← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقال ابن قتيبة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ الملائكة تنزلُ بالحلال والحرام (١). ولم يذكر المتوسِّعون في نقل أقوال المفسِّرين، كابن الجوزي والماوردي وابن عطية غير الملائكة (٢)، حتى قال ابنُ عطية: «ولا أحفظُ خلافًا أنها الملائكة» (٣)، هذا مع توسُّعه في النقل، وزيادته فيه على أبي الفرج ابن الجوزي وغيره، حتى إنه لينفردُ بأقوالٍ لا يحكيها غيره. فتفسيرُ المدبِّرات بالنجوم كذبٌ على الله وعلى المفسِّرين (٤). * وكذلك المقسِّمات أمرًا؛ لم يقل أحدٌ من أهل التفسير العالِمين به: إنها النجوم، بل قالوا: هي الملائكة التي تُقَسِّمُ أمرَ الملكوت بإذن ربِّها من الأرزاق والآجال والخَلق في الأرحام، وأمرِ الرِّياح والجبال. قال ابنُ عطية: «لأنَّ كلَّ هذا إنما هو بملائكةٍ تخدمُه، فالآيةُ تتضمَّنُ جميعَ الملائكة؛ لأنهم كلَّهم في أمورٍ مختلفة. قال أبو الطفيل عامرُ بن واثلة: كان عليٌّ ﵁ على المنبر، فقال: لا تسألوني عن آيةٍ من كتاب الله أو سنَّةٍ ماضيةٍ إلا قلتُ لكم، فقام إليه ابنُ الكَوَّاء، فسأله عن: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾، فقال: الذاريات: الرياح، والحاملات: السَّحاب، والجاريات: السُّفن، والمقسِّمات: الملائكة. ثمَّ قال: سَل سؤالَ تعلُّم، ولا

стр. 1472

تسأل سؤال تعنُّت» (١). وكذلك قال أبو الفرج، ولم يذكر فيه خلافًا (٢) في المقسِّمات أمرًا: «يعني: الملائكة تقسِّمُ الأمورَ على أمر الله به. قال ابنُ السائب: المقسِّماتُ أربعة: جبريل وهو صاحبُ الوحي والغلظة ــ يعني: العقوبة على أعداء الرسل ــ، وميكائيل وهو صاحبُ الرِّزق والرحمة، وإسرافيل وهو صاحبُ الصُّور واللوح، وعزرائيل (٣) وهو قابضُ الأرواح» (٤). فتفسيرُ الآية بأنها النجومُ تفسيرُ المنجِّمين ومن سلك سبيلَهم. * وأمَّا وصفُه تعالى بعضَ الأيام بأنها أيامُ نَحْس؛ كقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ

стр. 1473

رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، فلا ريب أنَّ الأيامَ التي أوقعَ اللهُ سبحانه فيها العقوبةَ بأعدائه وأعداء رسله كانت أيامًا نَحِسَاتٍ عليهم؛ لأنَّ النَّحْسَ أصابهم فيها، وإن كانت أيامَ خيرٍ لأوليائه المؤمنين، فهي نَحْسٌ على المكذِّبين سَعْدٌ للمؤمنين، وهذا كيوم القيامة، فإنه عسيرٌ على الكافرين يومُ نَحْسٍ لهم، يسيرٌ على المؤمنين يومُ سَعْدٍ لهم. قال مجاهد: ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾: مَشَائيم. وقال الضحَّاك: معناه: شديدة (١). أي: شديدةُ البرد. حتى كان البردُ عذابًا لهم. قال أبو علي (٢): وأنشدَ الأصمعيُّ في النَّحْس بمعنى البرد: كأنَّ سُلافَةً عُرِضَتْ لِنَحْسٍ ... يُحِيلُ شَفِيفُها الماءَ الزُّلالا (٣) وقال ابن عباس: ﴿نَحِسَاتٍ﴾: متتابعات (٤). * وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]،

стр. 1474

فكان اليومُ نَحْسًا عليهم لإرسال العذاب عليهم، [﴿مُسْتَمِرٌّ﴾] (١) , أي: لا يُقْلِعُ عنهم كما تُقْلِعُ مصائبُ الدُّنيا عن أهلها، بل هذا النَّحْسُ دائمٌ على هؤلاء المكذِّبين للرسل، و ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ صفةٌ للنَّحْس، لا لليوم، ومن ظنَّ أنه صفةٌ لليوم وأنه كان يومَ أربعاء آخرَ الشَّهر، وأنَّ هذا اليومَ نحسٌ أبدًا (٢)، فقد غَلِطَ وأخطأ فهمَ القرآن، فإنَّ اليومَ المذكور بحسب ما يقعُ فيه، وكم لله من نعمةٍ على أوليائه في هذا اليوم، وإن كان له فيه بلايا ونِقَمٌ على أعدائه، كما يقعُ ذلك في غيره من الأيام (٣). فسُعودُ الأيام ونحوسُها إنما هو بسُعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الربِّ، ونُحوس الأعمال ومخالفتها لما جاءت به الرسل. واليومُ الواحدُ يكونُ يوم سَعْدٍ لطائفة، ونحسٍ لطائفة، كما كان يومُ بدرٍ يومَ سعدٍ للمؤمنين، ويومَ نحسٍ على الكافرين. فما للكوكب والطالع والقِرانات وهذا السَّعْد والنَّحْس؟! وكيف يُستنبَطُ علمُ أحكام النجوم من ذلك؟! ولو كان المؤثِّر في هذا النَّحْس هو نفسَ الكوكب والطالع لكان نحسًا على العالم، فأمَّا أن يقتضي الكوكبُ كونَه نحسًا لطائفةٍ سعدًا لطائفةٍ فهذا هو المُحال.

стр. 1475

فصل * وأما استدلالُه بالآيات الدَّالَّة على أنَّ الله سبحانه وضعَ حركات هذه الأجرام على وجهٍ يُنتفَعُ بها في مصالح هذا العالم، بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] = فمِن أطرف (١) الاستدلال. فأين في هذه الآيات ما يدلُّ على ما يدَّعيه المنجِّمون من كذبهم وبهتانهم وافترائهم؟! ولو كان الأمرُ كما يدَّعيه هؤلاء الكذَّابون لكانت الدَّلالةُ والعبرةُ فيه أعظمَ من مجرد الضِّياء والنور والحساب، ولكان الأليقُ ذِكرَ ما تقتضيه من السَّعد والنَّحس، وتعطيه من السَّعادة والشَّقاوة، وتهبُه من الأعمار والأرزاق والآجال والصَّنائع والعلوم والمعارف والصُّور الحيوانيَّة والنباتيَّة والمعدنيَّة وسائر ما في هذا العالم من الخير والشرِّ. وأمَّا قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، فهو تعظيمٌ وثناءٌ منه تعالى على نفسه، بجَعْلِ هذه البروج والشمس والقمر في السماء. وقد اختُلِفَ في البروج المذكورة في هذه الآية؛ فأكثرُ السَّلف على أنها القصورُ أو الكواكبُ العِظام (٢).

стр. 1476

قال ابن المنذر في «تفسيره» (١): حدثنا موسى: حدثنا شجاع: حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال: قصورًا فيها حَرَس. حدثنا موسى: حدثنا أبو بكر: حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن إسماعيل، عن يحيى بن رافع، قال: قصورًا في السماء. حدثنا موسى: حدثنا أبو بكر: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: النجوم. يعني: ﴿بُرُوجًا﴾. وكذلك قال عكرمة. حدثنا أبو أحمد: حدثنا يعلى: حدثنا إسماعيل، عن أبي صالح: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال: النجوم الكبار. وهذا موافقٌ لمعنى اللفظة في اللغة؛ فإنَّ العربَ تسمِّي البناءَ المرتفع: برجًا، قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساءُ: ٧٨]. وقال الأخطل (٢): كأنها برجُ روميٍّ يشيِّده ... لُزَّ (٣) بجِصٍّ وآجُرٍّ وأحجار

стр. 1477

قال الأعمش: كان أصحابُ عبد الله يقرؤونها: (تباركَ الذي جعَل في السَّماء قُصُورًا). وأمَّا المتأخِّرون من المفسِّرين فكثيرٌ منهم يذهبُ إلى أنها البروجُ الاثني عشر (١) التي تنقسمُ عليها المنازل، كلُّ برجٍ منزلتان وثُلث (٢). وهذه المنازلُ الثمانيةُ والعشرون يبدو منها للناظر أربعة عشر منزلًا أبدًا، ويخفى منها أربعة عشر منزلًا، كما أنَّ البروجَ يظهرُ منها أبدًا ستة، ويخفى ستة. والعربُ تسمِّي أربعة عشر منزلًا منها: شاميَّة، وأربعة عشر: يمانيَّة؛ فأول الشاميَّة: الشَّرْطان، وآخرها: السِّماكُ الأعزل، وأول اليمانيَّة: الغَفْرُ، وآخرها: الرِّشاء، إذا طلعَ منها منزلٌ من المشرق غاب رقيبُه من المغرب، وهو الخامس عشر (٣). وبها تنقسمُ فصولُ السَّنة الأربع (٤): فللربيع منها: الحَمَلُ، والثورُ والجوزاء. ومنازلها: الشَّرْطان، والبُطَين، والثريَّا، والدَّبَران، والهَقْعة، والهَنْعة، والذِّراع.

