← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

قالوا: فآخرُ الشَّهر شبيهٌ بالشتاء، وأولُه شبيهٌ بالربيع، والرُّبع الثاني من الشَّهر شبيهٌ بالصَّيف، والرُّبع الثالث منه شبيهٌ بالخريف. فهذا غايةُ ما قرَّروا به هذا الحكم. قالوا: وأمَّا كونُ الشيء الواحد سببًا للضِّدَّين، فقد نصَّ (١) أرسطاطاليس في كتاب «السَّماع الطبيعي» (٢) على جوازه. والجوابُ عن هذا: أنَّ الشَّمس ليست هي السَّببَ الفاعل لهذه الطبائع المختلفة، وإنما قربُها وبعدُها وارتفاعُها وانخفاضُها أثَّر في سخونة الهواء وتبريده، وفي تحلُّل البُخارات وتكاثُفها، فيحدُث بذلك في الحيوان والنبات والهواء هذه الطبائعُ والكيفيَّات، والشَّمس جزءُ السَّبب كما قررناه. وأمَّا القمر، فلا يؤثِّر قربُه ولا بعدُه وامتلاؤه ونقصانه في الهواء كما تؤثِّره الشَّمس، ولو كان ذلك كذلك لكانَ كلُّ شهرٍ من شهور العام يجمعُ الفصولَ الأربعة بطبائعها وتأثيراتها وأحكامها، وهذا شيءٌ يدفعه الحسُّ فضلًا عن النظر والمعقول. وقياسُ القمر على الشَّمس في ذلك مِن أفسد القياس؛ فإنَّ الفارق بينهما في الصِّفة والحركة والتأثير أكثرُ من الجامع، فالحكمُ على القمر بأنه يُحْدِثُ الطبائعَ الأربعة قياسًا على الشَّمس، والجامعُ بينهما قطعُه للفلَك في كلِّ شهرٍ كما تقطعُه في سنة= لا يعتمدُ عليه من له خبرةٌ بطرق الأدلَّة وصنعة

стр. 1402

البرهان (١). وأمَّا قولكم: إنَّ أرسطاطاليس نصَّ في كتابه على أنَّ الواحدَ قد يكونُ سببًا للضِّدَّين، فنحن نذكرُ كلامَه بعينه في كتابه ونبيِّن ما فيه. قال في المقالة الثانية: «وأيضًا، فإنَّ الواحدَ بعينه (٢) قد يكونُ سببًا للضِّدَّين، فإنَّ الشيء الذي بحضوره يكونُ أمرٌ من الأمور فغيبتُه قد تكونُ سببًا لضدِّه، فيقالُ [في] ذلك: إنَّ غيبةَ الرُّبَّان سببُ غرق السَّفينة، وهو الذي كان حضورُه سببَ سلامتها». فتأمَّل هذا الكلام، وقابِل بينه وبين كلامهم في فِعل القمر الأمورَ المضادَّة يظهَرْ لك تلبيسُ القوم وجهلُهم؛ فإنَّ نظيرَ (٣) ذلك بطلانُ هذه الطبائع والكيفيَّات عند انقطاع تعلُّق القمر بهذا العالَم، كما بطلَ عملُ السفينة وجَرْيُها عند غيبة الرُّبَّان عنها وانقطاع تعلُّقه بها، فلم يكن الرُّبَّانُ هو سببَ الغرق الذي هو ضدُّ السَّلامة، كما كان القمرُ سببًا لليُبس الذي هو ضدُّ الرطوبة وللحرارة التي هي ضدُّ البرودة، وإنما كانت أسبابُ الغرق غلبةَ (٤) إحدى الأسباب التي كان الرُّبَّانُ يمنعُ فعلَها، فلمَّا غاب عنها عَمِلَ ذلك السَّببُ عملَه فغَرِقَت. وهذا أوضحُ مِن أن يحتاج إلى تقرير (٥)، ولكنَّ الأذهانَ التي قد

стр. 1403

اعتادت قبولَ المُحالات قد تحتاجُ في علاجها إلى ما لا يحتاجُ إليه غيرُها، وبالله التوفيق. قال صاحب الرسالة: «وقالوا في معرفة أحوال أمَّهات المدن: إنَّ ذلك يُعْلَمُ من المواضع التي فيها الشَّمس والقمرُ في أول ابتنائها (١) ومواضع الأوتاد منها، خاصةً وتدَ الطالع، كما يُفْعَلُ في المواليد، فإن لم يوقَف على الزَّمان الذي ابتُنِيَت (٢) فيه فليُنْظَر إلى موضع وسط السماء في مواليد الولاة والملوك الذين كانوا في ذلك الزَّمان الذي بُنِيَت فيه تلك المدن». قلت: ونظيرُ هذا من هذَيانهم قولهم: إنَّا نعرفُ أحوالَ الأب من مولد الابن إذا لم يُعْرَف مولدُ الأب! قالوا: إنَّ هذا الموضع (٣) تالٍ في المرتبة للطالع، وهو أخصُّ المواضع بالطالع، كما أنَّ الأبَ أخصُّ الأشياء بالابن، فكذلك أخصُّ الأشياء بالمَلِك مملكتُه، فموضعُ وسط سمائه يدلُّ على مدينته وأحوالها. وكلُّ عاقلٍ يعلمُ بطلانَ هذه الدلالة وفسادَها، وأنه لا ارتباط بين طالع المدينة وطالع السُّلطان، كما لا ارتباط بين طالع ولادة الابن وطالع ولادة أبيه، وإنما هذه تشبيهاتٌ بعيدة (٤)، ومناسباتٌ في غاية البُعد. قال صاحبُ الرِّسالة: «وقالوا في معرفة حال الوالدين: إنَّ الشَّمس

стр. 1404

وزُحَل يشاكلان الآباءَ بالطبع (١). ولستُ أدري كيف تُعْقَلُ (٢) دلالةُ شيءٍ ليس مما يتوالدُ بطبعه على شيءٍ من طريق التوالد؛ لأنَّ الأبَ إنما يكونُ أبًا بإضافته إلى ابنه، والابنُ إنما يكونُ ابنًا بإضافته إلى أبيه. وإنهم يستدلُّون (٣) على حال الأولاد بالقمر والزُّهَرة والمشتري، وإنَّ أحوالَ الأب تُعْرَفُ من مولد ابنه (٤)، بأن يقامَ موضعُ الكوكب الدَّالِّ عليه ــ وهو الشَّمس أو زُحَل ــ مقامَ الطالع، ويُستَدلُّ على حال الابن من مولد أبيه، بأن يقامَ موضعُ الكوكب الدَّالِّ عليه ــ وهو أحدُ الكواكب الثلاثة: القمر والمشتري والزُّهَرة ــ مقامَ الطالع. وقد يكونُ الإنسانُ في أكثر الأوقات أبًا، فتكونُ الشَّمس أو زُحَل تدلُّ عليه من مولد ابنه، وله في نفسه مولدٌ لا محالة، ويمكنُ أن يكون ربُّ طالعِ مولدِه كوكبًا غير الكوكبين الدَّالَّة على حاله من مولد أبيه وابنه، فيكونُ حالُه يُعْرَفُ من ثلاثة كواكبَ وثلاثة بروجٍ مختلفة الأشكال والطبائع! وتناقضُ هذا القول بيِّنٌ لمستعمِله فضلًا عن متوهِّمه». قلت: قد قالوا في الجواب عن هذا: إنه لا تناقض فيه، بل هو حقٌّ واجب. قالوا: إذا أردنا أن نعرف حالَ سقراطَ مثلًا من حيثُ هو إنسان، أليس

