← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وقال أبو القاسم الزجَّاجي: لم أر أشدَّ تطيُّرًا من ابن الرُّومي الشاعر، وكان قد تجاوز الحدَّ في ذلك، فعاتبتُه يومًا على ذلك، فقال: يا أبا القاسم: الفألُ لسانُ الزمان، والطِّيَرة عنوانُ الحَدَثان (١). وهذا جوابُ من استحكمت علَّتُه، فعجز عنه طبيبُه، بمنزلة من قد غلبه الوسواسُ (٢) في الطهارة، فلا يلتفتُ إلى علمٍ ولا إلى ناصح. وهذه حالُ من تقطَّعت به أسبابُ التوكُّل، وتقلَّصَ عنه لباسُه، بل تعرَّى منه. ومن كان هكذا فالبلايا إليه أسرع، والمصائبُ به أعلَق، والمحنُ له ألزَم، بمنزلة صاحب الدُّمَّل والقُرحة الذي يتهدَّى إلى قُرحته كلُّ مؤذٍ وكلُّ مُصادِم، فلا يكادُ يُصْدَمُ من جسده أو يصابُ غيرُها! والمتطيِّرُ مُتْعَبُ القلب، مُكْمَدُ الصَّدر (٣)، كاسفُ البال، سيِّاءُ الخُلق، يتخيَّلُ من كلِّ ما يراه أو يسمعه، أشدُّ الناس خوفًا، وأنكدُهم عيشًا، وأضيقُهم صدرًا، وأحزنهم قلبًا، كثيرُ الاحتراز والمراعاة لما لا يضرُّه ولا ينفعُه، وكم قد حَرَمَ نفسَه بذلك من حظٍّ، ومنعها من رزقٍ، وقطعَ عليها من فائدة!

стр. 1577

ويكفيك من ذلك قصةُ النابغة (١) مع زبَّان (٢) بن سيَّار الفزاري حين تجهَّزَ إلى الغزو، فلما أراد الرحيلَ نظر النابغةُ إلى جرادةٍ قد سقطت عليه، فقال: جرادةٌ تَجْرُد، وذاتُ ألوان! غيري (٣) مَن خرجَ من هذا الوجه. ونَفَذَ زبَّانُ لوجهه ولم يتطيَّر. فلمَّا رجع من غزوه سالمًا غانمًا أنشأ يقول: تَخَبَّر (٤) طيرَه فيها زيادٌ ... لِتُخْبِرَه وما فيها خبيرُ أقامَ كأنَّ لقمانَ بن عادٍ ... أشارَ له بحكمته مشيرُ تعلَّمْ أنه لا طيرَ إلا ... على متطيِّرٍ وهو الثُّبورُ بلى شيءٌ يوافِقُ بعضَ شيءٍ ... أحايينًا وباطلُه كثيرُ (٥) ولم يَحْكِ اللهُ التطيُّر إلا عن أعداء الرسل، كما قالوا لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٨ - ١٩]. وكذلك حكى الله سبحانه عن قوم فرعون، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ

стр. 1578

اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، يعني (١): إذا أصابهم الخصبُ والسَّعةُ والعافية قالوا: لنا هذه، أي: نحن الجديرون الحقيقون به، ونحن أهلُه، وإن أصابهم بلاءٌ وضيقٌ وقحطٌ ونحوه قالوا: هذه بسبب موسى وأصحابه أُصِبْنا بشؤمهم، ونُفِضَ علينا غبارُهم، كما يقولُه المتطيِّر لمن يتطيَّر به؛ فأخبر سبحانه أنَّ طائرَهم عنده. كما قال تعالى عن أعداء رسوله ﷺ : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]. فهذه ثلاثةُ مواضع حكى فيها التطيُّر عن أعدائه. وأجابَ سبحانه عن تطيُّرهم بموسى وقومه بأنَّ طائرهم عند الله، لا بسبب موسى، وأجابَ عن تطيُّر أعداء رسول الله ﷺ بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وأجابَ عن الرسل ــ لمن تطيَّر بهم ــ بقوله (٢): ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. وأمَّا قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ فقال ابنُ عباس: طائرُهم ما قضى عليهم وقدَّر لهم. وفي رواية: شؤمُهم عند الله، ومِن قِبَله؛ أي: إنما جاءهم الشؤمُ مِن قِبَله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله (٣).

стр. 1579

وقال أيضًا: إنَّ الأرزاقَ والأقدارَ تتبعُكم (١). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، أي: ما يَطِيرُ له من الخير والشرِّ فهو لازمٌ له في عنقه، والعربُ تقول: جرى له الطَّائرُ بكذا من الخير والشرِّ. قال أبو عبيدة: الطَّائر عندهم: الحظُّ، وهو الذي تسمِّيه العامة: البَخْت (٢)، يقولون: هذا يَطِيرُ لفلان، أي: يحصُل له. قلت: ومنه الحديث: «فطارَ لنا عثمانُ بن مظعون» (٣)، أي: أصابنا بالقُرعة لما اقترعَ الأنصارُ على نزول المهاجرين عليهم. وفي حديث رويفع بن ثابت: «حتى إنَّ أحدَنا ليَطِيرُ له النصلُ والرِّيش وللآخَرِ القِدْح» (٤)، أي: يحصُل له بالشركة في الغنيمة. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: إنَّ الطَّائر هاهنا هو العمل. قاله الفرَّاء (٥). وهو يتضمَّن الردَّ على نفاة القَدَر (٦).

