← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

المخروط المتَّصل بالشمس مساوٍ لِقُطْرَيها، فكلما (١) ابتدأ القمرُ بالحركة بعد تمام الموازاة بينه وبين الشمس تحرَّك المخروطُ وابتدأت الشمسُ بالإسفار. إلا أنَّ كسوفَ الشمس يختلفُ باختلاف أوضاع المَساكِن، حتى إنه يُرى في بعضها ولا يُرى في بعضها، ويُرى في بعضها أقلَّ وفي بعضها أكثر بسبب اختلاف المنظر، إذ الكاسفُ ليس عارضًا في جِرْم الشمس ليستوي فيه النُّظَّارُ من جميع الأماكن، بل الكاسفُ شيءٌ متوسطٌ بينها وبين الأبصار وهو قريبٌ منَّا، والمحجوبُ عنَّا بعيد، فيختلفُ التوسُّطُ باختلاف مواضع الناظرين. وكذلك يختلفُ كسوفُ الشمس في مَباديها وعند انجلائها في كمِّية ما ينكسفُ منها، وفي زمان كسوفها الذي هو من أول البُدُوِّ إلى وسطِ الكسوف، ومن وسط الكسوف إلى آخر الانجلاء. فإن قيل: فجِرْمُ القمر أصغرُ من جِرْم الشمس بكثير، فكيف يحجُب عنَّا كلَّ الشمس؟! (٢) قيل: إنما يحجُب عنَّا جِرْمَ الشمس لقربه منَّا وبُعْدِها عنَّا؛ لأنَّ الشيئين (٣) المختلفَين في الصِّغَر والكِبَر إذا قَرُبَ الصغيرُ من الكبير يُرى من

стр. 1507

أطراف الكبير أكثرَ (١) ما يُرى منها مع بُعْدِ الأصغر عنه، وكلَّما بَعُدَ الأصغر عنه وازداد قربُه من النَّاظر تناقصَ ما يُرى من أطراف الأكبر، إلى أن ينتهي إلى حدٍّ لا يُرى من الأكبر شيء، والحِسُّ شاهدٌ بذلك. وأمَّا سببُ خسوف القمر؛ فهو توسطُ الأرض بينه وبين الشمس، حتى يصير القمرُ ممنوعًا من اكتساب النُّور من الشمس، ويبقى ظلامُ ظلِّ الأرض في مَمرِّه؛ لأنَّ القمرَ لا ضوءَ له أبدًا، وإنما يكتسبُ الضوءَ من الشمس. وهل هذا الاكتسابُ خاصٌّ بالقمر أم يشاركه فيه سائرُ الكواكب؟ ففيه قولان لأرباب الهيئة: أحدُهما: أنَّ الشمسَ وحدَها هي المضيئةُ بذاتها , وغيرُها من الكواكب مستضيئةٌ بضيائها على سبيل العَرَض، كما عُرِفَ ذلك في القمر. والقولُ الثاني: أنَّ القمرَ مخصوصٌ بالكُمُودة (٢) دون سائر الكواكب وغيرُه من الكواكب مضيئةٌ بذاتها , كالشمس. وردَّ هؤلاء على أرباب القول الأول بأنَّ الكواكب لو استفادت أضواءها من الشمس لاختَلف مقاديرُ تلك الأضواء فيما كان تحت فلَك الشمس منها بسبب القُرب والبُعد من الشمس، كما في القمر , فإنه يختلفُ (٣) ضوؤه بحسب قُربه وبُعده من الشمس. والذي حملَ أربابَ القول عليه ما وجدوه مِن تعلُّق حركات الكواكب

стр. 1508

بحركات الشمس، وظنُّوا أنَّ أضواءها مِن ضيائها. وليس الغرضُ استيفاءَ الحِجَاج من الجانبين، وما لكلِّ قولٍ وعليه، والمقصودُ ذكرُ سبب الخسوف القمريِّ. ولمَّا كانت الأرض جسمًا كثيفًا، فإذا أشرقت الشمسُ على جانبٍ منها فإنه يقعُ لها ظلٌّ في الجهة الأخرى؛ لأنَّ كلَّ ذي ظلٍّ يقعُ في الجهة المقابلة للجِرْم المضيء، فمتى أشرقَت عليها من ناحية المشرق وقعت أظلالُها في ناحية المغرب، وإذا وقعَت عليها من ناحية المغرب مالت أظلالُها إلى ناحية المشرق. والأرضُ أصغرُ من جِرْم الشمس بكثير، فينبعثُ ظلُّها ويرتفعُ في الهواء على شكلِ (١) مخروطٍ قاعدتُه قريبةٌ من تدوير الأرض، ثمَّ لا يزالُ ينخرطُ تدويرًا حتى يَدِقَّ ويتلاشى؛ لأنَّ قُطر الشمس لمَّا كان أعظمَ من قُطر الأرض , فالخطوطُ الشُّعاعيةُ المارَّة من جوانب الشمس إلى جوانب الأرض تكونُ متلاقيةً لا متوازية، فإذا مرَّت على الاستقامة إلى الأرض انقذفت (٢) على جوانبها , فتلتقي (٣) لا محالة إلى نقطة، فينحصر ظلُّ الأرض في سطحٍ مخروط , فيكون مخروطًا لا محالة، قاعدتُه حيثُ ينبعثُ من الأرض، ورأسُه عند نقطة تلاقي الخطوط. ولو كان قُطر الأرض مساويًا لقُطر الشمس لكانت الخطوط الشُّعاعيةُ

стр. 1509

تخرجُ إليها على التوازي، فيكون الظلُّ متساوي الغِلَظ إلى أن ينتهي إلى محيط العالم. ولو كان قُطر الشمس أصغرَ من قُطر الأرض لكانت الخطوطُ تخرجُ على التلاقي في جهة الشمس وأوسعُها عند قُطر الأرض، ولكان الظلُّ يزدادُ غِلَظًا كلَّما بَعُدَ عن الأرض إلى أن ينتهي إلى محيط العالم، ويلزمُ من ذلك أن ينخسفَ القمرُ في كلِّ استقبال، والوجودُ بخلافه. ولمَّا ثبتَ أنَّ ظلَّ الأرض مخروطيُّ الشكل، وقد وقعَ في الجهة المقابلة لجهة الشمس، فيكونُ نقطةُ رأسه في سطح فلك البروج لا محالة ويدورُ بدوران الشمس مسامتًا للنقطة المقابلة لموضع الشمس. وهذا الظلُّ الذي يكون فوق الأرض هو الليل، فإن كانت الشمسُ فوق الأرض كان الظلُّ تحت الأرض بالنسبة إلينا، ونحن في ضياء الشمس، وذلك النهارُ والزمانُ الذي يوازي دوامَ الظلِّ فوق الأرض هو زمانُ الليل. فإذا اتفقَ مرورُ القمر على محاذاة نقطتي الرَّأس والذَّنَب حالة الاستقبال يقعُ في مخروط الظلِّ لا محالة؛ لأن الخطَّ الخارج عن مركز العالم المارَّ بمركز الشمس ثم بمركز القمر من الجانب الآخر ينطبقُ (١) على سهم مخروطِ الظلِّ، فيقعُ القمرُ في وسط المخروط، فينخسفُ كلُّه ضرورةً؛ لأنَّ الأرضَ تمنعُه من قبول ضياء الشمس، فيبقى القمرُ على جوهره الأصليِّ. فإن كان للقمر عرضٌ (٢) ينحرفُ عن سهم المخروطِ بقي الضوءُ فيه

