← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

قال: وهذا إذا صحَّ تعلَّق الأمرُ كلُّه بما يتصلُ بهذا العالم السفليِّ من ذلك العالم العُلوي؛ فإذًا الصوابُ والخطأ محمولان على القوى المنبثَّة (١)، والأنوار الشائعة، والآثار الذَّائعة (٢)، والعلل الموجِبة، والأسباب المتوافية (٣). * وقال آخر ــ وهو النُّوشْجاني ــ: أيها القوم، اختصروا الكلام، وقرِّبوا البُغْية؛ فإنَّ الإطالةَ مَصِدَّةٌ عن الفائدة، مَضِلَّةٌ للفهم والفطنة، هل تصحُّ الأحكام؟ * فقال غلام زُحَل: ليس عن هذا جوابٌ يستتِبُّ (٤) على كلِّ وجه. فقيل: ولم؟ بيِّن ذلك. قال: لأنَّ صحَّتها وبطلانها يتعلَّقان بآثار الفلَك، وقد يقتضي شكلُ الفلَك في زمانٍ أن لا يصحَّ منها شيء، وإن غِيصَ على دقائقها، وبُلِغَ إلى أعماقها. وقد يزولُ ذلك الشكلُ [فيجيء زمانٌ لا يبطلُ منها شيءٌ فيه، وإن قُورب في الاستدلال. وقد يتحولُ هذا الشكلُ] (٥) في وقتٍ آخر إلى أن

стр. 1437

يكثُر الصوابُ فيها والخطأ، ويتقاربان، ومتى وقفَ الأمرُ على هذا الحدِّ لم يثبت على قضاءٍ (١) ولم يُوثق بجواب (٢). * وقال آخر: إنَّ الله تعالى وتقدَّس اخترعَ هذا العالَم وزيَّنه، ورتَّبه وحسَّنه، ووشَّحه ونظَّمه، وهذَّبه وقوَّمه، وأظهرَ عليه البهجةَ وأبطنَ في أثنائه (٣) الحكمة، وحفَّه بكلِّ ما طَبَا العقولَ (٤) إلى تصفُّحه ومعرفته، وحشَاه بكلِّ ما حاشَ النفوسَ (٥) إلى علمه وتقليبه والتعجُّب من أعاجيبه، وأمتَع الأرواحَ بمحاسنه، وأودعه أمورًا، واستخزنه (٦) أسرارًا، ثمَّ حرَّك الألبابَ عليها حتى استثارتها ولَقَطَتها، وأحبَّتها (٧) وعَشِقَتها ووَلِهَت (٨) عليها؛ لأنها عرفَت بها ربَّها وخالقَها وإلاهَها وواضعَها وصانعَها وحافظَها وكافلَها. ثمَّ إنه تعالى مَزَجَ بعضَ ما فيه ببعض، وركَّب بعضَه على بعض، ونسجَ بعضَه في بعض، وأمدَّ بعضَه من بعض، وأحالَ بعضَه إلى بعض، بوسائط من أشخاصٍ وأجناسٍ وطبائع وأنفسٍ وعلومٍ وعقول، وتصرَّف في ملكه بقدرته

стр. 1438

وجُوده وحكمته، لا مَعِيبَ الفضل، ولا معدومَ الاختيار (١)، ولا مردودَ الحكمة (٢)، ولا مجحودَ الذَّات، ولا محدود (٣) الصفات، سبحانه. وهو مع هذا كلِّه لم يستفد شيئًا، ولم ينتفع بشيء، بل استفاد منه كلُّ شيء، وانتفع به كلُّ شيء، وبلغَ غايتَه كلُّ شيء، بحسب مادَّته المنقادة، وصورته المعتادة، ولم يثبُت بشيء، وثبت به كلُّ شيء، فهو الفاعلُ القادرُ الجوادُ الواهب، والمُنِيلُ المُفْضِل (٤)، والأولُ السابق. فلمَّا كان الباحثُ عن العالَم العُلويِّ بتصفُّح سكَّانه (٥)، ومعرفة آثاره ومواقعه وأسراره، متعرِّضًا لأن يكون مشابهًا (٦) لبارئه، مناسبًا لربِّه بهذا الوجه المعروف= استحال أن يستفيد بعلمه، كما استحال أن يستفيد خالقُه بفعله؛ لأنَّ نعتَه لَصِقَ به (٧)، وحكمَه لَزِمَه، وحِلْيتَه (٨) بدت منه، وصفتَه عادت عليه. وهذه حالٌ إذا فَطِنَ لها، وأشرفَ ببصيرةٍ ثاقبةٍ عليها، وتحقَّق بحقيقتها، وترقَّى (٩) للخبرة بسَنيِّ ما فيها، علم اضطرارًا عقليًّا أنها أجلُّ وأعلى وأنفس

стр. 1439

وأسمى وأدومُ وأبقى من جميع فوائد سائر العلوم (١) التي حازها أولئك العالِمون؛ لأنَّ أولئك أعمَلوا فوائدَ علومهم فيما حَفِظ عليهم حدَّ الإنسان وخَلْقَه وعادته وشهوتَه (٢) وراحتَه في اجتلاب نفعٍ ودفع ضرر، ونقصَت رتبتُهم عن مشابهته ومناسبته، والتشبُّه بخاصَّته، والتحلِّي بحِلْيته، ولذلك جَبَر اللهُ نقصَهم في علمهم بفوائدَ نالوها، ومنافعَ أحرزوها (٣). فأمَّا من أرادَ معرفةَ هذه الخفايا والأسرار من هذه الأجرام والأنوار على ما هُيِّئت له ونُظِمَت عليه، فهو حريٌّ جديرٌ أن يعرى من جميع ما وجده صاحبُ كلِّ علمٍ في علمه من المرافق والمنافع، ويفردَ بالحكم (٤) من رتبها على ما هي عليه، غيرَ مستفيدٍ بذلك فائدةً ولا جدوى. وهذه لطيفةٌ شريفة، متى وُقِفَ عليها حقَّ الوقوف، وتُقبِّلت حقَّ التقبُّل، كان المدركُ لها أجلَّ من كلِّ فائتٍ وإن عزَّ؛ لأنها بشريَّةٌ صارت إلهيَّة، وجسميَّةٌ استحالت رُوحانيَّة، وطينيَّةٌ انقلبت نُوريَّة، ومركَّبٌ عاد بسيطًا، وجزءٌ استحال كُلًّا، وهذا أمرٌ قلَّما يهتدى إليه ويتنبَّه عليه. * وقال آخر ــ وهو أبو سليمان المنطقي، وقد سأله أبو حيَّان تلميذُه عن هذه الأجوبة وما فيها من حقٍّ وباطل ــ: إنَّ هاهنا أنفسًا خبيثة، وعقولًا رديَّة، ومعارفَ خسيسة، لا يجوزُ لأربابها أن يَنْشَقُوا ريحَ الحكمة، أو يتطاولوا إلى

