← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

عاش حتى أدرك من ذرِّيته أربعين ألف أهل بيت، وتفرَّقوا عنه في الأرض، فكان يغتمُّ لخفاء خبرهم عليه، فأكرمه الله تعالى بهذا العلم، فكان إذا أراد أن يعرفَ حال أحدهم حسَبَ له بهذا الحساب فيقفُ على حالته= فليس هذا بِبِدْعٍ من بَهْتِ المنجِّمين والملاحدة وإفكهم وافترائهم على آدم، وقد عملوا بالمثل السَّائر هنا: إذا كَذَبْتَ فأَبعِدْ شاهدَك (١). فصل * وأمَّا ما نسَبه إلى الشافعيِّ من حكمه بالنجوم (٢) على عمر ذلك المولود؛ فلقد نسَب الشافعيَّ إلى هذا العلم وحكمه فيه بأحكامٍ ليعجَزُ عن مثلها أئمَّةُ المنجِّمين. وأظنُّ الذي غرَّه في ذلك أبو عبد الله الحاكم، فإنه صنَّف في «مناقب الشافعي» كتابًا كبيرًا (٣)، وذكر علومَه في أبواب، وقال: البابُ الرابع والعشرون في معرفته تسييرَ الكواكب من علم النجوم. وذكر فيه حكاياتٍ عن الشافعي تدلُّ على تصحيحه لأحكام النجوم. وكان هذا الكتابُ وقعَ للرازي، فتصرَّفَ فيه وزاد ونقص، وصنَّف «مناقب الشافعي» من هذا الكتاب، على أنَّ في كتاب الحاكم من الفوائد والآثار ما لم يُلِمَّ به الرازي. والذي غرَّ الحاكمَ من هذه الحكايات تساهلُه في إسنادها، ونحن نبيِّنها

стр. 1542

ونبيِّنُ حالَها، ليتبيَّن أنَّ نسبةَ ذلك إلى الشافعيِّ كذبٌ عليه، وأنَّ الصحيحَ عنه من ذلك ما كانت العربُ تعرفُه من علم المنازل والاهتداء بالنجوم في الطُّرقات، وهذا هو الثابتُ الصَّحيحُ عنه بأصحِّ إسنادٍ إليه. قال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿هُوَ (١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وكانت العلاماتُ جبالًا يعرفونَ مواضعها من الأرض، وشمسًا وقمرًا ونجمًا مما يعرفون من الفلَك، ورياحًا يعرفونَ صفاتها (٢) في الهواء تدلُّ على قصدِ البيت الحرام» (٣). وأمَّا الحكاياتُ التي ذُكِرَتْ عنه في أحكام النجوم، فثلاثُ حكايات: إحداها: قال الحاكم: قُرِاء على أبي يعلى حمزة بن محمد العلوي

стр. 1543

ــ وأكثرُ ظنِّي أني حضرتُه ــ: حدَّثنا أبو إسحاق إبراهيمُ بن محمد بن العباس الأزدي ــ في آخرين ــ، قالوا: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الجوَّال الدِّينوري: حدثنا عبد الله بن محمد البلَوي: حدَّثني خالي عمارةُ بن زيد، قال: كنتُ صديقًا لمحمد بن الحسن، فدخلتُ معه يومًا على هارون الرشيد، فساءله (١)، ثمَّ إني سمعتُ محمد بن الحسن، وهو يقول: إنَّ محمد بن إدريس يزعمُ أنه للخلافة أهلٌ. قال: فاستشاطَ هارونُ من قوله غضبًا، ثمَّ قال: عَليَّ به. فلمَّا مثَل بين يديه أطرقَ ساعةً، ثمَّ رفعَ رأسَه إليه. فقال: إيهًا! قال الشافعي: ما إيهًا يا أمير المؤمنين؟ أنت الداعي وأنا المدعُوُّ، وأنت السَّائلُ وأنا المجيب. فذكر حكايةً طويلةً سأله فيها عن العلوم ومعرفته بها، إلى أن قال: كيف علمُك بالنجوم؟ قال: أعرفُ الفلَكَ الدَّائر، والنجمَ السَّائر، والقطبَ الثابت، والمائيَّ، والناريَّ، وما كانت العربُ تسمِّيه الأنواء، ومنازلَ النيِّرَين: الشمس والقمر، والاستقامةَ والرجوع، والنُّحوسَ والسُّعود، وهيآتها وطبائعها، وما أستدلُّ به في برِّي وبحري، وأستدلُّ به في أوقات (٢) صلاتي، وأعرفُ ما مضى من الأوقات في كلِّ مَمْسَى ومَصْبَح، وظعني في أسفاري. قال: فكيف علمك بالطِّب؟ قال: أعرفُ ما قالت الرومُ، مثل: أرسطاطاليس، ومهراريس (٣)، وفرفوريُس (٤)، وجالينوس، وبقراط،

стр. 1544

وإنبدُقليس (١)، بلُغاتها، وما نُقِلَ (٢) عن أطبَّاء العرب (٣)، وفتَّقَته (٤) فلاسفةُ الهند، ونمَّقَته علماءُ الفرس، مثلُ: حاماسف (٥)، وشاهمرد، وبهمرد (٦)، وبُزُرْجُمِهْر. ثمَّ ساق العلومَ على هذا النحو، في حكايةٍ طويلةٍ يعلمُ من له علمٌ بالمنقولات أنها كذبٌ مختلق، وإفكٌ مفترى على الشافعي، والبلاءُ فيها من عند عبد الله بن محمد (٧) البلويِّ هذا، فإنه كذَّابٌ وضَّاع (٨)، وهو الذي وضع رحلةَ الشافعي، وذكَر فيها مناظرته لأبي يوسف بحضرة الرشيد (٩)، ولم ير الشافعيُّ أبا يوسف ولا اجتمع به قطُّ، وإنما دخَل بغدادَ بعد موته. ثمَّ إنَّ في سياق الحكاية ما يدلُّ من له عقلٌ على أنها كذبٌ مفترى؛ فإنَّ

стр. 1545

الشافعيَّ لم يعرف لغةَ هؤلاء اليونان البتَّة حتى يقول: إني أعرفُ ما قالوه بلغاتهم. وأيضًا، فإنَّ في هذه الحكاية أنَّ محمد بن الحسن وشَى بالشافعيِّ إلى الرشيد وأراد قتلَه، وتعظيمُ محمدٍ للشافعيِّ ومحبتُه له وتعظيمُ الشافعيِّ له وثناؤه عليه هو المعروف، وهو يدفعُ هذا الكذب. وأيضًا، فإنَّ الشافعيَّ ﵀ لم يكن يعرف علمَ الطبِّ اليوناني، بل كان عنده من طبِّ العرب طَرفٌ حُفِظَ عنه في منثور كلامه بعضُه؛ كنهيه عن أكل الباذنجان بالليل، وأكل البيض المصلوق (١) بالليل، وكان يقول: عجبًا لمن يتعشى ببيضٍ وينام، كيف يعيش؟! (٢). وكان يقول: عجبًا لمن يخرجُ من الحمَّام ولا يأكل، كيف يعيش؟! وعجبًا لمن يحتجم ثمَّ يأكل، كيف يعيش؟! يعني عقب الحجامة (٣). وكان يقول: احذر أن تشربَ لهؤلاء الأطباء دواءً لا تعرفُه (٤).

