانب] الجنوبيُّ محترقًا والجانبُ الشماليُّ معتدلًا، فلو كانت الشَّمس حاصلةً في فلك الكواكب (١) لفسَد هذا العالَم (٢) من شدَّة البرد، ولو فرضنا أنها انحدرَت إلى فلك القمر لاحترق هذا العالَم. فاقتضت حكمةُ العزيز العليم الحكيم أنْ وَضَعَ الشَّمسَ وسط الكواكب السَّبعة، وجعَل حركتَها المعتدلةَ وقُربها المعتدل سببًا لاعتدال هذا العالَم، وجعَل قُربها وبعدَها وارتفاعَها وانخفاضها سببًا لفصوله التي هي نظامُ مصالحه، فتبارك الله ربُّ العالمين، وأحسنُ الخالقين. وأهلُ الإقليم الأول لأجل قُربهم من الموضع المحاذي لحضيض الشَّمس كانت سخونةُ هوائهم شديدة، ولا جَرَمَ كانوا أشدَّ سوادًا من مكان خطِّ الاستواء (٣).

стр. 1379

وأهلُ الإقليم الثاني سخونةُ هوائهم ألطف، فكانوا سُمْرَ الألوان. والإقليمُ الثالثُ والرابعُ أعدلُ الأقاليم مزاجًا، بسبب اعتدال الهواء. وسببُ تعديله (١) [أن غاية] ارتفاع الشَّمس إنما يكونُ (٢) [عند كونها] في أبعد بُعْدِها عن الأرض (٣). فهاهنا وإن حصلت المسامتةُ المُوجِبةُ (٤) لمزيد السُّخونة، لكن حصَل أيضًا البعدُ المقلِّلُ للسُّخونة، فحصَل الاعتدالُ من بعض الوجوه. وفي الجانب الجنوبيِّ وإن حصَل مزيدُ القُرب من الأرض لكن لم تحصُل هناك مسامتةٌ [معتدلة]، [فلذا كانت أكثر] (٥) المساكن المعمورة لخطِّ الاعتدال في الجانبين بهذه الطريق، وصار أهلُ الإقليم الثالث والرابع أفضلَ الناس صُورًا وأخلاقًا. وأمَّا الإقليم الخامس، فإنَّ سخونة الهواء هناك أقلُّ من الاعتدال بمقدارٍ يسير، فلا جَرَمَ صار في حيِّز البرد (٦)، وصارت طبائعُ أهله أقلَّ نضجًا من

стр. 1380

طبائع أهل الإقليم الرابع؛ لأنَّ بُعْدَهم (١) عن الاعتدال قليل. وأمَّا أهلُ الإقليم السادس والسابع، فإنَّ أهلَها مَقْرُورون (٢)، ولغلبة البرد والرطوبة عليهم يشتدُّ بياضُ ألوانهم وزُرْقةُ عيونهم. وأمَّا المواضعُ التي تَقْرُب من أن يكون القطبُ (٣) فيها فوق الرأس، فهناك لا يَصِلُ تسخينُ الشَّمس إليها، فلا جَرَمَ عَظُمَ البردُ فيها، ولم يتكوَّن هناك حيوانٌ البتة. وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ الشَّمس جزءُ السَّبب، وأنَّ الهواءَ جزءُ السَّبب، والأرض جزء، وانعكاس الشُّعاع جزء، وقبول المنفعِلات جزء، ومجموعُ ذلك سببٌ واحدٌ قدَّره العزيزُ العليمُ القدير، وأجرى عليه نظامَ العالَم. وقدَّر سبحانه أشياءَ أُخَر لا يعرفُها هؤلاء الجهَّال، ولا عندهم منها خبر، مِنْ تدبير الملائكة، وحركاتهم، وطاعة أستُقُصَّات العالم وموادِّه لهم، وتصريفهم تلك الموادَّ بحسب ما رُسِمَ لهم من التقدير الإلهيِّ والأمر الرباني. ثمَّ قدَّر تعالى أشياءَ أُخَر تُمَانِعُ هذه الأسبابَ عند التصادم، وتُدافِعُها، وتقهرُ مُوجَبَها ومقتضاها، ليظهر عليها أثرُ القهر والتسخير والعبوديَّة، وأنها

стр. 1381

مصرَّفةٌ مدبَّرةٌ بتصريفِ قاهرٍ قادرٍ كيف يشاء، ليدلَّ عبادَه على أنه هو وحده الفعَّالُ لما يريد، المدبِّر لخلقه كيف يشاء، وأنَّ كلَّ ما في المملكة الإلهيَّة طوعُ قدرته، وتحت مشيئته، وأنه ليس شيءٌ يستقلُّ وحده بالفعل إلا الله، وكلُّ ما سواه لا يفعلُ إلا بمشاركٍ ومُعاوِن، وله ما يُعاوِقُه ويُمانِعُه ويسلبه تأثيرَه. فتارةً يسلبُ سبحانه النَّارَ إحراقَها ويجعلُها بردًا، كما جعَلها على خليله بردًا وسلامًا، وتارةً يمسكُ بين أجزاء الماء فلا يتلاقى، كما فعل بالبحر لموسى وقومه، وتارةً يشقُّ الأجرامَ السَّماوية، كما شقَّ القمرَ لخاتم أنبيائه ورسله، وفتحَ السماءَ لمَصْعَده وعُروجه، وتارةً يقلبُ الجمادَ حيوانًا، كما قلبَ عصا موسى ثعبانًا، وتارةً يغيِّر هذا النظامَ ويُطْلِعُ الشَّمس من مغربها، كما أخبر به أصدقُ خلقه عنه (١). فإذا أتى الوقتُ المعلوم، فشقَّ السَّموات (٢) وفَطَرَها، ونَثَرَ الكواكبَ على وجه الأرض، ونَسَفَ جبالَ العالم ودكَّها مع الأرض، وكوَّر شمسَ العالم وقمرَه، ورأى ذلك الخلائقُ عيانًا= ظهَر للخلائق كلِّهم صدقُه وصدقُ رسله، وعمومُ قدرته وكمالها، وأنَّ العالَم بأسره منقادٌ لمشيئته، طوعُ قدرته، لا يستعصي عليه انفعالُه لما يشاء (٣) ويريدُه منه، وَعَلِمَ الذين كفروا وكذَّبوا رسله من الفلاسفة والمنجِّمين والمشركين والسُّفهاء الذين سمَّوا أنفسهم الحكماء أنهم كانوا كاذبين.