стр. 1510

بقدره وطبعه، وقد يقعُ كلُّه في المخروط ولكن يمرُّ في جانبٍ منه، وقد يقعُ بعضُه في المخروط ويبقى بعضُه خارجًا، وربَّما يماسُّ مخروطَ الظلِّ ولا يقعُ من جِرْمه شيء. وإنما (١) يختلفُ هذا باختلاف بُعده من الخطِّ الخارج من مركز العالم المارِّ بمركز الشمس المطابق لسهم المخروط، حتى إذا عَظُمَ عرضُه بأن كان (٢) بينه وبين إحدى نقطتي الرأس والذَّنَب أكثر من ثلاثة عشر (٣) دقيقةً لا يماسُّ المخروطَ أصلًا، وإذا وقع في جانبٍ منه قلَّ مُكثُه، وربما لم يكن له مكثٌ أصلًا. وإنما يُعرَفُ ذلك بتقديم معرفة قُطر الظِّل. وقُطر القمر يختلفُ باختلاف أبعاده عن الأرض، وكذلك (٤) قُطر الظلِّ أيضًا يختلفُ باختلاف أبعاد الشمس عن الأرض، فإنَّ الشمس متى قَرُبَت من الأرض كان ظلُّ الأرض دقيقًا قصيرًا، وإذا بَعُدَت عنها كان ظلُّ الأرض طويلاً غليظًا؛ لأنها متى بَعُدَت عن الأرض يُرى قُطرُها أصغر وأقربَ تلاقيًا منها، وكلما كان أعظمَ مقدارًا في رأي العين فالخطوطُ الشُّعاعية أقصرُ وأقربُ تلاقيًا، فلذلك يختلفُ قَطْعُ القمر غِلَظَ الظلِّ في أوقات الكسوفات. والموضعُ الذي يقطعه القمرُ من الظلِّ يسمُّونه فلَكَ الجوهر. وإذا عُرِفَ قُطر الظلِّ , وعُرِفَ مقدارُ قُطر نصف القمر , وجُمِعَ بينهما

стр. 1511

ونُصِّفَ ذلك، وعُرِفَ عرضُ القمر إن كان له عرض، فإن كان العرضُ مساويًا لنصف مجموع القُطرين فإنَّ القمرَ يُماسُّ دائرةَ الظلِّ ولا ينكسف، وإن كان العرضُ أقلَّ من نصف مجموعهما فإنه ينكسف، فيُنظرُ إن كان مساويًا لنصف قُطر الظلِّ انكسف من القمر مثلُ نصف صفحته، وإن كان العرضُ أقلَّ من نصف قُطر الظلِّ فينتقصُ العرضُ من نصف قُطر الظلِّ، فإن كان الباقي مثل قُطر القمر انكسف كلُّه ولا يكونُ له مكث، حتى إذا لم يكن له عرضٌ انكسف كلُّه ويمكثُ زمانًا أكثر. وأطولُ ما يمتدُّ زمانُ الكسوف القمريِّ أربع ساعات، وأمَّا زمانُ الكسوف الشمسيِّ فلا يزيدُ على ساعتين. وكسوفُ القمر يختلفُ باختلاف أوضاع المَساكِن، إذ الكسوفُ عارضٌ في جهةٍ , وهو عبورُه في ظلام ظلِّ الأرض، بخلاف كسوف الشمس، وإنما يختلفُ الوقتُ فقط بأن يكون في بعض المَساكِن على مُضِيِّ ساعةٍ من الليل، وفي بعضها على مُضِيِّ نصف ساعة، وقد يطلعُ منكسفًا في بعض المساكن، وينكسفُ بعد الطُّلوع في بعضها، وقد لا يُرى منكسفًا أصلًا إذا كانت الشمسُ فوق الأرض حالة الاستقبال. وبدءُ الخسوف (١) في القمر أبدًا يكونُ من طرفه الشرقيِّ، إذ هو الذاهبُ إلى الاستقبال نحو المشرق والدخول في الظلِّ بحركته، ثمَّ ينحرفُ قليلًا قليلًا إلى الشمال أو الجنوب في بدء انجلائه أيضًا من طرفه الشرقي، وأمَّا في الشمس فبدءُ الكسوف من طرفها الغربيِّ، إذ الكاسفُ لها يأتي إليها من ناحية الغرب، وكذلك الانجلاءُ أيضًا من الطَّرف الغربيِّ لكن بانحرافٍ منه

стр. 1512

إلى الشمال والجنوب. وإنما ذكَرنا هذا الفصل، ولم يكن من غرَضنا؛ لأنَّ كثيرًا من هؤلاء الأحكاميِّين يموِّهون على الجُهَّال بأمر الكسوف، ويوهمونهم أنَّ قضاياهم وأحكامهم النجوميَّة من السَّعد والنَّحس والظَّفر والغلبة وغيرها هي من جنس الحكم بالكسوف، فيصدِّقُ بذلك الأغمارُ والرَّعاع (١)، ولا يعلمون أنَّ الكسوفَ يُعْلَمُ بحساب سَيْر النيِّرَين في منازلهما، وذلك أمرٌ قد أجرى اللهُ العادةَ المطَّردة به , كما أجراها في الأبدار والسِّرار والهلال. نعم؛ لا ننكِرُ أنَّ الله سبحانه يُحْدِثُ عند الكسوفَين من أقضيته وأقداره ما يكونُ بلاءً لقومٍ ومصيبةً لهم، ويجعلُ الكسوفَ سببًا لذلك (٢)، ولهذا أمر النبيُّ ﷺ عند الكسوف بالفزَع إلى ذكر الله والصَّلاة والعِتاقة والصَّدقة والصِّيام (٣)؛ لأنَّ هذه الأشياء تدفعُ مُوجَبَ الكَسْف الذي جعله الله سببًا لما جعله، فلولا انعقادُ سبب التخويف لما أمرَ بدفع مُوجَبه بهذه العبادات. ولله تعالى في أيام دهره أوقاتٌ يُحْدِثُ فيها ما يشاءُ من البلاء والنَّعماء ويقضي من الأسباب ما يدفعُ مُوجَبَ تلك الأسباب لمن قام به، أو يقلِّله أو يخفِّفه، فمن فَزِعَ إلى تلك الأسباب أو بعضها اندفَع عنه الشرُّ الذي جعل اللهُ

стр. 1513

الكسوفَ سببًا له أو بعضه، ولهذا قلَّ ما تسلَمُ أطرافُ الأرض ــ حيث يخفى الإيمانُ وما جاءت به الرسل فيها ــ من شرٍّ عظيمٍ يحصلُ فيها بسبب الكسوف، وتسلَمُ منه الأماكنُ التي يظهرُ فيها نورُ النبوَّة والقيامُ بما جاءت به الرسل، أو يقلُّ فيها جدًّا. ولمَّا كُسِفَت الشمسُ على عهد النبيِّ ﷺ قام فَزِعًا مسرعًا يجرُّ رداءه، ونادى في الناس: الصَّلاةَ جامعة، وخَطَبهم بتلك الخطبة البليغة، وأخبرَ أنه لم يَر كيومه ذلك في الخير والشرِّ، وأمَرهم عند حصول مثل تلك الحالة بالعِتاقة والصَّدقة والصلاة والتوبة. فصلواتُ الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وبأمره وشأنه وتصريفه أمورَ مخلوقاته وتدبيره، وأنصحِهم للأمة، ومَن دعاهم إلى ما فيه سعادتُهم في معاشهم ومَعادهم، ونهاهم عمَّا فيه هلاكُهم في معاشهم ومعادهم. ولقد جنى (١) على ما جاءت به الرسلُ طائفتان (٢)، هلَك بسببهما من شاء الله، ونجا مِن شركهما من سبقت له العنايةُ من الله (٣): * إحدى الطائفتين (٤) وقفَت مع ما شاهَدَته وعَلِمَته من أمور هذه الأسباب والمسبَّبات، وأحالت الأمرَ عليها، وظنَّت أنه ليس بعدها شيء، فكفَرت بما جاءت به الرسل وجحَدت المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوَّات، وغرَّها (٥) ما انتهى إليه علومُها ووقفَت عنده أقدامُها من العلم بظاهرٍ من