стр. 1405

يُنْظَرُ إلى ما يخُصُّ الحيوانَ والإنسانَ الكلِّي، وإذا أردنا أن نعرف حالَه من حيث هو أبٌ أن يُنْظَرَ إلى المضاف وما يلحقُه، وإذا أردنا أن نعرف حالَه من حيث هو عَدْلٌ (١) يُنْظَرُ إلى الكيفية وما يخصُّها، والأولُ جوهر، والباقي أعراض، وسقراطُ واحد، ونعرفُ أحوالَه من مواضع مختلفة متباينة، مرَّةً يكونُ جوهرًا ومرَّةً يكونُ عَرَضًا؟ فكذلك إذا أردنا أن نعرف حالَه من مولده نظرنا إلى الطالع وربِّه، وإذا أردنا أن نعرف حالَه من مولد أبيه نظرنا إلى العاشر (٢) والشَّمس، وكذلك إذا أردنا أن نعرف حالَه من مولد ابنه نظرنا إلى موضعٍ آخر، وليس ذلك متناقضًا كما أنَّ الأول ليس متناقضًا. فيقال: هذا تشبيهٌ (٣) فاسد، واعتبارٌ باطل؛ فإنَّ نظركم في طالع الأب لتستدلُّوا به (٤) على حال الولد، ونظرَكم في الطالع (٥) لتستدلُّوا به على حال الأب، هو استدلالٌ على شيءٍ واحد، وحكمٌ عليه بسببٍ لا يقتضيه ولا يقارنه (٦)، فأين هذا مِن تعرُّف إنسانيَّة سقراط وأبوَّته وعدالته وعلمه مثلًا وطبيعته؟! فإنَّ هذه أحوالٌ مختلفة، لها أدلَّةٌ وأسبابٌ مختلفة، فنظيرُها: أن تُعْرَفَ حالُ الولد من جهة سعادته ونَحْسِه (٧) وصحَّته وسقمه مِن طالعه،

стр. 1406

وحالُه من جهة ما يناسبه من الأغذية والأدوية مِن مزاجه، وحالُه من جهة أفعاله ورئاسته مِن أخلاقه؛ كالحياء والصَّبر والبَذل، وحالُه من جهة اعتدال مزاجه مِن اعتدال أعضائه وتركيبه وصورته؛ فهذه أحوالٌ بحسب اختلاف أسبابها. فأين هذا مِن أخذِ حال الولد وعمره وسعادته وشقاوته من طالع أبيه، وبالعكس؟! فالله يُعِينُ العقلاءَ على تلبيسكم ومحالكم، ويثبِّتُ عليهم ما وَهَبهم من العقول التي رَغِبَ بها (١) ورَغِبوا بها عن مثل ما أنتم عليه. قال: «وزعمَ بَطْليموس أنَّ الفلَك إذا كان على شكلٍ ما ذَكَره، في مولدٍ ما، وكانت الكواكبُ في مواضعَ ذَكَرها؛ وجبَ أن يكونَ الولدُ أبيضَ اللون سَبِطًا، وإن وُجِدَ مولودٌ في بلاد الحبشة والفلَك متشكِّلٌ على ذلك الشَّكل والكواكبُ في المواضع التي ذَكَرها لم يَمْضِ ذلك الحكمُ عليه، ومضى على المولود إن كان من الصَّقالبة أو مَن قَرُبَ مزاجُه من مزاجهم. وزعمَ أنَّ الفلَك إذا كان على شكلٍ ما ذَكَره، في مولدٍ ما، وكانت الكواكبُ في مواضعَ ذَكَرها؛ فإنَّ صاحبَ المولد يتزوَّجُ أختَه إن كان مصريًّا، فإن لم يكن مصريًّا لم يتزوَّجها. وزعمَ أنَّ الفلَك إذا كان على شكلٍ آخر ذَكَره، في مولدٍ من المواليد، وكانت الكواكبُ في مواضع بيَّنها (٢)؛ تزوَّجَ الولدُ بأمِّه إن كان فارسيًّا، وإن

стр. 1407

لم يكن فارسيًّا لم يتزوَّجها. وهذه مناقضةٌ شنيعة؛ لأنه ذَكَر علَّةً ومعلولًا يوجدُ بوجودها، ويرتفعُ بارتفاعها، ثمَّ ذَكَر أنها توجدُ من غير أن يوجدَ معلولُها». قلت: أربابُ هذا الفنِّ يقولون: لا بد من معرفة الأصول التي يحكمُ عليها؛ لئلَّا يغلَط الحاكمُ ويذهبَ كلامُه هدرًا إن لم يعرِف الأصول، وهي: الحِسُّ (١)، والشريعة، والأخلاق، والعادات، مما يحتاجُ المنجِّم إلى تحصيلها، ثمَّ يحكم عليها (٢). وكذلك قال بَطْليموس: إنه يجبُ على المنجِّم النظرُ في صور الأبدان وخواصِّ حالات الأنفُس، واختلاف العادات والسُّنن. قال: ويجبُ على من نظر في هذه الأشياء على المذهب الطبيعيِّ أن يتشبَّث أبدًا بالسَّبب الأول الصحيح؛ لئلَّا يغلَط بسبب اشتباه المواليد (٣)، فيقول مثلًا: إنَّ المولودَ في بلاد الحَبَش يكونُ أبيض اللون سَبِطَ الشَّعر، وإنَّ المولودَ في بلاد الروم أسود اللون جَعْدُ الشَّعر، أو يغلَط أيضًا في السُّنن والعادات التي يُخَصُّ بها بعضُ الأمم في الباه (٤)، فيقول مثلًا: إنَّ الرجلَ من أهل أنطاكيا يتزوَّجُ بأخته، وكان الواجبُ أن ينسبَ ذلك إلى الفارسيِّ.

стр. 1408

وفي الجملة؛ ينبغي أن يأخُذ أوَّلًا (١) حالات القضاء الكلِّي، ثمَّ يأخُذ حالات القضاء الجزئي؛ ليعلمَ منها حالات الأمر (٢) في الزِّيادة والنقصان. وكذلك يجبُ ضرورةً أنْ يقدِّم في قسمة الأزمان أصنافَ الأسنان (٣) الزمانية، وموافقتَها لكلِّ واحدٍ من الأحداث، وأن يتفقَّد أمرَها؛ لئلَّا يغلطَ في وقتٍ من الأوقات في الأعراض العامِّية البسيطة التي ينظرُ فيها في المواليد، فيقول: إنَّ الطفلَ يباشرُ الأعمالَ أو يتزوجُ أو يفعلُ شيئًا من الأشياء التي يفعلُها من هو أتمُّ سنًّا منه، وإنَّ الشيخَ الفاني يُولَدُ أو يفعلُ شيئًا من أفعال الأحداث. وهذا ونحوه يدلُّ على أنَّ الأمورَ وغيرها إنما هي بحسب اختلاف العوائد والسُّنن والبلاد وخواصِّ الأنفس، واختلافُ الأسنان والأغذية وقُواها أيضًا فيها تأثيرٌ قوي، وكذا الهواءُ والتُّربةُ واللباسُ وغيرها، كلُّ هذه لها تأثيرٌ في الأخلاق والأعمال، وأكبرُها: العوائدُ، والمَرْبا، والمنشأ. فإحالةُ هذه الأمور على الكواكب والطالع والمقارنة والمفارقة والمناظرة (٤) من أبين الجهل، ولهذا اضطرَّ إمامُ المنجِّمين ومعلِّمهم (٥) إلى

стр. 1409

مراعاة هذه الأمور، وأخبرَ أنَّ الحاكمَ بدون معرفتها والتشبُّث بها يكونُ مخطئًا. وحينئذٍ، فالطالعُ المعتبر المؤثِّر إنما هو طالعُ العوائد والسُّنن والبلاد، وخواصِّ هيآت النفوس الإنسانية، وقُوى أغذية أبدانها وهوائها وتربتها، وغير ذلك مما هو مشاهدٌ بالعيان تأثيرُه في ذلك. أفليس مِن أبين الجهل الإعراضُ عن هذه الأسباب، والحَوالةُ على حركات النجوم واجتماعها وافتراقها ومقابلتها في تربيعٍ أو تثليثٍ أو تسديسٍ مما لو صحَّ لكان غايتُه أن يكون جزءَ سببٍ من الأسباب التي تقتضي هذه الآثار؟! ثمَّ إنَّ لها من المقارنات والمفارقات والصَّوارف والعوارض ما لا يحصِي المنجِّمُ القليلَ من عُشر معشاره، أفليس الحكمُ بمجرَّد معرفة جزءٍ من أجزاء السَّبب بالظَّنِّ والحَدْس أو التقليد لمن حَسُنَ ظنُّه به حكمٌ كاذب؟! ولهذا كذِبُ المنجِّم أضعافُ أضعاف صدقِه بكثير، حتى إنَّ [صِدْق] بعض الزَّرَّاقين، وأصحاب الكشف، وأرباب الفراسة، والحَزَّائين (١)، أكثرُ من صدق هؤلاء بكثير (٢)، وما ذاك إلا لأنَّ المجهول مِن جُمَل (٣) الأسباب