стр. 1382

واجتمعَ جماعةٌ من الكبراء والفضلاء يومًا، فقرأ قاراء: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١ - ١٤]، وفي الجماعة أبو الوفاء ابن عقيل (١)، فقال له قائل: يا سيِّدي، هَبْ أنه أَنْشَرَ الموتى للبعث والحساب، وزَوَّجَ النفوسَ بقرنائها للثواب والعقاب، فما الحكمةُ في هَدْم (٢) الأبنية، وتسيير الجبال، ودكِّ الأرض، وفَطْرِ السَّماء، ونَثْرِ النُّجوم، وتخريب هذا العالم وتكوير شمسه، وخَسْفِ قمره؟! فقال ابنُ عقيل على البديهة: إنما بنى لهم هذه الدارَ للسُّكنى والتمتُّع، وجعلها وما فيها للاعتبار والتفكُّر، والاستدلال عليه بحسن التأمُّل والتذكُّر، فلمَّا انقضت مدةُ السُّكنى، وأجلاهم من الدار؛ خرَّبها، لانتقالِ السَّاكن منها، فأراد أن يُعلِمَهم بأنَّ في إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وإبداء ذلك الصُّنع العظيم، بيانًا لكمال قدرته، ونهاية حكمته، وعظمة ربوبيته (٣)، وعِزِّ جلاله، وعِظَم شأنه (٤)، وتكذيبًا لأهل الإلحاد وزنادقة المنجِّمين وعُبَّاد الكواكب والشَّمس والقمر والأوثان، ليعلمَ الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، فإذا رأوا أنَّ منارَ آلهتهم قد انهدم، وأنَّ معبوداتهم قد انتثَرت، والأفلاكَ التي زعموا أنها وما حوَتْه هي الأربابُ المستوليةُ على هذا العالم قد تشقَّقت

стр. 1383

وانفطرَت؛ ظهرَت حينئذٍ فضائحُهم، وتبيَّن كذبُهم، وظهَر أنَّ العالَم مربوبٌ مُحْدَثٌ مدبَّر، له ربٌّ يصرِّفه كيف يشاء؛ تكذيبًا لملاحدة الفلاسفة القائلين بقدَمِه. فكم لله من حكمةٍ في هَدْم هذه الدَّار! ودلالةٍ على عظيم قدرته وعزَّته وسلطانه، وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقَهْره، وإذعانها لمشيئته، فتبارك الله ربُّ العالمين. ونحن لا ننكرُ ولا ندفعُ أن الزرعَ والنباتَ (١) لا ينمو ولا ينشأ إلا في المواضع التي تطلعُ عليها الشَّمس (٢)، ونحن نعلمُ أيضًا أنَّ وجود بعض النبات في بعض البلاد لا سببَ له إلا اختلافُ البلدان في الحرِّ والبرد الذي سببُه حركةُ الشَّمس وتقاربُها في قُربها وبُعْدِها من ذلك البلد. وأيضًا، فإنَّ النخلَ ينبتُ في البلاد الحارَّة، ولا ينبتُ في البلاد الباردة، وشجرَ الموز (٣) لا ينبتُ في البلاد الباردة. وكذلك ينبتُ في البلادِ الجنوبية أشجارٌ وفواكهُ وحشائشُ (٤) لا يُعْرَف شيءٌ منها في جانب الشمال، وبالعكس. وكذلك الحيواناتُ يختلفُ تكوُّنها (٥) بحسب اختلاف حرارة البلاد

стр. 1384

وبرودتها؛ فإنَّ البَبْر (١) والفيل يكونان بأرض الهند، ولا يكونان في سائر الأقاليم التي هي دونها في الحرارة، وكذلك غزالُ المِسْك (٢) والكَركَنْد (٣) وغير ذلك. وكذلك لا ندفعُ تأثيرَ القمر في وقت امتلائه في الرطوبات، حتى في جَزْرِ البحار ومَدِّها، فإنَّ منها ما يأخذُ في الازدياد من حين يفارقُ القمرُ الشَّمس إلى وقت الامتلاء، ثمَّ إنه يأخذُ (٤) في الانتقاص، ولا يزالُ نقصانُه يستمرُّ بحسب نقصان القمر حتى ينتهي إلى غاية نقصانه عند حصول المَحاق. ومن البحار ما يحصُل فيه المَدُّ والجَزْرُ في كلِّ يومٍ وليلة مع طلوع

стр. 1385

القمر وغروبه، وذلك موجودٌ في بحر فارس وبحر الهند وكذلك بحر الصِّين. وكيفيَّته: أنه إذا بلغ القمرُ مشرقًا من مشارق البحر (١) ابتدأ البحرُ بالمَدِّ، ولا يزالُ كذلك إلى أن يصيرَ القمرُ إلى وسط سماء ذلك الموضع, فعند ذلك ينتهي [المدُّ] منتهاه (٢)، فإذا زال القمرُ من مغرب ذلك الموضع ابتدأ المدُّ مرةً أخرى (٣)، ولا يزالُ زائدًا إلى أن يصَل القمرُ إلى وتد الأرض، فحينئذٍ ينتهي المدُّ منتهاه، ثمَّ يبتداء الجَزْرُ ثانيًا، ويرجعُ الماءُ كما كان. وسُكَّانُ البحر كلَّما رأوا في البحر انتفاخًا (٤) وهيجانَ رياحٍ عاصفةٍ وأمواجٍ شديدة، علموا أنه [وقتُ] ابتداءِ المَدِّ، فإذا ذهبَ الانتفاخُ وقلَّت الأمواجُ والرياحُ علموا أنه وقتُ الجَزْر. وأمَّا أصحابُ الشُّطوط (٥) والسَّواحل فإنهم يجدونَ عندهم في وقت المَدِّ للماء حركةً من أسفله إلى أعلاه، فإذا رجعَ الماءُ ونزل فذلك وقتُ الجَزْر.