стр. 1478

وللصيف منها: السَّرطان، والأسد، والسُّنبلة. ومنازلها: النَّثْرة، والطَّرْف، والجَبْهة، والزُّبْرة، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسِّماك. وللخريف منها: الميزان، والعقرب، والقَوس. ومنازلها: الغَفْر، والزُّبانى، والإكليل، والقَلْب، والشَّوْلة، والنَّعائم، والبَلْدة. وللشتاء منها: الجَدي، والدَّلو، والحوت. ومنازلها: سعد الذَّابح، وسعد بُلَع، وسعد السُّعود، وسعد الأخبية، والفَرْغ المقدَّم ــ ويسمَّى: الأول ــ، والفَرْغ المؤخَّر ــ ويسمَّى: الثاني ــ، والرِّشاء. ولما كان نزولُ القمر في هذه المنازل معلومًا بالعِيان والمشاهدة، ونزولُ الشمس فيها إنما هو بالحساب لا بالرؤية، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ [يونس: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٨ - ٣٩]، فخصَّ القمرَ بذكر تقدير المنازل دون الشمس، وإن كانت مقدَّرةَ المنازل؛ لظهور ذلك للحِسِّ في القمر، وظهور تفاوت نوره بالزِّيادة والنقصان في كلِّ منزلٍ منزل (١). ولذلك كان الحسابُ القمريُّ أشهرَ وأعرفَ عند الأمم، وأبعدَ من الغلط، وأصحَّ للضبط من الحساب الشمسيِّ، ويشتركُ فيه الناسُ دون الحساب الشمسيِّ، ولهذا قال تعالى في القمر: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس:٥] ولم يقُل ذلك في الشمس.

стр. 1479

ولهذا كانت أشهرُ الحجِّ والصَّوم والأعياد ومواسم الإسلام إنما هي على حساب القمر وسَيْره ونزوله في منازله، لا على حساب الشمس وسَيْرها؛ حكمةً من الله ورحمةً وحفظًا لدينه؛ لاشتراك الناس في هذا الحساب، وتعذُّر الغلط والخطأ فيه، فلا يدخلُ في الدِّين من الاختلاف والتخليط ما دخلَ في دين أهل الكتاب (١). فهذا الذي أخبرنا تعالى به مِن شأن المنازل وسَيْر القمر فيها، وجَعْل الشَّمس سراجًا وضياءً يُبْصِرُ به الحيوان (٢)، ولولا ذلك لم يُبْصِر الحيوان، فأين هذا مما يدَّعيه الكذَّابون من علم الأحكام التي كذبُها أضعافُ صدقها؟! فصل * وأمَّا ما ذكره عن إبراهيم خليل الرحمن أنه تمسَّك بعلم النجوم حين قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، فمن الكذب والافتراء على خليل الرحمن ﷺ ، فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظَر نظرةً في النجوم، ثم قال لهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، فمن ظنَّ مِن هذا أنَّ علمَ أحكام النجوم مِن علم الأنبياء، وأنهم كانوا يُراعونه ويُعانُونه، فقد كذَب على الأنبياء، ونسَبَهم إلى ما لا يليقُ بهم، وهو مِن جنس من نسَبَهم إلى الكهانة والسِّحر، وزعَم أن تلقِّيهم الغيبَ من جنس تلقِّي غيرهم، وإن كانوا فوقهم في ذلك، لكمال نفوسهم وقوَّة استعدادها وقبولها لفيض العُلويَّات عليها.

стр. 1480

وهؤلاء لم يعرفوا الأنبياءَ ولا آمنوا بهم، وإنما هم عندهم بمنزلة أصحاب الرِّياضات الذين خُصُّوا بقوة الإدراك وزكاة النفوس وطهارة الأخلاق (١)، ونَصَبوا أنفسَهم لإصلاح الناس (٢) وضبط أمورهم. ولا ريب أنَّ هؤلاء أبعدُ الخلق عن الأنبياء واتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مُرسِلهم وما أرسلهم به، هؤلاء في شأنٍ والرسلُ في شأنٍ آخر، بل هم ضدُّهم في علومهم وأعمالهم وهَديهم وإرادتهم وطرائقهم ومَعَادهم، وفي شأنهم كلِّه، ولهذا تجدُ أتباعَ هؤلاء ضدَّ أتباع الرسل في العلوم والأعمال والهَدي والإرادات. ومتى بعَث اللهُ رسولًا يُعاني التنجيم، والتمزيجات، والطِّلَّسمات، والأوفاق، والتَّداخين، والبَخُورات، ومعرفة القِرانات، والحكم على الكواكب بالسُّعود والنُّحوس والحرارة والبرودة والذُّكورة والأنوثة؟! وهل هذه إلا صنائعُ المشركين وعلومُهم؟! وهل بُعِثَت الرسلُ إلا بالإنكار على هؤلاء ومَحْقِهم ومَحْقِ علومهم وأعمالهم من الأرض؟! وهل للرسل أعداءٌ بالذَّات إلا هؤلاء ومن سلك سبيلَهم؟! وهذا معلومٌ بالاضطرار لكلِّ من آمن بالرسل صلواتُ الله وسلامه عليهم، وصدَّقهم فيما جاؤوا به، وعرَف مسمَّى رسول الله وعرَف مُرسِلَه. وهل كان لإبراهيم الخليل ﵊ عدوٌّ مثل هؤلاء

стр. 1481

المنجِّمين الصَّابئين؟! وحَرَّانُ (١) كانت دار مملكتهم، والخليلُ أعدى عدوٍّ لهم، وهم المشركون حقًّا، والأصنام التي كانوا يعبدونها كانت صُورًا وتماثيل للكواكب، وكانوا يتَّخذون لها هياكل ــ وهي بيوتُ العبادات ــ، لكلِّ كوكبٍ منهم هيكلٌ فيه أصنامٌ تناسبُه، فكانت عبادتُهم للأصنام وتعظيمُهم لها تعظيمًا منهم للكواكب التي وضعوا الأصنامَ عليها وعبادةً لها. وهذا أقوى السَّببَين في الشرك الواقع في العالَم، وهو الشركُ بالنجوم وتعظيمُها، واعتقادُ أنها أحياءٌ ناطقة، ولها روحانيَّاتٌ تتنزَّلُ على عابديها ومُخاطِبيها، فصوَّروا لها الصُّورَ الأرضية، ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ذريعةً إلى عبادة تلك الكواكب واستنزال روحانيَّاتها، وكانت الشياطينُ تتنزَّلُ عليهم وتخاطبُهم وتكلِّمهم وتُرِيهم من العجائب ما يدعوهم إلى بَذْل نفوسهم وأولادهم وأموالهم لتلك الأجسام (٢) والتقرُّب إليها (٣). وكان مبدأُ هذا الشرك تعظيمَ الكواكب وظنَّ السُّعود والنُّحوس وحصولَ الخير والشرِّ في العالم منها، وهذا هو شركُ خواصِّ المشركين وأرباب النظر منهم، وهو شركُ قوم إبراهيم. والسببُ الثاني: عبادةُ القبور، والإشراكُ بالأموات، وهو شركُ قوم

стр. 1482

نوح، وهو أولُ الشِّركين (١) طَرَق العالم، وفتنتُه أعمُّ، وأهلُ الابتلاء به أكثر، وهم جمهورُ أهل الإشراك. وكثيرًا ما يجتمعُ السَّببان في حقِّ المشرك، يكونُ مَقابِريًّا نُجوميًّا. قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. قال البخاري في «صحيحه» (٢): قال ابن عباس ﵄: «كان هؤلاء رجالًا صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلَكوا أوحى الشياطينُ إلى قومهم أن انصِبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائهم، ففَعلوا، فلم تُعْبَد، حتى إذا هلَك أولئك ونُسِخَ العلمُ عُبِدَت». ولهذا لعن النبيُّ ﷺ الذين اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد (٣). ونهى عن الصَّلاة إلى القبور (٤). وقال: «اللهمَّ لا تجعَل قبري وثنًا يُعْبَد» (٥).