стр. 1440

غرائب الفلسفة، والنهيُ ورَد من أجلهم، وهو حقٌّ. فأمَّا النفوسُ التي قوتُها الحكمة، وبُلْغَتُها العلم، وعُدَّتها الفضائل، وعقدتُها (١) الحقائق، وذُخْرُها الخيرات، وعادتُها المكارم، وهِمَّتُها المعالي، فإن النهي لم يوجَّه إليها، والعتبَ (٢) لم يوقَع عليها. كيف يكونُ ذلك، وقد بان بما تكرر من القول أنَّ فائدةَ هذا العلم أجلُّ فائدة، وثمرته أحلى ثمرة (٣)، ونتيجته أشرفُ نتيجة؟! فليكن هذا كلُّه كافًّا عن سوء الظنِّ، وكافيًا لك فيما وقع فيه القول وطالَ بين هؤلاء السَّادة الجَحاجِحَة (٤) في العلم والفهم والبيان والنصح (٥)». انتهت الحكاية (٦). فليتأمَّل من أنعمَ اللهُ عليه بالعقل والعلم والإيمان، وصانَه عن تقليد هؤلاء وأمثالهم من أهل الحَيرة والضلال= ما في هذه المحاورة، وما انطوت عليه من اعترافهم بغاية علمهم ومستقرِّ أقدامهم فيه، وما حكموا به على أنفسهم من مقتضى حكمة الله فيهم أن يَسْلُبَهم ثمرات علوم الناس وفوائدَها، وأن يكسُوهم لباسَ الخَيبة وقَهْر الناس لهم وإذلالهم إيَّاهم، وأن يجعَل نصيبَ كلِّ أحدٍ من العلم والسعادة فوق نصيبهم (٧)، وأن يجعَل

стр. 1441

رزقَهم من أبواب الكذب والظنِّ والزَّرْق، وهو أخبثُ مكاسب العالَم، ومكسبُ البغايا وأرباب المواخير خيرٌ من مكاسب هؤلاء؛ لأنهم كسبوها بذنوبٍ وشهوات، وهؤلاء اكتسبوا ما اكتسبوه بالكذب على الله وادِّعاء ما يعلمون هم كَذِبَ أنفسهم فيه. والعجبُ شهادتُهم على أنفسهم أنَّ حكمة الله سبحانه اقتضت ذلك فيهم لتعاطيهم مشاركتَه في غيبه، والاطلاعَ على أسرار مملكته، وتعدِّيهم طورَ العبوديَّة التي هي سِمَتُهم إلى طور الربوبيَّة الذي لم يجعل لأحدٍ سبيلًا إليه! فاقتضت حكمةُ العزيز الحكيم أنْ عامَلهم بنقيض قُصودهم (١) وعكس مُراداتهم، وجعلِ كلَّ واحدٍ فوقهم في كلِّ ملَّة، ورميِ الناس باللسان العامِّ والخاصِّ لهم بأنهم أكذبُ النَّاس، فإنهم هم الزنادقةُ الدَّهريةُ أعداء الرسل (٢) وسوسُ المُلك (٣)، وأنَّ طالعَهم على من حَسَّنَ الظنَّ بهم وتقيَّد بأحكامهم في حركاته وسكناته وتدبيره شرُّ طالع، والمُلكُ والولايةُ المَسُوسُ بهم أذلُّ ملكٍ وأقلُّه، ومن له شيءٌ من تجارب الأمم وأخبار الدُّول والوزراء وغيرهم فعنده من العلم بهذا ما ليس عند غيره. ولهذا الملوكُ والخلفاءُ والوزراءُ الذين لهم قبولٌ في العالم وصِيتٌ ولسانُ صدقٍ هم أعداءُ هؤلاء الزنادقة، كالمنصور (٤)، والرشيد، والمهدي،

стр. 1442

وكخُلفاء بني أمية، وكالملوك المؤيدين في الإسلام قديمًا وحديثًا، كانوا أشدَّ الناس إبعادًا لهؤلاء عن أبوابهم، ولم يَقُمْ لهم سوقٌ في عهدهم إلا عند أشباههم ونظرائهم من كلِّ منافقٍ متستِّرٍ بالإسلام، أو جاهلٍ مُفْرِطٍ في الجهل، أو ناقص العقل والدِّين. وهؤلاء المذكورون في هذه المحاورة لمَّا صَحَوا وخلا بعضُهم ببعض ولم يُمْكِنهم أن يعتمدوا من التلبيس والكذب والزَّرْق مع بعضهم بعضًا (١) ما يعتمدونه مع غيرهم تكلَّموا بما عندهم في ذلك من الاعتراف بالجهل، وأنَّ الأمرَ إنما هو حَدْسٌ وظنٌّ وزَرْق، وأنَّ أحوالَ العالم العُلويِّ أجلُّ وأعظمُ من أن تدخلَ تحت معارفهم وتُكالَ بقُفْزان عقولهم (٢)، وأنَّ جهلَهم بذلك يوجبُ ولا بدَّ جهلَهم بالأحكام، وأنهم لا وثوقَ لهم بشيءٍ مما فيه؛ لجواز تشكُّل الفلَك بشكلٍ يقتضي بطلانَ جميع الأحكام، وتشكُّله بشكلٍ يكونُ بطلانُها وصحَّتُها بالنسبة إليه على السَّواء، وليس لهم علمٌ بانتفاء هذا الشَّكل ولا بوقت حصوله، فإنه ليس جاريًا على قانونٍ مضبوط، ولا على حسابٍ معروف. ومع هذا فكيف يبقى لعاقلٍ الوثوقُ بشيءٍ من علم أحكامهم، وهذه

стр. 1443

شهادةُ فضلائهم وأئمَّتهم؟! ولو أنَّ خصومهم الذين لا يشاركونهم في صناعتهم قالوا هذا القولَ لم يكن مقبولًا كقبوله منهم. والحمدُ لله الذي أشهَد أهلَ العلم والإيمان جهلَ هؤلاء وحيرتَهم وضلالَهم وكذبَهم وافتراءَهم بشهادتهم على نفوسهم وعلى صناعتهم، وأنَّ استفادةَ كلِّ ذي علمٍ بعلمه وكلِّ ذي صناعةٍ بصناعته أعظمُ من استفادتهم بعلمهم، وأنَّ أحدًا منهم لا يمكنه أن يعيشَ إلا في كَنَفِ من لم يُحِط من هذا العلم بشيء، وتحت ظلِّ من هو أجهلُ الناس. ومن العجب قولهم: إنَّ طالعَ أحد المَلِكَين المتغالبَين قد يكونُ مقتضيًا أن لا يصيب منجِّمُه في تلك الحرب، وطالعُ المنجِّم يقتضي خطأه في ذلك الحكم، وطالعُ خصمه ومنجِّمه بالضِّدِّ! فليعجَب ذو اللُّبِّ من هذا الهذَيان وتهافُته؛ فإذا كان الطالعُ مقتضيًا أن لا يصيبَ المنجِّمُ في تلك الحرب وقد أعطى الحسابَ والحُكمَ حقَّه عند أرباب الفنِّ، بحيث يشهدُ كلُّ واحدٍ منهم أنَّ الحكمَ ما حكم به، أفليس هذا مِن أبين الدَّلائل على بطلان الوثوق بالطالع، وأنَّ الحكمَ به حكمٌ بغير علم، وحكمٌ بما يجوزُ كذبُه؟! فما في الوجود أعجبُ من هذا الطالع الصَّادق الكاذب، المصيب المخطاء! وأعجبُ من هذا أنَّ هذا الطالعَ بعينه يكونُ قد حَكَمَ به لظفر عدوِّ هذا عليه منجِّمُه، فوافق القضاءُ والقدرُ ذلك الطالعَ وذلك الحُكم، فيكونُ أحدُ المنجِّمَين قد أصاب لمَلِكه طالعًا وحُكمًا، والآخرُ قد أخطأ لمَلِكه، وقد خرجا بطالعٍ واحد!