стр. 1386

وكذلك أيامُ بُحْرانات الأمراض (١) ــ بحسب زيادة القمر ونقصانه ــ منطبقةٌ عليها. وكذلك الأخلاطُ التي في بدن الإنسان ما دام القمرُ آخذًا في الزيادة فإنها تكونُ أزيد، ويكونُ ظاهرُ البدن أكثر رطوبةً وحُسْنًا، فإذا نقصَ ضوءُ القمر صارت هذه الأخلاطُ في غَوْرِ البدن والعروق، وازدادَ ظاهرُ البدن يُبْسًا. وكذلك ألبانُ الحيوانات تتزايدُ من أول الشهر إلى نصفه، فإذا أخَذ القمرُ في النقصان نقصَت غزارتُها. وكذلك أدمغةُ الحيوانات في أول الشهر أزيدُ منها في نصفه الأخير. وإن حدثَ في أجواف الطيور بيضٌ في النصف الأول من الشهر كان بياضُه أكثر من بياض الحادث في نصفه الثاني. وكذلك الإنسانُ إذا نامَ أو قعد (٢) في ضوء القمر حدثَ في بدنه الاسترخاءُ والكسل، وهاجَ عليه الزُّكامُ والصُّداع. وإذا وُضِعَت لحومُ الحيوانات مكشوفةً تحت ضوء القمر تغيَّرت طعومُها وتعفَّنت. وكذلك السَّمكُ في البحار والآجام [والمياه] الجارية توجدُ من أول الشهر

стр. 1387

إلى وقت الامتلاء أكثر، وخروجُها من قُعور البحار والآجام أظهَر، ومِن بعد الامتلاء إلى الاجتماع فإنها تدخلُ قعورَ البحار والآجام، والذي يظهرُ من سَمِين السَّمك في النصف الأول من الشهر أكثرُ من الذي يظهرُ في الثاني منه. وكذلك حُرُشُ الأرض (١) يكونُ خروجُها من أجحِرَتها في النصف الأول من الشهر أكثر من خروجها في النصف الثاني. وأصحابُ الغِراس يزعمونَ أنَّ الأشجارَ والغُروسَ إذا غُرِسَت والقمرُ زائدُ الضوء كان نشوؤها وكمالها وإسراعُها في النبات أكملَ (٢) من التي تُغْرَسُ في مَحَاقه وذهاب نُوره. وكذلك تكونُ الرياحينُ والبقولُ والأعشابُ من الاجتماع إلى الامتلاء أزيدَ نشوءًا وأكثر نموًّا، وفي النصف الثاني بالضدِّ من ذلك. وكذلك القثَّاءُ والقَرْعُ والخِيارُ والبطِّيخُ ينمو نموًّا بالغًا عند ازدياد الضوء، وأمَّا في وسط الشهر عند حصول الامتلاء فهناك يَعْظُمُ النموُّ حتى [إنه] يظهر التفاوتُ للحِسِّ في الليلة الواحدة. وكذلك الينابيعُ (٣) تزدادُ في النصف الأول من الشهر، وتنقصُ في النصف الثاني (٤).

стр. 1388

إلى غير ذلك من الوجوه التي تؤثِّر فيها الشَّمس والقمرُ في هذا العالم. فنحنُ لم ندفَعْكم عن هذه التَّأثيرات وأضعافها، إنما الذي أنكره عليكم العقلاءُ من أهل المِلل وغيرهم أنَّ جملةَ الحوادث في هذا العالم، خيرِها وشرِّها، وصلاحِها وفسادها، وجميع أشخاصه وأنواعه وصوره وقُواه، ومُدَدِ بقاء أشخاصه، وجميع أحوالها العارضة لها، وتكوُّن الجنين، ومدَّة لُبثه في بطن أمِّه وخروجه إلى الدُّنيا، وعمره ورزقه، وشقاوته وسعادته، وحُسْنه وقُبحه (١)، وحِذْقه وبلادته، وجهله وعلمه، بل ونزول الأمطار، واختلاف أنواع الشَّجر والنبات في الشكل واللون والطُّعوم والروائح والمقادير، بل انقسام الحيوان إلى الطير وأصنافه، والبحريِّ وأنواعه، والبريِّ وأقسامه، وأشكال هذه الحيوانات، واختلاف صورها وأنواعها وأفعالها وأخلاقها ومنافعها، بل وتكوُّن المعادن المنطبعة (٢)، كالحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضَّة، بل وغير المنطبعة، كالملح والقَارِ والزِّرنيخ والنِّفط والزِّئبق، بل العداوة الواقعة بين الذِّئاب والغنم، والحيَّات والسِّباع وبني آدم، والصَّداقة والعداوة بين أفراد النوع الواحد سيَّما بين ذكوره وإناثه. وبالجملة؛ فالأرزاقُ والآجال، والعزُّ والذلُّ، والرِّفعةُ والخفض، والغَنَاءُ والفقر، والإحياءُ والإماتة، والمنعُ والإعطاء، والضرُّ والنفع، والهدى والضلال، والتوفيقُ والخذلان، وجميعُ ما في العالم، والأشخاصُ وأفعالها وقُواها وصفاتها وهيآتها= فالمعطي له هذه النجومُ (٣)، واتصالاتُها

стр. 1389

وانفصالاتُها (١)، واتصالاتُها بنُقَطٍ وانفصالاتُها عن نُقَطٍ، ومقارنتُها ومفارقتُها ومسامتتُها ومباينتُها، فهي المعطيةُ لهذا كلِّه المدبرةُ الفاعلة له، فهي الآلهةُ والأربابُ على الحقيقة، وما تحتها عبيدٌ خاضعون لها ناظرون إليها! فهذا كما أنه الكفرُ الذي خرجوا به عن جميع الملل، وعن جملة شرائع الأنبياء، ولم يُمْكِنْهم أن يقيموا بين أرباب الملل إلا بالتستُّر بهم ومنافقَتهم والتزيِّي بزيِّهم ظاهرًا، وإلا فقتلُ هؤلاء من الأمر الضروريِّ في كلِّ ملَّة؛ لأنهم سُوسُها وأعداؤها= فهو من الهذيان الذي أضحكوا به العقلاء على عقولهم، حتى ردَّ عليهم من لا يؤمنُ بالله واليوم الآخر من الفلاسفة، كالفارابي وابن سينا (٢) وغيرهما من عقلاء الفلاسفة، وسخروا منهم، واستضعفوا عقولَهم، ونسبوهم إلى الزَّرْق والزَّرْجَنَة (٣) والتلبيس. وقد ردَّ عليهم أفضلُ المتأخرين من فلاسفة الإسلام أبو البركات البغدادي (٤)