стр. 1514

المخلوقات وأحوالها. وجاء ناسٌ جُهَّالٌ رأوهم قد أصابوا في بعضها أو كثيرٍ منها، فقالوا: كلُّ ما قاله هؤلاء فهو صواب؛ لِمَا ظهر لنا من صوابهم. وانضافَ إلى ذلك أنَّ أولئك لمَّا وقفوا على الصواب فيما أدَّتهم إليه أفكارُهم من الرياضيات (١) وبعض الطبيعيات وَثِقُوا بعقولهم، وفرحوا بما عندهم من العلم، وظنُّوا أنَّ سائر ما أحْكَمَتْه (٢) أفكارُهم من العلم بالله وشأنه وعظمته هو كما أوقعهم عليه فكرُهم، وحكمُه حكمُ ما شهد به الحِسُّ من الطبيعيات والرياضيات؛ فتفاقمَ الشرُّ، وعَظُمَت المصيبة، وجُحِدَ اللهُ وصفاتُه وخلقُه للعالَم وإعادتُه له، وجُحِدَ كلامُه ورسلُه ودينُه. ورأى كثيرٌ من هؤلاء أنهم هم خواصُّ النوع الإنسانيِّ وأهلُ الألباب، وأنَّ ما عداهم هم القُشور، وأنَّ الرسلَ إنما قاموا بسياستهم لئلَّا يكونوا كالبهائم، فهم بمنزلة قيِّم المارِستان (٣)، وأمَّا أهلُ العقول والرياضات (٤) والأفكار فلا يحتاجون إلى الرسل، بل هم يعلِّمون الرسلَ ما يصنعونه (٥) للدَّعوة الإنسانية، كما تجدُ في كتبهم: وينبغي للرسول أن يفعلَ كذا وكذا!

стр. 1515

والمقصودُ أنَّ هؤلاء لمَّا أوقعَتهم (١) أفكارُهم على العلم بما خفي على كثيرٍ من الناس من أسرار المخلوقات وطبائعها وأسبابها، ذهبوا بأفكارهم وعقولهم، وتجاوزَت ماجاءت به الرسل، وظنُّوا أنَّ إصابتهم في الجميع سواء، وصار المقلِّدُ لهم في كُفرهم إذا خطرَ له إشكالٌ على مذهبهم أو دَهَمَه مالا حيلةَ له في دفعه مِن تناقُضهم وفساد أصولهم يحسِّنُ الظَّنَّ بهم، ويقول: لا شكَّ أن علومهم مشتملةٌ على حلِّه (٢) والجواب عنه، وإنما يَعْسُرُ عليَّ إدراكُه لأني لم أحصِّل الرياضيات ولم أُحْكِم المنطقيَّات وعدةَ علومٍ قد صقَلَتها أذهانُ الأوَّلين وأحكمَتها أفكارُ المتقدِّمين! فالفاضلُ كلُّ الفاضل من يفهمُ كلامهم، وأمَّا الاعتراضُ عليهم وإبطالُ فاسد أصولهم فعندهم من المُحال الذي لا يُصَدَّق به. وهذا مِن خداع الشيطان وتلبيسه بغروره لهؤلاء الجُهَّال مقلِّدو (٣) أهل الضلال، كما لبَّسَ على أئمَّتهم وسَلفِهم بأنْ أوهمَهم أنَّ كلَّ ما نالوه بأفكارهم فهو صواب، كما ظهرت إصابتُهم في الرياضيات وبعض الطبيعيات، فركَّب مِن ضلالِ هؤلاء وجهلِ أتباعهم ما اشتدَّت به البليَّة، وعَظُمَت لأجله الرزيَّة، وخربَ لأجله العالَم، وجُحِدَ ما جاءت به الرسل وكُفِرَ بالله وصفاته وأفعاله. ولم يعلم هؤلاء أنَّ الرجلَ يكونُ إمامًا في الحساب وهو أجهلُ خلق الله

стр. 1516

بالطِّبِّ والهيئة والمنطق، ويكونُ رأسًا في الطبِّ ويكونُ من أجهل الخلق بالحساب والهيئة، ويكون مقدَّمًا في الهندسة وليس له علمٌ بشيءٍ من قضايا الطِّبِّ، وهذه علومٌ متقاربة، والبعدُ بينها وبين علوم الرسل التي جاءت بها عن الله أعظمُ من البعد بين بعضها وبعض. فإذا كان الرجلُ إمامًا في هذه العلوم ولم يعلم بأيِّ شيءٍ جاءت به الرسلُ ولا تحلَّى بعلوم الإسلام فهو كالعامِّيِّ بالنسبة إلى علومهم، بل أبعدُ منه، وهل يلزمُ من معرفة الرجل هيئةَ الأفلاك والطِّبَّ والهندسةَ والحسابَ أن يكون عارفًا بالإلهيَّات وأحوال النفوس البشرية وصفاتها ومعادها وسعادتها وشقاوتها؟! وهل هذا إلا بمنزلة من يظنُّ أنَّ الرجلَ إذا كان عالمًا بأحوال الأبنية وأوضاعها، ووزن الأنهار والقُنِيِّ (١)، والقنبطة (٢)، كان عالمًا بالله وأسمائه وصفاته وما ينبغي له وما يستحيلُ عليه؟! فعلومُ هؤلاء بمنزلة هذه العلوم التي هي نتائجُ الأفكار والتجارب، فما لها ولعلوم الأنبياء التي يتلقَّونها عن الله بوسائط الملائكة؟!

стр. 1517

هذا، وأين (١) تعلُّق الرياضيات التي هي نظرٌ في نوعي الكمِّ المتصل والمنفصل (٢)، والمنطقيات التي هي نظرٌ في المعقولات الثانية (٣) ونسبة بعضها إلى بعض بالكلِّية والجزئيَّة والسَّلب والإيجاب وغير ذلك= بمعرفة ربِّ العالمين وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأمره ونهيه، وما جاءت به رسلُه، وثوابه وعقابه؟! ومن الخدع الإبليسيَّة قولُ الجُهَّال: إنَّ فهمَ هذه الأمور موقوفٌ على فهم هذه القضايا العقلية. وهذا هو عينُ الجهل والحُمْق، وهو بمنزلة قول القائل: لا يَعرفُ حدوثَ الرُّمانة من لم يعرف عددَ حبَّاتها وكيفيةَ تركيبها وطبعَها! ولا يعرفُ حدوثَ العَيْن من لم يعرف عدد طبقاتها وتشريحها وما فيها من التركيب! ولا يعرفُ حدوثَ هذا البيت من لم يعرف عددَ لَبِنَاته وأخشابه وطبائعها ومقاديرها! وغير ذلك من الكلام الذي يضحكُ منه كلُّ عاقل، وينادي على جهل قائله وحُمْقِه (٤).

стр. 1518

بل العلمُ بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه لا يحتاجُ إلى شيءٍ من ذلك، ولا يتوقَّفُ عليه، وآياتُ الله التي دعا عبادَه إلى النظر فيها دالَّةٌ عليه بأوَّلِ النظر (١) دلالةً يشتركُ فيها كلُّ سليم العقل والحاسَّة. وأمَّا أدلةُ هؤلاء، فخيالاتٌ وهميَّة، وشُبَهٌ عَسِرَةُ المُدْرَك، بعيدةُ التحصيل، متناقضةُ الأصول، غيرُ مؤدِّيةٍ إلى معرفة الله ورسله والتصديق بها، مستلزمةٌ للكفر بالله وجَحْدِ ما جاءت به رسلُه. وهذا لا يصدِّق به إلا من عرفَ ما عند هؤلاء، وعرفَ ما جاءت به الرسل، ووازَن بين الأمرين، فحينئذٍ يظهرُ له التفاوت، وأمَّا من قلَّدهم وأحسنَ ظنَّه بهم ولم يعرف حقيقةَ ما جاءت به الرسلُ فليس هذا عُشَّه، بل هو في أوديةٍ هائمٌ حيران، ينقادُ لكلِّ حيران. يَغْدُو من العلم في ثوبين مِنْ طَمَعٍ ... مُعَلَّمَيْن بحِرْمانٍ وخِذلانِ (٢) والطائفةُ الثانية (٣): رأت مقابلةَ هؤلاء بردِّ كلِّ ما قالوه من حقٍّ وباطل وظنُّوا أنَّ مِن ضرورة تصديق الرسل ردَّ ما عَلِمَه هؤلاء بالعقل الضروريِّ، وعلموا مقدِّماته بالحِسِّ، فنازعوهم فيه، وتعرَّضوا لإبطاله بمقدِّماتٍ جدليَّةٍ لا تغني من الحقِّ شيئًا، وليتهم مع هذه الجِناية العظيمة لم يُضِيفوا ذلك إلى الرسل، بل زعموا أنَّ الرسلَ جاؤوا بما يقولونه، فساء ظنُّ أولئك الملاحدة بالرسل، وظنُّوا أنهم هم أعلمُ وأعرفُ منهم، ومن حَسُنَ ظنُّه منهم بالرسل