стр. 1410

وما يعارضُها ويمنعُ تأثيرَها أكثرُ من المعلوم منها، فكيف لايقعُ الكذبُ والخطأ؟! بل لا يكادُ يقعُ الصِّدقُ والصوابُ إلا على سبيل التصادف (١). ونحن لا ننكرُ ارتباطَ المسبَّبات بأسبابها، كما ارتكبه كثيرٌ من المتكلِّمين، وكابروا العِيان، وجحَدوا الحقائق، كما أنَّا لا نرضى بهذَيانات الأحكاميِّين ومحالاتهم، بل نُثْبِتُ الأسبابَ والمسبَّبات والعِللَ والمعلولات، ونبيِّنُ مع ذلك بطلانَ ما يدَّعونه من علم أحكام النجوم وأنها هي المدبِّرةُ لهذا العالم، المُسْعِدةُ المُشْقِية، المُحْيِيةُ المُمِيتة، المعطيةُ للعلوم والأعمال والأخلاق والأرزاق والآجال، وأنَّ نظرَكم (٢) في هذا العلم موجبٌ لكم (٣) من علم الغيب ما انفردتم به عن سائر الناس، وليس في طوائف الناس أقلُّ علمًا بالغيب منكم، بل أنتم أجهلُ الناس بالغيب على الإطلاق! ومن اعتبرَ حال حُذَّاقكم وعلمائكم واعتمادَهم على ملاحمَ (٤) مُركَّبةٍ من إخبارات بعض الكهَّان، ومناماتٍ وفراساتٍ وقصصٍ متوارثةٍ عن أهل الكتاب وغيرهم، ومَزْج ذلك بتجاربَ حصلت، مع اقتراناتٍ نجوميةٍ

стр. 1411

واتصالاتٍ كوكبيَّةٍ يُعْلَمُ بالحساب حصولُها في وقتٍ معيَّن، فقضيتُم بحصول تلك الآثار أو نظيرها عندها، إلى أمثال ذلك من أسباب علم تَقْدِمَة المعرفة (١) التي جَرَّبت الناسُ (٢) منها مثل ما جرَّبتم، فصدقَت تارةً وكذبَت تارة (٣). فغايةُ الحركات النجوميَّة والاتصالات الكوكبيَّة أن تكون كالعِلَل والأسباب المشاهَدة التي تأثيراتُها موقوفةٌ على انضمام أمورٍ أخرى إليها، وارتفاع موانعَ تمنعُها تأثيرَها؛ فهي أجزاءُ أسبابٍ غيرُ مستقلَّةٍ ولا مُوجِبة. هذا لو أقمتم على تأثيرها [دليلًا]، فكيف وليس معكم إلا الدعاوى وتقليدُ بعضكم بعضًا، واعترافُ حذَّاقكم بأنَّ الذي يُجْهَلُ من بقيَّة الأسباب المؤثِّرة، ومن الموانع الصَّارفة، أعظمُ من المعلوم منها بأضعافٍ مضاعفةٍ لا تدخلُ تحت الوَهْم؟! فكيف يستقيمُ لعاقلٍ الحكمُ بعد هذا؟! وهل يكونُ في العالم أكذبُ منه؟!

стр. 1412

قال صاحب الرِّسالة: «وإذا كان الفلَك متى تشكَّل شكلًا ما، دلَّ إن كان في مولد مصريٍّ على أنه يتزوَّجُ أختَه، فذلك سُنَّةٌ كانت لهم وعادة، وإن كان في مولد غيره لم يدلَّ على ذلك. ونحن نجدُ أهلَ مصرَ في وقتنا هذا قد زالوا عن تلك العادة، وتركوا تلك السُّنَّة بدخولهم في الإسلام والنصرانيَّة واستعمالهم أحكامَهما. فيجبُ أن تسقط هذه الدَّلالةُ من مواليدهم لزوالهم عن تلك العادة، أو تكون الدَّلالةُ توجبُ ذلك في مولد كلِّ أحدٍ منهم ومن غيرهم، أو تسقط الدَّلالةُ وتبطُل بزوال أهل مصر عما كانوا عليه، وكذلك جمهورُ أهل فارس. وأيُّ ذلك كان، فهو دالٌّ على قُبْح المناقَضة وشدَّة المغالطة. وقد رأيتُ وجهَهم بَطْليموس يقول في كتابه المعروف بـ «الأربعة» (١): فيَحْدُسُ على أنه يكون كذا وكذا، ويقول: فإذا كان كذا وكذا توهَّمنا أنه يكونُ كذا وكذا». قلت: الذي صرَّحَ به بَطْليموس أنَّ علمَ أحكام النجوم بعد استقصاء معرفة ما ينبغي معرفتُه (٢) إنما هو على جهة الحَدْس لا العلم واليقين. فمِن ذلك قولُه: «هذا، وبالجملة، فإنَّ جميعَ علم حال هذا العنصر إنما يستقيمُ أن يُلْحَقَ على جهة الظَّنِّ والحَدْس لا على جهة اليقين، وخاصَّةً ما كان منه مركَّبًا من أشياء كثيرةٍ غير متشابهة».

стр. 1413

قال شارحُ كلامه (١): «وإنما ذهبَ إلى ذلك لأنَّ الأفعالَ التي تصدُر عن الكواكب إنما هي بطريق العَرَض، وأنها لا تفعلُ بذواتها شيئًا. والدليلُ على ذلك قولُه في الباب الثاني من كتاب «الأربعة»: وإذا كان الإنسانُ قد استقصى معرفةَ حركة جميع الكواكب والشَّمس والقمر، حتى إنه لا يذهبُ عليه شيءٌ من المواضع والأوقات التي تحدثُ لها فيها الأشكال، وكانت عنده معرفةٌ بطبائعها قد أخذها من الأخبار المتواترة التي تقدَّمته، وإن لم يعلم طبائعَها في نفس جواهرها، لكن يعلمُ قُواها التي تفعلُ بها، كالعلم بقوَّة الشَّمس أنها تُسَخِّن، وكالعلم بقوة القمر أنها تُرَطِّب، وكذلك يعلمُ أمرَ قُوى سائر الكواكب، وكان قويًّا على معرفة أمثال سائر هذه الأشياء لا على المذهب الطبيعيِّ فقط، لكن يُمْكِنُه أيضًا أن يعلمَ بجودة الحَدْس خواصَّ الحال التي تكون من امتزاج جميع ذلك». قال الشارح: «وبَطْليموس يرى أنَّ علمَ الأحكام إنما يُلْحَقُ على جهة الحَدْس لا على جهة اليقين». قلت: وكذلك صرَّحَ أرسطاطاليس في أوَّل كتابه «السَّماع الطبيعي» أنه لا سبيل إلى اليقين بمعرفة تأثير الكواكب، فقال: «لمَّا كانت حالُ العلم واليقين في جميع السُّبل التي لها مباداءُ أو أسبابٌ أو اسْتُقُصَّات إنما يلزمُ مِن قِبَل المعرفة بهذه (٢)، فإذا لم تُعرف الكواكبُ على أيِّ جهةٍ تفعلُ هذه

стр. 1414

الأفاعيل ــ أعني بذاتها أو بطريق العَرَض ــ، ولم تُعرف ما هيآتُها وذواتها؛ لم تكن معرفتُنا بالشيء [أنه] ينفعل (١) على جهة اليقين». وهذا ثابتُ بن قُرَّة (٢) ــ وهو ما هو عندهم ــ يقول في كتاب «ترتيب العلم» (٣): «وأمَّا علمُ القضاء من النجوم فقد اختلفَ فيه أهلُه اختلافًا شديدًا، وخرج فيه قومٌ إلى ادِّعاء ما لا يصحُّ (٤) ولا يصدُق، بما لا اتصال له بالأمور الطبيعية، حتى ادَّعوا في ذلك ما هو مِن علم الغيب، ومع هذا فلم يوجد منه إلى زماننا هذا قريبٌ من التمام كما وُجِدَ غيرُه». هذا لفظُه، مع حُسْن ظنِّه به، وعَدِّه له في العلوم. وهذا أبو نصر الفارابيُّ يقول: «واعلَم أنك لو قلبتَ أوضاعَ المنجِّمين فجعلتَ السَّعدَ نَحْسًا، والنَّحْسَ سعدًا، والحارَّ باردًا، والباردَ حارًّا، والذَّكرَ أنثى، والأنثى ذكرًا، ثمَّ حكَمْتَ؛ لكانت أحكامُك من جنس أحكامهم، تصيبُ تارةً وتخطاءُ تارة» (٥). وهذا أبو عليِّ ابنُ سينا قد أتى في آخر كتابه «الشفاء» في ردِّ هذا العلم وإبطاله بما هو موجودٌ فيه (٦).