стр. 1444

وأعجبُ من هذا كلِّه تشكُّلُ الفلَك بشكلٍ وحصولُ طالعِ سعدٍ فيه باتفاق ملئكم، فيحدُث معه مِن علوِّ كلمة مَن لا تعبؤون به (١) ولا تعدُّونه، وظهورِ أمرهم، واستيلائهم على المملكة والرياسة والعزِّ والجاه (٢)، ولَهَجِهم بذمِّكم (٣) وعَيبكم وإبداء جهلكم وزندقتكم وإلحادكم، فتحتاجون (٤) أن تَنْضَوُوا إليهم، وتعتصموا بحبلهم، وتترَّسوا بهم، وتقولون لهم بألسنتكم ما تنطوي قلوبُكم على خلافه، مما لو أظهرتموه لكنتم حصائدَ سيوفهم كما صرتُم حصائدَ ألسنتهم. فأيُّ سعدٍ في هذا الطالع لعمري، أم أيُّ خيرٍ فيه؟! وليت شعري، كيف لم يوجب لكم هذا الطالعُ بارقةً من سعادة، أو لائحًا من عزٍّ وقبول؟! ولكن هذه حكمةُ ربِّ الطالع (٥)، ومدبِّر الفلَك وما حواه، ومسخِّر الكواكب ومجريها على ما يشاءُ سبحانه، أنْ جعَلكم كالذِّمَّة (٦)، بل أذلَّ منهم، تحت قهر عبيده، وجعل سهامَ سعادتهم من كلِّ خيرٍ وعلمٍ ورياسةٍ وجاهٍ أوفرَ من سِهامكم، وبيوتَ شرَفهم في هذا العالم أعمرَ من بيوتكم، بل خرَّبَ بيوتكم بأيديهم، فلا ينعمرُ منها بيتٌ إلا بالانضمام إليهم والانتماء إلى

стр. 1445

شريعتهم وملَّتهم. وهذا شأنُ العزيز الحكيم في الكذَّابين عليه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]. قال أبو قلابة: «هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة» (١). وهذه المحاورةُ التي جرت بين أصحاب هذا المَجْمَع (٢) هي غايةُ ما يمكنُ النجوميَّ أن يقولَه، ولا يَصِلُ إلى ذلك إلا المبرِّزون منهم، ومع هذا فقد رأيتَ حاصلَها ومضمونَها، ولعلهم أن لو عَلِمُوا أنَّ هذه الكلمات تُنقَل (٣) من جماعتهم، وتتصلُ بأهل الإيمان، لم ينطقوا منها ببنتِ شَفَة، ويأبى اللهُ إلا أن يفضحَ المفتري الكذَّاب ويُنْطِقَه بما يبيِّن باطلَه. فصل قال صاحبُ الرِّسالة: «ذِكْرُ جُمَلٍ من احتجاجهم والاحتجاج عليهم مِن أوكد ما يستدلُّون به على أنَّ الكواكبَ تفعلُ في هذا العالَم، أو لها دلالةٌ على ما يحدثُ فيه: أنهم امتحنوا عدةَ مواليد صحَّحوا طوالَعها،

стр. 1446

وجملةَ مسائلَ راعوها، فوجدوا القضيةَ في جميع ذلك صادقة، فدلَّهم ذلك على أنَّ الأصول التي عملوا عليها صحيحة. فيقال لهم: إذا كان ما تدَّعونه من هذا دليلًا على صحة الأحكام، فما الفصلُ بينكم وبين من قال: الدليلُ على بطلان الأحكام أنَّا امتحنَّا مواليدَ صحَّحنا طوالعَها، ومسائل تفقَّدنا أحوالَها، فوجدنا جميعها باطلًا ولم يصحَّ الحكمُ في شيءٍ منها؟! فإن قالوا: إنما يكونُ هذا لجواز الغلط على المنجِّم الذي عملها. قيل لكم: فما تُنكِرون من أن يكون صِدْقُ المنجِّم في حكمه باتِّفاقٍ وتخمين، كإخراج الزَّوج والفرد (١)، وصِدْقِ الحَزْر في الوزن والكيل والذَّرْع والعدد؟! وإذا كانت الدلالةُ على صحَّة مقالتكم صِدْقُكم في بعض أحكامكم، فالدلالةُ على بطلانها كذبُكم في بعضها (٢). فإن قالوا: ليس ما قلناه بتخمين (٣)؛ لأنَّا إنما نحكمُ على أصولٍ موضوعةٍ في كتب القدماء. قيل لهم: لسنا نشكُّ في أنكم تتبعونَ ما في الكتب، وتقلِّدون من

стр. 1447

تقدَّمكم، وما يقعُ من الصِّدق فإنما يقعُ بحسب الاتِّفاق، والذي حصلتم عليه هو الحَدْسُ والتخمينُ بحسب ما في الكتب. ومما يستدلُّ به من ينتسبُ إلى الإسلام منهم على تصحيح دلالة النجوم: قولُه تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]، ولا حجَّة في هذا البتَّة؛ لأنَّ إبراهيم ــ ﵊ ــ إنما قال هذا ليدفعَ به قومَه عن نفسه، ألا ترى أنه قال بعدُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩٠ - ٩١]، فبيَّن ﵎ أنه إنما قال ذلك ليدفَعهم به، لِمَا كان عَزَمَ عليه من أمر الأصنام (١)، وليس يحتاجُ أحدٌ إلى معرفة أصحيحٌ هو أم سقيمٌ من النجوم؛ لأنَّ ذلك يُوجَدُ حِسًّا ويُعْلَمُ ضرورةً، ولا يُحتاجُ فيه إلى استدلالٍ وبحث» (٢). قلت: قد احتُجَّ لهم بغير هذه الحُجَج، فنذكرُها ونبيِّن بطلانَ استدلالهم بها، وبيانَ الباطل منها. قال أبو عبدالله الرازي (٣): «اعلم أنَّ المثبتينَ لهذا العلم احتجُّوا من كتاب الله بآيات.

стр. 1448

إحداها: الآياتُ الدالةُ على تعظيم هذه الكواكب. فمنها: قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦]، وأكثرُ المفسرين على أنَّ المراد هو الكواكبُ التي تَسِيرُ (١) راجعةً تارةً ومستقيمةً أخرى (٢). ومنها: قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦]، وقد صرَّح تعالى بتعظيم هذا القَسَم، وذلك يدلُّ على غاية جلالة مَواقِع النجوم ونهاية شرفها (٣). ومنها: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ - ٣]، قال ابنُ عباس: «الثَّاقب هو زُحَل؛ لأنه يثقُبُ بنوره سَمْكَ السموات السَّبع» (٤). ومنها: أنه تعالى بيَّن إلهيَّته بكَونِ هذه الكواكب تحت تدبيره وتسخيره فقال: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. النوع الثاني: الآياتُ الدالة على أنَّ لها تأثيرًا في هذا العالم؛ كقوله

стр. 1449

تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤]، قال بعضهم: المرادُ هذه الكواكب (١). النوع الثالث: الآياتُ الدالةُ على أن في الأيام ما يكون نحسًا، كقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] (٢). النوع الرابع: الآياتُ الدالةُ على أنه تعالى وضعَ حركات هذه الأجرام على وجهٍ يُنتَفَعُ بها في مصالح هذا العالَم؛ فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. النوع الخامس: أنه تعالى حكى عن إبراهيم ﵇ أنه تمسَّك بعلوم النجوم، فقال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]. النوع السادس: أنه قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]، ولا يكونُ المرادُ من هذا كِبَرَ الجُثَّة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ ذلك، فوجبَ أن يكون المرادُ كِبَرَ القَدْرِ والشَّرف.