стр. 1519

قال: إنهم لم يَخْفَ عليهم ما نقولُه، ولكنْ خاطَبوهم بما تحتملُه عقولُهم من الخطاب الجمهوريِّ النافع للجمهور، وأمَّا الحقائقُ فكتموها عنهم. والذي سلَّطهم على ذلك جحدُ هؤلاء لحقِّهم، ومكابرتُهم إيَّاهم على ما لا تمكنُ المكابرةُ عليه مما هو معلومٌ لهم بالضرورة؛ كمكابرتهم إيَّاهم في كون الأفلاك كُرِيَّةَ الشَّكل، والأرض كذلك، وأنَّ نورَ القمر مستفادٌ من نور الشمس، وأنَّ الكسوفَ القمريَّ عبارةٌ عن انمحاء ضوء القمر بتوسُّط الأرض بينه وبين الشمس من حيثُ إنه يقتبسُ نورَه منها، والأرضُ كرةٌ والسماءُ محيطةٌ بها من الجوانب، فإذا وقعَ القمرُ في ظلِّ الأرض انقطعَ عنه نورُ الشمس، كما قدَّمنا. وكقولهم: إنَّ الكسوفَ الشمسيَّ معناه وقوعُ جِرْم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقةٍ واحدة (١). وكقولهم بتأثير الأسباب المحسوسة في مسبَّباتها، وإثباتِ القُوى والطبائع والأفعال والانفعالات، مما تقوم عليه الأدلةُ العقلية (٢) والبراهينُ اليقينية. فيخوضُ هؤلاء معهم في إبطاله، فيُغرِيهم ذلك بكُفرهم وإلحادهم والوصيَّة لأصحابهم بالتمسُّك بما هم عليه، فإذا قال لهم هؤلاء: هذا الذي تذكرونه على خلاف الشرع، والمصيرُ إليه كفرٌ وتكذيبٌ بالرسل، لم يستريبوا في ذلك، ولم يلحقهم فيه شكٌّ، ولكنَّهم يستريبون بالشرع، وتنقُص

стр. 1520

مرتبةُ الرسل من قلوبهم. وضررُ الدِّين وما جاءت به الرسل بهؤلاء مِن أعظم الضرر، وهو كضرره بأولئك الملاحدة، فهما ضرران عظيمان على الدِّين: ضررُ من يطعنُ فيه، وضررُ من ينصرُه بغير طريقه. وقد قيل: إنَّ العدوَّ العاقلَ أقلُّ ضررًا من الصديق الجاهل (١)، فإنَّ الصَّديقَ الجاهلَ يضرُّك من حيثُ يقدِّر أنه ينفعك، والشأنُ كلُّ الشأن أن تجعلَ العاقل صديقَك، ولا تجعلَه عدوَّك، وتُغْرِيَه بمحاربة الدِّين وأهله. فإن قلت: قد أطلتَ في شأن الكسوف وأسبابه، وجئتَ بما شفيتَ به من البيان الذي لم يشهد له الشرعُ بالصحة ولم يشهد له بالبطلان، بل جاء الشرعُ بما هو أهمُّ منه وأجلُّ فائدةً من الأمر عند الكسوفَين بما يكونُ سببًا لصلاح الأمة في معاشها ومعادها. وأمَّا أسبابُ الكسوف وحسابُه والنظرُ في ذلك، فإنه من العلم الذي لا يضرُّ الجهلُ به (٢)، ولا ينفعُ نفعَ العلم بما جاءت به الرسل، وإن كان لا يخلو عن منفعةٍ ولذَّة. وهذا هو الفرقُ بين العلوم التي جاءت بها الرسل (٣)، وبين علوم هؤلاء. فكيف تصنعُ بالحديث الصحيح عن النبيِّ ﷺ : «إنَّ الشمسَ والقمرَ

стр. 1521

آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة» (١)، فكيف يلائمُ هذا ما قاله هؤلاء في الكسوف؟ قيل: وأيُّ مناقضةٍ بينهما؟ وليس فيه إلا نفيُ تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين، أو نفيُ تأثُّر النيِّرَين بموت أحدٍ أو حياته على القول الآخر، وليس فيه تعرُّضٌ لإبطال حساب الكسوف، ولا الإخبارُ بأنه من الغيب الذي لا يعلمُه إلا الله (٢). وأمرُ النبيِّ ﷺ عنده بما أمر به من العِتاقة والصلاة والدُّعاء والصدقة، كأمره بالصلوات عند الفجر والغروب والزَّوال، مع تضمُّن ذلك دفعَ مُوجَب الكسوف الذي جعله الله سبحانه سببًا له. فشرعَ النبيُّ ﷺ للأمة عند انعقاد هذا السَّبب ما هو أنفعُ لهم وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وشأنِ الكسوف وأسبابه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه ابنُ ماجه في «سننه» والإمام أحمد والنسائي من حديث النعمان بن بشير قال: انكسفَت الشمسُ على عهد النبيِّ ﷺ ، فخرجَ فَزِعًا يجرُّ ثوبه، حتى أتى المسجد، فلم يزل يصلِّي حتى انجلت، ثمَّ قال: «إنَّ ناسًا يزعمون أنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان إلا لموت عظيمٍ من العظماء، وليس كذلك، إنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان

стр. 1522

لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا تجلَّى اللهُ لشيءٍ من خلقه خشَع له» (١). قيل: قد قال أبو حامد الغزالي: هذه الزيادة لم يصحَّ نقلُها، فيجبُ تكذيبُ قائلها (٢)، وإنما المرويُّ ما ذكرنا ــ يعني: الحديثَ الذي ليست هذه الزيادة فيه ــ. قال: ولو كان صحيحًا لكان تأويلُه أهونَ من مكابرة أمورٍ قطعية، فكم من ظواهرَ أُوِّلَت بالأدلَّة العقليَّة التي لا تتبيَّنُ في الوضوح إلى هذا الحدِّ، وأعظمُ ما تفرحُ (٣) به المُلحِدةُ أن يصرِّح ناصرُ الشرع بأنَّ هذا وأمثاله (٤) على خلاف

стр. 1523

الشرع، فيسهلُ عليه طريق إبطال الشرع، إن كان شرطُه أمثال ذلك (١). وليس الأمرُ في هذه الزيادة كما قاله أبو حامد؛ فإنَّ إسنادها لا مطعنَ فيه (٢). قال ابنُ ماجه: حدثنا محمَّد بن المثنى، وأحمد بن ثابت، وجميل (٣) ابن الحسن، قالوا: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا خالدٌ الحذَّاء، عن أبي قِلابة، عن النعمان بن بشير ... فذكره. وهؤلاء كلُّهم ثقاتٌ حفَّاظ. ولكن لعلَّ هذه اللفظة مدرجةٌ في الحديث من كلام بعض الرواة، ولهذا لا توجدُ في سائر أحاديث الكسوف، فقد رواها عن النبيِّ ﷺ بضعة عشر صحابيًّا: عائشة أمُّ المؤمنين (٤)، وأسماء بنت أبي بكر (٥)، وعليُّ بن أبي طالب (٦)، وأبيُّ بن كعب (٧)، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس (٨)، وعبد الله بن عمر (٩)، وجابر بن عبد الله (١٠)، وسمرة بن جندب (١١)،