стр. 1546

وكان يقول: لا تسكُن ببلدةٍ ليس فيها عالمٌ ينبئك عن دينك، ولا طبيبٌ ينبئك عن أمر بدنك (١). وكان يقول: لم أر شيئًا أنفع للوباء من البَنَفْسَج يُدَّهَنُ به ويُشْرَب (٢). إلى أمثال هذه الكلمات التي حُفِظَت عنه، فأمَّا أنه كان يعلمُ طبَّ اليونان والروم والهند والفُرس بلغاتها؛ فهذا بَهْتٌ وكذبٌ عليه قد أعاذه اللهُ من دعواه. وبالجملة، فمن له علمٌ بالمنقولات لا يستريبُ في كذب هذه الحكاية عليه، ولولا طولها لسُقناها ليتبيَّن أثرُ الصَّنعة والوضع عليها. أمَّا الحكايةُ الثانية، فقال الحاكم: أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال: وحُدِّثتُ عن الحسن بن سفيان، عن حرملة، قال: كان الشافعيُّ يُدِيمُ النظرَ في كتب النجوم، وكان له صديقٌ وعنده جاريةٌ قد حَبِلت، فقال: إنها تلدُ إلى سبعةٍ وعشرين يومًا، ويكونُ في فخذ الولد الأيسر خالٌ أسود ويعيشُ أربعةً وعشرين يومًا، ثمَّ يموت، فجاءت به على النَّعت الذي وَصَف، وانقضت مدَّتُه فمات، فأحرَق الشافعيُّ بعد ذلك تلك الكتب، وما عاودَ النظرَ في شيءٍ منها (٣). وهذا الإسنادُ رجاله ثقات، لكنَّ الشأنَ فيمن حدَّثَ أبا الوليد بهذه الحكاية عن الحسن بن سفيان، أو فيمن حدَّثَ بها الحسن عن حرملة.

стр. 1547

وهذه الحكايةُ لو صحَّت لوجبَ أن تُثنى الخناصرُ على هذا العلم، وتُشَدَّ به الأيدي، لا أن تُحْرَق كتبُه، وتُهَان غايةَ الإهانة، وتُجْعَل طُعْمَةً للنار، وهذا لا يُفْعَلُ إلا بكتب المُحال والباطل (١). ثمَّ إنه ليس في طالع الولادة (٢) ما يقتضي هذا كلَّه، كما سنذكُره عن قريبٍ إن شاء الله تعالى. والطالعُ عند المنجِّمين طالعان: طالعُ مسقَط النطفة؛ وهو الطالعُ الأصلي، وهذا لا سبيل إلى العلم به إلا في أندر النَّادر الذي لا يقتضيه الوجود. الثاني: طالعُ الولادة، وهم معترفون أنه لا يدلُّ على أحوال الولد وجزئيَّات أمره؛ لأنه انتقالُ الولد من مكانٍ إلى مكان، وإنما أخذوه بدلًا من طالع الأصل لمَّا تعذَّر عليهم اعتبارُه. وهذه الحكايةُ ليس فيها أخذُ واحدٍ من الطالعَيْن؛ لأنَّ فيها الحكمَ على المولود قبل خروجه من غير اعتبار طالعه الأصلي، والمنجِّمُ يقطعُ بأنَّ الحكمَ على هذا الولد لا سبيل إليه، وليس في صناعة النجوم ما يوجبُ الحكمَ عليه والحالة هذه، وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الحكايةَ كذبٌ مختلقٌ على الشافعي على هذا الوجه. وكذلك الحكاية الثالثة، وهي ما رواه الحاكمُ أيضًا: أنبأني عبد الرحمن بن الحسن القاضي: أنَّ زكريا بن يحيى السَّاجي حدثهم:

стр. 1548

أخبرني أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي، قال: سمعتُ أبي يقول: كان الشافعيُّ وهو حَدَثٌ ينظرُ في النجوم، وما نظر في شيءٍ إلا فاقَ فيه، فجلس يومًا وامرأةٌ تَلِد، فحسَبَ، فقال: تلدُ جاريةً عوراءَ على فرجها خالٌ أسود، وتموتُ إلى كذا وكذا، فولدت، فكان كما قال، فجعل على نفسه ألا ينظُر فيه أبدًا (١). وأمرُ هذه الحكاية كالتي قبلها، فإنَّ ابن بنت الشافعيِّ لم يلقَ الشافعيَّ ولا رآه، والشأنُ فيمن حدَّثه بهذا عنه (٢). والذي عندي في هذا أنَّ الناقل إن أُحسِنَ به الظَّنُّ فإنه غَلِط على الشافعي، والشافعيُّ كان مِن أفرَس الناس، وكان قد قرأ كتبَ الفراسة، وكانت له فيها اليدُ الطُّولى، فحكمَ في هذه القضية وأمثالها بالفراسة، فأصابَ الحكم، فظنَّ الناقلُ أنَّ الحكمَ كان يستندُ إلى قضايا النجوم وأحكامها، وقد برَّأ الله مَن هو دون الشافعيِّ من ذلك الهذيان، فكيف بمثل الشافعيِّ ﵀ في عقله وعلمه ومعرفته حتى يَرُوجَ عليه هذيانُ

стр. 1549

المنجِّمين الذي لا يروجُ إلا على جاهلٍ ضعيف العقل؟! وتنزُّه الشافعيِّ (١) ﵀ عن هذا هو الذي ينبغي أن يكونَ من مناقبه، فأمَّا أن يُذْكَر في مناقبه أنه كان منجِّمًا يرى القول بأحكام النجوم ويصحِّحها (٢)، فهذا فعلُ من يَذُمُّ بما يظنُّه مدحًا! وإذا كان الشافعيُّ شديدَ الإنكار على المتكلِّمين، مُزْريًا بهم، حكمُه فيهم أن يُضرَبوا بالجَرِيد، ويُطافَ بهم في القبائل (٣)، فماذا رأيه في المنجِّمين؟! وهو أجلُّ وأعلمُ من أن يحكُمَ بهذا الحكم على أهل الحقِّ ومَن قضاياهم في الصِّدق تنتهي إلى الحدِّ الذي ذُكِر في هذه الحكايات (٤). فذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم والحاكمُ وغيرهما عن الحُميدي، قال: قال الشافعي: خرجتُ إلى اليمن في طلب كتب الفراسة، حتى كتبتُها وجمعتُها، ثمَّ لما كان انصرافي مررتُ في طريقي برجلٍ وهو مُحْتَبٍ بفناء داره، أزرقِ العين، ناتاء الجبهة، سِنَاط (٥)، فقلتُ له: هل من منزل؟ قال: نعم. قال الشافعي: وهذا النَّعتُ أخبثُ ما يكونُ في الفراسة. فأنزلَني، فرأيتُ أكرمَ رجل؛ بعَث إليَّ بعشاءٍ وطِيبٍ وعَلَفٍ لدوابِّي وفراشٍ ولِحَاف، فجعلتُ أتقلَّبُ الليلَ أجمَع، ما أصنعُ بهذه الكتب؟! فلمَّا أصبحتُ قلتُ

стр. 1550

للغلام: أَسْرِجْ، فأَسْرَجَ، فركبتُ ومررتُ عليه، وقلتُ له: إذا قَدِمْتَ مكة ومررتَ بذي طُوى فاسأل عن منزل محمد بن إدريس الشافعي، فقال لي الرجل: أمولى لأبيك أنا؟ قلتُ: لا، قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟ قلتُ: لا، قال: فأين ما تكلَّفتُ لك البارحة؟! قلتُ: وما هو؟ قال: اشتريتُ لك طعامًا بدرهمين، وأُدْمًا بكذا، وعطرًا بثلاثة دراهم، وعلفًا لدوابِّك بدرهمين، وكِرى الفراش واللِّحاف درهمان. قال: قلتُ: يا غلام، فهل بقي شيء؟ قال: كِرى المنزل، فإني وسَّعتُ عليك وضيَّقتُ على نفسي. فغَبِطتُ نفسي بتلك الكتب، فقلتُ له بعد ذلك: هل بقي شيء؟ قال: امضِ أخزاك الله، فما رأيتُ أشرَّ منك! (١). وقال الربيع: اشتريتُ للشافعي طِيبًا بدينار، فقال لي: ممَّن اشتريتَه؟ فقلت: من ذلك الأشقَر الأزرق، فقال: أشقرُ أزرق! اذهبْ فردَّه (٢). وقال الربيع: مرَّ أخي في صَحْن الجامع، فدعاني الشافعيُّ فقال لي: يا ربيع، انظُر إلى الذي يمشي هذا أخوك؟ قلت: نعم، أصلحك الله، قال: اذهب. ولم يكن رآه قبل ذلك (٣). قال قتيبة بن سعيد: رأيتُ محمد بن الحسن والشافعيَّ قاعدَين بفناء الكعبة، فمرَّ رجل، فقال أحدهما لصاحبه: تعال نَزْكَنْ (٤) على هذا المارِّ أيَّ