стр. 1415

وقرأتُ بخطِّ رِزْق الله المنجِّم (١) ــ وكان من زعمائهم ــ في كتاب «المقابسات» (٢) لأبي حيَّان التوحيديِّ مناظرةً دارت بين جماعةٍ من فضلائهم جمَع جَمْعَهم (٣) بعضُ المجالس، فذكرتُها ملخَّصةً مما لا يتعلَّقُ بها، بل ذكرتُ مقاصدَها. قال أبو حيَّان: «هذه مُقَابَسَةٌ دارت في مجلس أبي سليمان محمد ابن طاهر بن بَهْرام السِّجستاني (٤)، وعنده أبو زكريا الصَّيْمري (٥)،

стр. 1416

والنُّوشْجاني (١) أبو الفتح، وأبو محمد العَروضي (٢)، وأبو محمد المقدسي (٣)، والقُومِسي (٤)، وغلام زُحَل (٥)، وكلُّ واحدٍ من هؤلاء إمامٌ في شأنه، فردٌ في صناعته.

стр. 1417

فقيل في المجلس: لِمَ خلا علمُ النجوم من الفائدة والثمرة، وليس علمٌ من العلوم كذلك، فإنَّ الطِّبَّ ليس على هذه الحال ــ ثمَّ ذُكِرت فائدتُه والمنفعةُ به، وكذلك الحسابُ والنحوُ والهندسةُ والصَّنائعُ ذُكِرَت وذُكِرَت منافعُها وثمراتُها ــ؟ ثمَّ قال السائل: وليس علمُ النجوم كذلك؛ فإنَّ صاحبه إذا استقصى (١)، وبلغَ الحدَّ الأقصى في معرفة الكواكب، وتحصيل سَيرها واقترانها ورجوعِها ومقابلتها، وتربيعِها وتثليثها وتسديسها، وضُروب مزاجِها في مواضعها من بروجها وأشكالها، ومطالعِها ومقاطِعها (٢) ومغاربها ومشارقِها ومذاهبها، حتى إذا حَكَمَ أصاب، وإذا أصابَ حَقَّق، وإذا حقَّقَ جَزَم، وإذا جَزَم حَتَم= فإنه لا يستطيعُ البتة قَلْبَ شيءٍ عن شيء، ولا صرفَ شيءٍ عن شيء (٣)، ولا تبعيدَ حالٍ قد دَنَتْ، ولا نفيَ مُلِمَّةٍ (٤) قد اكتُتِبَت (٥)، ولا رفعَ سعادةٍ قد أجَمَّت وأطَلَّت (٦)، أعني: أنه (٧) لا يقدرُ على أن يجعل الإقامةَ سفرًا، ولا الهزيمةَ ظفرًا، ولا العقدَ حلًّا (٨)، ولا الإبرامَ نقضًا، ولا اليأسَ رجاءً، ولا الإخفاقَ دَرَكًا، ولا العدوَّ صديقًا، ولا الوليَّ عدوًّا، ولا البعيدَ قريبًا، ولا القريبَ بعيدًا.

стр. 1418

فكأنَّ العالِمَ به، الحاذق المتناهي في خفيَّاته (١)، بعد هذا التَّعب والنَّصَب، وبعد هذا الكدِّ والدَّأب، وبعد هذه الكُلفة الشَّديدة والمُؤنة الغليظة (٢)، هو مستسلمٌ (٣) للمقدار، مُسْتَجْدٍ (٤) لما يأتي به الليلُ والنهار، وعادت حالُه مع علمه الكثير (٥) إلى حال الجاهل بهذا العلم الذي انقيادُه كانقياده، واعتبارُه كاعتباره (٦)، ولعلَّ توكُّل الجاهل أحسنُ من توكُّل العالم به، ورجاءه (٧) في الخير المشتهى (٨) ونجاته من الشرِّ المتوقَّى أقوى وأصحُّ (٩) من رجاء هذا المُدِلِّ بزِيجِه وحسابه وتقويمه وأسطُرلابه. ولهذا لما لقي أبو الحسين النُّوري (١٠) ما شاء الله (١١) المنجِّم قال له:

стр. 1419

أنت تخاف زُحَل وأنا أخافُ ربَّ زُحَل، وأنت ترجو المشتري وأنا أعبدُ (١) ربَّ المشتري، وأنت تغدو بالاستشارة (٢) وأنا أغدو بالاستخارة، فكم بيننا؟! وهذا أنوشروان ــ وكان من الملوك (٣) الأفاضل ــ كان لا يَرْفَعُ بالنجوم رأسًا، فقيل له في ذلك، فقال: صوابُه يُشْبِهُ الحَدْس، وخطؤه شديدٌ على النفس. فمتى أفضى هذا الفاضلُ النِّحريرُ، والحاذقُ البصير، إلى هذا الحدِّ والغاية؛ كان علمُه عاريًا من الثمرة، خاليًا من الفائدة، حائلًا عن النتيجة، بلا عائدةٍ ولا مَرْجُوع. وإنَّ أمرًا أوَّلُه على ما قرَّرنا، وآخرُه على ما ذكرنا، لحريٌّ أن لا يُشْغَلَ الزمانُ به، ولا يُوهَبَ العمرُ له، ولا يُعَارَ (٤) الهمَّ والكدَّ (٥)، ولا يُعاجَ عليه (٦) بوجهٍ ولا سبب.

стр. 1420

هذا إن كانت الأحكامُ صحيحةً مُدْرَكَةً محقَّقَة، ومصابةً مُلْحَقةً معروفةً محصَّلة (١)، ولم يكن المذهبُ على ما زعمَ أربابُ الكلام والذين (٢) يأبونَ تأثيرَ هذه الأجرام العالية في الأجسام السافلة، وينفُون الوسائطَ بينهما والوصائل، ويدفعون الفواعِل والقوابِل. تمَّ السؤال. فأجاب كلٌّ من هؤلاء بما سَنَحَ له: * فقال قائلٌ منهم: عن هذا السُّؤال المَهُول (٣) جوابان: أحدهما: هو زجرٌ عن النظر فيه؛ لئلَّا يكون هذا الإنسانُ مع ضَعْف نَحِيزَته (٤)، واضطراب غريزته، وضَعْف مُنَّته (٥)، عَدَّاءً على ربِّه، شريكًا (٦) له في غَيْبِه، متكبِّرًا على عباده، ظانًّا بأنه فيما يأتي (٧) من شأنه قائمٌ بجَدِّه وقدرته، وحوله وقوته، وتشميره وتَقْلِيصه، وتَهْجِيره وتَعْرِيسه، فإنَّ هذا النَّمَط يحجُز الإنسانَ عن الخشوع لخالقه، والإذعان لربِّه، ويُبْعِدُه عن

стр. 1421

التسليم لمدبِّره، ويحولُ بينه وبين طرح الكاهِل (١) بين يدي من هو أملكُ له وأولى به. وأمَّا الجوابُ الآخر: فهو بشرى عظيمةٌ على نعمةٍ جسيمةٍ لمن حصل له هذا العلم، وذلك سرٌّ لو اطُّلِع عليه، وغيبٌ لو وُصِلَ إليه، لكان ما يجدُه الإنسانُ فيه من الرَّوْح والرَّاحة والخير في العاجلة والآجلة يكفيه مُؤنةَ هذا الخطب الفادح، ويغنيه عن (٢) تجشُّم هذا الكدِّ الكادح. فاجعَل أيها المنكِرُ لشرف هذا العلم بدلَ عَيْبِك (٣) ما يخفى عليك خفيُّه ومكنونُه تذلُّلًا لله ــ تقدَّس اسمُه ــ فيما استبان لك معلومُه ووَضَحَ عندك مظنونُه. ثمَّ قال: اعلم أنَّ العلمَ به حقٌّ، ولكنَّ الإصابةَ بعيدة، وليس كلُّ بعيدٍ محالًا، ولا كلُّ قريبٍ صوابًا، ولا كلُّ صوابٍ معروفًا، ولا كلُّ محالٍ موصوفًا، وإنما كان العلمُ حقًّا، والاجتهادُ فيه مبلِّغًا (٤)، والقياسُ فيه صوابًا، وبذلُ السعي دونه محمودًا؛ لاشتباك (٥) هذا العالَم السفليِّ بذلك العالَم العُلويِّ، واتصالِ هذه الأجسام القابلة بتلك الأجسام (٦) الفاعلة، واستحالةِ