стр. 1524

وقبيصة الهلالي (١)، وعبد الرحمن بن سمرة (٢)، ﵃ (٣)، فلم يذكر أحدٌ منهم في حديثه هذه اللفظةَ التي ذُكِرَت في حديث النعمان بن بشير (٤)، فمِن هاهنا نخافُ أن تكون أُدرِجَت في الحديث إدراجًا، وليست من لفظ رسول الله ﷺ . على أنَّ هاهنا مسلكًا بديعَ المأخذ (٥)، لطيفَ المَنْزِع، يتقبَّلُه العقلُ

стр. 1525

المستقيم (١) والفطرةُ السليمة، وهو أنَّ كسوفَ الشمس والقمر يوجِبُ لهما (٢) من الخشوع والخضوع بانمحاء نُورهما وانقطاعه عن هذا العالَم ما يكونُ فيه [ذهابُ] (٣) سلطانهما وبهائهما، وذلك يوجبُ لا محالةَ لهما من الخشوع والخضوع لربِّ العالمين وعظمته وجلاله ما يكونُ سببًا لتجلِّي الربِّ ﵎ لهما. ولا يُستنكَر (٤) أن يكون تجلِّي الله سبحانه لهما في وقتٍ معيَّن، كما يدنو من أهل الموقف عشيَّة عرفة، وكما ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا عند مضيِّ نصف الليل، فيُحدِثُ لهما ذلك التجلِّي خشوعًا آخرَ ليس هو الكسوف. ولم يقل النبيُّ ﷺ : إنَّ الله إذا تجلَّى لهما انكسفا. ولكنَّ اللفظة: «فإذا تجلَّى اللهُ لشيءٍ من خلقه خَشَعَ له»، ولفظُ الإمام أحمد في الحديث: «إذا بدا اللهُ لشيءٍ من خلقه خَشَعَ له» (٥).

стр. 1526

فهاهنا خشوعان: * خشوعٌ أوجبه كسوفُهما بذهاب ضوئهما وانمحائه. * فتجلَّى الله سبحانه لهما، فحدَث لهما عند تجلِّيه تعالى خشوعٌ آخرُ بسبب التجلِّي، كما حدَث للجبل إذ تجلَّى ﵎ له أن صار دكًّا (١)، وساخَ في الأرض. وهذا غايةُ الخشوع. لكنَّ الربَّ ﵎ ثبَّتهما لتجلِّيه؛ عنايةً بخلقه، لانتظام مصالحهم بهما، ولو شاء سبحانه لثبَّت الجبلَ لتجلِّيه كما ثبَّتهما، ولكن أرى كليمَه موسى أنَّ الجبلَ العظيمَ لم يُطِق الثباتَ [لتجلِّيه] (٢) له، فكيف تُطِيقُ أنت الثبات للرؤية التي سألتَها (٣)؟! فصل * وأمَّا استدلالُه بحديث ابن مسعود عن النبيِّ ﷺ : «إذا ذُكِرَ القدرُ فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ النجومُ فأمسِكوا» (٤)؛ فهذا الحديثُ لو ثبتَ لكان حجةً عليه لا له، إذ لو كان علمُ الأحكام النجومية حقًّا لا باطلًا، لم يَنْهَ عنه النبيُّ ﷺ ، ولا أمرَ بالإمساك عنه؛ فإنه لا ينهى عن الكلام في الحقِّ، بل هذا يدلُّ على أنَّ الخائض فيه خائضٌ فيما لا علم له به، وأنه لا

стр. 1527

ينبغي (١) له أن يخوض فيه ويقول على الله مالا يعلم، فأين في هذا الحديث ما يدلُّ على صحة علم أحكام النجوم؟! * وأمَّا حديثُ النهي عن السَّفر والقمرُ في العقرب (٢)، فصحيحٌ من كلام المنجِّمين، وأمَّا رسولُ ربِّ العالمين فمَن نسَب إليه هذا الحديثَ وأمثالَه فإنه من أبعد الناس عن رسول الله ﷺ وعما جاء به علمًا وعملًا، بل ليس عنده من الرسول إلا اسمُه، وهل يسوغُ لمنتسبٍ إلى الإسلام أن يظُنَّ برسول الله ﷺ أن يقول هذا الحديثَ وأمثاله؟! (٣) ولكن إذا بَعُدَ الإنسانُ عن نور النبوَّة، واشتدَّت غربتُه عمَّا جاء به الرسول، جوَّز عقلُه مثلَ هذا، كما يجوِّزُ عقلُ المشرك أن يقول النبيُّ ﷺ : «لو حَسَّنَ أحدُكم ظنَّه بحجرٍ نفعَه» (٤)، وهذا ونحوُه من كلام عُبَّاد الأصنام الذين حسَّنوا ظنَّهم بالأحجار، فساقهم حُسْنُ ظنِّهم إلى دار البوار. * وأمَّا الروايةُ عن عليٍّ ﵁ أنه نهى عن السَّفر والقمرُ في العقرب، فمِن الكذب على عليٍّ ﵁ (٥)، والمشهورُ عنه خلافُ

стр. 1528

ذلك وعكسُه (١)، وأنه لما أرادَ الخروجَ لحرب الخوارج اعترضه منجِّمٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تخرج، فقال: لأيِّ شيء؟ قال: إنَّ القمرَ في العقرب، فإن خرجتَ أُصِبتَ (٢) وهُزِمَ عسكرُك، فقال عليٌّ ﵁: ما كان لرسول الله ﷺ ولا لأبي بكرٍ ولا لعمرَ منجِّم (٣)، بل أخرجُ ثقةً بالله، وتوكُّلًا على الله، وتكذيبًا لقولك (٤). فما سافر بعد رسول الله ﷺ سفرةً أبركَ منها؛ قتَل الخوارج، وكفى المسلمين شرَّهم، ورجعَ مؤيَّدًا منصورًا، فائزًا ببشارة النبيِّ ﷺ لمن قتلهم حيث يقول: «شرُّ قتلى تحت أديم السَّماء، خيرُ قتيلٍ من قتلوه» (٥)، وفي لفظٍ: «طوبى لمن قتلهم» (٦)، وفي

стр. 1529

لفظٍ: «تقتلُهم أَولى الطائفتين بالحقِّ» (١)، وفي لفظٍ: «لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عاد» (٢)، وقال عليٌّ لأصحابه: «لولا أن تَبْطَروا (٣) لحدَّثتكم بما لكم عند الله في قتلهم» (٤). فكان هذا الظَّفرُ ببركة خلاف ذلك المنجِّم وتكذيبه والثِّقة بالله ربِّ النجوم والاعتماد عليه، وهذه سنَّة الله فيمن لم يلتفت إلى النجوم ولا بنى عليها حركاته وسكَناته وأسفارَه وإقامته، كما أن سُنَّتَه نكبةُ من بنى عليها وكان منقادًا لأربابها عاملًا بما يحكمون له به، وفي التجارب من هذا ما يكفي اللبيبَ المؤمن (٥)، والله الموفِّق. فصل والذي أوجبَ للمنجِّمين كراهيةَ السَّفر والقمرُ في العقرب أنهم قالوا: السَّفر أمرٌ يرادُ لخيرٍ من الخيرات، فإذا كان الوصولُ إلى ذلك الأمر أسرع (٦) كان أجود، فينبغي على هذا أن يكون القمرُ في برجٍ منقلب، والعقربُ برجٌ ثابت، والثوابتُ عندهم تدلُّ على الأمور البطيئة. قالوا: وأيضًا، البرجُ (٧) للمرِّيخ، والمرِّيخُ عندهم نحسٌ أكبر، والنحسُ

стр. 1530

يَنْحَسُ الحظوظَ على أصحابها، فينبغي أن يكون القمرُ في برج سَعْدٍ؛ لأنَّ السعدَ ينفعُ والنحسَ يضرُّ. وأيضًا، فإنَّ هذا البرجَ هو برجُ هبوط القمر، وإذا كان الكوكبُ في هبوطه لا يلتئمُ لصاحبه ما يريدُه ويقصدُه، بل يكون وبالًا عليه؛ لأنَّ الكوكبَ الهابطَ عندهم كالمنكَّس (١). وأيضًا، فإنَّ القمرَ عندهم ربُّ تاسع العقرب، وإذا كان ربُّ التاسع منحوسًا فالسَّفر مكروه؛ لأنَّ التاسعَ منسوبٌ إلى السَّفر. وبالجملة، فإنَّ العقربَ عندهم شرُّ البروج وللقمر (٢) على الإطلاق. قالوا: فلذلك ينبغي الحذرُ من السَّفر والقمرُ في العقرب. قالوا: فمَن كره السَّفر إذ ذاك فإنما يكرهُه بعلمه وعقله، وأميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب أعقلُ أهل الأرض في زمانه (٣) وأعلمُهم، فهو أولى بكراهته. وليس ذلك مخصوصًا عندهم بالسَّفر وحده، بل يكرهون جميعَ الابتداآت والاختيارات والقمرُ في العقرب، ولما كان القمرُ أسرعَ الكواكب حركةً، فهو أولى أن يكون دليلًا على الأمور المنقلبة، والسَّفر أمرٌ منقلب، والعقربُ فبرجٌ ثابتٌ غير منقلب (٤).