стр. 1483

وقال: «اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» (١). وقال: «إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبورَ أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتَّخذوا القبورَ مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٢). وأخبَر أنَّ هؤلاء شِرارُ الخلق عند الله يوم القيامة (٣). وهؤلاء هم أعداءُ نوح، كما أنَّ المشركين بالنجوم أعداءُ إبراهيم؛ فنوحٌ عاداه المشركون بالقبور، وإبراهيمُ عاداه المشركون بالنجوم، والطائفتان صوَّروا الأصنامَ على صُوَر معبودِيهم، ثمَّ عبَدوها. وإنما بُعِثَت الرسلُ بمَحْقِ الشرك من الأرض، ومَحْقِ أهله، وقَطْع

стр. 1484

أسبابه، وهَدْم بيوته، ومحاربة أهله، فكيف يُظَنُّ بإمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وخليل ربِّ الأرض والسماء، أنه كان يتعاطى علمَ النجوم، ويأخذُ منه أحكامَ الحوادث؟! سبحانك هذا بهتانٌ عظيم. وإنما كانت النظرةُ التي نَظَرها في النجوم (١) مِن معاريض الأفعال، كما كان قولُه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وقولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقولُه عن امرأته سارة: «هذه أختي» مِن معاريض المقال، ليتوصَّل بها إلى غرَضه مِن كَسْر الأصنام، كما توصَّل بتعريضه بقوله: «هذه أختي» إلى خَلاصِها من يد الفاجر (٢). ولما غَلُظ فهمُ هذا عن كثيرٍ من الناس، وكَثُفَت طباعُهم عن إدراكه، ظنُّوا أنَّ نظره في النجوم ليستنبطَ منها علمَ الأحكام (٣)، وعَلِمَ أنَّ نجمَه وطالعَه يقضي عليه بالسَّقم، وحاشَ لله أن يُظَنَّ ذلك بخليله ﷺ أو بأحدٍ من أتباعه. وهذا مِن جنس معاريض يوسف الصِّديِّق ﷺ حين تفتيش أوعية أخيه عن الصَّاع، فإنَّ المفتِّش بدأ بأوعيهتم مع علمه أنه ليس فيها، وأخَّر وعاء أخيه مع علمه أنه فيها، تعريضًا بأنه لا يَعْرِفُ في أيِّ وعاءٍ هي، ونفيًا للتُّهمة عنه بأنه لو كان عالمًا في أيِّ الأوعية هي لبادَر إليها، ولم يكلِّف نفسَه تعبَ التفتيش لغيرها.

стр. 1485

فلهذا نظرُ الخليلِ ﷺ في النجوم توريةٌ وتعريضٌ محض، ينفي به عنه تهمةَ قومه ويتوصَّلُ به إلى كيد أصنامهم (١). فصل * وأمَّا الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وأنَّ المرادَ به كِبَرُ القَدْرِ والشَّرف، لا كبرُ الجُثَّة= ففي غاية الفساد؛ فإنَّ المراد من الخَلق هاهنا الفعل، لا نفسُ المفعول، وهذا من أبلغ الأدلَّة على المَعاد، أي: أنَّ الذي خلق السموات والأرض ــ وخَلْقُها أكبرُ من خلقكم ــ كيف يُعْجِزُه خلقُكم بعدما تموتون خلقًا جديدًا؟! ونظيرُ هذا قوله تعالى في سورة يس: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، أي: مثل هؤلاء المنكرين (٢). فهذا استدلالٌ بشمول القدرة للنَّوعين، وأنها صالحةٌ لهما، فلا يجوزُ أن يثبت تعلُّقها بأحد المقدورَين دون الآخر. فكذلك قولُه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، أي: من لم تَعْجَز قدرتُه عن خلق العالم العُلويِّ والسُّفلي، كيف يعجزُ عن

стр. 1486

خلق الناس خلقًا جديدًا بعد ما أماتهم؟! ولا تعرُّض في هذا لأحكام النجوم بوجهٍ قطُّ، ولا لتأثير الكواكب. * وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، فلا ريب أنَّ خلقَ السموات والأرض مِن أعظم الأدلَّة على وجود فاطرهما وكمال قدرته وعلمه وحكمته وانفراده بالربوبيَّة والوحدانيَّة، ومن سوَّى بين ذلك وبين البَقَّة، وجعَل العبرةَ والدلالةَ والعلمَ بوجود الربِّ الخالق الباراء المصوِّر منهما سواءً، فقد كابَر. والله سبحانه إنما يدعو عبادَه إلى النَّظر والفِكر في مخلوقاته العِظام؛ لظهور أثر الدَّلالة فيها، وبديع (١) عجائب الصَّنعة والحكمة فيها، واتِّساع مجال الفِكر والنَّظر في أرجائها، وإلا: ففي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ (٢) ولكن؛ أين الآيةُ والدَّلالةُ في خَلْق العالم العُلويِّ والسُّفلي إلى خَلْق القَمْلة والبرغوث والبَقَّة؟! فكيف يسمحُ لعاقلٍ عقلُه أن يسوِّي بينهما، ويجعَل الدَّلالةَ مِن هذا كالدَّلالة من الآخر؟! والله سبحانه إنما يذكُر من مخلوقاته للدَّلالة عليه أشرفَها وأعظمَها وأظهرَها للحسِّ والعقل، وأبينَها دلالةً (٣)، وأعجبَها صَنْعَة؛ كالسماء

стр. 1487

والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والنجوم والجبال والسَّحاب (١) والمطر، وغير ذلك من آياته، ولا يدعو عبادَه إلى التفكُّر في القمل والبراغيث والبعوض والبقِّ والكلاب والحشرات ونحوها، وإنما يذكُر ما يذكُر من ذلك في سياق ضرب الأمثال، مبالغةً في الاحتقار والضَّعف؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]، فهنا لم يذكُر الذُّباب في سياق الدَّلالة على إثبات الصَّانع تعالى (٢)، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، وكذلك قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]. فتأمَّل ذِكرَ هذه المخلوقات الحقيرة في أيِّ سياق، وذِكرَ المخلوقات العظيمة في أيِّ سياق. وأمَّا قولُ من قال من المتكلِّمين المتكلِّفين: إنَّ دلالةَ حصول الحياة في الأبدان الحيوانيَّة أقوى من دلالة السموات والأرض على وجود الصَّانع تعالى= فبناءٌ من هذا القائل على الأصل الفاسد، وهو إثباتُ الجوهر الفَرد (٣)، وأنَّ تأثيرَ الصَّانع تعالى في خَلْق العالم العُلويِّ والسُّفليِّ هو

стр. 1488

تركيبُ تلك الجواهر وتأليفُها هذا التأليفَ الخاصَّ، والتركيبُ جنسُه مقدورٌ للبشر وغيرهم، وأمَّا الإحداثُ والاختراع فلا يقدرُ عليه إلا الله (١). والقولُ بالجوهر الفَرد وبناءُ المبدأ والمعاد عليه مما هو من أصول المتكلِّمين الفاسدة التي نازعهم فيها جمهورُ العقلاء، قالوا: وخَلقُ الله تعالى وإحداثُه لما يُحْدِثُه من أجسام العالم هو إحداثٌ لأجزائها وذواتها، لا مجرَّد تركيبٍ لجواهر منفردةٍ قد فرَغ من خلقها، وصنعُه وإبداعُه الآن إنما هو في تأليفها وتركيبها. وهذا من أقوال أهل البدع التي ابتدعوها في الإسلام (٢)، وبنوا عليها المَعادَ وحدوثَ العالم، فسلَّطوا عليهم أعداء الإسلام ولم يُمْكِنْهم كَسْرُهم، لمَّا بنوا المبدأ والمَعادَ على أمرٍ وهميٍّ خياليٍّ، وظنُّوا أنه لا يتمُّ لهم القولُ بحدوث العالم وإعادة الأجسام إلا به، وأقام مُنازِعوهم حججًا كثيرةً جدًّا على بطلان القول بالجوهر، واعترفوا هم بقوة كثيرٍ منها وصحَّته، فأوقعَ ذلك شكًّا لكثيرٍ منهم في أمر المبدأ والمَعاد؛ لبنائه على شفا جُرفٍ هار (٣).