стр. 1422

هذه الصُّور بحركات تلك المتحرِّكات المُتشاكِلَة (١) بالوحدة. وإذا صحَّ هذا الاتصالُ والتَّشابُك، وهذه الحبائلُ (٢) والرُّبُط، صحَّ التأثيرُ من العُلويِّ، وقبولُ التأثير من السفليِّ، بالمواصلات (٣) الشُّعاعيَّة، والمناسبات (٤) الشَّكليَّة، والأحوال الخَفِيَّة والجَلِيَّة. وإذا صحَّ التأثيرُ من المؤثِّر، وقبولُه من القابل، صحَّ الاعتبار، واستنَّ (٥) القياس، وصَدَق الرَّصَد، وثبتَ الإلف، واستحكمَت العادة، وانكشفَت الحدود، وانْثَالَت العِلَل (٦)، وتعاضدَت الشَّواهد، وصار الصوابُ غامرًا، والخطأ مغمورًا، والعلمُ جوهرًا راسخًا، والظنُّ عَرَضًا زائلًا. فقيل: هل تصحُّ الأحكام أم لا؟ * فقال [قائل] (٧): الأحكامُ لا تصحُّ بأسرها، ولا تبطلُ من أصلها، وذلك بسببٍ يتبيَّنُ (٨) إذا أُنعِمَ النظر، ونُشِطَ للإصغاء (٩)، وصُمِدَ نحو

стр. 1423

الفائدة، بغير متابعة الهوى وإيثار التعصُّب. ثمَّ قال: الأمورُ الموجودةُ على ضربين: ضربٍ له الوجودُ الحقُّ، وضربٍ له الوجود، ولكنْ ليس الوجودَ الحقَّ (١). فأمَّا الأمورُ الموجودةُ بالحقِّ، فقد أعطت الأخرى نسبةً من جهة الوجود (٢)، وارتجعَت منها حقيقةَ ذلك. فالحاكمُ (٣) بالاعتبار الفاحص عن هذه الأسرار؛ إن أصابَ فبنسبةِ الوجود الذي لهذا العالم (٤) السفليِّ من ذلك العُلويِّ، وإن أخطأ فبما فات (٥) هذا العالَم السفليَّ من ذلك العالم العُلويِّ. والإصابةُ في هذه الأمور السيَّالة المتبدِّلة عَرَض، والإصابةُ في أمور الفلَك جوهر، وقد يكونُ هناك ما هو كالخطأ، ولكن بالعَرَض لا بالذَّات، كما يكون هاهنا ما هو كالصواب (٦) والحقِّ، ولكن بالعَرَض لا بالذَّات؛ فلهذا صحَّ بعضُ الأحكام وبَطَل بعضُها. ومما يكونُ شاهدًا لهذا: أنَّ العالَم السفليَّ مع تبدُّله في كلِّ حالة،

стр. 1424

واستحالته في كلِّ طَرْفٍ ولَمْح، متقيِّلٌ (١) لذلك العالَم العُلويِّ، يتحرَّكُ شوقًا إلى كماله، وعشقًا لجماله، وطلبًا للتشبُّه به، وتحقُّقًا بكلِّ ما أمكن من شَكْله، فهو بحقِّ التقيُّل يُعطِي هذا العالَم السفليَّ ما يكونُ به مشابهًا للعالَم العُلويِّ، وبهذا التقيُّل (٢) تقيَّلَ الإنسانُ الناقصُ الكاملَ، وتقيَّلَ الكاملُ من البشر المَلَكَ، وتقيَّلَ المَلَكُ الباري جلَّ وعزَّ. * قال آخر: إنما وجب هذا التقيُّل والتشبُّه لأنَّ وجودَ هذا العالَم وجودٌ متهافتٌ مستحيل، لا صورة له ثابتة، ولا شكلٌ دائم، ولا هيئةٌ معروفة، وكان من هذا الوجه فقيرًا إلى ما يمدُّه ويشدُّه. فأمَّا سِنْخُه (٣) فهو موجودٌ وثابتٌ

стр. 1425

مقابِلٌ لذلك العالَم الموجود الثابت، وإنما عرَضَ ما عَرَضَ لأنَّ أحدهما مؤثِّر، والآخَر قابِل، فبحقِّ هذه المرتبة ما وُجِدَ [التبايُن، وبحقِّ تلك المرتبة ما وُجِدَ] (١) التواصُل. * وقال آخر: قد يُغْفِلُ مع هذا كلِّه المنجِّمُ اعتبارَ حركاتٍ كثيرة من أجرامٍ مختلفة؛ لأنه يعجزُ عن نظمِها وتقويمها، ومَزْجِها وتسييرها، وتفصيل أحوالها وتحصيل خواصِّها، مع بُعْد حركة بعضها وقُرب حركة بعضها، وبُطئها وسرعتها، وتوسُّطها والتفاف (٢) صُورها، والتباس تقاطعها (٣)، وتداخُل أشكالها. ومن الحكمة في هذا الإغفال أنَّ الله تقدَّس اسمُه يُتِمُّ بذلك القَدْر المُغْفَل، والقليل الذي لا يؤبَه له، والكثير الذي لا يُحاوَلُ البحثُ عنه= أمرًا لم يكن في حُسبان الخلق، ولا فيما أعمَلوا فيه القياسَ والتقديرَ والتوهُّم (٤). ولهذا يُحْكِمُ هذا الحاذقُ في صناعته لهذا المَلِك، وهذا الماهرُ في عمله (٥) لهذا المَلِك، ثمَّ يلتقيان، فتكونُ الدَّائرةُ على أحدهما، مع شدَّة الوِقاع (٦)، وصِدْق المِصاع، هذا وقد حُكِمَ له بالظَّفر والغلب.

стр. 1426

* وقال آخر ــ وهو النُّوشْجاني ــ: إنما يؤتى أحدُ الحاكمَيْن لأحد المَلِكين (١) لا من جهة غلطٍ يكونُ في الحساب، ولا من قلَّة مهارةٍ في العمل، ولكنْ يكونُ في طالعه أن لا يصيبَ (٢) في ذلك الحكم، ويكونُ في طالع الملك أن لا يصيبَ منجِّمُه في تلك الحرب، فمقتضى حاله وحال صاحبه يحولُ بينه وبين الصواب، ويكونُ الآخرُ مع صحة حسابه وحُسْن إدراكه قد وجبَ في طالع نفسه وطالع صاحبه ضدُّ ذلك، فيقعُ الأمرُ الواجب، ويبطلُ الآخرُ الذي ليس بواجب. وقد كان المنجِّمان من جهة العلم والحساب أعطيا للصِّناعة حقَّها، ووفَّيا ما عليهما، ووقفا موقفًا واحدًا على غير مزيَّةٍ بيِّنة ولا علَّةٍ قائمة. * قال آخر: ولولا هذه البقيةُ (٣) المندفنة والغايةُ المستترةُ التي استأثر اللهُ بها لكان لا يَعْرِضُ هذا الخطأُ مع صحَّة الحساب، ودقَّة النظر، وشدَّة الغَوْص، وتوخِّي المطلوب، ومع غَلَبة الهوى والميل إلى المحكوم له. وهذه البقيةُ دائرةٌ في أمور هذا الخَلق فاضلِهم وناقصِهم ومتوسِّطهم، في دقيقها وجليلها، وصعبها وذلولها (٤)، ومن كان له في نفسه باعثٌ على التصفُّح والنظر والتخبُّر (٥) والاعتبار وقفَ على ما أومأتُ إليه وسلَّم.