стр. 1531

والتجربةُ والواقع من أكبر شاهدٍ على تكذيبهم في هذا الحكم، فكم ممَّن سافر وتزوَّج وابتدأ واختار والقمرُ في العقرب، وتمَّ له مرادُه على أكمل ما كان يؤمِّله، ولا يزالُ الناسُ يُنْشِؤون الأسفارَ والابتداآت والاختيارات في كلِّ وقتٍ والقمرُ في العقرب وغيره، ويَحْمَدُون عواقبَ أسفارهم، كما أنشأ أميرُ المؤمنين عليٌّ ﵁ سفرَ جهاده للخوارج والقمرُ في العقرب، وأنشأ المعتصمُ سفرَ فتح عمورية وجهاد أعداء الله والقمرُ في العقرب، وقد أجمعَ الكذَّابون أنه إن خرجَ كُسِرَ عسكرُه وقُتِلَ أو أُسِرَ، فبيَّن الله للمسلمين كذبَهم بذلك الفتح الجليل، ولو استقصينا أمثالَ هذه الوقائع لطال الأمرُ جدًّا. ومن أراد أن يعلمَ كذبَهم قطعًا فليبتداء سفرًا أو اختيارًا أو بناءً أو غيره والقمرُ في العقرب، وليتوكَّل على الله وليسافر، فإنه يرى ما يغبطُه ويسرُّه. ومِنْ أبين الكذب والبَهْت الكذبُ على الحسِّ والواقع (١)، وهذا الذي كرهوه وحذَّروا منه لو كان الواقع شاهدًا به لكان الناسُ لا يختارون ولا يسافرون ولا يبتدئون شيئًا البتة والقمرُ في العقرب، وكان علمُهم بهذا وتجربتُهم له معلومًا بالضرورة، فكيف والأمرُ بالعكس؟! وأيضًا، فيقال لهم: قد يكونُ القمرُ في العقرب ويجامعُه السُّعود، وهما المشتري والزُّهَرة مثلًا، ويكون ربُّ بيت السَّفر وبيتُ الطالع وبيتُ السَّفر أيضًا سُعودات. فهلَّا قلتم: إنَّ السَّفر حينئذٍ يكونُ صالحًا؛ لاجتماع هذه السُّعودات في

стр. 1532

البرج المنقلب، واجتماعُها يُكسِبُها قوَّةً؟! بل قال فضلاؤكم: لا يكونُ (١) القمرُ في العقرب مسعودًا وإن جامعَ السُّعود. بل قالوا: إنَّ السُّعودَ أيضًا تنتحسُ فيه، فإذا حلَّ السُّعودُ العقربَ انتحست فيه. ولذلك قلتم: إنَّ الشمسَ إذا حلَّت فيه انتحَسَت أيضًا وضَعُفَت جدًّا (٢)، وإن كان معه السَّعدان، أعني المشتري والزُّهَرة. فلو قُلِبَ عليكم هذا الاستدلال، وقيل: إذا حلَّت السُّعودُ في هذا البرج قَوِيَ فعلُها وتضافر بعضُها مع بعض، فقويَ السَّعدُ باجتماعها، ولم يَقْوَ البرجُ على إنحاسها، وقوةُ زُحَل والمرِّيخ النَّحسَيْن على هذا البرج (٣) لا تستلزمُ إنحاسَ هذه السُّعود، بل لو قال القائل: إنَّ سعادتَها تؤثِّرُ في نحسِها= كان مِن جنس قولكم. ومِن هنا قال أبو نصر الفارابيِّ: واعلم أنك لو قلبتَ أوضاعَ المنجِّمين فجعلتَ السَّعدَ نحسًا، والنحسَ سعدًا، والحارَّ باردًا، وعكسَه، ثم حكمتَ، لكانت أحكامُك من جنس أحكامهم، تصيبُ وتخطاء (٤). فصل * وأمَّا ما احتجَّ به من الأثر عن عليٍّ ﵁ أنَّ رجلًا أتاه، فقال:

стр. 1533

إني أريدُ السَّفر، وكان ذلك في مَحَاق الشَّهر، فقال: أتريدُ أن يمحَق اللهُ تجارتَك؟! استقبِل هلالَ الشَّهر بالخروج (١) = فهذا لا يُعْلَمُ ثبوتُه عن علي، والكذَّابون كثيرًا ما يُنَفِّقُون سِلَعَهم الباطلة بنسبتها إلى عليٍّ وأهل بيته، كأصحاب القُرْعَة والجَفْرِ والبطاقة والهَفْتِ والكيمياء والمَلاحِم وغيرها (٢)، فلا يدري ما كُذِبَ على أهل البيت إلا الله سبحانه. ثمَّ لو صحَّ هذا عن عليٍّ ﵁ لم يكن فيه تعريضٌ لثبوت أحكام النجوم بوجه. ولا ريب أنَّ استقبالَ الأسفار والأفعال في أوائل النهار والشَّهر والعام لها مَزِيَّة، والنبيُّ ﷺ قد قال: «اللهمَّ بارك لأمَّتي في بُكورها» (٣)، وكان صخر

стр. 1534

الغامديُّ راوي الحديث إذا بعَث تجارةً له بعَثها في أول النهار، فأثرى وكثُر مالُه. ونسبةُ أول النهار إليه كنسبة أول الشَّهر إليه وأول العام إليه، فللأوائل مزيَّةُ القُوَّة، وأولُ النهار والشَّهر (١) والعام (٢) بمنزلة شبابه، وآخرُه بمنزلة شيخوخته، وهذا أمرٌ معلومٌ بالتجربة، وحكمةُ الله تقتضيه (٣). * وأمَّا ما ذكره عن اليهوديِّ الذي أخبرَ ابنَ عباسٍ بما أخبره مِن موت ابنه، إلى تمام ذكر القصة؛ فهذه الحكايةُ إن صحَّت فهي من جنس إخبار الكهَّان بشيءٍ من المغيَّبات، وقد أخبرَ ابنُ صيَّادٍ النبيَّ ﷺ بما خَبَّأ له في ضميره، فقال له: «إنما أنت من إخوان الكهَّان» (٤).

стр. 1535

وعلمُ تَقْدِمة المعرفة لا يختصُّ بما ذكره المنجِّمون، بل له عدَّة أسبابٍ تصيبُ وتخطاء، ويَصْدُقُ الحكمُ معها ويكذِب؛ منها: الكِهَانة، ومنها: المنامات، ومنها: الفألُ والزَّجر، ومنها: السَّانحُ والبارحُ (١)، ومنها: الكَتِف (٢)، ومنها: ضربُ الحصى، ومنها: الخطُّ في الأرض، ومنها: الكُشوفُ المستندة إلى الرِّياضة، ومنها: الفِرَاسة، ومنها: الحِزَاية (٣)، ومنها: علمُ الحروف وخواصِّها، إلى غير ذلك [من الأمور] التي يُنالُ بها جزءٌ يسيرٌ من علم الكُهَّان.