стр. 1551

حرفةٍ معه؟ فقال أحدهما: هذا خيَّاط، وقال الآخر: هذا نجَّار. فبعثا إليه فسألاه، فقال: كنت خيَّاطًا واليوم أنجُر، أو: كنتُ نجَّارًا واليوم أَخِيط (١). وقال الربيع: سمعتُ الشافعيَّ وقَدِمَ عليه رجلٌ من أهل صنعاء، فلمَّا رآه قال له: من أهل صنعاء؟ قال: نعم، قال: فحدَّادٌ أنت؟ قال: نعم (٢). وقال: كنتُ عند الشافعيِّ، إذ أتاه رجل، فقال له الشافعي: أنسَّاجٌ أنت؟ قال: عندي أُجَراء (٣). وقال: كنَّا عند الشافعي إذ مرَّ به رجل، فقال الشافعي: لا يخلو هذا أن يكون حائكًا أو نجَّارًا. قال: فدعوناه، فقال: ما صنعتُك؟ فقال: نجَّار، فقلنا: أو غيرَ ذلك؟ قال: عندي غلمانٌ يعملون (٤). وقال حرملة: سمعتُ الشافعيَّ يقول: احذروا من كلِّ ذي عاهةٍ في بدنه؛ فإنه شيطان. قال حرملة: قلت: مَن أولئك؟ قال الأعرجُ والأحولُ والأشلُّ وغيره. وقال: اشتهى الشافعيُّ يومًا عنبًا أبيض، فأمرني، فاشتريتُ له منه بدرهم، فلمَّا رآه استجاده، فقال لي: يا أبا محمد ممَّن اشتريتَ هذا؟ فسمَّيتُ له البائع، فنحَّى الطَّبق من بين يديه، وقال لي: اردُده عليه، واشتر لي من غيره. فقلت له: وما شأنه؟ فقال: ألم أنهكَ أن تصحبَ الأزرقَ الأشقر،

стр. 1552

فإنه لا يَنْجُب؟! فكيف آكلُ من شيءٍ اشتُرِي لي ممَّن أنهى عن صحبته؟! قال الربيع: فرددتُ العنبَ على البائع، واعتذرتُ إليه بكلامٍ حسن، واشتريتُ له عنبًا من غيره (١). وقال حرملة: سمعتُ الشافعيَّ يقول: احذروا الأعورَ والأحولَ والأعرجَ والأحدبَ والأشقرَ والكوسجَ (٢) وكلَّ من به عاهةٌ في بدنه، وكلَّ ناقص الخَلقِ فاحذروه، فإنه صاحبُ التواءٍ ومعاملتُه عَسِرَة (٣). وقال مرَّةً أخرى: فإنهم أصحابُ خِبٍّ (٤). وقال الربيع: دخلنا على الشافعيِّ عند وفاته، أنا والبُوَيطيُّ والمُزَني ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: فنظر إلينا الشافعيُّ ساعةً، فأطال، ثمَّ التفتَ، فقال: أمَّا أنت يا أبا يعقوب فستموتُ في حديدك ــ يعني: البويطي ــ، وأمَّا أنت يا مُزَني فستكونُ لك بمصرَ هَنَاتٌ وهَنَات، ولتدركنَّ زمانًا تكونُ أقيسَ أهل ذلك الزمان، وأمَّا أنت يا محمد فسترجعُ إلى مذهب أبيك (٥)، وأمَّا أنت يا ربيع فأنت أنفعُهم لي في نشر الكتب، قُم يا أبا يعقوب فتسلَّم الحَلْقَة.

стр. 1553

قال الربيع: فكان كما قال (١). وقال الربيع: ما رأيتُ أفطنَ من الشافعي، لقد سمَّى رجالًا ممَّن يصحبُه، فوصف كلَّ واحدٍ منهم بصفةٍ ما أخطأ فيها، فذكر المزنيَّ والبويطيَّ وفلانًا وفلانًا، فقال: ليفعلنَّ فلانٌ كذا، وفلانٌ كذا، وليصحبنَّ فلانٌ السلطان وليقلَّدنَّ القضاء. وقال لهم يومًا وقد اجتمعوا: ما فيكم أنفعُ [لي] من هذا ــ وأومأ إليَّ ــ؛ لأنه أمثلُكم ناحية (٢). وذكر صفاتٍ غير هذه. قال: فلمَّا مات الشافعيُّ صار كلٌّ منهم إلى ما ذَكَر فيه، ما أخطأ في شيءٍ من ذلك. وقال حرملة: لمَّا وقع الشافعيُّ في الموت خرجنا من عنده، فقلت لأبي: يا أبت، كلُّ فراسةٍ كانت للشافعيِّ أخذناها يدًا بيد، إلا قولَه: يقتلُني أشقر، وها هو في السِّياق. فوافَينا عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو، فقلنا: إلى أين؟ قالا: إلى الشافعي، فما بلغنا المنزلَ حتى أدركنا الصُّراخ عليه، قلنا: مَه! ما لكم؟! قالوا: مات الشافعي، فقال أبي: من غمَّضه؟ قالوا: يوسفُ بن عمرو (٣)، وكان أزرق! وهذه الآثارُ وغيرها ذكرها ابنُ أبي حاتم والحاكم في مصنَّفيهما في «مناقب الشافعي»، وهي اللائقةُ بجلالته ومنصبه، لا ما باعدَه الله منه من

стр. 1554

أكاذيب المنجِّمين وهذياناتهم، والله أعلم (١). * وأمَّا ما احتَجَّ به (٢) من أنَّ فرعون كان يذبحُ أبناءَ بني إسرائيل ويستحيي نساءهم؛ لأنَّ المفسِّرين قالوا: كان ذلك بأنَّ المنجِّمين أخبروه بأنه سيجيء في بني إسرائيل مولودٌ يكونُ هلاكُه على يديه. فأكثرُ المفسِّرين إنما أحالوا ذلك على خبر الكهَّان. وروى بعضهم أنَّ قومَه أخبروه بأنَّ بني إسرائيل يزعمون أنه يولدُ منهم مولودٌ يكونُ هلاكُه على يديه. وهاتان الرِّوايتان هما الدَّائرتان في كتب المفسِّرين (٣)، وأمَّا هذه الرواية: أنَّ المنجِّمين قالوا له ذلك؛ فغايتُها أنها من أخبار أهل الكتاب (٤)

стр. 1555

وقد خالفها غيرُها من الروايات، فكيف يسوغُ التمسُّكُ بها في الأمر العظيم؟! وفي أخبار الكهَّان ما هو أعجبُ (١) من ذلك، فقد أخبروا بظهور خاتم الرسل محمَّد ﷺ قبل ظهوره، وذلك موجودٌ في دلائل النبوَّة (٢). ونحن لا ننكرُ علمَ تَقْدِمة المعرفة بأسبابٍ مفضيةٍ إليه تختلف قُوى الناس في إدراكها وتحصيلها، وإنما كلامنا معكم في أصول علم الأحكام وبيان فسادها وكذب أكثر الأحكام التي يُسْنِدُونها إليها، وبيان أنَّ ضررَ هذا العلم لو كان حقًّا أعظمُ (٣) من نفعه في الدنيا والآخرة، وأنَّ أهلَه لهم أوفرُ نصيبٍ من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]. وأهلُ هذا العلم أذلُّ الناس في الدنيا، لا يُمْكِنُ أحدًا منهم أن يأكلَ رزقَه بهذا العلم إلا بأعظم ذُلٍّ، وعزيزُهم لا بدَّ أن يتعبَّد وينضوي إلى مكَّاسٍ أو ديوانٍ أو والٍ يكونُ تحت ظلِّه وفي كنفِه، وسائرُهم على الطُّرقات وفي كِسَرِ الحوانيت مُدَسَّسين. صيدُهم كلُّ ناقص العقل والإيمان والدِّين؛ مِن صبيٍّ أو امرأة، أو حمارٍ في مِسْلاخ آدميٍّ، أو ذُبابِ طمَعٍ (٤) لو لاحَ لأحدهم طمعٌ في عبادة الأصنام

стр. 1556

والشمس والقمر والنجوم لكان أولَ العابدين. ورأسُ مالهم الكذبُ والزَّرْقُ وأخذُ أحوال السائل منه ومن فَلَتات لسانه وهيأته وأغراضه (١)، فيخبرونه بما يناسبُ ذلك من أحواله، فينفعلُ عقلُه لهم، ويقول: لقد أُعطِي هؤلاء علمًا (٢) لم يُعْطَهُ غيرُهم. وتراهم في الغالب يقصدُ أحدُهم قريةً أو دكَّانًا منزويًا عن الطريق، ويَصْلِي فيه للصَّيد (٣)، وينصبُ الشَّبكة، فإذا لاحَ له بدويٌّ أو حبشيٌّ (٤) أو تركمانيٌّ فإنه يَسْتَبْرِك بطلعته، ويقول له: اجلِس حتى أبيِّن لك ما يقتضيه نجمُك وطالعُك، وبيتُ مالك، وبيتُ فراشك، وبيتُ أفراحك وهمومك، وكم بقي عليك من القَطْع (٥).