стр. 1427

ولحكمةٍ جليلةٍ ضربَ اللهُ دون هذا العلم (١) بالأسداد، وطوى حقائقَه عن أكثر العباد، وذلك أنَّ العلمَ بما سيكونُ ويحدثُ ويُسْتَقْبَلُ علمٌ حُلوٌ عند النفس (٢)، وله موقعٌ عند العقل، فلا أحدَ إلا وهو يتمنَّى أن يعلمَ الغيب، ويطَّلع عليه، ويدركَ ما سوفَ يكونُ في غدٍ، ويجدَ سبيلًا إليه. ولو ذُلِّلَ السَّبيلُ (٣) إلى هذا الفنِّ لرأيتَ الناسَ يُهْرَعونَ إليه، ولا يُؤْثِرون شيئًا آخر عليه؛ لحلاوة هذا العلم عند الرُّوح، ولُصوقه بالنفس، وغرام كلِّ أحدٍ به، وفتنة كلِّ إنسانٍ فيه. فبنعمةٍ من الله لم يُفْتَح (٤) هذا الباب، ولم يُكشَف دونه الغطاء، حتى يرتعي (٥) كلُّ أحدٍ روضَه، ويلزمَ حدَّه، ويرغبَ فيما هو أجدى عليه وأنفعُ له إمَّا عاجلاً وإمَّا آجلًا، فطوى اللهُ عن الخلق حقائقَ الغيب، ونَشَرَ لهم نُبَذًا منه وشيئًا يسيرًا يتعلَّلون به؛ ليكونَ هذا العلمُ محروصًا عليه كسائر العلوم، ولا يكون مانعًا من غيره. قال: ولولا هذه البقيةُ التي فضحَت الكاملين، وأعجزَت القادرين، لكان تعجُّبُ الخلق من غرائب الأحداث وعجائب الصُّروف (٦) وطرائف الأحوال عبثًا وسفهًا، وتوكُّلهم على الله لهوًا ولعبًا.

стр. 1428

* فقال آخر: وهذا يتَّضحُ بمثال، وليكن المثالُ أنَّ مَلِكًا في زمانك وبلادك، واسعَ المُلك، عظيمَ الشَّأن، بعيدَ الصِّيت، سابغَ الهيبة (١)، معروفًا بالحكمة، مشهورًا بالحزم، يضعُ الخيرَ في مواضعه، ويوقِعُ الشرَّ في مواقعه، عنده جزاءُ كلِّ سيئةٍ وثوابُ كلِّ حسنة، قد رتَّب لبريده أصلحَ الأولياء له، وكذلك نَصَبَ لجباية أمواله أقوَمَ الناس بها، وكذلك ولَّى عمارةَ أرضه أنهَض الناس بها، وشرَّفَ آخر بكتابته، وآخر بوزارته، وآخر بنيابته. فإذا نظرتَ إلى مُلكه وجدتَه مؤزَّرًا (٢) بسَداد الرأي ومحمود التدبير، وأولياؤه حواليه، وحاشيتُه بين يديه، وكلٌّ يَخِفُّ إلى ما هو مَنُوطٌ به، ويستقصي طاقتَه ويبذلُ فيه (٣)، والملكُ يأمرُ وينهى، ويُصْدِرُ ويُورِد، ويثيبُ ويعاقِب. وقد عَلِمَ صغيرُ أوليائه وكبيرُهم، ووضيعُ رعاياه وشريفُهم، ونَبِيهُ الناس وخاملُهم: أنَّ الأمرَ الذي تعلَّق بكذا وكذا (٤) صدَرَ من الملك إلى كاتبه؛ لأنه من جنس الكتابة وعلائقها وما يدخلُ في شرائطها ووثائقها، والأمرَ الآخر صدَرَ إلى صاحب بريده؛ لأنه من أحكام البريد وفُنونه، والأمرَ الآخر أُلقِي إلى صاحب المعونة؛ لأنه من جنس ما هو مرتَّبٌ له منصوبٌ من أجله، والحديثَ الآخر صَدَرَ إلى القاضي؛ لأنه من باب الدِّين والحُكم

стр. 1429

والفصل (١). وكلُّ هذا مُسَلَّمٌ إلى المَلِك لا يُفْتَاتُ عليه في شيءٍ منه، ولا يُسْتَبدُّ بشيءٍ دونَه، فالأحوالُ على هذا كلُّها جاريةٌ على أذلالها (٢) وقواعدها في مجاريها، لا يُرَدُّ شيءٌ منها (٣) إلى غير شكله، ولا يرتقي إلى غير طبقته. فلو وقفَ رجلٌ له من الحزم نصيبٌ ومن اليقظة (٤) قِسطٌ على هذا المُلك الجسيم، وتصفَّحَ أبوابَه بابًا بابًا، وحالًا حالًا، وتخلَّل بيتًا بيتًا (٥) ورفعَ سَجْفًا سَجْفًا، لأمكنه أن يعلمَ ــ بما يُثْمِرُه (٦) له هذا النظر، ويميِّزه له (٧) هذا القياس، وأوقعَه عليه (٨) هذا الحَدْسُ ــ ما سيفعلُه هذا المَلِكُ غدًا، وما يتقدَّمُ به إلى شهر، وما يكادُ يكونُ منه إلى سنةٍ وسنتين؛ لأنه يَفْلِي الأحوالَ فَلْيًا (٩)، ويقايِسُ بينها، ويلتقطُ ألفاظَ المَلِك ولحَظاته وإشاراته

стр. 1430

وحركاته، ويقول في بعضها: رأيتُ الملك يقولُ (١) كذا وكذا (٢) ويفعلُ كذا وكذا، وهذا يدلُّ على كذا وكذا، وإنما جرَّأه هذه الجرأة على هذا الحُكم والبتِّ أنه قد مَلَكَ لَحْظَ المَلِك ولفظَه، وحركتَه وسكونَه، وتعريضَه وتصريحَه، وجدَّه وهزلَه، وشكلَه وسَجِيَّته (٣)، وتجعُّدَه واسترسالَه، ووُجومَه ونشاطَه، وانقباضَه وانبساطَه، وغضبه ورضاه. ثمَّ هَجَسَ في نفس هذا المَلِك هاجس، وخطر بباله خاطر، فقال: أريدُ أن أعمَل عملًا، وأُوثِر أثرًا، وأُحدِثَ حالًا، لا يقفُ عليها أوليائي، ولا المطيفون بي (٤)، ولا المختصُّون بقُربي (٥)، ولا المتعلِّقون بحِبالي، ولا أحدٌ من أعدائي والمتتبِّعين لأمري والمُحْصِين لأنفاسي، ولا أدري كيف أفتتحُه ولا أقترحه؛ لأنِّي متى تقدَّمتُ في ذلك إلى كلِّ من يلوذُ بي ويطيفُ بناحيتي، كان الأمرُ في ذلك نظيرَ جميع أموري، وهذا هو الفسادُ الذي يلزمني تجنُّبه، ويجبُ عليَّ التيقظُ فيه. فيقدحُ له الفكرُ الثاقبُ أنه ينبغي أن يتأهَّب للصَّيد ذاتَ يوم، فيتقدَّمُ بذلك، ويذيعُه، فيأخذُ أصحابُه وخاصَّتُه في أُهْبَة ذلك وإعداد الآلة، فإذا تكامَل ذلك له أصْحَر للصَّيد، وتقلَّب (٦) في البيداء، وصمَّم على ما يلوحُ له،

стр. 1431

وأمعَن وراءه، وركضَ خلفَه جوادَه، ونهى من معه أن يتبعَه، حتى إذا أوغَل في تلك الفِجَاج الخاوية، والمدارج المتنائية، وتباعدَ عن مَتْنِ الجادَّة وَوَضَح المحجَّة، صادفَ إنسانًا، فوقفَ وحاورَه وفاوضَه، فوجده حصيفًا محصِّلًا يتَّقِدُ فهمًا وإفهامًا، فقال له: أفيك خير؟ فقال: نعم، وهل الخيرُ إلا فيَّ وعندي وإلا معي؟! أَلْقِ إليَّ ما بدا لك، وخلِّني وذلك. فقال له: إنَّ الواقفَ عليك المكلِّمَ لك ملكُ هذا الإقليم، فلا تُرَعْ واهدَأ. فقال: السعادةُ قيَّضتني لك، والجَدُّ أطلعكَ عليَّ. فيقول له المَلِك: إني أريدُ أن أصطنعك (١) لأربٍ في نفسي، وأبلُغَ بك إن بلَغْتَ لي ذلك، أريدُ أن تكون عينًا لي وصاحبًا لي نصوحًا، واطْوِ سرِّي عن سانِح فؤادك فضلًا عن غيره. فإذا بلغ منه التَّوثِقة والتَّوكيد ألقى إليه ما يأمره به ويحثُّه على السعي فيه، وأزاحَ علَّتَه في جميع ما يتعلَّقُ المرادُ به، ثمَّ ثنى عنانَ دابته إلى وجه عسكره وأوليائه ولحقَ بهم، فقضى وَطَرَه، ثمَّ عادَ إلى سريره، وليس عند أحدٍ من رهطه وبطانته وغاشيته وخاصَّته وعامَّته علمٌ بما قد أسرَّه إلى ذلك الإنسان. فبينما الناسُ على مَكِناتهم (٢) وغَفَلاتهم إذ أصبحوا ذات يومٍ عن حادثٍ