стр. 1450

وقال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولا يجوزُ أن يكون المرادُ أنه تعالى خلقها ليُستَدلَّ بتركيبها وتأليفها على وجود الصَّانع؛ لأنَّ هذا القَدْرَ حاصلٌ في تركيب البَقَّة والبعوضة، ودلالةُ حصول الحياة (١) في بِنْية الحيوانات على وجود الصَّانع أقوى من دلالة تركيب الأجرام الفلَكيَّة على وجود الصَّانع؛ لأنَّ الحياةَ لا يَقْدِرُ عليها أحدٌ إلا الله، أما تركيبُ الأجسام وتأليفُها فقد يقدرُ على جنسه غيرُ الله. فلمَّا كان هذا النوعُ من الحكمة حاصلًا في غير الأفلاك، ثم إنه تعالى خصَّها بهذا التشريف، وهو قولُه: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ = عَلِمنا أنَّ له تعالى في تخليقها أسرارًا عالية، وحِكَمًا بالغة، تتقاصرُ عقولُ البشر عن إدراكها. ويَقْرُبُ من هذه الآية قولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]؛ ولا يمكنُ أن يكونَ المرادُ أنه تعالى خلقها على وجهٍ يمكنُ الاستدلالُ بها على وجود الصَّانع الحكيم؛ لأنَّ كونها دالةً على الافتقار إلى الصَّانع أمرٌ ثابتٌ لها لذاتها؛ لأنَّ كلَّ متحيِّزٍ فإنه مُحْدَث، وكلَّ مُحْدَثٍ فإنه مفتقرٌ إلى الفاعل، فثبت أنَّ دلالةَ المتحيِّزات على وجود الفاعل أمرٌ ثابتٌ لها لذواتها وأعيانها، وما كان كذلك لم يكن سببَ الفعل والجَعْل، فلم يمكن (٢) حملُ قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا

стр. 1451

السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ على هذا الوجه، فوجب حملُه على الوجه الذي ذكرناه. النوع السابع: رُوِي أنَّ عمر بن الخيَّام (١) كان يقرأ كتابَ «المِجَسْطي» (٢) على أستاذه، فدخلَ عليهم واحدٌ من أجلاف المتفقِّهة، فقال لهم: ماذا تقرؤون؟ فقال عمرُ بن الخيَّام: نحن في تفسير آيةٍ من كتاب الله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]، فنحن ننظرُ كيف خلقَ السماء، وكيف بناها، وكيف صانها عن الفُروج. النوع الثامن: أنَّ إبراهيم ﵇ لما استدلَّ على إثبات الصَّانع تعالى بقوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، قال له نمرود: أتدَّعي أنه يحيي ويميتُ بواسطة الطبائع والعناصر، أو لا بواسطة هذه الأشياء؟ فإن ادعيتَ الأول فذلك مما لا تجده البتَّة؛ لأنَّ كلَّ ما يحدُث في هذا العالم فإنما يحدُث بواسطة أحوال العناصر الأربعة والحركات الفلَكيَّة. وإذا ادعيتَ الثاني فمثلُ هذا الإحياء والإماتة حاصلٌ مني ومن كلِّ أحد؛ فإنَّ الرجلَ قد يكونُ سببًا (٣) لحدوث الولد لكن بواسطة تمزيج الطبائع

стр. 1452

وتحريك الأجرام الفلَكيَّة، وكذلك قد يميتُ (١) بهذه الوسائط. وهذا هو المرادُ من قوله تعالى حكايةً عن الخصم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. ثمَّ إنَّ إبراهيم ﵊ أجاب عن هذا السؤال بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، يعني: هَبْ أنه سبحانه إنما يُحْدِثُ حوادثَ العالم بواسطة الحركات الفلَكيَّة، لكنَّه تعالى هو المبداء (٢) للحركات الفلَكيَّة؛ لأنَّ تلك الحركات لا بدَّ لها من سبب، ولا سببَ لها سوى قدرة الله تعالى، فثبتَ أنَّ حوادثَ هذا العالم وإن سلَّمنا أنها إنما حصلت بواسطة الحركات الفلَكيَّة لكنَّه لمَّا كان المدبِّر لتلك الحركات الفلَكيَّة هو الله تعالى كان الكلُّ منه، بخلاف الواحد منَّا، فإنَّا وإن قَدَرْنا على الإحياء والإماتة بواسطة الطبائع وحركات الأفلاك، إلا أنَّ حركات الأفلاك ليست منَّا، بدليل أنَّا لا نقدرُ على تحريكها على خلاف التَّحريك الإلهي، وظَهَر الفَرق. وهذا هو المرادُ من قول إبراهيم ﵊: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، يعني: هَبْ أنَّ هذه الحوادثَ في هذا العالم حصلت بحركة الشَّمس من المشرق، إلا أنَّ هذه الحركة من الله؛ لأنَّ كلَّ جسمٍ متحرِّكٍ فلا بدَّ له من محرِّك، وذلك المحرِّكُ لست أنتَ ولا أنا، فلِمَ لا تحرِّكها من المغرب؟! فثبتَ أنَّ اعتمادَ إبراهيم الخليل في معرفة ثبوت الصَّانع على الدلائل

стр. 1453

الفلَكيَّة، وأنه ما نازع الخصمَ في كون هذه الحوادث السفليَّة مرتبطةً بالحركات الفلَكيَّة. واعلم أنكَ إذا عرفتَ نهجَ الكلام في هذا الباب علمتَ أنَّ القرآنَ مملوءٌ من تعظيم الأجرام الفلَكيَّة وتشريف الكُرات الكوكبيَّة. * وأمَّا الأخبار، فكثيرة. منها: ما رُوِي عن النبي ﷺ أنه نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشَّمس والقمر واستدبارهما (١). ومنها: أنه لمَّا مات ولدُه إبراهيم انكسفت الشَّمس، ثمَّ إنَّ الناسَ قالوا: إنما انكسفت لموت إبراهيم، فقال: «إنَّ الشَّمس والقمرَ آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» (٢). ومنها: ما روى ابنُ مسعود ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا ذُكِرَ

стр. 1454

القَدَرُ فأمسكوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا، وإذا ذُكِرَ النجومُ فأمسكوا» (١). ومن الناس من يروي أنه ﷺ قال: «لا تسافروا والقمرُ في العقرب» (٢)، ومنهم من يروي ذلك عن عليٍّ ﵁ (٣)، وإن كان المحدِّثون

стр. 1455

لا يقبلونه. * وأمَّا الآثار، فكثيرة. منها: عن عليٍّ أنَّ رجلًا أتاه، فقال له: إني أريدُ الخروج في تجارة، وكان ذلك في مَحَاقِ الشَّهر، فقال: تريدُ أن يمحقَ اللهُ تجارتك؟! استقبِل هلالَ الشَّهر بالخروج (١). وعن عكرمة أنَّ يهوديًّا منجِّمًا قال له ابنُ عباس: ويحك، تُخْبِرُ الناسَ بما لا تدري؟! فقال اليهودي: إنَّ لك ابنًا وهو في المَكْتَب، ويجيءُ غدًا محمومًا، ويموتُ في اليوم العاشر منه. قال ابنُ عباس: ومتى تموتُ أنت؟ قال: في رأس السَّنة. ثمَّ قال لابن عباس: لا تموتُ أنت حتى تعمى. ثمَّ جاء ابنُ ابن عباس وهو محموم، ومات في العاشر، ومات اليهوديُّ في رأس السَّنة، ولم يمت ابن عباسٍ ﵁ حتى ذهبَ بصرُه (٢).