стр. 1489

وأمَّا أئمةُ الإسلام وفحولُ النظَّار، فلم يعتمدوا على هذه الطريقة، وهي عندهم أضعفُ وأوهى من أن يبنوا عليها شيئًا من الدين، فضلًا عن حدوث العالم وإعادة الأجسام، وإنما اعتمدوا على الطرق التي أرشدَ اللهُ سبحانه إليها في كتابه، وهي حدوثُ ذاتِ الحيوان والنبات، وخَلْقُ نفس العالم العُلويِّ والسُّفلي، وحدوثُ السَّحاب والمطر والرياح وغيرها من الأجسام التي يُشَاهَدُ حدوثُها بذواتها لا مجرَّدُ حدوث تأليفها وتركيبها (١). فعند القائلين بالجوهر لا يُشْهَدُ أنَّ الله أحدثَ في هذا العالم شيئًا من الجواهر، وإنما أحدثَ تأليفَها وتركيبَها فقط، وإن كان إحداثُه لجواهره سابقًا متقدِّمًا قبل ذلك، وأمَّا الآن فإنما تحدُث الأعراض من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون فقط وهي الأكوانُ عندهم، وكذلك المَعاد؛ فإنه سبحانه يفرِّقُ أجزاءَ العالم، وهو إعدامُه، ثمَّ يؤلِّفها ويجمعُها، وهو المَعاد. وهؤلاء احتاجوا إلى أن يستدلُّوا على كون عَينِ الإنسان وجواهره مخلوقة، إذ المُشاهَدُ عندهم بالحِسِّ دائمًا (٢) هو حدوثُ أعراضٍ في تلك الجواهر من التأليف الخاصِّ (٣)، وزعموا أنَّ كلَّ ما يُحْدِثُه الله من السَّحاب والمطر والزُّروع والثمار والحيوان فإنما يُحْدِثُ فيه أعراضًا، وهي جمعُ الجواهر التي كانت موجودةً وتفريقُها، وزعموا أنَّ أحدًا لا يعلمُ حدوثَ عينٍ من الأعيان بالمشاهَدة ولا بضرورة العقل، وإنما يُعْلَمُ ذلك

стр. 1490

بالاستدلال. وجمهورُ العقلاء من الطوائف يخالفون هؤلاء، ويقولون: الربُّ لا يزالُ يُحْدِثُ الأعيان، كما دلَّ على ذلك الحِسُّ والعقلُ والقرآن؛ فإنَّ الأجسامَ الحادثة بالمشاهدة ذواتُها وأجزاؤُها حادثةٌ بعد أن لم تكن جواهر مفرقةً فاجتمعَت، ومن قال غير ذلك فقد كابر الحِسَّ والعقل، فإنَّ كونَ الإنسان والحيوان مخلوقًا مُحْدَثًا كائنًا بعد أن لم يكن أمرٌ معلومٌ بالضرورة لجميع الناس، وكلُّ أحدٍ يعلمُ أنه حَدَثَ في بطن أمِّه بعد أن لم يكن، وأن عينَه حدَثت، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، وليس هذا عندهم مما يُستَدلُّ عليه بل يُستَدلُّ به، كما هي طريقةُ القرآن؛ فإنه جعَل حدوثَ الإنسان وخلقَه دليلًا، لا مدلولًا عليه. وقولهم: «إنَّ الحادثَ أعراضٌ فقط، وأنه مركبٌ من الجواهر المفردة»؛ قولان باطلان، بل يُعْلَمُ (١) حدوثُ عين الإنسان وذاته وبطلانُ الجوهر الفرد، ولو كان القولُ بالجوهر صحيحًا لم يكن معلومًا إلا بأدلةٍ خفيةٍ دقيقة، فلا يكونُ [من] أصول الدِّين، بل ولا مقدِّمةً فيها (٢). فطريقتُهم تتضمَّنُ جَحْدَ المعلوم، وهو حدوثُ الأعيان الحادثة وذواتها، وإثباتَ ما ليس بمعلوم ــ بل هو باطل ــ، وهو إثباتُ الجوهر الفرد. وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة (٣).

стр. 1491

والمقصودُ الكلام على قوله: «إنَّ الاستدلال بحصول الحياة في بِنْية الحيوان على وجود الصَّانع أقوى من دلالة تركيب الأجرام الفلَكيَّة»، وهو مبنيٌّ على هذا الأصل الفاسد. * وأمَّا استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، فعجبٌ من العجب! فإنَّ هذا من أقوى الأدلة وأبينها على بطلان قول المنجِّمين والدَّهرية الذين يُسْنِدُون جميعَ ما في العالم من الخير والشرِّ إلى النجوم وحركاتها واتصالاتها، ويزعمون أنَّ ما تأتي به من الخير والشرِّ مُغْنٍ عن تعريف (١) الرسل والأنبياء، وكذلك ما تُعطيه من السُّعود والنُّحوس. وهذا هو السَّببُ الذي سُقْنا الكلام لأجله معهم لمَّا حكينا قولَهم (٢): إنه لمَّا كانت الموجوداتُ في العالم السُّفليِّ مترتِّبةً (٣) على تأثير الكواكب والرُّوحانيَّات التي هي مدبِّراتُ الكواكب، وكان (٤) في اتصالاتها نَظَرُ سعدٍ ونحس، وَجَبَ أن يكون في آثارها حُسْنٌ وقُبحٌ في الخَلق والأخلاق، والعقولُ الإنسانيةُ متساويةٌ في النوع، فوجبَ أن يدركها كلُّ عقلٍ سليم، ولا يتوقَّفُ إدراكُها على من هو مثلُ ذاك العاقل في النوع، ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾.

стр. 1492

إلى آخر كلامكم المتضمِّن خلقَ السموات الأرض بغير أمرٍ ولا نهيٍ ولا ثوابٍ ولا عقاب. وهذا هو الباطلُ الذي نفاهُ الله سبحانه عن نفسه، وأخبر أنه ظَنُّ أعدائه الكافرين، ولهذا اتفقَ المفسِّرون على أنَّ الحقَّ الذي خُلِقَت به السمواتُ والأرض هو الأمرُ والنهيُ وما يترتَّبُ عليهما من الثواب والعقاب (١)، فمن جحَد ذلك، وجحَد رسالةَ الرسل، وكفَر بالمعاد، وأحالَ حوادثَ العالم على حركات الكواكب، فقد زعَم أنَّ خلقَ السموات والأرض أبطلُ الباطل (٢)، وأنَّ العالم خُلِقَ عبثًا، وتُرِكَ سُدى، وخُلِّي هملًا، وغايةُ ما خُلِقَ له أن يكون متمتعًا باللذَّات الحِسِّيَّة ــ كالبهائم ــ في هذه المدَّة القصيرة جدًّا، ثمَّ يفارقُ الوجودَ وتُحْدِثُ حركاتُ الكواكب أشخاصًا مثلَه هكذا أبدًا. فأيُّ باطلٍ أبطلُ من هذا؟! وأيُّ عبثٍ فوق هذا؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]. والحقُّ الذي خُلِقَت به السمواتُ والأرضُ وما بينهما هو إلهيَّةُ الربِّ المتضمِّنةُ لكمال حكمته وملكه، وأمرُه ونهيُه المتضمِّنُ لشرعه، وثوابُه وعقابُه المتضمِّنُ لعدله وفضله ولقائه. فالحقُّ الذي وُجِدَ به العالم كونُ الله سبحانه هو الإله الحقَّ المعبود، والآمرَ الناهي المتصرِّف في الممالك بالأمر والنهي، وذلك يستلزمُ إرسال