стр. 1557

نعم؛ ما اسمك؟ واسمُ أمِّك وأبيك؟ فإذا قال له اسمَه واسمَ أبويه أخرج له الإصطرلابَ أو الكرةَ النحاس، وقال: كيف قلتَ اسمَك؟ فإذا أخبره ثانيةً قال: وكيف قلتَ اسمَ الوالدة طوَّل الله عمرها؟ فإذا قال: دَرَجَتْ إلى رحمة الله تعالى، قال: ما مات من خلَّف مثلك. ثمَّ يحسبُ، ويقول: فلانةٌ تسعة، وتزيدُ عليها تسعة، تُسْقِطُ منها خمسة، تبقى منها أربعة. اقعُد واسمع يا أخي، إني أرى عليك حُجَجًا مكتوبةً ووثائق (١)، ولا بدَّ لك من الوقوف بين يدي وليِّ أمر، إمَّا حاكمٍ وإمَّا والٍ، وأرى دمًا خارجًا عنك، ما أنتَ من أهله، وأرى ناسًا قد اجتمعوا حولك. وإن كان شكلُ ذلك الرجل شكلَ من هو من أرباب التُّهم قال: وأرى خشبًا يُنْصَب، ومساميرَ تُضْرَب، وجناياتٍ تُؤْخَذ. نعم يا أخي؛ برجُك بالأسد، وهو ناريٌّ مذكَّر، أخذتَ منه نِطاحَ (٢) مقدامٍ بطل، نجمُك الزُّهَرة، أنت قليلُ البَخْت (٣) عند الناس، مكفورُ الإحسان، مقصودٌ بالأذى، قلَّ أن صاحبتَ أحدًا فأثمرَت لك صحبتُه خيرًا. نعم يا أخي؛ أسعدُ أيامك يومُ الجمعة، وخيرُ كسبك كدُّ يدك، اعلم أنه لا بدَّ لك من أسفار وغُربةٍ وركوبِ أهوالٍ واقتحام أخطارٍ وأمورٍ عِظامٍ أبيِّنها لك إن شاء الله، هات، لا تبخَل على نفسك، حُطَّ يدك في جيبك، حُلَّ

стр. 1558

الكيس! ولا يزالُ يلكزُه (١) ويجذبُه ويُطْمِعُه حتى يستخرجَ ما تسمحُ به نفسُه، فإن رأى منه تباطؤًا قال: عجِّل قبل خروج هذه السَّاعة السَّعيدة، فإنها ساعةٌ مباركة، والخَرْجُ فيها مخلوف (٢)، أما سمعتَ قول نبيِّك: «يسِّروا ولا تعسِّروا»؟! فإذا حاز ما أخذَه منه قال له: زِدني (٣)، فإنَّ أموركَ كثيرة، وتحتاجُ إلى تعبٍ وفكرٍ وحسابٍ طويل، فإذا تمَّ له ما يأخذُه منه بقيَ هو من جُوَّا (٤) فكالَ له من جِراب الكذب ما أمكنَه، ولا يبالي أكذَّبه أم صدَّقه. ثمَّ يقول له: يا أخي برجُك الأسد، وهو سهمُ العداوة والحسد، وما عاداك أحدٌ قطُّ وأفلح، بل يُظْفِركَ اللهُ به وينصرك عليه. نعم؛ وهو برجٌ ناري، والنار من النُّور، والنُّور فيه البهجةُ والسُّرور، أبشِرْ فأنت طويلُ العمر، لا تموتُ في هذا الوقت، عمرك من السِّتين إلى السبعين إلى الثمانين إلى التسعين، بيتُ كسبِك كذا وكذا، وأرى حاجةً مهمَّةً قد

стр. 1559

خرجت عن يدك، نعم؛ بغير مرادك، وأنت في غالب أحوالك الخارجُ عن يدك أكثرُ من الداخل فيها، بالله صدقتُ أم لا؟ فيقول: والله صحيح، والأمر كما قلتَ، فيقول: ولكن احمد الله، كلُّ ما بقيَ عليك من القَطْع أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيام وتخرجُ من نحسك، وتدخلُ في برج سعادتك (١)، وتنجو ويُخْلِفُ الله عليك بالخيرات والبركات، ولا بدَّ لك الساعةَ من رزقٍ يأتيك الله به، وتُفْرِحُ به أهلَك وعَيْلتَك (٢)، وتصلحُ حالك ويستقيمُ سَعْدُك. الثالثُ (٣) يا أخي من برجك (٤): برجُ الميزان، وهو بيتُ الإخوان، سَعْدُك يا أخي منهم منقوص، وحظُّك منهم مبخوس (٥)، غالبُ من أوليتَه منهم خيرًا جازاك بالشرِّ، وغالبُ من قلتَ فيه الخيرَ منهم يقولُ فيك الشرَّ، بالله أما الأمرُ هكذا؟ وذلك يا أخي أنك خفيفُ الدَّم (٦)، كلُّ من رآك مال إليك وأَنِسَ بك، وأنت محسود؛ تُحْسَد في مالك وفي عافيتك، وفي أهلك وأولادك، وفي

стр. 1560

كل ما تعملُه بيدك، ولكنَّ العينَ لا تؤثِّر فيك؛ لأنَّ كلَّ من برجُه الأسد لا بدَّ أن يكون له في رأسه أو جسده علامةٌ مثلُ شَجَّةٍ أو ضربةٍ بين أكتافه أو في ساقه، وما هو بعيدٌ أنَّ في جسدك شامةً أو في جسمكَ ثُلْمَة، وهذا هو الذي يدفعُ عنك العين وأنت لا تدري. الرابعُ من بروجك: العقرب، وهو بيتُ الآباء، أُراكَ كنت قليلَ السَّعد بين أبويك، ومع هذا فكان أكثرُ ميلهم وإشفاقهم مع غيرك عليك، وكان حظُّك منهم ناقصًا، ولهم تطلُّعٌ إلى كدِّك وكسبك. الخامسُ من بروجك: القوس، وهو بيتُ البنين، أُراكَ قليلًا ما يعيشُ لك أولاد، تدفنُهم كلَّهم، ثمَّ تموتُ أنت بعدهم، بلى سوف يكونُ لك ولدٌ يشدُّ اللهُ به عَضُدَك، ويقوِّي أمرك، وتنالُ من جهته راحةً وخيرًا، وربما تكونُ سعادتك على يديه. السادسُ من بروجك: الجَدْي، وهو برجُ أمراضِك وأعلالك (١)، يا أخي، أمراضُك وأسقامُك كثيرة، وأكثرُها في رأسك، وربَّما تكونُ في أجنابك، وهي أمراضٌ قويَّةٌ طِوال، اللهُ يعافينا وإيَّاك، وكنتَ في صغرك لا ترقدُ في السَّرير إلا بعد جهدٍ جهيد، وعهدي بك الآن لا ترقدُ في فراشك إلا بعد شدَّة. نعم؛ وأكثرُ أمراضِك في الصَّيف والخريف. السابع من بروجك: الدَّلو، وهو بيتُ الفِراش، وأرى فراشَك خاليًا، أثمَّ زوجة؟ فإن قال: نعم، قال لا بدَّ لك مِن فراقها عن قريب، إمَّا بموتٍ وإمَّا بطلاق، فإنَّ المرِّيخَ منك في بيت الفراش، وإن قال: لا، قال: عجيبٌ والله،