стр. 1456

وعن الشعبي قال: قال أبوالدرداء: «والله لقد فارق رسولُ الله ﷺ وتركنا ولا طائرٌ يطيرُ بجناحيه إلا ونحن ندَّعي فيه علمًا» (١). وليست الكواكبُ موكَّلةً بالفساد والصَّلاح، ولكنَّ فيها دليلَ بعض الحوادث، عُرِف ذلكَ بالتجربة. وجاء في الآثار أنَّ أول من أُعطِيَ هذا العلمَ آدم؛ وذلك أنه عاش حتى أدركَ من ذرِّيته أربعينَ ألف أهل بيت، وتفرَّقوا عنه في الأرض، وكان يغتمُّ لخفاء خبرهم عليه، فأكرمه الله تعالى بهذا العلم، وكان إذا أراد أن يعرفَ حال أحدهم حَسَبَ له بهذا الحساب، فيقفُ على حالته (٢). وعن ميمون بن مهران، أنه قال: «إيَّاكم والتكذيبَ بالنجوم، فإنه علمٌ من علم النُّبوة» (٣). وعنه أيضًا أنه قال: «ثلاثٌ ارفُضوهنَّ؛ لا تنازعوا أهلَ القَدَر، ولا تذكروا أصحابَ نبيِّكم إلا بخير، وإيَّاكم والتكذيبَ بالنجوم؛ فإنه مِن علم

стр. 1457

النُّبوة» (١). ورُوِي أنَّ الشافعيَّ كان عالمًا بالنجوم، وجاء لبعض جيرانه ولد، فحكمَ الشافعيُّ أنَّ هذا الولدَ ينبغي أن يكون على العضو الفُلانيِّ منه خالٌ صفتُه كذا وكذا، فوُجِدَ الأمرُ كما قال (٢). * وأيضًا: أنه تعالى حكى عن فرعون أنه كان يذبحُ أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، والمفسرون قالوا: إنَّ ذلك إنما كان لأنَّ المنجِّمين أخبروه بأنه سيجيءُ ولدٌ من بني إسرائيل، ويكونُ هلاكُه على يده. وهذه الروايةُ ذكرها محمد بن إسحاق وغيره (٣). وهذا يدلُّ على اعتراف النَّاس قديمًا وحديثًا بعلم النجوم. * وأمَّا المعقول؛ فهو أنَّ هذا علمٌ ما خَلَتْ عنه ملَّةٌ من الملل، ولا أمَّةٌ من الأمم، ولا يُعرَفُ تاريخٌ من التواريخ القديمة والحديثة إلا وكان أهلُ ذلك الزمان مشتغلين بهذا العلم، ومعوِّلين عليه في معرفة المصالح، ولو كان هذا العلمُ فاسدًا بالكليَّة لاستحال إطباقُ أهل المشرق والمغرب من

стр. 1458

أوَّل بناء العالم إلى آخره عليه (١). وقال بَطْليموس في بعض كتبه: «بعض الناس يعيبونَ هذا العلم، وذلك العيبُ إنما حصلَ من وجوه: الأول: عجزُهم عن معرفة حقيقة مواضع الكواكب بدقائقها وثوانيها (٢)، وذلك أنَّ الآلات الرَّصديَّة لا تنفكُّ عن مُسامحاتٍ لا يفي بضبطها الحِسُّ؛ لأجل قلَّتها في الآلات الرَّصدية، لكنَّها وإن قلَّت في هذه الآلات إلا أنها في الأجرام الفلَكيَّة كثيرة، فإذا تباعَدت الأرصادُ حصلَ بسبب تلك المسامحات تفاوتٌ عظيمٌ في مواضع الكواكب (٣). الثاني: أنَّ هذا العلمَ علمٌ مبنيٌّ على معرفة الدلائل الفلَكيَّة، وتلك الدلائلُ لا تحصلُ إلا بتمزيجاتِ أحوال الكواكب، وهي كثيرةٌ جدًّا، ثمَّ إنها مع كثرتها قد تكونُ متعارضةً ولا بدَّ فيها من الترجيح، وحينئذٍ يصعبُ على أكثر الأفهام الإحاطةُ بتلك التَّمزيجات الكثيرة، وبعد الإحاطة بها فإنه يصعبُ الترجيحاتُ الجيِّدة، فلهذا السَّبب لا يتفقُ من يحيطُ بهذا العلم كما ينبغي إلا الفردُ بعد الفرد، ثمَّ إنَّ الجهَّالَ يُظهِرُونَ من أنفسهم كونَهم عارفين بهذا العلم، فإذا حَكَمُوا وأخطؤوا ظنَّ الناسُ أنَّ ذلك بسبب أنَّ هذا العلمَ ضعيف. الثالث: أنَّ هذا العلمَ لا يفي بإدراك الجزئيَّات على وجه التفصيل الباهر، فمن حَكَمَ على هذا الوجه فقد يقعُ في الخطأ.

стр. 1459

فلهذه الأسباب الثلاثة توجَّهت المطاعنُ إلى هذا العلم». وحُكِيَ أنَّ الأكاسرة كان إذا أراد أحدُهم طَلَبَ الولدِ أمر بإحضار المنجِّم، ثمَّ كان ذلك الملكُ يخلو بامرأته، فساعةَ ما يقعُ الماءُ في الرَّحِم يأمرُ خادمًا على الباب يضربُ طستًا يكونُ في يده، فإذا سمع المنجِّمُ طنينَ الطَّست أخذ الطالعَ وحكمَ عليه (١)، حتى يُخْبِر بعدد السَّاعات التي يمكثُ الولدُ في بطن أمه، ثمَّ إنه كان يأخذُ الطالعَ ــ أيضًا ــ عند الولادة مرةً أخرى ويحكمُ عليه. فلا جَرَمَ كانت أحكامُهم كاملةً قويَّة؛ لأنَّ الطالعَ الحقيقيَّ هو طالعُ مسقَط النطفة، فإنَّ حدوثَ الولد إنما يكونُ في ذلك الوقت، فأما طالعُ الولادة فهو طالعٌ مستعار؛ لأنَّ الولدَ لا يحدثُ في ذلك الوقت وإنما ينتقلُ من مكانٍ إلى مكانٍ آخر. ورُوِي أنَّ في عهد أَرْدْشِير بن بابَك (٢) أنه قال في العهد الذي كتبه لولده: لولا اليقينُ بالبَوارِ الذي على رأس ألف سنةٍ لكنتُ أكتبُ لكم كتابًا إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا أبدًا! وعَنى بالبَوار ما أخبره المنجِّمون من أنه يزول مُلكهم عند رأس ألف سنةٍ من مُلك گُشْتاسْپ (٣)، والمرادُ منه: زوالُ دولتهم وظهورُ دولة