стр. 1390

في كتاب «المعتبر» (١) له، فقال: «وأمَّا علمُ أحكام النجوم فإنه لا يتعلَّقُ به منه أكثر من قولهم بغير دليلٍ بحرِّ كواكبَ وبَرْدِها ورطوبتها ويبوستها واعتدالها، كما يقولون بأنَّ زُحَلَ منها باردٌ يابس، والمرِّيخَ حارٌّ يابس، والمشتري معتدل، والاعتدال خيرٌ والإفراط شر، ويُنْتِجُونَ من ذلك أنَّ الخيرَ يوجبُ سعادةً والشرَّ يوجبُ مَنْحَسَة، وما جانسَ ذلك مما لم يقُل به علماءُ الطَّبيعيين، ولم تُنْتِجْه مقدِّماتهم في أنظارهم، وإنما الذي أنتجَته هو أنَّ السماء والسماويَّات (٢) فعَّالةٌ فيما تحويه وتشتملُ عليه وتتحركُ حوله فعلًا على الإطلاق، لم يحصل له (٣) من العلم الطبيعي حدٌّ ولا تقدير (٤)، والقائلون به ادَّعوا حصولَه من التوقيف والتجربة والقياس منهما كما ادَّعى أهلُ الكيمياء. وإلا، فمِن [أين] (٥) يقولُ صاحبُ العلم الطبيعي بحسب أنظاره التي سبقت (٦): إنَّ المشتري سعدٌ، والمرِّيخَ نحسٌ، أو المرِّيخَ حارٌّ يابس، وزُحل

стр. 1391

باردٌ يابس؟! والحارُّ والباردُ من الملموسات، وما دلَّه على هذا لمسٌ كما يُسْتَدلُّ بلمس الملموسات (١)؛ فإنَّ ذلك ما ظهرَ للحِسِّ في غير الشَّمس حيثُ تُسَخِّنُ الأرضَ بشعاعها. وإن كان في السمائيَّات شيءٌ من طبائع الأضداد فالأولى أن تكون كلُّها حارَّة؛ لأنَّ كواكبها كلَّها منيرة. ومتى يقولُ الطبيعيُّ [المحقِّق] بتقطُّع الفلك وقسمته (٢) [إلى أجزاء]، كما قسَّمه المنجِّمون قسمةً وهميَّة إلى بروجٍ ودَرَجٍ ودقائق؟! وذلك جائزٌ للمتوهِّم كجواز غيره، غيرُ واجبٍ في الوجود ولا حاصل، ونقلوا ذلك التوهُّم الجائزَ إلى الوجود الواجب في أحكامهم. وكان الأصلُ فيه ــ على زعمهم ــ حركةَ الشَّمس في الأيام والشهور، فجعلوا (٣) منها قسمةً وهميَّة، وجعلوها حيثُ حكموا كالحاصلة الوجودية المتميِّزة بحدودٍ وخطوط، كأنَّ الشَّمس بحركتها من وقتٍ إلى وقتٍ مثله خَطَّت في السماء خطوطًا، وأقامت فيها جدرانًا وحدودًا، وغيَّرت في أجزائها طباعًا تغييرًا (٤) يبقى فتبقى به القسمةُ إلى تلك البروج والدَّرَج مع جواز الشَّمس عنها! وليس في جوهر الفلك اختلافٌ يتميزُ به موضعٌ منه عن موضعٍ سوى الكواكب، والكواكبُ تتحركُ عن أمكنتها، فتبقى الأمكنةُ على التَّشابُه، فبماذا

стр. 1392

تتميزُ درجةٌ عن درجةٍ (١) ويبقى اختلافُها بعد حركة المتحرِّك في سَمْتِها؟! فكيف يقيسُ الطبيعيُّ على هذه الأصول ويُنْتِجُ منها نتائجَ ويحكمُ بحسبها (٢) أحكامًا؟! فكيف أن يقول بالحدود التي تجعلُ (٣) خمسَ درجاتٍ من برج الكوكب (٤) وستَّةً لآخَر وأربعةً لآخَر، ويختلفُ فيها المصريُّون والبابليُّون، ويصدُق الحكمُ مع الاختلاف؟! [وجعلوا أربابَ البيوت كأنها مُلَّاك، والبيوتَ] (٥) كأنها أملاكٌ تثبتُ بصكوكٍ وحُكام (٦)؛ الأسدُ للشَّمس، والسَّرطانُ للقمر! وإذا نظر الناظرُ وجَد الأسدَ أسدًا من جهة كواكبَ شكَّلوها بشكل الأسد، ثمَّ انتقلت عن موضعها [وبقي الموضعُ أسدًا، وجعلوا الأسدَ للشَّمس وقد ذهبَت عنه الكواكبُ] التي كان بها أسدًا، كأنَّ [ذلك] المُلْكَ يثبتُ (٧) للشَّمس