стр. 1536

وهذا نظيرُ الأسباب التي يستدلُّ بها الطبيبُ والفلَّاح والطبائعيُّ على أمورٍ غيبيَّةٍ بما تقتضيه تلك الأدلة. مثالُه: الطبيبُ إذا رأى الجرحَ مستديرًا حكمَ بأنه عَسِرُ البرء، وإذا رآه مستطيلًا حكمَ بأنه أسرعُ برءًا. وكذلك علاماتُ البَحَارِين (١)، وغيرها. ومن تأمَّل ما ذكره بقراطُ في علائم الموت رأى العجائب (٢)، وهي علاماتٌ صحيحةٌ مجرَّبة. وكذلك ما يحكُم (٣) به الرُّبَّانُ في أمورٍ تحدثُ في البحر والرِّيح بعلاماتٍ تدلُّ على ذلك، من طُلوع كوكبٍ أو غروبه أو علاماتٍ أخرى، فيقول: يقعُ مطرٌ، أو يحدثُ ريحُ كذا وكذا، أو يضطربُ البحرُ في مكان كذا ووقت كذا، فيقعُ ما يحكمُ به. وكذلك الفلَّاحُ يرى علاماتٍ فيقول: هذه الشجرةُ يصيبها كذا، وتيبسُ في وقت كذا، وهذه الشجرةُ لا تحمِلُ العام، وهذه تحمِل، وهذا النباتُ يصيبه كذا وكذا؛ لِمَا يرى من علاماتٍ يختصُّ هو بمعرفتها.

стр. 1537

بل هذا أمرٌ لا يختصُّ بالإنسان، بل كثيرٌ من الحيوان يعرفُ أوقاتَ المطر والصَّحو والبرد وغيره، كما ذكره الناسُ في كتب الحيوان. والفرسُ الرديءُ الخُلُق إذا رأى اللِّجام من بعيدٍ نَفَرَ وجزعَ وعضَّ من يريدُ أن يُلْجِمَه، علمًا منه بما يكونُ بعد اللِّجام. وهذه النملةُ إذا خزَنت الحَبَّ في بيوتها كَسَرَتْه نصفَين، علمًا منها بأنه ينبتُ إذا كان صِحاحًا، وأنه إذا تكسَّر لا ينبت، فإذا خزَنت الكُسْفُرة (١) كسرَتها بأربعة أرباع، علمًا منها بأنها تنبتُ إذا كُسِرَت بنصفين. وهذا السِّنَّور يدفنُ أذاهُ ويغطِّيه بالتراب، علمًا منه بأنَّ الفأرَ يهربُ من رائحته، فيفوتُه الصَّيد، ويشمُّه أوَّلًا فإن وجَد رائحتَه شديدةً غطَّاه بحيث يواري الرَّائحةَ والجِرْم، وإلا اكتفى بأيسر التغطية. وهذا الأسدُ إذا مشى في لِينٍ (٢) سَحَبَ ذنبَه على آثارِ رجليه ليغطِّيها، علمًا منه بأنَّ المارَّ يرى مواطاءَ رجليه ويديه. وإذا ألِفَ السِّنَّورُ المنزلَ منَع غيرَه من السَّنانير الدخولَ إلى ذلك المنزل، وحاربهم أشدَّ محاربة، وهم مِن جنسه؛ علمًا منه بأنَّ أربابَه ربما استحسنوه وقدَّموه عليه، أو شاركوا بينه وبينه في المطعم، وإن أخَذ شيئًا مما يخزُنه أصحابُ المنزل عنه هرَب، علمًا منه بما يكونُ إليه منهم من الضَّرب، فإذا ضربوه تملَّقهم أشدَّ التملُّق، وتمسَّح بهم، ولَطَعَ أقدامهم (٣)، علمًا منه

стр. 1538

بما يحصِّلُه له المَلَقُ (١) من العفو والإحسان. وهذا في الحيوان البهيم أكثرُ من أن نذكره، فله من تَقْدِمة المعرفة ما يليقُ به، وللخيل والحمَام من ذلك عجائب، وكذلك الثَّعلب وغيره. فعُلِمَ أنَّ هذا أمرٌ عامٌّ للإنسان والحيوان، أُعطِيَ من تَقْدِمة المعرفة بحسبه، وأسبابُ هذه التَّقْدِمة تختلف. والأممُ الذين لم يتقيَّدوا بالشرائع لهم اعتبارٌ عظيمٌ بهذا، وكذلك من قلَّ التفاتُه واعتناؤه بما جاءت به الرسل فإنه يشتدُّ التفاتُه ويكثرُ نظرُه واعتناؤه بذلك. وأمَّا أتباعُ الرسل، فقد أغناهم الله بما جاءت به الرسلُ من العلوم النَّافعة والأعمال الصالحة عن هذا كلِّه، فلا يعتنون به ولا يجعلونه من مطالبهم المهمَّة؛ لأنَّ ما يطلبونه أعلى وأجلُّ من هذا، ومع هذا فلهم منه أوفرُ نصيبٍ بحسب متابعتهم الرسل، من الفراسة الصادقة، والمنامات الصحيحة، والكُشوفات المطابِقة، وغيرها، وهِمَمُهم لا تقفُ عند شيءٍ من ذلك، بل هي طامحةٌ نحو كشف ما جاء به الرسولُ من الهدى ودين الحقِّ في كلِّ مسألة، وهذا أعظمُ الكُشوفِ وأجلُّه وأنفعُه في الدَّارين، مع كشف عيوب النفس وآفات الأعمال. وأمَّا الكشفُ الجزئيُّ (٢) عمَّا أكلَ فلانٌ، وعمَّا أحدثه في داره، وعمَّا يجري له في غدِه، ونحو ذلك؛ فهذا مما لا يعبأ به من علَت هِمَّتُه، ولا

стр. 1539

يتلفتُ إليه ولا يَعُدُّه شيئًا، على أنه مشتركٌ (١) بين المؤمن والكافر، فلِعُبَّاد الأصنام والمجوس والصابئة والفلاسفة والنصارى من ذلك شيءٌ كثير، وذلك لا ينفعُهم عند الله ولا يخلِّصُهم من عذابه. وهؤلاء الكُهَّانُ وعبيدُ الجنِّ والسَّحرةُ لهم من ذلك أمورٌ معروفة، وهم أكفرُ الخلق (٢)، فغايةُ هذا المنجِّم اليهوديِّ الذي أخبَر ابنَ عباسٍ بما أخبره أن يكونَ واحدًا من هؤلاء، فكان ماذا؟! وهل يقفُ عند هذا إلا الهِمَمُ الدنيئة السُّفلية التي لا نهضةَ لها إلى الله والدار الآخرة، لِمَا يُرى (٣) لها بذلك من التمييز عن الهَمَج الرَّعاع من بني آدم؟! فصل * وأمَّا احتجاجُه بحديث أبي الدرداء: «لقد توفِّي رسولُ الله ﷺ وتركنا وما طائرٌ يقلِّبُ جناحيه إلا وقد ذكَّرنا منه علمًا» (٤)؛ فهذا حقٌّ وصدق، وهو من أعظم الأدلَّة على إبطال قولكم وتكذيبكم فيما تدَّعونه من علم أحكام النجوم، فإنه ﷺ ذكَّرهم علمَ كلِّ شيءٍ حتى الخِراءة، وذكَّرهم من علم كلِّ طائرٍ (٥) وكلِّ حيوان، وكلِّ ما في هذا العالم، ولم يذكِّرهم من علم أحكام النجوم شيئًا البتَّة،