стр. 1493

الرسل وإكرامَ من استجابَ لهم وتمامَ الإنعام عليه، وإهانةَ من كفرَ بهم وكذَّبهم واختصاصَه بالشَّقاء والهلاك، وذلك معقودٌ بكمال حكمة الربِّ تعالى وقدرته وعلمه وعدله، وتمام ربوبيته وتصرُّفه وانفراده بالإلهية، وجَرَيان المخلوقات على مُوجَب حكمته وإلهيته وملكه التَّامِّ، وأنه أهلٌ أن يُعْبَدَ ويُطاع، وأنه أولى مَن أكرمَ أحبابَه وأولياءه بالإكرام الذي يليقُ بعظمته وغِناه وجُوده، وأهانَ أعداءه المُعرِضين عنه الجاحدين له المشركين به المسوِّين بينه وبين الكواكب والأوثان والأصنام في العبادة بالإهانة التي تليقُ بعظمته وجلاله وشدَّة بأسه. فهو الله العزيزُ العليم، غافرُ الذَّنب وقابلُ التَّوب شديدُ العقاب ذو الطَّول، لا إله إلا هو إليه المصير (١)، وهو ذو الرحمة الواسعة الذي لا يُرَدُّ بأسُه عن القوم المجرمين (٢)، ألا له الخلقُ والأمرُ تباركَ الله ربُّ العالمين (٣). وهو سبحانه خلقَ العالم العُلويَّ والسُّفليَّ بسبب الحقِّ، ولأجل الحقِّ، وضمَّنه الحقَّ، فبالحقِّ كان، وللحقِّ كان، وعلى الحقِّ اشتمل، والحقُّ هو توحيدُه، وعبادتُه وحده لا شريك له هو مُوجَب ذلك (٤) ومقتضاه، وقام (٥) بعدله الذي هو الحقُّ، وعلى الحقِّ اشتمل، فما خلقَ اللهُ شيئًا إلا بالحقِّ

стр. 1494

وللحقِّ، ونفسُ خلقه له حقٌّ، وهو شاهدٌ من شواهد الحقِّ، فإنَّ أحقَّ الحقِّ هو التوحيد، كما أنَّ أظلمَ الظُّلم هو الشرك. ومخلوقاتُ الربِّ تعالى كلُّها شاهدةٌ له بأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنَّ كلَّ معبودٍ باطلٌ سواه، وكلُّ مخلوقٍ شاهدٌ بهذا الحقِّ؛ إمَّا شهادةَ نُطْقٍ، وإمَّا شهادةَ حال، وإنْ ظَهَرَ بفعله وقوله خلافُها، كالمشرك الذي يشهدُ حالُ خلقِه وإبداعِه وصُنعِه لخالقه وفاطره أنه الله الذي لا إله إلا هو، وإنْ عبد غيرَه وزعَم أنَّ له شريكًا، فشاهدُ حاله مكذِّبٌ له مُبْطِلٌ لشهادة فعله وقالِه. وأمَّا قوله (١): «إنه لا يمكن أن يقال: المرادُ أنه خَلَقها على وجهٍ يمكنُ الاستدلالُ بها على الصانع الحكيم ... » إلى آخر كلامه. فيقال له: إذا كانت دلالتُها على صانعها أمرًا ثابتًا لها لذواتها، وذواتُها إنما وُجِدَتْ بإيجاده وتكوينه، كانت دلالتُها بسبب فعل الفاعل المختار لها، ولكنَّ هذا بناءٌ منه على أصلٍ فاسدٍ يكرِّره في كتبه، وهو أنَّ الذوات ليست بمجعولة، ولا تتعلَّقُ بفعل الفاعل (٢)، وهذا مما أنكره عليه أهلُ العلم والإيمان، وقالوا: إنَّ كونها ذواتٍ، وإنَّ وجودَها وأوصافَها وكلَّ ما ينسبُ إليها هو بفعل الفاعل، فكونُها ذواتٍ وما يتبعُ ذلك من دلالتها على الصانع كلُّه بجَعْل الجاعل، فهو الذي جعَل الذوات والصِّفات، وثبوتُ دلالتها لذاتها لا ينفي أن تكون بجَعْل الجاعل، فإنه لمَّا جعَلها على هذه الصفة مستلزمةً لدلالتها عليه كانت دلالتُها عليه بجَعْلِه.

стр. 1495

فإن قيل: لو قُدِّر عدمُ الجاعل لها لم يرتفع كونُها ذواتٍ، ولو كانت ذواتٍ بجَعْلِه لارتفع كونُها ذواتٍ بتقدير ارتفاعه. قيل: ما تعني بكونها ذواتٍ وماهيَّات؟ أتعني به تحقُّقَ ذلك في الخارج؟ أو في الذِّهن؟ أو أعمَّ منها؟ فإن عنيتَ الأول، فلا ريب في بطلان كونها ذواتٍ وماهيَّات، وعلى تقدير (١) ارتفاع الجاعل. وإن عنيتَ الثَّاني، فالصُّورُ الذِّهنيةُ مجعولةٌ له أيضًا؛ لأنه هو الذي علَّم فأوجَد الحقائق الذِّهنية في العلم، كما أنه الذي خلقَ فأوجَد الحقائقَ الذهنية في العَيْن، فهو الأكرمُ الذي خلق وعلَّم، فما في الذهن بتعليمه، وما في الخارج بخلقه. وإن عنيتَ القَدْرَ المشتركَ بين الخارج والذِّهن، وهو مسمَّى كونها ذواتٍ وماهيَّاتٍ بقطع النظر عن تقييدٍ بالذِّهن أو الخارج، قيل لك: هذه ليست بشيءٍ البتة، فإنَّ الشيء إنما يكون شيئًا في الخارج أو في الذِّهن والعلم، وما ليس له حقيقةٌ خارجيةٌ ولا ذهنيةٌ فليس بشيء، بل هو عدمٌ صِرْف، ولا ريب أنَّ العدمَ ليس بفعلِ فاعلٍ ولا جَعْلِ جاعل. فإن قيل: هي لا تنفكُّ عن أحد الوجودَين، إمَّا الذِّهني , وإمَّا الخارجي، ولكن نحن أخذناها مجرَّدةً عن الوجودَين، ونظرنا إليها من هذه الحيثيَّة وهذا الاعتبار، ثمَّ حَكمنا عليها بقطع النظر عن تقييدها بذهنٍ أو خارج.

стр. 1496

قيل: الحكمُ عليها بشيءٍ ما (١) يستلزمُ تصوُّرَها ليمكنَ الحكمُ عليها، وتصوُّرُها مع أخذها مجرَّدةً عن الوجود الذِّهنِيِّ (٢) مُحال. فإن قيل: مسلَّمٌ أنَّ ذلك مُحال، ولكن إذا أخذناها مع وجودها الذِّهنيِّ أو الخارجيِّ فهنا أمران: حقيقتُها وماهيتها، والثاني: وجودُها الذِّهنيُّ أو الخارجي، فنحن أخذناها موجودةً، وحكمنا عليها مجردةً، فالحكمُ على جزء هذا المأخوذ المتصوَّر. قيل: هذا القدرُ المأخوذُ عدمٌ محضٌ ــ كما تقدم ــ، والعدمُ لا يكونُ بجَعْلِ جاعل. ونكتةُ المسألة: أنَّ الذَّوات من حيث هي ذواتٌ إمَّا أن تكون وجودًا أو عدمًا، فإن كانت وجودًا فهي بجَعْلِ الجاعل، وإن كانت عدمًا فالعدمُ كاسمه، ولا يتعلَّقُ بجَعْلِ الجاعل (٣). فصل * وأمَّا قولُه: إنَّ إبراهيم ﷺ كان اعتمادُه في إثبات الصَّانع على الدلائل الفلَكيَّة، كما قرَّره؛ فيقال: من العجب ذِكرُكم لخليل الرحمن في هذا المقام، وهو أعظمُ عدوٍّ لعبَّاد الكواكب والأصنام التي اتخِذَت على صُورِها، وهم أعداؤه الذين ألقوه في النار، حتى جعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وهو ﷺ أعظمُ الخلق براءةً منهم.

стр. 1497

وأمَّا ذلك التقريرُ (١) الذي قرره الرازيُّ في المناظرة بينه وبين المَلِك المعطِّل؛ فمما لم يخطُر بقلب إبراهيم، ولا بقلب المشرك، ولا يدلُّ اللفظُ عليها البتَّة، وتلك المناظرةُ التي ذكرها الرازيُّ تشبه أن تكون مناظرةً بين فيلسوفٍ ومتكلِّم! فكيف يسوغُ أن يقال: إنها هي المرادةُ من كلام الله تعالى؟! فيُكْذَبَ على الله، وعلى خليله، وعلى المشرك المعطِّل! وإبراهيمُ أعلمُ بالله ووحدانيته وصفاته من أن يرضى (٢) بهذه المناظرة. ونحن نذكرُ كلامَ أئمَّة التفسير في ذلك ليُفْهَم معنى المناظرة، وما دلَّ عليه القرآنُ من تقريرها. قال ابن جرير (٣): معنى الآية: ألم تر يا محمَّد إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه حين قال له إبراهيم: ربِّي الذي يحيي ويميت، يعني بذلك: ربِّي الذي بيده الحياة والموت، يحيي من يشاءُ ويميتُ من أرادَ بعد الإحياء، قال: أنا أفعلُ ذلك، فأحيي وأميت، أستحيي من أردتُ قتله فلا أقتله، فيكون ذلك منِّي إحياءً له ــ وذلك عند العرب يسمَّى: إحياءً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]ــ، وأقتلُ آخَر، فيكونُ ذلك منِّي إماتةً له. قال إبراهيمُ له: فإنَّ الله هو الذي يأتي بالشمس من مشرقها، فإن كنتَ صادقًا أنك إلهٌ فأتِ بها من مغربها. قال الله : ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، يعني: انقطَع وبطلَت حجَّته.