стр. 1561

لقد أبصرتُ في الطالع أنَّ فراشَك فارغ، وأرى روحًا ناظرةً إليك بعين الأُلفة والمحبة، خُطورُك عليه وخطورُه عليك (١)، وأرى لك من قِبَله منفعة، ولك به اتصالٌ وفرح. أبيِّنُ لك على أيِّ سببٍ (٢) يكونُ اجتماعكما؟ نعم؛ فإن قال له: نعم، قال: هات، فإنَّ الذي أعطيتني قليل، فإذا أخذَ منه قال: اعلم أنه لا بدَّ لك من الاتصال بهذا الشَّخص على كلِّ حال، إلا أني أرى قد عُمِلَ لك عملٌ، وعُقِدَ لك عُقَد، وأنت في همٍّ وغمٍّ من ذلك، فإن شئتَ عملتُ لك كتابًا نافعًا يكونُ لك حِرْزًا من كلِّ ما تخافه وتحذرُه، ولا يزالُ يَفْتِلُ له في الذِّروة والغارب (٣) حتى يستكتبَه الحِرْز! وكذبُ هذه الطائفة وجهلُها وزَرْقُها تغني شهرتُه عند الخاصَّة والعامة عن تكلُّف إيراده، وكلَّما كان المنجِّم أكذب، وبالزَّرْقِ أعرف، كان على الجُهَّال أرْوَج. فصل * وأمَّا قولُه: «إنَّ هذا علمٌ ما خلت عنه ملَّةٌ من الملل، ولا أمَّةٌ من الأمم، ولا يُعْرَفُ تاريخٌ من التواريخ القديمة والحديثة إلا وكان أهلُ ذلك

стр. 1562

الزمان مشتغلين بهذا العلم ومعوِّلين عليه في معرفة المصالح، ولو كان هذا العلمُ فاسدًا بالكلِّية لاستحال إطباقُ أهل المشرق والمغرب عليه». فانظُر ما في [هذا] الكلام من الكذب والبَهْت والافتراء على العالَم من أوَّل بنائه إلى آخره؛ فإنَّ آدمَ وأولادَه كانوا برآء من ذلك، وأئمَّتكم معترفون بأنَّ أوَّل من عُرِفَ عنه الكلامُ في هذا العلم وتُلُقِّيت عنه أصولُه وأوضاعُه هو إدريسُ النبيُّ ﷺ (١)، وكان بعد بناء هذا العالَم بزمنٍ طويل، هذا لو ثبتَ ذلك عن إدريس (٢)، فكيف وهو من الكذب الذي ليس مع صاحبه إلا مجردُ القول بلا علمٍ والكذب على رسول الله؟! أوليس من الفرية والبَهْت أن يُنسبَ هذا العلمُ إلى أمَّة موسى في زمنه وبعده، وأنهم كانوا معوَّلهم في مصالحهم على هذا العلم، وكذلك أمَّةُ عيسى وأمَّةُ يونس، والذين آمنوا مع نوحٍ ونجوا معه في السفينة؟! وحسبك بهذا الكذب والافتراء على تلك الأمَّة المضبوطِ أمرُها المحفوظِ فعلُها، فهل كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه يعوِّلون على هذا العلم ويعتمدون عليه في مصالحهم، أو قرنُ التابعين بعدهم (٣)، أو قرنُ تابعي التابعين؟! وهذه هي خيارُ قرون العالم على الإطلاق، كما أنَّ هذه الأمَّة خيرُ أمَّةٍ أخرجت للناس، وهم أعلمُ الأمم وأعرفُها، وأكثرُها كتبًا وتصانيف، وأعلاها

стр. 1563

شأنًا، وأكملُها في كلِّ خيرٍ ورشدٍ وصلاح، كما ثبت في المسند وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «أنتم تُوَفُّون سبعين أمَّة، أنتم خيرُها وأكرمُها على الله» (١). فهل رأيتَ خيارَ قرون هذه الأمَّة والموفَّقين من خلفائها وملوكها وساداتها وكبرائها معوِّلين على هذا العلم أو معتمدين عليه في مصالحهم؟! وهذه سِيَرُهم ما بِعَهْدِها (٢) مِن قِدَم، ولا يتأتَّى الكذبُ عليهم. هذا، وقد أُعطُوا من التأييد والنصر والظَّفر بعدوِّهم والاستيلاء على ممالك العالم ما لم يظفر به أحدٌ من المعوِّلين على أحكام النجوم، بل لا تجدُ المنجِّمين إلا ذِمَّةً (٣) لهم لولا اعتصامُهم بحبلٍ منهم لقُطِّعت حبالُ أعناقهم، ولا تجدُ المعوِّلين على هذا العلم إلا مخصوصين بالخِذلان والحرمان، وهذا لأنهم حقَّ عليهم قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، قال أبو قِلابة: «هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمَّة إلى يوم القيامة» (٤).

стр. 1564

نعم؛ لا نُنكِرُ أنَّ هذا العلمَ له طلبةٌ مشغولون به، معتنون بأمره، وهذا لا يدلُّ على صحَّته، فهذا السِّحرُ لم يزل في العالم من يشتغلُ به ويتطلَّبه أعظمَ من اشتغاله بالنجوم وطلبه لها بكثير، وتأثيرُه في الناس مما لا يُنْكَر، أفكان هذا دليلًا على صحَّته؟! وهذه الأصنامُ لم تَزل تُعْبَدُ في الأرض من قبل نوحٍ وإلى الآن، ولها الهياكلُ المبنيَّةُ والسَّدنة، ولها الجيوشُ التي تُقاتِلُ عنها وتحارِبُ لها، وتختارُ القتلَ والسَّبيَ وعقوبةَ الله ولا تنتهي عنها، أفيدلُّ هذا على صحَّة عبادتها، وأنَّ عُبَّادَها على الحقِّ؟! ومن العجب قولُه: «لو كان هذا العلمُ فاسدًا لاستحالَ إطباقُ أهل المشرق والمغرب من أوَّل بناء العالم إلى آخره عليه»! وليس في الفرية أبلغُ من هذا، ولا في البهتان، أترى هذا الرجلَ ما وقف على تأليفٍ لأحدٍ من أهل المشرق والمغرب في إبطال هذا العلم والردِّ على أهله؟! فقد رأينا نحن وغيرنا ما يزيدُ على مئة مصنَّفٍ في الردِّ على أهله وإبطال أقوالهم، وهذه كتبهم بأيدي الناس، وكثيرٌ منها للفلاسفة الذين يعظِّمهم هؤلاء ويرونَ أنهم خلاصةُ العالَم، كالفارابي وابن سينا وأبي البركات الأوحد وغيرهم، وقد حكينا كلامَهم (١). وأمَّا الردودُ في ضمن الكتب حينَ (٢) يُرَدُّ على أهل المقالات، فأكثرُ

стр. 1565

من أن تُذْكَر، ولعلَّها أن تزيد على عِدَّة الألف (١)، تجدُ في كلِّ كتابٍ منها الردَّ على هؤلاء، وإبطالَ مذهبهم، ونسبتَهم إلى الكذب والزَّرْق. ولو أنَّ مقابلًا قابَله، وقال: لو كان هذا العلمُ صحيحًا لاستحالَ إطباقُ أهل المشرق والمغرب على ردِّه وإبطاله، لكان قولُه من جنس قوله، ولكنَّ أهلَ المشرق (٢) فيهم هذا وهذا، كما يشهدُ به الحِسُّ والتواريخُ القديمةُ والحديثة. ولقد رأينا من الردود القديمة قبل قيام الإسلام على هؤلاء ما يدلُّ على أنَّ العقلاء لم يزالوا يشهدون عليهم بالجهل وفساد المذهب، وينسبُونهم إلى الدَّعاوى الكاذبة والآراء الباطلة التي ليس مع أصحابها إلا القولُ بلا علم. فصل * وأمَّا ما ذكره في أمر الطَّالع عن الفُرس، وأنهم كانوا يعتنون بطالع مَسْقَط النطفة، وهو طالعُ الأصل، ثمَّ يُحْكَم بموجَبه، حتى يُحْكَم بعدد السَّاعات التي يمكثُها الولدُ في بطن أمِّه= فهذا من الكذب والبَهْت، ومن أراد أن يختبرَ كذبَه فليجرِّبه، فإنَّ تجربةَ مثل هذا ليست ممتنعةً (٣) ولا عَسِرَة. ثمَّ إنَّ هذا الواطاء لا علمَ له ولا لأحدٍ أنَّ الولدَ إنما يُخْلَقُ من أوَّل وطئه الذي أنزَل فيه دون ما بعده، وإن فُرِض أنه أمسكَ عن وطئها بعد المرة