стр. 1540

وهو ﷺ أجلُّ من هذا وأعظم، وقد صانه الله سبحانه عن ذلك. وإنما الذي ذكَّركم بهذه الأحكام المشركون عُبَّادُ الأصنام والكواكب، مثلُ بَطْليموس، وتنكلوسا (١)، وطمطم (٢) صاحب الدَّرَج، وهؤلاء مشركون عبَّادُ أصنام، وكذلك أتباعهم. أفلا يستحي رجلٌ أن يذكرَ رسولَ الله ﷺ في هذا المقام؟! نعم؛ رسولُ الله ﷺ ذكَّر أمَّتَه مِن تكذيبكم، وكفركم، ومعاداتكم، والبراءة منكم، والإخبار بأنكم وما تعبُدون من دون الله حصبُ جهنَّم أنتم لها واردون= ما يعرفُه من عرَف ما جاء به من أمَّته، والبَهْت (٣) والفرية والكذب على الله ورسوله. هل كان رسولُ الله ﷺ أو أحدٌ من أهل بيته مثبتًا لأحكام النجوم، عاملًا بها في حركاته وسكناته وأسفاره، كما هو المعروفُ من المشركين وأتباعهم؟! سبحانك هذا بهتانٌ عظيم. * وأمَّا قولُه: إنه جاء في الآثار أنَّ أوَّل من أعطي هذا العلمَ آدم؛ لأنه

стр. 1541

عاش حتى أدرك من ذرِّيته أربعين ألف أهل بيت، وتفرَّقوا عنه في الأرض، فكان يغتمُّ لخفاء خبرهم عليه، فأكرمه الله تعالى بهذا العلم، فكان إذا أراد أن يعرفَ حال أحدهم حسَبَ له بهذا الحساب فيقفُ على حالته= فليس هذا بِبِدْعٍ من بَهْتِ المنجِّمين والملاحدة وإفكهم وافترائهم على آدم، وقد عملوا بالمثل السَّائر هنا: إذا كَذَبْتَ فأَبعِدْ شاهدَك (١). فصل * وأمَّا ما نسَبه إلى الشافعيِّ من حكمه بالنجوم (٢) على عمر ذلك المولود؛ فلقد نسَب الشافعيَّ إلى هذا العلم وحكمه فيه بأحكامٍ ليعجَزُ عن مثلها أئمَّةُ المنجِّمين. وأظنُّ الذي غرَّه في ذلك أبو عبد الله الحاكم، فإنه صنَّف في «مناقب الشافعي» كتابًا كبيرًا (٣)، وذكر علومَه في أبواب، وقال: البابُ الرابع والعشرون في معرفته تسييرَ الكواكب من علم النجوم. وذكر فيه حكاياتٍ عن الشافعي تدلُّ على تصحيحه لأحكام النجوم. وكان هذا الكتابُ وقعَ للرازي، فتصرَّفَ فيه وزاد ونقص، وصنَّف «مناقب الشافعي» من هذا الكتاب، على أنَّ في كتاب الحاكم من الفوائد والآثار ما لم يُلِمَّ به الرازي. والذي غرَّ الحاكمَ من هذه الحكايات تساهلُه في إسنادها، ونحن نبيِّنها

стр. 1542

ونبيِّنُ حالَها، ليتبيَّن أنَّ نسبةَ ذلك إلى الشافعيِّ كذبٌ عليه، وأنَّ الصحيحَ عنه من ذلك ما كانت العربُ تعرفُه من علم المنازل والاهتداء بالنجوم في الطُّرقات، وهذا هو الثابتُ الصَّحيحُ عنه بأصحِّ إسنادٍ إليه. قال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿هُوَ (١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وكانت العلاماتُ جبالًا يعرفونَ مواضعها من الأرض، وشمسًا وقمرًا ونجمًا مما يعرفون من الفلَك، ورياحًا يعرفونَ صفاتها (٢) في الهواء تدلُّ على قصدِ البيت الحرام» (٣). وأمَّا الحكاياتُ التي ذُكِرَتْ عنه في أحكام النجوم، فثلاثُ حكايات: إحداها: قال الحاكم: قُرِاء على أبي يعلى حمزة بن محمد العلوي

стр. 1543

ــ وأكثرُ ظنِّي أني حضرتُه ــ: حدَّثنا أبو إسحاق إبراهيمُ بن محمد بن العباس الأزدي ــ في آخرين ــ، قالوا: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الجوَّال الدِّينوري: حدثنا عبد الله بن محمد البلَوي: حدَّثني خالي عمارةُ بن زيد، قال: كنتُ صديقًا لمحمد بن الحسن، فدخلتُ معه يومًا على هارون الرشيد، فساءله (١)، ثمَّ إني سمعتُ محمد بن الحسن، وهو يقول: إنَّ محمد بن إدريس يزعمُ أنه للخلافة أهلٌ. قال: فاستشاطَ هارونُ من قوله غضبًا، ثمَّ قال: عَليَّ به. فلمَّا مثَل بين يديه أطرقَ ساعةً، ثمَّ رفعَ رأسَه إليه. فقال: إيهًا! قال الشافعي: ما إيهًا يا أمير المؤمنين؟ أنت الداعي وأنا المدعُوُّ، وأنت السَّائلُ وأنا المجيب. فذكر حكايةً طويلةً سأله فيها عن العلوم ومعرفته بها، إلى أن قال: كيف علمُك بالنجوم؟ قال: أعرفُ الفلَكَ الدَّائر، والنجمَ السَّائر، والقطبَ الثابت، والمائيَّ، والناريَّ، وما كانت العربُ تسمِّيه الأنواء، ومنازلَ النيِّرَين: الشمس والقمر، والاستقامةَ والرجوع، والنُّحوسَ والسُّعود، وهيآتها وطبائعها، وما أستدلُّ به في برِّي وبحري، وأستدلُّ به في أوقات (٢) صلاتي، وأعرفُ ما مضى من الأوقات في كلِّ مَمْسَى ومَصْبَح، وظعني في أسفاري. قال: فكيف علمك بالطِّب؟ قال: أعرفُ ما قالت الرومُ، مثل: أرسطاطاليس، ومهراريس (٣)، وفرفوريُس (٤)، وجالينوس، وبقراط،

стр. 1544

وإنبدُقليس (١)، بلُغاتها، وما نُقِلَ (٢) عن أطبَّاء العرب (٣)، وفتَّقَته (٤) فلاسفةُ الهند، ونمَّقَته علماءُ الفرس، مثلُ: حاماسف (٥)، وشاهمرد، وبهمرد (٦)، وبُزُرْجُمِهْر. ثمَّ ساق العلومَ على هذا النحو، في حكايةٍ طويلةٍ يعلمُ من له علمٌ بالمنقولات أنها كذبٌ مختلق، وإفكٌ مفترى على الشافعي، والبلاءُ فيها من عند عبد الله بن محمد (٧) البلويِّ هذا، فإنه كذَّابٌ وضَّاع (٨)، وهو الذي وضع رحلةَ الشافعي، وذكَر فيها مناظرته لأبي يوسف بحضرة الرشيد (٩)، ولم ير الشافعيُّ أبا يوسف ولا اجتمع به قطُّ، وإنما دخَل بغدادَ بعد موته. ثمَّ إنَّ في سياق الحكاية ما يدلُّ من له عقلٌ على أنها كذبٌ مفترى؛ فإنَّ

стр. 1545

الشافعيَّ لم يعرف لغةَ هؤلاء اليونان البتَّة حتى يقول: إني أعرفُ ما قالوه بلغاتهم. وأيضًا، فإنَّ في هذه الحكاية أنَّ محمد بن الحسن وشَى بالشافعيِّ إلى الرشيد وأراد قتلَه، وتعظيمُ محمدٍ للشافعيِّ ومحبتُه له وتعظيمُ الشافعيِّ له وثناؤه عليه هو المعروف، وهو يدفعُ هذا الكذب. وأيضًا، فإنَّ الشافعيَّ ﵀ لم يكن يعرف علمَ الطبِّ اليوناني، بل كان عنده من طبِّ العرب طَرفٌ حُفِظَ عنه في منثور كلامه بعضُه؛ كنهيه عن أكل الباذنجان بالليل، وأكل البيض المصلوق (١) بالليل، وكان يقول: عجبًا لمن يتعشى ببيضٍ وينام، كيف يعيش؟! (٢). وكان يقول: عجبًا لمن يخرجُ من الحمَّام ولا يأكل، كيف يعيش؟! وعجبًا لمن يحتجم ثمَّ يأكل، كيف يعيش؟! يعني عقب الحجامة (٣). وكان يقول: احذر أن تشربَ لهؤلاء الأطباء دواءً لا تعرفُه (٤).
следующие страницы →