стр. 1498

ثمَّ ذَكر من قال ذلك من السَّلف. فروى عن قتادة: ذُكِرَ لنا أنه دعا برجلين، فقتَل أحدَهما واستحيا الآخَر، وقال: أنا أحيي هذا وأميتُ هذا، قال إبراهيمُ عند ذلك: فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب. وعن مجاهد: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أقتلُ من شئتُ، وأستحيي من شئتُ أدعُه حيًّا فلا أقتلُه. وقال ابن وهب: حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنَّ الجبَّار قال لإبراهيم: أنا أحيي وأميت، وإن شئتُ قتلتُك وإن شئتُ استحييتُك، فقال إبراهيم: إنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب. فبُهِتَ الذي كفر. وقال الربيع: لما قال إبراهيم: ربِّي الذي يحيى ويميت، قال هو ــ يعني نمرود ــ: فأنا أحيي وأميت، فدعا برجلين فاستحيا أحدَهما وقتَل الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت، أي: أستحيي من شئتُ، فقال إبراهيم: فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب. وقال السُّدِّي: لما خرجَ إبراهيمُ من النار أدخلوه على المَلِك، ولم يكن قبل ذلك دخَل عليه، فكلَّمه وقال له: من ربُّك؟ قال: ربِّي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: أنا أحيي وأميت، أنا آخذُ أربعةَ نفرٍ فأُدخِلهم بيتًا فلا يُطْعَمون ولا يُسْقَون، حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمتُ اثنين وسقيتُهما فعاشا، وتركتُ الاثنين فماتا، فعَرف إبراهيمُ أنَّ له قدرةً بسلطانه ومُلكه على أن يفعَل ذلك، قال إبراهيم: فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من

стр. 1499

المغرب. فبُهِتَ الذي كفر (١)، وقال: إنَّ هذا إنسانٌ مجنون، فأخرِجُوه، ألا ترون أنه من جنونه اجتَرأ على آلهتكم فكسَرها، وأنَّ النارَ لم تأكله. وخشي أن يفتضحَ في قومه، وكان يزعمُ أنه ربٌّ، فأمَر بإبراهيم فأُخرِج. وقال مجاهد: أحيي فلا أقتُل، وأميتُ من قتلتُ. وقال ابن جريج: أُتِيَ برجلين، فقتَل أحدَهما وترَك الآخر، فقال: أنا أحيي وأميت، أقتلُ (٢) فأميتُ من قتلتُ، وأحيي فلا أقتُل. وقال ابن إسحاق: ذُكِرَ لنا ــ والله أعلم ــ أنَّ نمرودَ قال لإبراهيم: أرأيتَ إلهك هذا الذي تعبدُ وتدعو إلى عبادته وتذكرُ من قدرته التي تعظِّمه بها على غيره، ما هو؟ قال إبراهيم: ربِّي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: أنا أحيي وأميت، فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذُ الرجلين قد استوجبا القتلَ في حكمي، فأقتلُ أحدَهما فأكونُ قد أمتُّه، وأعفو عن الآخر فأتركُه، فأكونُ قد أحييتُه، فقال له إبراهيم عند ذلك: فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، أَعرِفْ أنه كما تقول، فبُهِتَ عند ذلك نمرود، ولم يرجِع إليه شيئًا، وعرَف أنه لا يطيقُ ذلك. فهذا كلامُ السَّلف في هذه المناظرة، وكذلك سائرُ المفسِّرين بعدهم، لم يقل أحدٌ منهم قطُّ: إن معنى الآية أنَّ هذا الإحياءَ والإماتةَ حاصلٌ منِّي ومن كلِّ أحد، فإنَّ الرجلَ قد يكون منه الحدوثُ بواسطة تمزيجِ الطبائع وتحريك الأجرام الفلَكيَّة.

стр. 1500

بل نقطعُ بأنَّ هذا لم يخطُر (١) بقلب المشرك المناظِر البتَّة، ولا كان هذا مرادَه، فلا يحلُّ تفسيرُ كلام الله بمثل هذه الأباطيل، ونسأل الله أن يُعِيذنا من القول عليه ما لم نعلم، فإنه أعظمُ المحرَّمات على الإطلاق وأشدُّها إثمًا. وقد ظنَّ جماعةٌ من الأصوليِّين وأرباب الجدل أنَّ إبراهيمَ انتقل مع المشرك من حجَّةٍ إلى حجَّة، ولم يُجِبه عن قوله: أنا أحيي وأميت (٢). قالوا: وكان يمكنُه أن يُتَمَّم (٣) معه الحجَّةَ الأولى، بأن يقول: مرادي بالإحياء إحياءُ الميت وإيجادُ الحياة فيه، لا استبقاؤه على حياته، وكان يمكنُه تتميمُها بمعارضةٍ (٤) في نفسها، بأن يقول: فأحْيِ مَن أمتَّ وقتلتَ إن كنتَ صادقًا، ولكن انتقَل إلى حجَّةٍ أوضحَ من الأولى، فقال: إنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، فانقطَع المشركُ المعطِّل. وليس الأمرُ كما ذكروه، ولا هذا انتقال (٥)، بل هذا مطالبةٌ له بمُوجَب دعواه الإلهية، والدليلُ الذي استدلَّ به إبراهيمُ قد تمَّ وثبَت مُوجَبه، فلمَّا ادعى الكافرُ أنه يفعلُ كما يفعلُ الله فيكونُ إلهًا مع الله طالَبه إبراهيمُ بمُوجَب

стр. 1501

دعواه مطالبةً تتضمَّنُ بطلانَها، فقال: إن كنتَ ربًّا كما تزعمُ فتحيي وتميتُ كما يحيي ربِّي ويميت، فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فتنطاعُ (١) لقدرته وتسخيره ومشيئته، فإن كنتَ أنت ربًّا فأتِ بها من المغرب. وتأمَّل قولَ الكافر: أنا أحيي وأميت، ولم يقل: أنا الذي أحيي وأميت، يعني: أنا أفعلُ كما يفعلُ الله، فأكونُ ربًّا مثلَه، فقال له إبراهيم: فإن كنتَ صادقًا فافعَل مثلَ فعله في طلوع الشمس، فإذا أطلَعها مِن جهةٍ فأَطْلِعها أنت من جهةٍ أخرى. ثمَّ تأمَّل ما في ضمن هذه المناظرة من حُسْنِ الاستدلال بأفعال الربِّ المشهودة المحسوسة، التي تستلزمُ وجودَه وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته، من الإحياء والإماتة المشهودَين اللذَين لا يقدرُ عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق، ولا يقدرُ أحدٌ سواه على ذلك. وهذا برهانٌ لا يقبلُ المعارضةَ بوجه، وإنما لبَّس عدوُّ الله، وأوهمَ الحاضرين أنه قادرٌ من الإحياء والإماتة على ما هو مماثلٌ لمقدور الربِّ تعالى، فقال له إبراهيم: فإن كان الأمرُ كما زعمتَ فأرِني قدرتَك على الإتيان بالشمس من المغرب، لتكون مماثلةً (٢) لقدرة الله على الإتيان بها من المشرق. فأين الانتقالُ في هذا الاستدلال والمناظرة؟! بل هذا مِن أحسن ما يكونُ من المناظرة، والدليلُ الثاني مكمِّلٌ لمعنى الدليل الأول، ومبيِّنٌ له