стр. 1393

مع انتقال السَّاكن، وكذلك السرطانُ للقمر! هذا مِن ظواهر الصِّناعة وما لا يُمارى فيه، ومَنْ طالعُه الأسدُ فالشَّمس كوكبُه وربَّةُ بيته. ومن الدقائق في الحقائق النجومية: [الدرجاتُ] المذكَّرة والمؤنَّثة، والمظلمةُ والنيِّرة، والزائدةُ في السَّعادة (١)، ودَرَج الآثار، مِن جهة أنها أجزاءُ الفلك التي قطَّعوها وما انقطعت، مع انتقال ما ينتقلُ من الكواكب إليها وعنها! ثمَّ يُنْتِجُون من ذلك نتائج الأنظار، من أعداد الدَّرَج وأقسام الفلَك، فيقولون (٢): إنَّ الكوكبَ ينظرُ إلى الكوكب من ستين درجةً نظرَ تسديس؛ لأنه سُدْسُ الفلك، ولا ينظرُ إليه من خمسين ولا سبعين، وقد كان قبل السِّتين بخمس دَرَجٍ وهو أقربُ من ستِّين وبعدها بخمس دَرَجٍ وهو أبعدُ من الستين لا يَنْظُر! فليت شِعْري ما هو هذا النظر؟! أترى الكوكبَ يظهرُ للكوكب ثمَّ يحتجبُ عنه؟! أو شعاعُه يختلطُ بشعاعه عند حدٍّ لا يختلطُ به قبله ولا بعده؟! وكذلك التربيع من الرُّبع الذي هو تسعون درجة، والتثليث من الثُّلث الذي هو مئةٌ وعشرون، فلم لا يكونُ التخميسُ من الخُمس، والتسبيع من السُّبع، والتعشيرُ من العُشر؟! [ثم يقولون] (٣): الحَمَلُ حارٌّ يابسٌ من البروج الناريَّة، والثورُ باردٌ

стр. 1394

يابسٌ من الأرضيَّة، والجوزاء حارٌّ رطبٌ من الهوائيَّة، والسرطان باردٌ رطبٌ من المائيَّة! ما قال الطبيعيُّ قطُّ هذا، ولا يقولُ به. وإذا احتجُّوا وقاسوا كانت مباداءُ قياساتهم أنَّ الحَمَلَ برجٌ منقلب؛ لأنَّ الشَّمس إذا نزلت فيه ينقلبُ الزمانُ من الشِّتاء إلى الربيع، والثَّورَ ثابتٌ؛ لأنه إذا نزلت الشَّمس فيه يثبتُ الربيعُ على ربيعيَّته. والحقُّ أنه لا انقلابَ في الحَمَل، ولا ثباتَ في الثَّور (١)، بل هو في كلِّ يومٍ غيرُ ما هو في الآخر. ثمَّ [هَبْ] أنَّ الزمانَ انقلب بحلول الشَّمس فيه، وهو يبقى دهرَه منقلبًا مع خروج الشَّمس منه وحلولها فيه (٢)، أتراها تُخلِفُ فيه أثرًا أو تُحِيلُ منه طباعًا، وتبقى تلك الاستحالةُ إلى ما تعود فتجدِّدها؟! ولم لا يقولُ قائل: إنَّ السرطان حارٌّ يابس؛ لأنَّ الشَّمس إذا نزلت فيه يشتدُّ حرُّ الزمان، وما يُجانِسُ هذا مما لا يلزمُ لا هو ولا ضدُّه؟! ما في الفلك اختلافٌ يعرفُه (٣) الطبيعيُّ إلا بما فيه من الكواكب ومواضعها، وهو واحدٌ متشابهُ الجوهر والطَّبع. وهذه أقوالٌ قالها قائل، فقَبِلَها قابل، ونقلها ناقل، فحَسُنَ بها ظنُّ السامع، واغترَّ بها من لا خبرةَ له ولا قدرةَ له على النظر، ثمَّ حكمَ بحسبها

стр. 1395

الحاكمون بجيِّدٍ ورديء، وسلبٍ وإيجاب، وبتٍّ وتجويز (١)؛ فصادفَ بعضُه موافقةَ الوجود فصَدَق، فاغترَّ به المغترُّون (٢)، ولم يلتفتوا إلى ما كذَبَ منه فيكذِّبون (٣)، بل عَذَروا، وقالوا: هو منجِّم، ما هو نبيٌّ حتى يصدُق في كلِّ ما يقول! واعتذروا له بأنَّ العلمَ أوسعُ من أن يحيط به، ولو أحاط به لصدَق في كلِّ شيء! ولعمرُ الله إنه لو أحاط به علمًا صادقًا لصَدَق، والشأنُ أن يحيط به على الحقيقة، لا على أن يَفْرِض فرضًا ويتوهَّم وهمًا، فينقله إلى الوجود، ويُثْبِتَه في الموجود (٤)، وينسبَ إليه، ويقيسَ عليه. والذي يصحُّ منه (٥) ويلتفتُ إليه العقلاء هي أشياءُ غير هذه الخُرافات التي لا أصل لها، مما حصَل بتوقيفٍ أو تجربةٍ حقيقيَّة؛ كالقِرانات، والانتقالات، والمقابلة (٦) من جملة الاتصالات، فإنها كالمقارنة (٧) مِن جهة أنَّ تلك غايةُ القُرب وهذه غايةُ البُعد، وممَرِّ كوكبٍ من المتحيِّرة تحت كوكبٍ من الثابتة، وما يَعْرِضُ (٨) للمتحيِّرة من رجوعٍ واستقامة، وارتفاعٍ (٩)

стр. 1396

في شمالٍ وانخفاضٍ في جنوب، وغير ذلك. وكأني أريدُ أن أختصر الكلام هاهنا وأوافِقَ إشارتَك، وأعملَ بحسب اختيارك رسالةً في ذلك أذكرُ ما قيل فيها في علم أحكام النجوم من أصولٍ حقيقيَّةٍ أو مجازيَّةٍ أو وهميَّةٍ أو غلَطيَّةٍ وفروعٍ ونتائجَ (١) أُنتِجَت عن تلك الأصول، وأذكرُ الجائزَ من ذلك والممتنع، والقريبَ والبعيد، فلا أردُّ علمَ الأحكام من كلِّ وجهٍ كما ردَّه من جَهِلَه، ولا أقبلُ منه (٢) كلَّ قولٍ كما قَبِلَه من لم يَعْقِلْه، بل أوضِّحُ موضعَ القبول والردِّ في المقبول [والمردود]، وموضعَ التَّوقيف والتَّجويز، والذي من المنجِّم (٣) والذي من التنجيم، والذي منهما. وأوضِّحُ لك أنه لو أمكَن الإنسانَ [الواحدَ] أن يحيط بشكل كلِّ ما في الفلك (٤) علمًا لأحاط علمًا بكلِّ ما يحويه الفلك؛ لأنَّ منه مباداء الأسباب، لكنه لا يمكنُ ويَبْعُدُ عن الإمكان بعدًا عظيمًا؛ والبعضُ الممكنُ منه لا يهدي (٥) إلى بعض الحُكم، لأنَّ البعض الآخر المجهولَ قد يناقِضُ المعلومَ في حُكمه، ويُبْطِلُ ما يُوجِبه، فنسبةُ المعلوم إلى المجهول من الأحكام كنسبة المعلوم إلى المجهول من الأسباب، وكفى بذلك بُعدًا». انتهى كلامه (٦).