стр. 1460

الإسلام. ورُوِي أنه دخلَ الفضلُ بن سهلٍ على المأمون في اليوم الذي قُتِلَ فيه، وأخبره أنه يُقْتَلُ في هذا اليوم بين الماء والنار، فأنكرَ المأمونُ ذلك عليه، وقوَّى قلبَه، ثمَّ اتفقَ أنه دخلَ الحمَّام فقُتِلَ في الحمَّام (١)، وكان الأمرُ كما أخبر». ثمَّ قال (٢): «واعلم أنَّ التجاربَ في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية» (٣). قلت: فهذا أقصى ما قرَّر به الرازيُّ كلامَ هؤلاء ومذهبَهم، ولقد نثَر الكنانة، ونَفَضَ الجَعْبة، واستفرغَ الوُسْع، وبذلَ الجهد، ورَوَّجَ وبَهْرَج، وقَعْقَعَ وفَرْقَع، وجَعْجَعَ ولا ترى طِحْنًا، وجمَع بين ما يُعْلَمُ بالاضطرار أنه كذبٌ على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه، وبين ما يُعْلَمُ بالاضطرار أنه خطأٌ في تأويل كلام الله ومعرفة مراده. ولا يروجُ ما ذكره إلا على مُفْرِطٍ في الجهل بدين الرسل وما جاؤوا به، أو مقلِّدٍ لأهل الباطل والمُحال من المنجِّمين وأقاويلهم، فإن جمَع بين الأمرين شَرِبَ كلامه شُربًا! ونحن بحمد الله ومعونته وتأييده نبيِّنُ بطلانَ استدلاله واحتجاجه، فنقول:

стр. 1461

* أمَّا الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؛ فإنَّ أكثر المفسِّرينَ على أنَّ المراد هو الكواكبُ التي تسيرُ راجعةً تارةً ومستقيمةً أخرى، فهذا القولُ قد قاله جماعةٌ من المفسِّرين (١)، وأنها الكواكبُ الخمسة: زُحَل وعطارد والمشتري والمرِّيخ والزُّهَرة، ويروى عن عليٍّ (٢)، واختاره مقاتل (٣) وابن قتيبة (٤). قالوا: وسمَّاها خُنَّسًا لأنها في سيرها تتقدَّمُ إلى جهة المشرق، ثم تَخْنُس، أي: تتأخَّر، وكنوسُها استتارُها في مغربها، كما تَكْنِسُ الظِّباءُ وبقرُ الوحش، أي: تأوي إلى كِناسها، وهي أكنَّتها. وتسمَّى هذه الكواكب: المتحيِّرة؛ لأنها تسيرُ مستقيمةً وتسيرُ راجعة. وقيل: كُنوسُها بالنسبة إلى الناظر وهو استتارُها تحت شعاع الشَّمس. وقيل: هي النجوم كلُّها. وهو اختيارُ أبي عبيدة (٥)، وقاله الحسنُ وقتادة (٦). وعلى هذا القول، فيكون القسَمُ بها باعتبار أحوالها الثلاثة: مِن طلوعها،

стр. 1462

وغروبها، وما بينهما. فهي خُنَّسٌ عند أول الطلوع؛ لأنَّ النجمَ منها يُرى كأنه يبدو ويَخْنُس، وكنَّسٌ عند غروبها؛ تشبيهًا بالظِّباء التي تأوي إلى كِناسها، وهي جَوَارٍ مابين طلوعها وغروبها. خُنَّسٌ عند الطلوع جوارٍ بعده، كُنَّسٌ عند الغروب. وهذا كلُّه بالنسبة إلى أفق كلِّ بلدٍ يكونُ لها فيه الأحوالُ الثلاثة. وقال عبدالله بن مسعود: هي بقرُ الوحش (١). وهي روايةٌ عن ابن عباس (٢)، واختاره سعيد بن جبير (٣). وقيل ــ وهو أضعفُ الأقوال ــ: إنها الملائكة. حكاه الماورديُّ في «تفسيره» (٤). فإن كان المرادُ بعضَ هذه الأقوال غيرَ ما حكاه الرازيُّ فلا حجَّة له. وإن كان المرادُ ما حكاه، فغايتُه أن يكونَ اللهُ سبحانه قد أقسمَ بها كما أقسمَ بالليل والنهار، والضحى، ومكة، والوالد وولده، والفجر وليالٍ عشر، والشَّفع والوتر، والسماء والأرض، واليوم الموعود، وشاهدٍ ومشهود، والنَّفس، والمرسلات، والعاصفات، والنَّاشرات، والفارقات، والنَّازعات، والنَّاشطات، والسَّابحات، والسَّابقات، وما نُبْصِرُه ومالا نُبْصِرُه من كلِّ

стр. 1463

غائبٍ عنَّا وحاضر، مما فيه التنبيهُ على كمال ربوبيته وعزَّته وحكمته وقدرته وتدبيره وتنوُّع مخلوقاته الدَّالَّة عليه، والمرشدة إليه، بما تضمَّنته من عجائب الصَّنعة وبديع الخِلْقَة، وتشهدُ لفاطرها وبارئها بأنه الواحدُ الأحدُ الذي لا شريكَ له، وأنه الكاملُ في علمه وقدرته ومشيئته ووحدانيته وحكمته وربوبيته ومُلكه، وأنها مسخَّرةٌ مذلَّلةٌ منقادةٌ لأمره مطيعةٌ لمراده منها. ففي الإقسام بها تعظيمٌ لخالقها ﵎، وتنزيهٌ له عمَّا نسبه إليه أعداؤه الجاحدون المعطِّلون لربوبيته وقدرته ومشيئته ووحدانيته، وأنَّ مَن هذه عبيدُه (١) ومماليكُه وخلقُه وصنعُه وإبداعُه فكيف تُجْحَدُ ربوبيتُه وإلهيتُه؟! وكيف تُنْكَرُ صفاتُ كماله (٢) ونعوتُ جلاله؟! وكيف يسوغُ لذي حِسٍّ سليمٍ وفطرةٍ مستقيمةٍ تعطيلُها عن صانعها، أو تعطيلُ صانعها عن نعوت جلاله وأوصاف كماله وعن أفعاله؟! فإقسامُه بها أكبرُ دليلٍ على فساد قول نوعي المعطِّلة والمشركين الذين جعلوها آلهةً تُعْبَد، مع دلائل الحُدوث والعبوديَّة والتَّسخير والافتقار عليها، وأنها أدلةٌ على بارئها (٣) وفاطرها وعلى وحدانيته، وأنه لا تنبغي الربوبيةُ والإلهيةُ لها بوجهٍ ما، بل لا تنبغي إلا لمن فطرها وبرأها، كما قال القائل: تأمَّلْ سطورَ الكائناتِ فإنها ... من الملأ الأعلى (٤) إليك رسائلُ وقد خُطَّ فيها لو تأمَّلتَ خَطَّها ... ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ

стр. 1464

وقال آخر: فواعجبَا كيف يُعصَى الإله ... أم كيف يجحدُه جاحدُ (١) ولله في كلِّ تحريكةٍ ... وتسكينةٍ أبدًا شاهدُ وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ فلم يكن إقسامُه بها سبحانه مقرِّرًا بذلك (٢) علمَ الأحكام النجوميَّة كما يقولُه الكاذبون المفترون، بل مقرِّرًا لكمال ربوبيته ووحدانيته، وتفرُّده بالخلق والإبداع، وكمال حكمته وعلمه وعظمته. وهذا نظيرُ إخباره سبحانه عن خَلقِها وعن حكمة خالقها (٣) بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ

стр. 1465

يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]. وهؤلاء المشركون يعظِّمون الشَّمس والقمرَ والكواكبَ تعظيمًا يسجدون لها به، ويتذلَّلون لها، ويسبِّحونها تسابيحَ معروفةً في كتبهم، ودعواتٍ لا ينبغي أن يُدعى بها إلا خالقُها وفاطرُها وحده. ويقولُ بعضهم في كتابه: مصحف الشَّمس، مصحف القمر، مصحف زُحل، مصحف عطارد (١). وبعضهم يقول: تسبيحة الشَّمس، تسبيحة القمر، تسبيحة عطارد، تسبيحة زُحَل، ولا يتحاشى من ذلك (٢). وبعضهم يقول: دعوة الشَّمس، دعوة القمر، دعوة عطارد، دعوة زُحَل. وبعضهم يقول: هيكل الشَّمس والقمر وعطارد (٣). وأصله: أنَّ الهيكلَ هو البيتُ المبنيُّ للعبادة، وكان الصَّابئون يبنون لكلِّ كوكبٍ من هذه هيكلًا، ويُصَوِّرون فيه ذلك الكوكب ويتخذُونه لعبادته وتعظيمه ودعائه، ويزعمون أنَّ روحانيَّة ذلك الكوكب تتنزَّلُ عليهم فتخاطبُهم وتقضي حوائجَهم (٤)، وشاهدوا ذلك منها وعاينوه، وتلك

стр. 1466

الروحانيَّةُ هي الشياطينُ تنزَّلتْ عليهم، وخاطبتْهم، وقَضَتْ حوائجَهم (١). ثمَّ لمَّا رامَ هذا الفعلَ من تستَّر منهم بالإسلام، ولم يُمْكِنه أن يبني بيتًا (٢) يعبدُها فيه، كتبَ لها دعواتٍ وتسبيحاتٍ وأذكارًا سمَّاها: هياكل، ثمَّ من اشتدَّ تستُّره وخوفُه أخرجَها في قالب حروفٍ وكلماتٍ لا تُفْهَم، لئلَّا يُبادَر إلى إنكارها وردِّها! ومن لم يَخَفْ منهم خرَّج (٣) تلك الدَّعوات والتسبيحات والأذكار بلسان من يخاطبُه بالفارسية والعربية وغيرها، فلمَّا أنكرَ عليه أهلُ الإيمان، قال: إنما ذكرتُ هذه معرفةً لهذا العلم وإحاطةً به، لا اعتقادًا له، ولا ترغيبًا فيه. وقد وَصَفَ (٤) ذلك العلمَ وقرَّره على أتمِّ تقرير، وحَمَله هديَّةً إلى مَلِكه فأثابه عليه جملةً من الذهب، يقال: إنه ألفُ دينار (٥)، وصار ذلك الكتابُ (٦)

стр. 1467

إمامًا لأهل هذا الفنِّ، إليه يلجؤون، وعليه يعوِّلون، وبه يحتجُّون، ويقولون: شهرةُ مصنِّفه وجلالتُه وعلمُه وفضلُه لا تُنكَرُ ولا تُجْحَد. وفي هذا الكتاب من مخاطبة الشَّمس والقمر والكواكب بالخطاب الذي لا يليقُ إلا بالله ولا ينبغي لأحدٍ سواه، ومن الخضوع والذُّلِّ والعبادة التي لم يكن عُبَّادُ الأصنام يبلغونها من آلهتهم (١). فيا لله! أتجعلُ (٢) قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ دليلًا على هذا ومقدمةً له في أول الكتاب؟! فإن كان الإقسامُ بها دليلًا على تأثيراتها في العالم ــ كما يقولون ــ فينبغي أن يكون سائرُ ما أُقسِمَ به كذلك، وإن لم يكن القسمُ دليلًا بطلَ الاستدلالُ به. * وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، ففيها قولان: أحدهما: أنها النجومُ المعروفة. وعلى هذا ففي مواقِعها أقوال: أحدها: أنه انكدارُها وانتثارُها يومَ القيامة. وهذا قولُ الحسن (٣). والمنجِّمون يكذِّبون بهذا ولا يقرُّون به.

стр. 1468

والثاني: أنَّ مواقعَها منازلُها. قاله عطاء وقتادة (١). والثالث: أنه مغاربُها. والرَّابع: أنه مواقعُها عند طلوعها وغروبها. حكاه ابنُ عطية عن مجاهد وأبي عبيدة (٢). والخامس: أنَّ مواقعَها مواضعُها من السماء. وهذا الذي حكاه ابنُ الجوزي عن قتادة حكاه ابنُ عطية عنه (٣)، فيحتملُ أن يكونا واحدًا وأن يكونا قولين. السادس: أنَّ مواقعَها انقضاضُها إثر العفريت وقت الرجوم. حكاه ابنُ عطية أيضًا. ولم يذكر أبو الفرج ابن الجوزي (٤) سوى الثلاثة الأُول. والقول الثاني: أنَّ مواقعَ النجوم هي منازلُ القرآن ونجومُه التي نزلت على النبيِّ ﷺ في مدَّة ثلاثٍ وعشرين سنة. قال ابنُ عطية: «ويؤيِّدُ هذا القول عَوْدُ الضمير على القرآن في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، وذلك أنَّ ذِكرَه لم يتقدَّم إلا على هذا التأويل،

стр. 1469

ومن لا يتأوَّلُ هذا التأويلَ يقول: إنَّ الضميرَ يعودُ على القرآن وإن لم يتقدَّم ذكرُه؛ لشهرة الأمر ووضوح المعنى، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، و ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغير ذلك» (١). قلت: ويؤيِّدُ القولَ الأول أنه أعاد الضميرَ بلفظ الإفراد والتذكير، ومواقعُ النجوم جمعٌ، فلو كان الضميرُ عائدًا عليها لقال: إنها لقرآنٌ كريم، إلا أن يقال: مواقعُ النجوم دلَّ على القرآن، فأعاد الضميرَ عليه؛ لأنَّ مُفسِّرَ الضمير يُكتفى فيه بذلك، وهو من أنواع البلاغة والإيجاز. فإن كان المرادُ من القسم نجومَ القرآن بطلَ استدلالُه بالآية، وإن كان المرادُ الكواكب ــ وهو قولُ الأكثرين ــ فلِمَا فيها من الآيات الدَّالَّة على ربوبية الله تعالى وانفراده بالخلق والإبداع، فإنه لا ينبغي أن تكونَ الإلهيةُ إلا له وحده، كما أنه وحده المنفردُ بخلقها وإبداعها وما تضمَّنته من الآيات والعجائب، فالإقسامُ بها أوضحُ دليلٍ (٢) على تكذيب المشركين والمنجِّمين والدَّهريَّة ونوعَي المعطِّلة، كما تقدم. * وكذلك قولُه: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]، على أنَّ فيه قولين آخرين غير القول الذي ذكره (٣). أحدهما: أنه الثُّريَّا. وهذا قولُ ابن زيد. حكاه عنه أبو الفرج ابن الجوزي (٤).

стр. 1470

وعنه روايةٌ ثانية: أنه زُحَل، حكاها عنه ابنُ عطية (١). الثاني: أنه الجدي. حكاه ابن عطية عن ابن عباس. وقولٌ آخر حكاه أبو الفرج ابن الجوزي عن عليِّ بن أحمد النيسابوري (٢) أنه جنسُ النجوم. * وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، فلم يقل أحدٌ من الصحابة ولا التابعين ولا العلماء بالتفسير أنها النجوم. وهذه الرواياتُ عنهم (٣): فقال ابنُ عباس: هي الملائكة. قال عطاء: وُكِّلت بأمورٍ عرَّفهم اللهُ العملَ بها. وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبِّرُ أمورَ الدنيا أربعة: جبريل وهو موكَّلٌ بالرِّيح (٤) والجنود، وميكائيل وهو موكَّلٌ بالقَطر والنبات، وملكُ الموت وهو موكَّلٌ بقبض الأنفس، وإسرافيل وهو ينزلُ الأمر عليهم. وقيل: جبريلُ للوحي، وإسرافيلُ للصُّور.