стр. 1432

عظيم، وخَطْبٍ جسيم، وشأنٍ هائل، فكلٌّ يقولُ عند ذلك (١): ما أعجبَ هذا! من فعل هذا؟! متى تهيَّأ هذا؟! هذا صاحبُ البريد ليس عنده منه أثر، هذا صاحبُ المعونة وهو عن الخبر بمَعْزِل، وهذا الوزيرُ الأكبر وهو متحيِّر، وهذا القاضي وهو متفكِّر، وهذا حاجبُه وهو ذاهل. وكلُّهم عن الأمر الذي دَهَمَ غافل. وقد قضى الملكُ مأربتَه، وأدرك حاجتَه، وطلب بغيتَه، ونال غَرَضَه. فكذلك ينظرُ المنجِّمُ إلى زُحَل والمشتري والمرِّيخ والشَّمس والقمر وعطارد والزُّهَرة، وإلى البروج وطبائعها، والرأس والذَّنب وتقاطعهما، والهِيلاج والكَدْخُداه (٢)، وإلى جميع ما دانى هذا وقارَبه (٣) وكان له فيه نتيجةٌ وثمرة، فيحسبُ ويمزجُ ويرسُم، وتنقلبُ عليه أشياء كثيرةٌ من سائر الكواكب التي لها حركاتٌ بطيئةٌ وآثارٌ مَطْويَّة، فينبعثُ مما (٤) أهملَه وأغفلَه وأضرَبَ عنه ولم يتَّسع له= ما يملكُ عليه حِسَّه وعقلَه وفِكرَه ورويَّته، حتى لا يدري مِن أين أُتِي؟ ومِن أين دُهِي؟ وكيف انفرَج (٥) عليه الأمر، وانسدَّ

стр. 1433

دونه المطلب (١)، وفاتَ المطلوب، وعزبَ عنه الرأي؟ هذا، ولا خطأ له في الحساب، ولا نقصَ في قصد الحقِّ (٢). وهذا كي يُلاذَ بالله وحده في الأمور كلِّها، ويُعْلَمَ أنه مالكُ الدُّهور، ومدبِّر الخلائق، وصاحبُ الدواعي والعلائق، والقائمُ على كلِّ نَفْس، والحاضرُ عند كلِّ نَفَس، وأنه إذا شاء نفَع، وإذا شاء ضَرَّ، وإذا شاء عافى، وإذا شاء أسقَم، وإذا شاء أغنى، وإذا شاء أفقر، وإذا شاء أحيا، وإذا شاء أمات، وأنه كاشفُ الكربات، مغيثُ ذوي اللَّهَفات، قاضي الحاجات، مجيبُ الدعوات، ليس فوق يده يد، وهو الأحدُ الصمد، على الأبد والسَّرمد. * وقال آخر (٣): هذه الأمورُ وإن كانت مَنُوطةً بهذه العُلويَّات، مربوطةً بالفلَكيَّات، عنها تَحْدُث، ومن جهتها تنبعث، فإنَّ في عرضها ما لا يستحقُّ أن يُنسَبَ إلى شيءٍ منها إلا على وجه التقريب. ومثالُ ذلك: ملكٌ له سلطانٌ واسع، ونعمةٌ جمَّة، فهو يُفْرِدُ كلَّ أحدٍ بما هو لائقٌ به، وبما هو ناهضٌ فيه، فيولِّي بيتَ المال مثلًا خازنًا أمينًا كافيًا شهمًا يفرِّقُ على يده، ويجمعُ (٤) على يده، ثمَّ إنَّ هذا الملك قد يضعُ في هذه الخزانة شيئًا لا علمَ للخازن به، وقد يُخْرِجُ منها شيئًا لا يقفُ الخازنُ

стр. 1434

عليه، ويكونُ هذا منه دليلًا على مُلكه واستبداده، وعلى تصرُّفه وقدرته. * وقال آخر: لمَّا كان صاحبُ علم النجوم يريدُ أن يقفَ على أحداث الزمان ومستقبل الوقت، من خيرٍ وشرٍّ، وخِصْبٍ وجَدْب، وسعادةٍ ونَحْس، وولايةٍ وعزل، ومقامٍ وسفر، وغمٍّ وفرح، وفقرٍ ويسار، ومحبةٍ وبغض، وجِدَةٍ وعُدْم (١)، وعافيةٍ وسقم، وأُلفةٍ وشتات، وكسادٍ ونَفَاق، وإصابةٍ وإخفاق، وحياةٍ وممات، وهو إنسانٌ ناقصٌ في الأصل؛ لأنَّ نقصانَه بالطبع، وكمالَه بالعَرَض، ومع هذه الحال المحطوطة بالسِّنخ (٢)، المَؤوفة بالطين (٣)، قد بارى بارئَه، ونازعَ ربَّه، وتتبَّع غيبه، وتخلَّل حكمَه، وعارضَ مالكَه= حَرَمَه الله فائدةَ هذا العلم، وصرَفَه عن الانتفاع به، والاستثمار (٤) من شجرته، وأضافَه إلى من لا يحيطُ بشيءٍ منه ولا يتحلى بشيءٍ فيه (٥)، ونظَمَه في باب القسر والقهر (٦)، وجعلَ غايةَ سعيه فيه الخيبة، ونهايةَ علمه به الحيرة، وسلَّطَ عليه في صناعته الظَّنَّ والحَدْس، والحيلةَ والزَّرْق، والكذبَ والخَتْل (٧).

стр. 1435

ولو شئتُ لذكرتُ لك من ذلك صَدْرًا، وهو مثبوتٌ (١) في الكتب، ومنثورٌ (٢) في المجالس، ومتداولٌ بين الناس. فلذلك وأشباهه حَطَّ رتبتَه، وردَّه على عقبيه؛ ليعلمَ أنه لا يعلمُ إلا ما عُلِّم، وأنه ليس له أن يتمطَّى بما عَلِمَ على ما جَهِل؛ فإنَّ الله سبحانه لا شريك له في غيبه، ولا وزير له في ربوبيَّته، وأنه يُؤنِسُ بالعلم ليطاعَ ويُعْبَد، ويُوحِشُ بالجهل ليُفْزَعَ إليه ويُقْصَد، عزَّ ربًّا، وجلَّ إلهًا، وتقدَّس مشارًا إليه، وتعالى معتمَدًا عليه. * وقال آخر ــ وهو العروضي ــ: قد يقوى هذا العلمُ في بعض الدَّهر حتى يُشْغَفَ به، ويُدانَ بتعلُّمه، بقوَّةٍ سماوية، وشكلٍ فلَكيّ، فيكثرُ الاستنباطُ والبحث، وتشتدُّ العنايةُ والفكر، فتغلبُ الإصابةُ حتى يزول الخطأ. وقد يضعفُ هذا العلمُ في بعض الدَّهر، فيكثرُ الخطأُ فيه بشكلٍ آخر (٣) يقتضي ذلك، حتى يسقُط النظرُ فيه، ويحرُم البحثُ عنه، ويكون الدينُ حاظرًا للطلب والحكم به. وقد يعتدلُ الأمرُ في دهرٍ آخر حتى يكون الخطأُ في قَدْر (٤) ذلك الصواب والصوابُ في قَدْر الخطأ، وتكون الدواعي والصوارفُ متكافئة، ويكون الدينُ لا يحثُّ عليه كلَّ الحثِّ، ولا يحظُر على طالبه كلَّ الحظر.