стр. 1397

ولو ذهبنا نذكرُ مَنْ ردَّ عليهم من عقلاء الفلاسفة والطبائعيِّين والرِّياضيِّين لطال ذلك جدًّا، هذا غير ردِّ المتكلِّمين عليهم، فإنَّا لا نقنعُ به ولا نرضى أكثرَه؛ فإنَّ فيه من المكابرات والمُنُوع الفاسدة والسُّؤالات الباردة والتطويل الذي ليس تحته تحصيلٌ ما يضيِّعُ الزمانَ في غير شيء (١)، وكان تركُهم لهذه المقابلة خيرًا لهم منها، فإنهم لا للتوحيد والإسلام نَصَرُوا، ولا لأعدائه كَسَرُوا. والله المستعان وعليه التكلان. فصل فلنرجع إلى كلام صاحب الرِّسالة. قال: «وزعموا أنَّ القمر والزُّهَرة مؤنَّثان، وأنَّ الشَّمس وزُحَل والمشتري والمرِّيخ مذكَّرة، وأنَّ عطارد ذكرٌ أنثى مشاركٌ للجنسين جميعًا وأنَّ سائر الكواكب تُذكَّرُ وتُؤنَّثُ بسبب الأشكال التي تكونُ لها بالقياس إلى الشَّمس. وذلك أنها إذا كانت مشرِّقةً متقدِّمةً للشمس فهي مذكَّرة، وإن كانت مغرِّبةً تابعةً كانت مؤنَّثة، وأنَّ ذلك أيضًا يكونُ بالقياس إلى أشكالها إلى الأفق، وذلك أنها إذا كانت في الأشكال التي من المشرق إلى وسط السماء أو من المغرب إلى ما يقابلُ وسطَ السماء (٢) مما تحت الأرض فهي مذكَّرة؛ لأنها إذا كانت شرقيَّةً فهي من ناحية مَهَبِّ الصَّبا، وإذا كانت في الرُّبعَيْن

стр. 1398

الباقيين فهي مؤنَّثة؛ لأنها في ناحية مَهَبِّ الدَّبور. وإذا كان هذا هكذا صارت الكواكبُ التي يقال: «إنها مؤنَّثةٌ» مذكَّرةً، والتي يقال: «إنها مذكَّرةٌ» مؤنَّثةً، وصارت طباعُها تستحيل (١)، بل تصيرُ أعيانُها تنقلب؛ فإنَّ القمرَ (٢) والزُّهَرة مؤنَّثان والكواكبَ الخمسة الباقية مذكَّرةٌ على الموضع (٣) الأول، فإن تقدَّم القمرُ والزُّهَرة الشَّمس وكانا مُشرِّقَيْن صارا مذكَّرين، وإن تأخَّرت الكواكبُ الخمسةُ وكانت مُغرِّبةً تابعةً كانت مؤنَّثةً على الموضع (٤) الثاني، ويصيرُ عطاردُ ذكرًا إذا شرَّق، أنثى إذا غرَّب، ذكرًا أنثى إذا لم يكن بأحد هاتين الصفتين». قلت: وقد أجاب بعض فضلائهم عن هذا الإلزام، فقال: ليس ذلك (٥) بممكن؛ لأنا قد نقول: إنَّ الأدكنَ أبيض إذا قِسناه إلى الأسود، ونقول: إنه أسودُ إذا قِسناه إلى الأبيض، وهو شيءٌ واحدٌ بعينه، مرَّةً يكونُ أسود، ومرَّةً يكونُ أبيض، وهو في نفسه لا أسودُ ولا أبيض، وكذلك الكواكب، يقال: إنها ذُكرانٌ وإناثٌ بالقياس إلى الأشكال ــ أعني: الجهات ــ، والجهات إلى الرياح، والرياح إلى الكيفيَّات، لا أنها ذكرانٌ وإناث (٦).

стр. 1399

وهذا تلبيسٌ منه؛ فإن الأدكنَ فيه شائبةُ البياض والسَّواد، فلذلك صدَق عليه اسمُهما؛ لأن الكيفيَّتين محسوستان فيه، فتكيُّفه بهما أوجب أن يقال عليه الاسمان. وأمَّا تقسيمُ الكواكب إلى الذُّكور والإناث، فهي قسمةٌ وضعتم فيها تمييز كلِّ نوعٍ عن الآخر بحقيقته وطبيعته وحدِّه (١)، وقلتم: البروجُ تنقسمُ إلى ذكورٍ وإناثٍ قسمةً تميَّز فيها عن قسمٍ غيرُ قسمِه (٢)، لا أنَّ حقيقتها متركبةٌ من طبيعتين ذكوريَّةٍ وأنوثيَّة بحيث يصدُقان على كلِّ برجٍ برج. فنظيرُ ما ذكرتم من الأدكن أن يكون كلُّ برجٍ ذكرًا وأنثى. فأين أحد البابين من الآخر لولا التلبيسُ والمحال؟! وأيضًا؛ فانقسامُها إلى الذُّكور والإناث انقسامٌ بحسب الطبيعة والتأثير والتأثُّر الذي هو الفعل والانفعال، وما كان كذلك لم تنقلب حقيقتُه وطبيعتُه بحسب الموضع والقُرب والبُعد. قال صاحب الرِّسالة: «وزعموا أنَّ القمرَ منذ الوقت الذي يُهِلُّ فيه إلى وقت انتصافه الأول في الضوء يكونُ فاعلًا للرطوبة خاصَّة، ومنذ وقت انتصافه الأول في الضوء إلى وقت الامتلاء يكونُ فاعلًا للحرارة، ومنذ وقت الامتلاء إلى وقت الانتصاف الثاني في الضوء يكونُ فاعلًا لليُبس، ومنذ وقت الانتصاف إلى الوقت الذي يخفى فيه ويفارقُ الشَّمس يكونُ فاعلاً للبرودة.