стр. 1566

الأولى وحَبَسها بحيث يتيقَّن أنَّ غيره لم يَقْرَبها ــ وهذا في غاية النُّدرة ــ لم يمكن المنجِّم أن يعلم أحوالَ ذلك المولود، ولا تفاصيل أمره البتَّة، ومدَّعي ذلك مجاهرٌ بالكذب والبَهْت. وقد اعترف القومُ بأنَّ طالعَ الولادة مستعارٌ لا يفيدُ شيئًا؛ لأنَّ الولدَ لا يحدثُ في ذلك الوقت، وإنما ينتقلُ من مكانٍ إلى مكان. وقد اعترفوا بأنَّ ضبطَه متعسِّرٌ جدًّا، بل متعذِّر، فإنَّ في اللحظة الواحدة من اللحظات تتغيَّرُ نَصْبةُ (١) الفلك تغيُّرًا لا يُضبَطُ ولا يحصيه إلا الله الذي هو بكل شيء عليم، ولا ريب أنَّ الطَّالعَ يتغيَّر بذلك تغيُّرًا عظيمًا لا يمكنُ ضبطُه. وقد اعترفوا هم بهذا، وأنَّ سببَ هذا التفاوت يُحِيلُ أحكامَهم، واعترفوا بأنه لا سبيل إلى الاحتراز من ذلك. فأيُّ وثوقٍ لعاقلٍ بهذا العلم بعد هذا كلِّه؟! وقد بينَّا أنَّ غايةَ هذا لو صحَّ وسَلِمَ من الخلل جميعُه ــ ولا سبيل إليه ــ لكان جزءَ السَّبب والعلَّة، والحكمُ لا يضافُ إلى جزء سببه، ثمَّ لو كان سببًا تامًّا فصوارفُه وموانعه لا تدخلُ تحت الضبط البتَّة، والحكمُ إنما يضافُ إلى وجود سببه التامِّ وانتفاء مانعه، وهذه الأسبابُ والموانعُ مما لا تدخلُ تحت حصرٍ ولا ضبطٍ إلا لمن أحصى كلَّ شيءٍ عددًا، وأحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، لا إله إلا هو علَّام الغيوب (٢).

стр. 1567

فلو ساعدناهم على صحة أصول هذا العلم وقواعده لكانت أحكامُهم باطلة، وهي أحكامٌ بلا علم؛ لِمَا ذكرنا من تعذُّر الإحاطة بمجموع الأسباب وانتفاء الموانع، ولهذا كثيرًا ما يُجْمِعون على حكمٍ من أحكامهم الكاذبة فيقعُ الأمرُ بخلافه، كما تقدَّم (١). * وأمَّا تلك الحكاياتُ المتضمِّنةُ لإصابتهم في بعض الأحوال، فليست بأكثر من الحكايات عن أصحاب الكتف (٢)، والفأل، والزَّجر، والطَّائر (٣)، والضَّرب بالحصى، والطَّرْق (٤)، والعِيافة، والكهانة، والخَطِّ، والحَدْس، وغيرها من علوم الجاهلية، وأعني بالجاهلية: كلَّ من ليس من أتباع الرسل، كالفلاسفة والمنجِّمين والكهَّان وجاهلية العرب الذين كانوا قبل النبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ هذه كانت علومَ القوم، ليس لهم علمٌ بما جاءت به الرسل. * ومِن هؤلاء من يزعمُ أنه يأخذُ من الحروف علمَ الكهَّان (٥)، ولهم في ذلك تصانيفُ وكتب (٦).

стр. 1568

حتى يقولون: إذا أردتَ [معرفة] ما في رؤيا السَّائل من خيرٍ أو شرٍّ فخذ أوَّل حرفٍ من كلامه الذي يكلِّمك به، وقِسْ رؤياه على معنى ذلك الحرف. فإن كان أوَّل ما نطق به باءٌ فرؤياه خير؛ لأنَّ الباءَ من البهاء والخير، ألا تراها في البرِّ والبركة وبلوغ الآمال والبقاء والبشارة والبيان والبَخْت؟! فإذا كان أوَّلُ حرفٍ من كلامه باءً فاعلم أنه قد عاينَ ما أبهاه وبشَّره من الخيرات، وإن كان أوَّلُ كلامه تاءً فقد بُشِّر بالتمام والكمال، وإن كان ثاءً فبشِّره بالأثاث والمتاع؛ لقوله تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]. ثمَّ قالوا: فعليك بهذه الأحرف الثلاثة، فليس شيءٌ يخلو منها ويجاوزُها. وإذا تأمَّلتَ جهلَ هؤلاء رأيته شديدًا؛ فكيف حكموا على الباء بالبهاء والبركة، دون البأس والبغي والبَيْن والبلاء والبَوار والبُعد؟!، وكيف حكموا على التاء بالتمام والكمال، دون التَّعْس والتَّباب والتدمير والتَّلف ونحوه (١)؟!، وكيف حكموا على الثَّاء بالأثاث، دون الثُّفْل والثِّقَل والثَّلْب ونحوه؟! * وكذلك استدلاله بأوَّل ما يقعُ بصرُه عليه، كما حُكِيَ عن أبي معشر أنه وقفَ هو وصاحبٌ له على واحدٍ من هؤلاء، وكانا مارَّين في خَلَاص محبوس، فسألاه؟ فقال: أنتما في طلب خَلَاص محبوس، فعَجِبا من ذلك، فقال له أبو معشر: هل يَخْلُصُ أم لا؟ فقالا: تذهبان فتلقيانه قد خَلَص. فوُجِد الأمرُ كما قال، فاستدعاه أبو معشر وأكرمَه وتلطَّفَ له في السؤال عن كيفية علم ذلك، فقال: نحن قومٌ نأخذُ الفألَ بالعَين والنظر، فينظر أحدُنا إلى

стр. 1569

الأرض، ثمَّ يرفعُ رأسَه، فأوَّلُ شيءٍ يقعُ نظرُه عليه يكون الحكمُ به، فلمَّا سألتماني كان أوَّل ما رأيتُ ماءً في قِربة، فقلت: هذا محبوس، ثمَّ لما سألتماني في الثانية نظرتُ فإذا هو قد أُفرِغَ من القِربة، فقلت: يَخْلُص، ونصيبُ تارةً ونخطاءُ تارة (١). * ومِن هذا أخذُ بعضِهم الجوابَ عن التفاؤل بالأيام، فإذا رأى أحدٌ رؤيا ــ مثلًا ــ يوم أحدٍ أو ابتدأ فيه أمرًا قال: حِدَّةٌ وقوَّة، وإن كان يوم الجمعة قال: اجتماعٌ وأُلفة، وإن كان يوم سبتٍ قال: قَطْعٌ وفُرقة (٢). * ومِن هذا استدلالُ المسؤول بالمكان الذي يضعُ السائلُ يدَه عليه من جسده وقت السؤال، فإن وضعَ يدَه على رأسه فهو رئيسُه وكبيرُه، والرِّجلَين قِوامُه، والأنف بناءٌ مرتفع أو تلٌّ أو نحوه، والفم بئرٌ عذبة، واللحية أشجارٌ وزروع، وعلى هذا النحو. مِنْ ذلك: ما حُكِيَ عن المهدي أنه رأى رؤيا، وأُنْسِيَها (٣)، فأصبح مغتمًّا بها، فدُلَّ على رجلٍ كان يعرفُ الزَّجر والفأل، وكان حاذقًا به، واسمه خويلد، فلما دخل عليه أخبره بالذي أراده له، فقال له: يا أمير المؤمنين، صاحبُ الزَّجر والفأل ينظرُ إلى الحركة وأخطار الناس (٤)، فغضبَ المهديُّ وقال: سبحان الله، أحدُكم يُذْكَرُ بعلمٍ ولا يدري ما هو، ومَسَحَ يدَه على رأسه ووجهه وضربَ بها على فخذه، فقال له: أُخبرك برؤياك يا أمير المؤمنين،