стр. 1436

قال: وهذا إذا صحَّ تعلَّق الأمرُ كلُّه بما يتصلُ بهذا العالم السفليِّ من ذلك العالم العُلوي؛ فإذًا الصوابُ والخطأ محمولان على القوى المنبثَّة (١)، والأنوار الشائعة، والآثار الذَّائعة (٢)، والعلل الموجِبة، والأسباب المتوافية (٣). * وقال آخر ــ وهو النُّوشْجاني ــ: أيها القوم، اختصروا الكلام، وقرِّبوا البُغْية؛ فإنَّ الإطالةَ مَصِدَّةٌ عن الفائدة، مَضِلَّةٌ للفهم والفطنة، هل تصحُّ الأحكام؟ * فقال غلام زُحَل: ليس عن هذا جوابٌ يستتِبُّ (٤) على كلِّ وجه. فقيل: ولم؟ بيِّن ذلك. قال: لأنَّ صحَّتها وبطلانها يتعلَّقان بآثار الفلَك، وقد يقتضي شكلُ الفلَك في زمانٍ أن لا يصحَّ منها شيء، وإن غِيصَ على دقائقها، وبُلِغَ إلى أعماقها. وقد يزولُ ذلك الشكلُ [فيجيء زمانٌ لا يبطلُ منها شيءٌ فيه، وإن قُورب في الاستدلال. وقد يتحولُ هذا الشكلُ] (٥) في وقتٍ آخر إلى أن

стр. 1437

يكثُر الصوابُ فيها والخطأ، ويتقاربان، ومتى وقفَ الأمرُ على هذا الحدِّ لم يثبت على قضاءٍ (١) ولم يُوثق بجواب (٢). * وقال آخر: إنَّ الله تعالى وتقدَّس اخترعَ هذا العالَم وزيَّنه، ورتَّبه وحسَّنه، ووشَّحه ونظَّمه، وهذَّبه وقوَّمه، وأظهرَ عليه البهجةَ وأبطنَ في أثنائه (٣) الحكمة، وحفَّه بكلِّ ما طَبَا العقولَ (٤) إلى تصفُّحه ومعرفته، وحشَاه بكلِّ ما حاشَ النفوسَ (٥) إلى علمه وتقليبه والتعجُّب من أعاجيبه، وأمتَع الأرواحَ بمحاسنه، وأودعه أمورًا، واستخزنه (٦) أسرارًا، ثمَّ حرَّك الألبابَ عليها حتى استثارتها ولَقَطَتها، وأحبَّتها (٧) وعَشِقَتها ووَلِهَت (٨) عليها؛ لأنها عرفَت بها ربَّها وخالقَها وإلاهَها وواضعَها وصانعَها وحافظَها وكافلَها. ثمَّ إنه تعالى مَزَجَ بعضَ ما فيه ببعض، وركَّب بعضَه على بعض، ونسجَ بعضَه في بعض، وأمدَّ بعضَه من بعض، وأحالَ بعضَه إلى بعض، بوسائط من أشخاصٍ وأجناسٍ وطبائع وأنفسٍ وعلومٍ وعقول، وتصرَّف في ملكه بقدرته

стр. 1438

وجُوده وحكمته، لا مَعِيبَ الفضل، ولا معدومَ الاختيار (١)، ولا مردودَ الحكمة (٢)، ولا مجحودَ الذَّات، ولا محدود (٣) الصفات، سبحانه. وهو مع هذا كلِّه لم يستفد شيئًا، ولم ينتفع بشيء، بل استفاد منه كلُّ شيء، وانتفع به كلُّ شيء، وبلغَ غايتَه كلُّ شيء، بحسب مادَّته المنقادة، وصورته المعتادة، ولم يثبُت بشيء، وثبت به كلُّ شيء، فهو الفاعلُ القادرُ الجوادُ الواهب، والمُنِيلُ المُفْضِل (٤)، والأولُ السابق. فلمَّا كان الباحثُ عن العالَم العُلويِّ بتصفُّح سكَّانه (٥)، ومعرفة آثاره ومواقعه وأسراره، متعرِّضًا لأن يكون مشابهًا (٦) لبارئه، مناسبًا لربِّه بهذا الوجه المعروف= استحال أن يستفيد بعلمه، كما استحال أن يستفيد خالقُه بفعله؛ لأنَّ نعتَه لَصِقَ به (٧)، وحكمَه لَزِمَه، وحِلْيتَه (٨) بدت منه، وصفتَه عادت عليه. وهذه حالٌ إذا فَطِنَ لها، وأشرفَ ببصيرةٍ ثاقبةٍ عليها، وتحقَّق بحقيقتها، وترقَّى (٩) للخبرة بسَنيِّ ما فيها، علم اضطرارًا عقليًّا أنها أجلُّ وأعلى وأنفس

стр. 1439

وأسمى وأدومُ وأبقى من جميع فوائد سائر العلوم (١) التي حازها أولئك العالِمون؛ لأنَّ أولئك أعمَلوا فوائدَ علومهم فيما حَفِظ عليهم حدَّ الإنسان وخَلْقَه وعادته وشهوتَه (٢) وراحتَه في اجتلاب نفعٍ ودفع ضرر، ونقصَت رتبتُهم عن مشابهته ومناسبته، والتشبُّه بخاصَّته، والتحلِّي بحِلْيته، ولذلك جَبَر اللهُ نقصَهم في علمهم بفوائدَ نالوها، ومنافعَ أحرزوها (٣). فأمَّا من أرادَ معرفةَ هذه الخفايا والأسرار من هذه الأجرام والأنوار على ما هُيِّئت له ونُظِمَت عليه، فهو حريٌّ جديرٌ أن يعرى من جميع ما وجده صاحبُ كلِّ علمٍ في علمه من المرافق والمنافع، ويفردَ بالحكم (٤) من رتبها على ما هي عليه، غيرَ مستفيدٍ بذلك فائدةً ولا جدوى. وهذه لطيفةٌ شريفة، متى وُقِفَ عليها حقَّ الوقوف، وتُقبِّلت حقَّ التقبُّل، كان المدركُ لها أجلَّ من كلِّ فائتٍ وإن عزَّ؛ لأنها بشريَّةٌ صارت إلهيَّة، وجسميَّةٌ استحالت رُوحانيَّة، وطينيَّةٌ انقلبت نُوريَّة، ومركَّبٌ عاد بسيطًا، وجزءٌ استحال كُلًّا، وهذا أمرٌ قلَّما يهتدى إليه ويتنبَّه عليه. * وقال آخر ــ وهو أبو سليمان المنطقي، وقد سأله أبو حيَّان تلميذُه عن هذه الأجوبة وما فيها من حقٍّ وباطل ــ: إنَّ هاهنا أنفسًا خبيثة، وعقولًا رديَّة، ومعارفَ خسيسة، لا يجوزُ لأربابها أن يَنْشَقُوا ريحَ الحكمة، أو يتطاولوا إلى

стр. 1440

غرائب الفلسفة، والنهيُ ورَد من أجلهم، وهو حقٌّ. فأمَّا النفوسُ التي قوتُها الحكمة، وبُلْغَتُها العلم، وعُدَّتها الفضائل، وعقدتُها (١) الحقائق، وذُخْرُها الخيرات، وعادتُها المكارم، وهِمَّتُها المعالي، فإن النهي لم يوجَّه إليها، والعتبَ (٢) لم يوقَع عليها. كيف يكونُ ذلك، وقد بان بما تكرر من القول أنَّ فائدةَ هذا العلم أجلُّ فائدة، وثمرته أحلى ثمرة (٣)، ونتيجته أشرفُ نتيجة؟! فليكن هذا كلُّه كافًّا عن سوء الظنِّ، وكافيًا لك فيما وقع فيه القول وطالَ بين هؤلاء السَّادة الجَحاجِحَة (٤) في العلم والفهم والبيان والنصح (٥)». انتهت الحكاية (٦). فليتأمَّل من أنعمَ اللهُ عليه بالعقل والعلم والإيمان، وصانَه عن تقليد هؤلاء وأمثالهم من أهل الحَيرة والضلال= ما في هذه المحاورة، وما انطوت عليه من اعترافهم بغاية علمهم ومستقرِّ أقدامهم فيه، وما حكموا به على أنفسهم من مقتضى حكمة الله فيهم أن يَسْلُبَهم ثمرات علوم الناس وفوائدَها، وأن يكسُوهم لباسَ الخَيبة وقَهْر الناس لهم وإذلالهم إيَّاهم، وأن يجعَل نصيبَ كلِّ أحدٍ من العلم والسعادة فوق نصيبهم (٧)، وأن يجعَل
следующие страницы →