стр. 1400

وأيُّ شيءٍ أقبحُ من هذا؟! ولا سيَّما وقد أعطى قائلُه أن القمرَ رطبٌ، وأنه يفعلُ بطبعه لا باختياره، وكيف [يمكن] أن يفعلَ شيءٌ واحدٌ بطبعه الأشياءَ المتضادَّة مرةً في الدهر، فضلًا عن أن يفعلها في كلِّ شهر؟! وهل القولُ بأن شيئًا واحدًا يفعلُ بطبعه الترطيبَ في وقتٍ، ويفعلُ بطبعه التجفيفَ في آخر، ويفعلُ الإسخانَ في وقتٍ، ويفعلُ التبريدَ في آخر= إلا كالقول بأنَّ شيئًا واحدًا تنقلبُ عينُه وقتًا بعد وقت؟!». قلت: قد قالوا: إنَّ الشَّمس لما كانت تفعلُ هذه الأفاعيل بحسب صُعودها وهبوطها في فلَكها، فإنها إذا كانت من خمسة عشر (١) درجةً من الحوت إلى خمسة عشر من الجوزاء فعلَت التَّرطيب، وهو زمانُ الرَّبيع، وكذلك من خمسة عشر درجةً من الجوزاء إلى خمسة عشر درجةً من السُّنبلة تفعلُ التَّسخين، وهو زمان القَيظ، ومن خمسة عشر درجةً من السُّنبلة إلى خمسة عشر درجةً من القوس تفعلُ التجفيف، وهو زمان الخريف (٢)، وكذلك من خمسة عشر درجةً من القوس إلى خمسة عشر درجةً من الحوت تفعلُ التبريد، وهو زمانُ الشتاء، وهذا دورُها في الفلَك مرَّةً في العام، والقمرُ يدورُه (٣) في شهرٍ واحد= صارت نسبةُ دور القمر في الفلَك كنسبة دور الشَّمس فيه، فكانت نسبةُ الشَّهر إلى القمر كنسبة السَّنة إلى الشَّمس، فالشَّهر يجمعُ الفصولَ الأربعة كما تجمعُه السَّنة، وما تفعلُه الشَّمس في كلِّ تسعين يومًا وكسرٍ يفعلُه القمرُ في سبعة أيَّامٍ وكَسْر.

стр. 1401

قالوا: فآخرُ الشَّهر شبيهٌ بالشتاء، وأولُه شبيهٌ بالربيع، والرُّبع الثاني من الشَّهر شبيهٌ بالصَّيف، والرُّبع الثالث منه شبيهٌ بالخريف. فهذا غايةُ ما قرَّروا به هذا الحكم. قالوا: وأمَّا كونُ الشيء الواحد سببًا للضِّدَّين، فقد نصَّ (١) أرسطاطاليس في كتاب «السَّماع الطبيعي» (٢) على جوازه. والجوابُ عن هذا: أنَّ الشَّمس ليست هي السَّببَ الفاعل لهذه الطبائع المختلفة، وإنما قربُها وبعدُها وارتفاعُها وانخفاضُها أثَّر في سخونة الهواء وتبريده، وفي تحلُّل البُخارات وتكاثُفها، فيحدُث بذلك في الحيوان والنبات والهواء هذه الطبائعُ والكيفيَّات، والشَّمس جزءُ السَّبب كما قررناه. وأمَّا القمر، فلا يؤثِّر قربُه ولا بعدُه وامتلاؤه ونقصانه في الهواء كما تؤثِّره الشَّمس، ولو كان ذلك كذلك لكانَ كلُّ شهرٍ من شهور العام يجمعُ الفصولَ الأربعة بطبائعها وتأثيراتها وأحكامها، وهذا شيءٌ يدفعه الحسُّ فضلًا عن النظر والمعقول. وقياسُ القمر على الشَّمس في ذلك مِن أفسد القياس؛ فإنَّ الفارق بينهما في الصِّفة والحركة والتأثير أكثرُ من الجامع، فالحكمُ على القمر بأنه يُحْدِثُ الطبائعَ الأربعة قياسًا على الشَّمس، والجامعُ بينهما قطعُه للفلَك في كلِّ شهرٍ كما تقطعُه في سنة= لا يعتمدُ عليه من له خبرةٌ بطرق الأدلَّة وصنعة

стр. 1402

البرهان (١). وأمَّا قولكم: إنَّ أرسطاطاليس نصَّ في كتابه على أنَّ الواحدَ قد يكونُ سببًا للضِّدَّين، فنحن نذكرُ كلامَه بعينه في كتابه ونبيِّن ما فيه. قال في المقالة الثانية: «وأيضًا، فإنَّ الواحدَ بعينه (٢) قد يكونُ سببًا للضِّدَّين، فإنَّ الشيء الذي بحضوره يكونُ أمرٌ من الأمور فغيبتُه قد تكونُ سببًا لضدِّه، فيقالُ [في] ذلك: إنَّ غيبةَ الرُّبَّان سببُ غرق السَّفينة، وهو الذي كان حضورُه سببَ سلامتها». فتأمَّل هذا الكلام، وقابِل بينه وبين كلامهم في فِعل القمر الأمورَ المضادَّة يظهَرْ لك تلبيسُ القوم وجهلُهم؛ فإنَّ نظيرَ (٣) ذلك بطلانُ هذه الطبائع والكيفيَّات عند انقطاع تعلُّق القمر بهذا العالَم، كما بطلَ عملُ السفينة وجَرْيُها عند غيبة الرُّبَّان عنها وانقطاع تعلُّقه بها، فلم يكن الرُّبَّانُ هو سببَ الغرق الذي هو ضدُّ السَّلامة، كما كان القمرُ سببًا لليُبس الذي هو ضدُّ الرطوبة وللحرارة التي هي ضدُّ البرودة، وإنما كانت أسبابُ الغرق غلبةَ (٤) إحدى الأسباب التي كان الرُّبَّانُ يمنعُ فعلَها، فلمَّا غاب عنها عَمِلَ ذلك السَّببُ عملَه فغَرِقَت. وهذا أوضحُ مِن أن يحتاج إلى تقرير (٥)، ولكنَّ الأذهانَ التي قد