стр. 1570

قال: هات، قال: رأيتَ كأنك صَعَدْتَ جبلًا، فقال المهدي: لله أبوك يا سحَّار! صدقت، قال: ما أنا بسحَّارٍ يا أمير المؤمنين، غير أنك مسحتَ بيدك على رأسك، فزجرتُ (١) لك، وعلمتُ أنَّ الرأسَ ليس فوقه أحدٌ إلا السماء، فأوَّلتُه بالجبل، ثمَّ نزلتَ بيدك إلى جبهتك، فزجرتُ لك بنزولك إلى أرضٍ ملساءَ فيها عينان مالحتان، ثمَّ انحدرتَ إلى سفح الجبل فلقيتَ رجلًا من فخذك قريش؛ لأنَّ أميرَ المؤمنين مسح بعد ذلك بيده على فخذه، فعلمتُ أنَّ الرجلَ الذي لقيه من قرابته، قال: صدقت، وأمرَ له بمالٍ، وأمرَ أن لا يُحْجَبَ عنه. * ومِنْ ذلك: هؤلاء، أصحابُ الطير السَّانح والبارح، والقَعِيد والناطح. وأصلُ هذا أنهم كانوا يزجُرون الطيرَ والوحشَ ويُثِيرونها، فما تيامَن منها وأخذ ذات اليمين سمَّوه: سانحًا، وما تياسَر منها سمَّوه: بارحًا، وما استقبلهم منها فهو: الناطح، وما جاءهم من خلفهم سمَّوه: القَعِيد، فمن العرب من يتشاءمُ بالبارح (٢) ويتبرَّكُ بالسانح، ومنهم من يرى خلاف ذلك (٣). قال المدائني (٤): سألتُ رؤبةَ بن العجَّاج: ما السانح؟ فقال: ما ولَّاك

стр. 1571

ميامَنه. قال: قلت: فما البارح؟ قال: ما ولَّاك مياسِرَه. قال: والذي يجيء من قُدَّامك (١) فهو الناطح والنَّطيح، والذي يجيءُ من خلفك فهو القاعدُ والقَعِيد. وقال المفضَّلُ الضبِّي: البارحُ ما يأتيك عن اليمين يريدُ يسارَك، والسانحُ ما يأتيك عن اليسار فيمرُّ على اليمين. وإنما اختلفوا في مراتبها ومذاهبها؛ لأنها خواطرُ وحُدوسٌ وتخميناتٌ لا أصلَ لها، فمن تبرَّك بشيءٍ مَدَحَه، ومن تشاءم بشيءٍ ذمَّه، ومن اشتهرَ بإحسان الزَّجر عندهم ووجوهه حتى قصَده الناسُ بالسؤال عن حوادثهم وما أمَّلُوه من أعمالهم سمَّوه: عائفًا، وعرَّافًا. وقد كان في العرب جماعةٌ يُعْرَفون بذلك، كعرَّاف اليمامة، والأبلق الأُسَيْدي (٢)، والأجلح، وعُروة بن زيد (٣)، وغيرهم (٤). فكانوا يحكُمون بذلك، ويعملون به، ويتقدَّمون ويتأخَّرون في جميع ما يتقلَّبون فيه ويتصرفون، في حال الأمن والخوف، والسَّعة والضِّيق، والحرب والسِّلم، فإن أنجَحُوا فيما يتفاءلون به مدَحوه وداوموا عليه، وإن عَطِبوا فيه تركوه وذمُّوه، وإن أخفقوا فيه ذمُّوه وتركوه (٥).

стр. 1572

ومنهم من أنكرها بعقله، وأبطلَ تأثيرَها بنظره، وذمَّ من اغترَّ بها واعتمد عليها وتوهَّم تأثيرَها، فمنهم المرقش (١)، إذ يقول: ولقد غدوتُ وكنتُ لا ... أغدو على واقٍ وحاتِمْ فإذا الأشائمُ كالأيا ... مِنِ والأيامِنُ كالأشائمْ وكذاك لا خيرٌ ولا ... شرٌّ على أحدٍ بدائمْ لا يمنعنَّك مِن بُغا ... ءِ الخيرِ تَعْقَادُ التَّمائمْ قد خُطَّ ذلك في السُّطو ... رِ الأوَّلِيَّاتِ القدائمْ (٢) وقال جهم الهذلي (٣): ألم تر أنَّ العائفَيْن وإن جرت (٤) ... لك الطَّيرُ عمَّا في غَدٍ عَمِيانِ يظنَّان ظنًّا، مرَّةً يخطِئانه ... وأخرى على بعض الذي يَصِفانِ قضى اللهُ أن لا يعلمَ الغيبَ غيرُه ... ففي أيِّ أمرِ اللهِ يمتريان

стр. 1573

وقال آخر (١): وما أنا ممَّن يزجرُ الطَّيرَ همُّه ... أطارَ غُرابٌ (٢) أم تعرَّض ثعلبُ ولا السَّانحاتُ البارحاتُ عشيَّةً ... أمَرَّ سليمُ القَرنِ (٣) أم مرَّ أعضَبُ وقال آخرُ (٤) يمدحُ منكِرها: وليس بهيَّابٍ إذا شدَّ رحلَه ... يقولُ: عَدَاني اليومَ واقٍ وحاتمُ ولكنَّه يمضي على ذاك مُقْدِمًا ... إذا صدَّ عن تلك الهَنَاتِ الخُثَارِم يعني بالواقِ: الصُّرَد، وبالحاتم: الغُراب؛ سمَّوه حاتمًا كأنه عندهم (٥) يَحتِمُ بالفراق. والخُثَارِم: العاجز، الضعيف الرَّأي، المتطيِّر. وقد شفى النبيُّ ﷺ أمَّته في الطِّيَرة حيث سئل عنها، فقال: «ذاك شيءٌ يجدُه أحدُكم فلا يَصُدَّنَّه» (٦). وفي أثرٍ آخر: «إذا تطيَّرتَ فلا ترجِع» (٧)، أي: امضِ لما قصَدتَ له ولا

стр. 1574

تَصُدَّنَّك عنه الطِّيَرة. واعلم أنَّ التطيُّر إنما يضرُّ من أشفقَ منه وخاف، وأمَّا من لم يُبال به ولم يعبأ به شيئًا لم يضرَّه البتَّة، ولا سيَّما إن قال عند رؤية ما يتطيَّر به أو سماعه: «اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك، ولا إله غيرك» (١)، «اللهمَّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهبُ بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» (٢). فالطِّيَرة بابٌ من الشِّرك وإلقاءِ الشيطان وتخويفِه ووسوستِه، يكبُر ويعظُم شأنُها على من أتبعَها نفسَه، واشتغلَ بها، وأكثَر العنايةَ بها، وتذهبُ وتضمحلُّ عمَّن لم يلتفت إليها، ولا ألقى إليها بالَه، ولا شغَل بها نفسَه وفكرَه.