стр. 1471

وقال ابن قتيبة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ الملائكة تنزلُ بالحلال والحرام (١). ولم يذكر المتوسِّعون في نقل أقوال المفسِّرين، كابن الجوزي والماوردي وابن عطية غير الملائكة (٢)، حتى قال ابنُ عطية: «ولا أحفظُ خلافًا أنها الملائكة» (٣)، هذا مع توسُّعه في النقل، وزيادته فيه على أبي الفرج ابن الجوزي وغيره، حتى إنه لينفردُ بأقوالٍ لا يحكيها غيره. فتفسيرُ المدبِّرات بالنجوم كذبٌ على الله وعلى المفسِّرين (٤). * وكذلك المقسِّمات أمرًا؛ لم يقل أحدٌ من أهل التفسير العالِمين به: إنها النجوم، بل قالوا: هي الملائكة التي تُقَسِّمُ أمرَ الملكوت بإذن ربِّها من الأرزاق والآجال والخَلق في الأرحام، وأمرِ الرِّياح والجبال. قال ابنُ عطية: «لأنَّ كلَّ هذا إنما هو بملائكةٍ تخدمُه، فالآيةُ تتضمَّنُ جميعَ الملائكة؛ لأنهم كلَّهم في أمورٍ مختلفة. قال أبو الطفيل عامرُ بن واثلة: كان عليٌّ ﵁ على المنبر، فقال: لا تسألوني عن آيةٍ من كتاب الله أو سنَّةٍ ماضيةٍ إلا قلتُ لكم، فقام إليه ابنُ الكَوَّاء، فسأله عن: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾، فقال: الذاريات: الرياح، والحاملات: السَّحاب، والجاريات: السُّفن، والمقسِّمات: الملائكة. ثمَّ قال: سَل سؤالَ تعلُّم، ولا

стр. 1472

تسأل سؤال تعنُّت» (١). وكذلك قال أبو الفرج، ولم يذكر فيه خلافًا (٢) في المقسِّمات أمرًا: «يعني: الملائكة تقسِّمُ الأمورَ على أمر الله به. قال ابنُ السائب: المقسِّماتُ أربعة: جبريل وهو صاحبُ الوحي والغلظة ــ يعني: العقوبة على أعداء الرسل ــ، وميكائيل وهو صاحبُ الرِّزق والرحمة، وإسرافيل وهو صاحبُ الصُّور واللوح، وعزرائيل (٣) وهو قابضُ الأرواح» (٤). فتفسيرُ الآية بأنها النجومُ تفسيرُ المنجِّمين ومن سلك سبيلَهم. * وأمَّا وصفُه تعالى بعضَ الأيام بأنها أيامُ نَحْس؛ كقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ

стр. 1473

رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، فلا ريب أنَّ الأيامَ التي أوقعَ اللهُ سبحانه فيها العقوبةَ بأعدائه وأعداء رسله كانت أيامًا نَحِسَاتٍ عليهم؛ لأنَّ النَّحْسَ أصابهم فيها، وإن كانت أيامَ خيرٍ لأوليائه المؤمنين، فهي نَحْسٌ على المكذِّبين سَعْدٌ للمؤمنين، وهذا كيوم القيامة، فإنه عسيرٌ على الكافرين يومُ نَحْسٍ لهم، يسيرٌ على المؤمنين يومُ سَعْدٍ لهم. قال مجاهد: ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾: مَشَائيم. وقال الضحَّاك: معناه: شديدة (١). أي: شديدةُ البرد. حتى كان البردُ عذابًا لهم. قال أبو علي (٢): وأنشدَ الأصمعيُّ في النَّحْس بمعنى البرد: كأنَّ سُلافَةً عُرِضَتْ لِنَحْسٍ ... يُحِيلُ شَفِيفُها الماءَ الزُّلالا (٣) وقال ابن عباس: ﴿نَحِسَاتٍ﴾: متتابعات (٤). * وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]،

стр. 1474

فكان اليومُ نَحْسًا عليهم لإرسال العذاب عليهم، [﴿مُسْتَمِرٌّ﴾] (١) , أي: لا يُقْلِعُ عنهم كما تُقْلِعُ مصائبُ الدُّنيا عن أهلها، بل هذا النَّحْسُ دائمٌ على هؤلاء المكذِّبين للرسل، و ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ صفةٌ للنَّحْس، لا لليوم، ومن ظنَّ أنه صفةٌ لليوم وأنه كان يومَ أربعاء آخرَ الشَّهر، وأنَّ هذا اليومَ نحسٌ أبدًا (٢)، فقد غَلِطَ وأخطأ فهمَ القرآن، فإنَّ اليومَ المذكور بحسب ما يقعُ فيه، وكم لله من نعمةٍ على أوليائه في هذا اليوم، وإن كان له فيه بلايا ونِقَمٌ على أعدائه، كما يقعُ ذلك في غيره من الأيام (٣). فسُعودُ الأيام ونحوسُها إنما هو بسُعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الربِّ، ونُحوس الأعمال ومخالفتها لما جاءت به الرسل. واليومُ الواحدُ يكونُ يوم سَعْدٍ لطائفة، ونحسٍ لطائفة، كما كان يومُ بدرٍ يومَ سعدٍ للمؤمنين، ويومَ نحسٍ على الكافرين. فما للكوكب والطالع والقِرانات وهذا السَّعْد والنَّحْس؟! وكيف يُستنبَطُ علمُ أحكام النجوم من ذلك؟! ولو كان المؤثِّر في هذا النَّحْس هو نفسَ الكوكب والطالع لكان نحسًا على العالم، فأمَّا أن يقتضي الكوكبُ كونَه نحسًا لطائفةٍ سعدًا لطائفةٍ فهذا هو المُحال.

стр. 1475

فصل * وأما استدلالُه بالآيات الدَّالَّة على أنَّ الله سبحانه وضعَ حركات هذه الأجرام على وجهٍ يُنتفَعُ بها في مصالح هذا العالم، بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] = فمِن أطرف (١) الاستدلال. فأين في هذه الآيات ما يدلُّ على ما يدَّعيه المنجِّمون من كذبهم وبهتانهم وافترائهم؟! ولو كان الأمرُ كما يدَّعيه هؤلاء الكذَّابون لكانت الدَّلالةُ والعبرةُ فيه أعظمَ من مجرد الضِّياء والنور والحساب، ولكان الأليقُ ذِكرَ ما تقتضيه من السَّعد والنَّحس، وتعطيه من السَّعادة والشَّقاوة، وتهبُه من الأعمار والأرزاق والآجال والصَّنائع والعلوم والمعارف والصُّور الحيوانيَّة والنباتيَّة والمعدنيَّة وسائر ما في هذا العالم من الخير والشرِّ. وأمَّا قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، فهو تعظيمٌ وثناءٌ منه تعالى على نفسه، بجَعْلِ هذه البروج والشمس والقمر في السماء. وقد اختُلِفَ في البروج المذكورة في هذه الآية؛ فأكثرُ السَّلف على أنها القصورُ أو الكواكبُ العِظام (٢).
следующие страницы →