стр. 1502

ومقرِّر، لتضمُّن الدليلين (١) أفعالَ الربِّ الدالَّة عليه وعلى وحدانيته وانفراده بالربوبية (٢) والإلهية، لا تقدرُ (٣) أنت ولا غيرُ الله على مثلها. ولمَّا عَلِمَ عدوُّ الله صحةَ ذلك، وأنَّ من هذا شأنُه على كلِّ شيءٍ قدير، لا يُعجِزُه شيء، ولا يستصعبُ عليه مراد، خافَ أن يقول لإبراهيم: فسَل ربَّك أن يأتي بها من مغربها، فيفعَل ذلك، فيظهرَ لأتباعه بطلانُ دعواه وكذبُه، وأنه لا يصلحُ للربوبية، فبُهِتَ وأمسَك. وفي هذه المناظرة نكتةٌ لطيفةٌ جدًّا، وهي أنَّ شركَ العالَم إنما هو مستندٌ إلى عبادة الكواكب والقبور، ثمَّ صُوِّرت الأصنامُ على صُوَرها ــ كما تقدَّم ــ. فتضمَّن الدليلان اللذان استدلَّ بهما إبراهيمُ إبطالَ إلهيَّة تلك جملةً بأنَّ الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ولا يصلحُ الحيُّ الذي يموت للإلهية، لا في حال حياته ولا بعد موته؛ فإنَّ له ربًّا قادرًا قاهرًا متصرِّفًا فيه أحياهُ وأماته، ومَن كان كذلك فكيف يكونُ إلهًا حتى يتَّخذ الصَّنمُ على صُورته ويُعْبَد من دونه؟! وكذلك الكواكبُ أظهرُها وأكبرُها للحِسِّ هذه الشمس، وهي مربوبةٌ مدبَّرةٌ مسخَّرةٌ لا تصرُّفَ لها في نفسها بوجهٍ ما، بل ربُّها وخالقُها سبحانه يأتي بها من مشرقها، فتنقادُ لأمره ومشيئته، فهي مربوبةٌ مسخَّرةٌ مدبَّرةٌ، لا إلهًا يُعْبَدُ من دون الله.

стр. 1503

فصل * وأمَّا استدلالُه بأن النبيَّ ﷺ نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال (١) الشَّمس والقمر واستدبارهما؛ فكأنه ــ والله أعلم ــ لمَّا رأى بعضَ الفقهاء قد قالوا ذلك في كتبهم في آداب التخلِّي: «ولا يَسْتَقبِلُ الشمسَ والقمر» (٢)، ظنَّ أنهم إنما قالوا ذلك لنهي النبي ﷺ عنه، فاحتجَّ بالحديث! وهذا مِن أبطل الباطل؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُنْقَل عنه ذلك (٣) في كلمةٍ واحدة، لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا مرسلٍ ولا متصل (٤)، وليس لهذه المسألة أصلٌ في الشرع، والذين ذكروها من الفقهاء منهم من قال: العلَّةُ في ذلك أنَّ اسمَ الله مكتوبٌ عليهما، ومنهم من قال: لأنَّ نُورَهما مِن نور الله، ومنهم من قال: إن التنكُّبَ عن استقبالهما واستدبارهما أبلغُ في التستُّر وعدم ظهور الفرجَيْن (٥). وبكلِّ حالٍ, فما لهذا ولأحكام النجوم؟! فإن كان هذا دالًّا على دعواكم فدلالةُ النَّهي عن استقبال الكعبة بذلك أقوى وأولى. * وأمَّا استدلالُه بأنَّ النبيَّ ﷺ قال يوم موت ولده إبراهيم: «إنَّ الشَّمس

стр. 1504

والقمر آيتان من آيات الله , لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزَعوا إلى الصلاة» (١)، وهذا الحديثُ صحيح، وهو من أعظم الحُجَج على بطلان قولكم؛ فإنه ﷺ أخبر أنهما آيتان من آيات الله، وآياتُ الله لا يحصيها إلا الله، فالمطرُ والنباتُ والحيوانُ والليلُ والنهارُ والبرُّ والبحرُ والجبالُ والشجرُ وسائرُ المخلوقات آياتُه تعالى الدَّالةُ عليه، وهي في القرآن أكثر من أن نذكُرها هاهنا، فهما آيتان، لا ربَّان ولا إلهان، ولا ينفعان ولا يضرَّان، ولا لهما تصرُّفٌ في أنفُسِهما وذواتهما (٢) البتَّة، فضلًا عن إعطائهما كلَّ ما في العالم من خيرٍ وشرٍّ وصلاحٍ وفساد، بل كلَّ ما فيه من ذرَّاته وأجزائه وكلِّياته وجزئياته (٣)، تعالى الله عن قول المفترين المشركين علوًّا كبيرًا. وفي قوله ﷺ : «لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته» قولان: أحدهما: أنَّ موتَ الميِّت وحياتَه لا يكونُ سببًا في انكسافهما، كما كان يقولُه كثيرٌ من جُهَّال العرب (٤) وغيرهم عند الانكساف، أن ذلك لموتِ عظيمٍ أو ولادةِ عظيم، فأبطَل النبيُّ ﷺ ذلك، وأخبَر أن موتَ الميِّت وحياتَه لا يؤثِّر في كسوفهما البتَّة. والثاني: أنه لا يحصُل عن انكسافهما موتٌ ولا حياة، فلا يكونُ انكسافُهما سببًا لموت ميتٍ ولا لحياة حيٍّ، وإنما ذلك تخويفٌ من الله

стр. 1505

لعباده، أجرى العادةَ بحصوله في أوقاتٍ معلومةٍ بالحساب، كطلوع الهلال وإبداره وسِراره (١). فأمَّا سببُ كسوف الشمس فهو توسُّطُ القمر بين جِرْم الشمس وبين أبصارنا، فإنَّ القمرَ عندهم جسمٌ كثيفٌ مُظلِم، وفلكُه دون فلَك الشمس، فإذا كان على مسامتة إحدى نقطتي الرأس أو الذَّنَب أو قريبًا منهما حالةَ الاجتماع من تحت الشمس حالَ بيننا وبين نور الشمس، كسحابةٍ تمرُّ تحتها إلى أن تُجَاوزَها من الجانب الآخر، فإن لم يكن للقمر عرضٌ سَتَر عنَّا نورَ كلِّ الشمس، وإن كان له عرضٌ فبقَدْرِ ما يُوجِبه عرضُه. وذلك أنَّ الخطوطَ الشُّعاعية تخرجُ من بصر الناظر إلى المرئيِّ على شكلِ مخروطٍ رأسُه [عند] نقطة البصر، وقاعدتُه عند جِرْم المرئيِّ، فإذا وجَّهنا أبصارَنا إلى جِرْم الشمس حالةَ كسوفها فإنه ينتهي إلى القمر أولًا مخروطُ الشُّعاع، فإذا توهَّمنا نفوذَه منه إلى الشمس وقع (٢) جِرْمُ الشمس في وسط المخروط، وإن لم يكن للقمر عرضٌ انكسف كلُّ الشمس , وإن كان للقمر عرضٌ فبقَدْرِ ما يوجبُه عرضُه ينحرفُ جِرْمُ الشمس عن مخروط الشُّعاع، ولا يقعُ كلُّه فيه، فينكسفُ بعضُه ويبقى الباقي على ضيائه، وذلك إذا كان العرضُ المرئيُّ أقلَّ من نصف مجموع قُطْرِ الشمس والقمر، حتى إذا ساوى العرضُ المرئيُّ نصف مجموع القُطْرين كان صفحةُ القمر تماسُّ (٣) مخروطَ الشُّعاع، فلا ينكسفُ ولا يكونُ لكسوف الشمس لُبْثٌ؛ لأنَّ قاعدةَ

стр. 1506

المخروط المتَّصل بالشمس مساوٍ لِقُطْرَيها، فكلما (١) ابتدأ القمرُ بالحركة بعد تمام الموازاة بينه وبين الشمس تحرَّك المخروطُ وابتدأت الشمسُ بالإسفار. إلا أنَّ كسوفَ الشمس يختلفُ باختلاف أوضاع المَساكِن، حتى إنه يُرى في بعضها ولا يُرى في بعضها، ويُرى في بعضها أقلَّ وفي بعضها أكثر بسبب اختلاف المنظر، إذ الكاسفُ ليس عارضًا في جِرْم الشمس ليستوي فيه النُّظَّارُ من جميع الأماكن، بل الكاسفُ شيءٌ متوسطٌ بينها وبين الأبصار وهو قريبٌ منَّا، والمحجوبُ عنَّا بعيد، فيختلفُ التوسُّطُ باختلاف مواضع الناظرين. وكذلك يختلفُ كسوفُ الشمس في مَباديها وعند انجلائها في كمِّية ما ينكسفُ منها، وفي زمان كسوفها الذي هو من أول البُدُوِّ إلى وسطِ الكسوف، ومن وسط الكسوف إلى آخر الانجلاء. فإن قيل: فجِرْمُ القمر أصغرُ من جِرْم الشمس بكثير، فكيف يحجُب عنَّا كلَّ الشمس؟! (٢) قيل: إنما يحجُب عنَّا جِرْمَ الشمس لقربه منَّا وبُعْدِها عنَّا؛ لأنَّ الشيئين (٣) المختلفَين في الصِّغَر والكِبَر إذا قَرُبَ الصغيرُ من الكبير يُرى من