стр. 1403

اعتادت قبولَ المُحالات قد تحتاجُ في علاجها إلى ما لا يحتاجُ إليه غيرُها، وبالله التوفيق. قال صاحب الرسالة: «وقالوا في معرفة أحوال أمَّهات المدن: إنَّ ذلك يُعْلَمُ من المواضع التي فيها الشَّمس والقمرُ في أول ابتنائها (١) ومواضع الأوتاد منها، خاصةً وتدَ الطالع، كما يُفْعَلُ في المواليد، فإن لم يوقَف على الزَّمان الذي ابتُنِيَت (٢) فيه فليُنْظَر إلى موضع وسط السماء في مواليد الولاة والملوك الذين كانوا في ذلك الزَّمان الذي بُنِيَت فيه تلك المدن». قلت: ونظيرُ هذا من هذَيانهم قولهم: إنَّا نعرفُ أحوالَ الأب من مولد الابن إذا لم يُعْرَف مولدُ الأب! قالوا: إنَّ هذا الموضع (٣) تالٍ في المرتبة للطالع، وهو أخصُّ المواضع بالطالع، كما أنَّ الأبَ أخصُّ الأشياء بالابن، فكذلك أخصُّ الأشياء بالمَلِك مملكتُه، فموضعُ وسط سمائه يدلُّ على مدينته وأحوالها. وكلُّ عاقلٍ يعلمُ بطلانَ هذه الدلالة وفسادَها، وأنه لا ارتباط بين طالع المدينة وطالع السُّلطان، كما لا ارتباط بين طالع ولادة الابن وطالع ولادة أبيه، وإنما هذه تشبيهاتٌ بعيدة (٤)، ومناسباتٌ في غاية البُعد. قال صاحبُ الرِّسالة: «وقالوا في معرفة حال الوالدين: إنَّ الشَّمس

стр. 1404

وزُحَل يشاكلان الآباءَ بالطبع (١). ولستُ أدري كيف تُعْقَلُ (٢) دلالةُ شيءٍ ليس مما يتوالدُ بطبعه على شيءٍ من طريق التوالد؛ لأنَّ الأبَ إنما يكونُ أبًا بإضافته إلى ابنه، والابنُ إنما يكونُ ابنًا بإضافته إلى أبيه. وإنهم يستدلُّون (٣) على حال الأولاد بالقمر والزُّهَرة والمشتري، وإنَّ أحوالَ الأب تُعْرَفُ من مولد ابنه (٤)، بأن يقامَ موضعُ الكوكب الدَّالِّ عليه ــ وهو الشَّمس أو زُحَل ــ مقامَ الطالع، ويُستَدلُّ على حال الابن من مولد أبيه، بأن يقامَ موضعُ الكوكب الدَّالِّ عليه ــ وهو أحدُ الكواكب الثلاثة: القمر والمشتري والزُّهَرة ــ مقامَ الطالع. وقد يكونُ الإنسانُ في أكثر الأوقات أبًا، فتكونُ الشَّمس أو زُحَل تدلُّ عليه من مولد ابنه، وله في نفسه مولدٌ لا محالة، ويمكنُ أن يكون ربُّ طالعِ مولدِه كوكبًا غير الكوكبين الدَّالَّة على حاله من مولد أبيه وابنه، فيكونُ حالُه يُعْرَفُ من ثلاثة كواكبَ وثلاثة بروجٍ مختلفة الأشكال والطبائع! وتناقضُ هذا القول بيِّنٌ لمستعمِله فضلًا عن متوهِّمه». قلت: قد قالوا في الجواب عن هذا: إنه لا تناقض فيه، بل هو حقٌّ واجب. قالوا: إذا أردنا أن نعرف حالَ سقراطَ مثلًا من حيثُ هو إنسان، أليس

стр. 1405

يُنْظَرُ إلى ما يخُصُّ الحيوانَ والإنسانَ الكلِّي، وإذا أردنا أن نعرف حالَه من حيث هو أبٌ أن يُنْظَرَ إلى المضاف وما يلحقُه، وإذا أردنا أن نعرف حالَه من حيث هو عَدْلٌ (١) يُنْظَرُ إلى الكيفية وما يخصُّها، والأولُ جوهر، والباقي أعراض، وسقراطُ واحد، ونعرفُ أحوالَه من مواضع مختلفة متباينة، مرَّةً يكونُ جوهرًا ومرَّةً يكونُ عَرَضًا؟ فكذلك إذا أردنا أن نعرف حالَه من مولده نظرنا إلى الطالع وربِّه، وإذا أردنا أن نعرف حالَه من مولد أبيه نظرنا إلى العاشر (٢) والشَّمس، وكذلك إذا أردنا أن نعرف حالَه من مولد ابنه نظرنا إلى موضعٍ آخر، وليس ذلك متناقضًا كما أنَّ الأول ليس متناقضًا. فيقال: هذا تشبيهٌ (٣) فاسد، واعتبارٌ باطل؛ فإنَّ نظركم في طالع الأب لتستدلُّوا به (٤) على حال الولد، ونظرَكم في الطالع (٥) لتستدلُّوا به على حال الأب، هو استدلالٌ على شيءٍ واحد، وحكمٌ عليه بسببٍ لا يقتضيه ولا يقارنه (٦)، فأين هذا مِن تعرُّف إنسانيَّة سقراط وأبوَّته وعدالته وعلمه مثلًا وطبيعته؟! فإنَّ هذه أحوالٌ مختلفة، لها أدلَّةٌ وأسبابٌ مختلفة، فنظيرُها: أن تُعْرَفَ حالُ الولد من جهة سعادته ونَحْسِه (٧) وصحَّته وسقمه مِن طالعه،
следующие страницы →