стр. 1575

واعلم أنَّ من كان معتنيًا بها قائلًا بها كانت إليه أسرعَ من السَّيل إلى منحدَره، وتفتَّحت له أبوابُ الوساوس فيما يسمعُه ويراه ويُعطاه، ويفتحُ له الشيطانُ فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يُفسِدُ عليه دينَه وينكِّدُ عليه عيشَه. فإذا سمع: «سفرجلًا» أو أهديَ إليه تطيَّر به، وقال: سفرٌ وجلاء، وإذا رأى «ياسمينًا» أو سمع اسمَه تطيَّر به، وقال: يأسٌ ومَيْن (١)، وإذا رأى «سَوْسَنةً» أو سمعها قال: سوءٌ يبقى سنَةً (٢)، وإذا خرج من داره فاستقبلَه أعورُ أو أشلُّ أو أعمى أو صاحبُ آفةٍ تطيَّر به وتشاءم بيومه. ويحكى عن بعض الولاة أنه خرج في بعض الأيام لبعض مهمَّاته، فاستقبله رجلٌ أعور، فتطيَّر به، وأمرَ به إلى الحبس، فلمَّا رجع من مهمَّته ولم يَلْقَ شرًّا أمرَ بإطلاقه، فقال له: سألتُك بالله ما كان جُرْمي الذي حبستني لأجله؟ فقال له الوالي: لم يكن لك عندنا جُرم، ولكن تطيَّرتُ بك لما رأيتُك، فقال: فما أصبتَ في يومك برؤيتي؟ فقال: لم ألقَ إلا خيرًا، فقال: أيها الأمير، أنا خرجتُ من منزلي فرأيتُك فلقيتُ في يومي الشرَّ والحبس، وأنت رأيتني فلقيتَ في يومك الخيرَ والسُّرور، فمن الأشأمُ منَّا؟! والطِّيَرة بمن (٣) كانت؟! فاستحيا منه الوالي ووصَله (٤).

стр. 1576

وقال أبو القاسم الزجَّاجي: لم أر أشدَّ تطيُّرًا من ابن الرُّومي الشاعر، وكان قد تجاوز الحدَّ في ذلك، فعاتبتُه يومًا على ذلك، فقال: يا أبا القاسم: الفألُ لسانُ الزمان، والطِّيَرة عنوانُ الحَدَثان (١). وهذا جوابُ من استحكمت علَّتُه، فعجز عنه طبيبُه، بمنزلة من قد غلبه الوسواسُ (٢) في الطهارة، فلا يلتفتُ إلى علمٍ ولا إلى ناصح. وهذه حالُ من تقطَّعت به أسبابُ التوكُّل، وتقلَّصَ عنه لباسُه، بل تعرَّى منه. ومن كان هكذا فالبلايا إليه أسرع، والمصائبُ به أعلَق، والمحنُ له ألزَم، بمنزلة صاحب الدُّمَّل والقُرحة الذي يتهدَّى إلى قُرحته كلُّ مؤذٍ وكلُّ مُصادِم، فلا يكادُ يُصْدَمُ من جسده أو يصابُ غيرُها! والمتطيِّرُ مُتْعَبُ القلب، مُكْمَدُ الصَّدر (٣)، كاسفُ البال، سيِّاءُ الخُلق، يتخيَّلُ من كلِّ ما يراه أو يسمعه، أشدُّ الناس خوفًا، وأنكدُهم عيشًا، وأضيقُهم صدرًا، وأحزنهم قلبًا، كثيرُ الاحتراز والمراعاة لما لا يضرُّه ولا ينفعُه، وكم قد حَرَمَ نفسَه بذلك من حظٍّ، ومنعها من رزقٍ، وقطعَ عليها من فائدة!

стр. 1577

ويكفيك من ذلك قصةُ النابغة (١) مع زبَّان (٢) بن سيَّار الفزاري حين تجهَّزَ إلى الغزو، فلما أراد الرحيلَ نظر النابغةُ إلى جرادةٍ قد سقطت عليه، فقال: جرادةٌ تَجْرُد، وذاتُ ألوان! غيري (٣) مَن خرجَ من هذا الوجه. ونَفَذَ زبَّانُ لوجهه ولم يتطيَّر. فلمَّا رجع من غزوه سالمًا غانمًا أنشأ يقول: تَخَبَّر (٤) طيرَه فيها زيادٌ ... لِتُخْبِرَه وما فيها خبيرُ أقامَ كأنَّ لقمانَ بن عادٍ ... أشارَ له بحكمته مشيرُ تعلَّمْ أنه لا طيرَ إلا ... على متطيِّرٍ وهو الثُّبورُ بلى شيءٌ يوافِقُ بعضَ شيءٍ ... أحايينًا وباطلُه كثيرُ (٥) ولم يَحْكِ اللهُ التطيُّر إلا عن أعداء الرسل، كما قالوا لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٨ - ١٩]. وكذلك حكى الله سبحانه عن قوم فرعون، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ

стр. 1578

اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، يعني (١): إذا أصابهم الخصبُ والسَّعةُ والعافية قالوا: لنا هذه، أي: نحن الجديرون الحقيقون به، ونحن أهلُه، وإن أصابهم بلاءٌ وضيقٌ وقحطٌ ونحوه قالوا: هذه بسبب موسى وأصحابه أُصِبْنا بشؤمهم، ونُفِضَ علينا غبارُهم، كما يقولُه المتطيِّر لمن يتطيَّر به؛ فأخبر سبحانه أنَّ طائرَهم عنده. كما قال تعالى عن أعداء رسوله ﷺ : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]. فهذه ثلاثةُ مواضع حكى فيها التطيُّر عن أعدائه. وأجابَ سبحانه عن تطيُّرهم بموسى وقومه بأنَّ طائرهم عند الله، لا بسبب موسى، وأجابَ عن تطيُّر أعداء رسول الله ﷺ بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وأجابَ عن الرسل ــ لمن تطيَّر بهم ــ بقوله (٢): ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. وأمَّا قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ فقال ابنُ عباس: طائرُهم ما قضى عليهم وقدَّر لهم. وفي رواية: شؤمُهم عند الله، ومِن قِبَله؛ أي: إنما جاءهم الشؤمُ مِن قِبَله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله (٣).

стр. 1579

وقال أيضًا: إنَّ الأرزاقَ والأقدارَ تتبعُكم (١). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، أي: ما يَطِيرُ له من الخير والشرِّ فهو لازمٌ له في عنقه، والعربُ تقول: جرى له الطَّائرُ بكذا من الخير والشرِّ. قال أبو عبيدة: الطَّائر عندهم: الحظُّ، وهو الذي تسمِّيه العامة: البَخْت (٢)، يقولون: هذا يَطِيرُ لفلان، أي: يحصُل له. قلت: ومنه الحديث: «فطارَ لنا عثمانُ بن مظعون» (٣)، أي: أصابنا بالقُرعة لما اقترعَ الأنصارُ على نزول المهاجرين عليهم. وفي حديث رويفع بن ثابت: «حتى إنَّ أحدَنا ليَطِيرُ له النصلُ والرِّيش وللآخَرِ القِدْح» (٤)، أي: يحصُل له بالشركة في الغنيمة. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: إنَّ الطَّائر هاهنا هو العمل. قاله الفرَّاء (٥). وهو يتضمَّن الردَّ على نفاة القَدَر (٦).

стр. 1580

وخَصَّ العنقَ بذلك من بين سائر أجزاء البدن لأنها محلُّ الطَّوق الذي يُطَوَّقُه الإنسانُ في عنقه، فلا يستطيعُ فَكاكَه، ومن هذا يقال: إثمُ هذا في عنقك، وافعَلْ كذا وإثمُه في عنقي، والعربُ تقول: طُوِّقَها طوقَ الحمامة (١)، وهذا رِبقةٌ في رقبته (٢). وعن الحسن: [يا] ابن آدم (٣)، بُسِطَت (٤) لك صحيفةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عنقك (٥). فخصُّوا العنقَ بذلك لأنه موضعُ القلادة والتَّميمة، واستعمالُهم التعاليقَ فيها كثير، كما خُصَّت الأيدي بالذِّكر في نحو: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ونحوه. وقيل: المعنى: أنَّ الشُّؤمَ العظيمَ هو الذي لهم عند الله من عذاب النار لا هذا الذي (٦) أصابهم في الدنيا. وقيل: المعنى: أنَّ سببَ شؤمهم عند الله، وهو عملُهم المكتوبُ عنده، الذي يجزي (٧) عليه ما يسوؤهم، ويعاقبون عليه بعد موتهم بما وعدهم الله.
следующие страницы →