стр. 1507

أطراف الكبير أكثرَ (١) ما يُرى منها مع بُعْدِ الأصغر عنه، وكلَّما بَعُدَ الأصغر عنه وازداد قربُه من النَّاظر تناقصَ ما يُرى من أطراف الأكبر، إلى أن ينتهي إلى حدٍّ لا يُرى من الأكبر شيء، والحِسُّ شاهدٌ بذلك. وأمَّا سببُ خسوف القمر؛ فهو توسطُ الأرض بينه وبين الشمس، حتى يصير القمرُ ممنوعًا من اكتساب النُّور من الشمس، ويبقى ظلامُ ظلِّ الأرض في مَمرِّه؛ لأنَّ القمرَ لا ضوءَ له أبدًا، وإنما يكتسبُ الضوءَ من الشمس. وهل هذا الاكتسابُ خاصٌّ بالقمر أم يشاركه فيه سائرُ الكواكب؟ ففيه قولان لأرباب الهيئة: أحدُهما: أنَّ الشمسَ وحدَها هي المضيئةُ بذاتها , وغيرُها من الكواكب مستضيئةٌ بضيائها على سبيل العَرَض، كما عُرِفَ ذلك في القمر. والقولُ الثاني: أنَّ القمرَ مخصوصٌ بالكُمُودة (٢) دون سائر الكواكب وغيرُه من الكواكب مضيئةٌ بذاتها , كالشمس. وردَّ هؤلاء على أرباب القول الأول بأنَّ الكواكب لو استفادت أضواءها من الشمس لاختَلف مقاديرُ تلك الأضواء فيما كان تحت فلَك الشمس منها بسبب القُرب والبُعد من الشمس، كما في القمر , فإنه يختلفُ (٣) ضوؤه بحسب قُربه وبُعده من الشمس. والذي حملَ أربابَ القول عليه ما وجدوه مِن تعلُّق حركات الكواكب

стр. 1508

بحركات الشمس، وظنُّوا أنَّ أضواءها مِن ضيائها. وليس الغرضُ استيفاءَ الحِجَاج من الجانبين، وما لكلِّ قولٍ وعليه، والمقصودُ ذكرُ سبب الخسوف القمريِّ. ولمَّا كانت الأرض جسمًا كثيفًا، فإذا أشرقت الشمسُ على جانبٍ منها فإنه يقعُ لها ظلٌّ في الجهة الأخرى؛ لأنَّ كلَّ ذي ظلٍّ يقعُ في الجهة المقابلة للجِرْم المضيء، فمتى أشرقَت عليها من ناحية المشرق وقعت أظلالُها في ناحية المغرب، وإذا وقعَت عليها من ناحية المغرب مالت أظلالُها إلى ناحية المشرق. والأرضُ أصغرُ من جِرْم الشمس بكثير، فينبعثُ ظلُّها ويرتفعُ في الهواء على شكلِ (١) مخروطٍ قاعدتُه قريبةٌ من تدوير الأرض، ثمَّ لا يزالُ ينخرطُ تدويرًا حتى يَدِقَّ ويتلاشى؛ لأنَّ قُطر الشمس لمَّا كان أعظمَ من قُطر الأرض , فالخطوطُ الشُّعاعيةُ المارَّة من جوانب الشمس إلى جوانب الأرض تكونُ متلاقيةً لا متوازية، فإذا مرَّت على الاستقامة إلى الأرض انقذفت (٢) على جوانبها , فتلتقي (٣) لا محالة إلى نقطة، فينحصر ظلُّ الأرض في سطحٍ مخروط , فيكون مخروطًا لا محالة، قاعدتُه حيثُ ينبعثُ من الأرض، ورأسُه عند نقطة تلاقي الخطوط. ولو كان قُطر الأرض مساويًا لقُطر الشمس لكانت الخطوط الشُّعاعيةُ

стр. 1509

تخرجُ إليها على التوازي، فيكون الظلُّ متساوي الغِلَظ إلى أن ينتهي إلى محيط العالم. ولو كان قُطر الشمس أصغرَ من قُطر الأرض لكانت الخطوطُ تخرجُ على التلاقي في جهة الشمس وأوسعُها عند قُطر الأرض، ولكان الظلُّ يزدادُ غِلَظًا كلَّما بَعُدَ عن الأرض إلى أن ينتهي إلى محيط العالم، ويلزمُ من ذلك أن ينخسفَ القمرُ في كلِّ استقبال، والوجودُ بخلافه. ولمَّا ثبتَ أنَّ ظلَّ الأرض مخروطيُّ الشكل، وقد وقعَ في الجهة المقابلة لجهة الشمس، فيكونُ نقطةُ رأسه في سطح فلك البروج لا محالة ويدورُ بدوران الشمس مسامتًا للنقطة المقابلة لموضع الشمس. وهذا الظلُّ الذي يكون فوق الأرض هو الليل، فإن كانت الشمسُ فوق الأرض كان الظلُّ تحت الأرض بالنسبة إلينا، ونحن في ضياء الشمس، وذلك النهارُ والزمانُ الذي يوازي دوامَ الظلِّ فوق الأرض هو زمانُ الليل. فإذا اتفقَ مرورُ القمر على محاذاة نقطتي الرَّأس والذَّنَب حالة الاستقبال يقعُ في مخروط الظلِّ لا محالة؛ لأن الخطَّ الخارج عن مركز العالم المارَّ بمركز الشمس ثم بمركز القمر من الجانب الآخر ينطبقُ (١) على سهم مخروطِ الظلِّ، فيقعُ القمرُ في وسط المخروط، فينخسفُ كلُّه ضرورةً؛ لأنَّ الأرضَ تمنعُه من قبول ضياء الشمس، فيبقى القمرُ على جوهره الأصليِّ. فإن كان للقمر عرضٌ (٢) ينحرفُ عن سهم المخروطِ بقي الضوءُ فيه

стр. 1510

بقدره وطبعه، وقد يقعُ كلُّه في المخروط ولكن يمرُّ في جانبٍ منه، وقد يقعُ بعضُه في المخروط ويبقى بعضُه خارجًا، وربَّما يماسُّ مخروطَ الظلِّ ولا يقعُ من جِرْمه شيء. وإنما (١) يختلفُ هذا باختلاف بُعده من الخطِّ الخارج من مركز العالم المارِّ بمركز الشمس المطابق لسهم المخروط، حتى إذا عَظُمَ عرضُه بأن كان (٢) بينه وبين إحدى نقطتي الرأس والذَّنَب أكثر من ثلاثة عشر (٣) دقيقةً لا يماسُّ المخروطَ أصلًا، وإذا وقع في جانبٍ منه قلَّ مُكثُه، وربما لم يكن له مكثٌ أصلًا. وإنما يُعرَفُ ذلك بتقديم معرفة قُطر الظِّل. وقُطر القمر يختلفُ باختلاف أبعاده عن الأرض، وكذلك (٤) قُطر الظلِّ أيضًا يختلفُ باختلاف أبعاد الشمس عن الأرض، فإنَّ الشمس متى قَرُبَت من الأرض كان ظلُّ الأرض دقيقًا قصيرًا، وإذا بَعُدَت عنها كان ظلُّ الأرض طويلاً غليظًا؛ لأنها متى بَعُدَت عن الأرض يُرى قُطرُها أصغر وأقربَ تلاقيًا منها، وكلما كان أعظمَ مقدارًا في رأي العين فالخطوطُ الشُّعاعية أقصرُ وأقربُ تلاقيًا، فلذلك يختلفُ قَطْعُ القمر غِلَظَ الظلِّ في أوقات الكسوفات. والموضعُ الذي يقطعه القمرُ من الظلِّ يسمُّونه فلَكَ الجوهر. وإذا عُرِفَ قُطر الظلِّ , وعُرِفَ مقدارُ قُطر نصف القمر , وجُمِعَ بينهما
следующие страницы →