стр. 1580

وخَصَّ العنقَ بذلك من بين سائر أجزاء البدن لأنها محلُّ الطَّوق الذي يُطَوَّقُه الإنسانُ في عنقه، فلا يستطيعُ فَكاكَه، ومن هذا يقال: إثمُ هذا في عنقك، وافعَلْ كذا وإثمُه في عنقي، والعربُ تقول: طُوِّقَها طوقَ الحمامة (١)، وهذا رِبقةٌ في رقبته (٢). وعن الحسن: [يا] ابن آدم (٣)، بُسِطَت (٤) لك صحيفةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عنقك (٥). فخصُّوا العنقَ بذلك لأنه موضعُ القلادة والتَّميمة، واستعمالُهم التعاليقَ فيها كثير، كما خُصَّت الأيدي بالذِّكر في نحو: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ونحوه. وقيل: المعنى: أنَّ الشُّؤمَ العظيمَ هو الذي لهم عند الله من عذاب النار لا هذا الذي (٦) أصابهم في الدنيا. وقيل: المعنى: أنَّ سببَ شؤمهم عند الله، وهو عملُهم المكتوبُ عنده، الذي يجزي (٧) عليه ما يسوؤهم، ويعاقبون عليه بعد موتهم بما وعدهم الله.

стр. 1581

ولا طائرَ أشأمُ من هذا. وقيل: حظُّهم ونصيبهم. وهذا لا يناقضُ قولَ الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: حظُّكم وما نالكم من خيرٍ وشرٍّ معكم، بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين ليس هو من أجلنا ولا بسببنا، بل ببغيكم وعدوانكم. فطائرُ الباغي الظالم معه، وهو عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]. ولو فَقِهُوا وفَهِمُوا لما تطيَّروا بما جئتَ به؛ لأنه ليس فيما جاء به الرسولُ ﷺ ما يقتضي الطِّيَرة، فإنه كلَّه خيرٌ محضٌ لا شرَّ فيه، وصلاحٌ لا فسادَ فيه، وحكمةٌ لا عبثَ فيها، ورحمةٌ لا جَوْرَ فيها، فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم والعقول السليمة لم يتطيَّروا من هذا؛ فإنَّ الطِّيَرة إنما تكون بالشرِّ، لا بالخير المحض والمصلحة والحكمة والرحمة، وليس فيما أتيتَهم به ــ لو فَهِمُوا ــ ما يوجبُ تطيُّرهم، بل طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم، وهو عند الله كسائر حظوظهم وأنصبائهم التي ينالونها بأعمالهم وكسبهم. ويحتملُ أن يكون المعنى: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: راجعٌ عليكم، فالطَّيرُ الذي حصل لكم إنما يعودُ عليكم. وهذا من باب القِصاص في الكلام، مثل قوله في الحديث: «أخَذْنا

стр. 1582

فألكَ مِن فيك» (١)، ونظيره قولُ النبيِّ ﷺ : «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم» (٢). فعلى هذا، معنى: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: نصيبُكم طِيَرتُكم التي تطيَّرتم بها؛ لأنهم اعتقدوا الشُّؤمَ فيما لا شؤمَ فيه البتة، فقيل لهم: الشُّؤمُ منكم، وهو نازلٌ بكم. فتأمَّله. وهذا يُشْبِهُ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، قيل: جزاءُ مكرهم عنده، فمَكَرَ بهم كما مكروا برسله، ومكرُه تعالى بهم إنما كان بسبب مكرهم، فهو مكرُهم عاد عليهم، وكيدُهم عاد عليهم، فهكذا طِيَرتُهم عادت عليهم وحَلَّتْ بهم. وسُمِّي جزاءُ المكر: مكرًا، وجزاءُ الكيد: كيدًا؛ تنبيهًا على أنَّ الجزاء من جنس العمل. ولمَّا ذكر سبحانه أنَّ ما أصابهم من حسنةٍ وسيئة ــ أي نعمةٍ ومحنة ــ فالكلُّ منه تعالى بقضائه وقدره، فكأنهم قالوا: فما بالك أنتَ تصيبك الحسناتُ والسِّيئاتُ كما تصيبنا؟ فذكر سبحانه أنَّ ما أصابه من حسنةٍ فمن الله مَنَّ بها عليه، وأنعَم بها عليه، وما أصابه من سيئةٍ فمن نفسه، أي: بسببه ومِن قِبَله، أي: لا لنقصِ ما جاء به، ولا لشرٍّ فيه، ولا لشؤمٍ يقتضي أن تصيبه السيئة، بل بسببٍ من نفسِه ومِن قِبَلَه.

стр. 1583

وقد قيل في قوله تعالى: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: إنَّ طائرهم هاهنا هو السببُ الذي يجيءُ فيه خيرُهم وشرُّهم، فهو عند الله وحده، وهو قَدَرُه وقَسْمُه، إن شاء رزقكم وعافاكم، وإن شاء حرمكم وابتلاكم. ومِنْ هذا قالوا: طائرُ الله لا طائرُك (١)، أي: قدرُ الله الغالبُ الذي يأتي بالحسنات ويصرفُ السيئات، ومنه: «اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك، ولا إلهَ غيرُك». وعلى هذا، فالمعنيُّ بطائركم (٢): نصيبُكم وحظُّكم الذي يطيرُ لكم (٣). ومَنْ فسَّره بالعمل، فالمعنى: طائرُكم الذي طار عنكم من أعمالكم. وبهذين القولين فُسِّرَ معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، وأنه ما طار عنه من عمله، أو طار له: ما قُضِيَ عليه، وقُدِّرَ عليه، وكُتِبَ له من الرزق والأجل والشقاوة والسَّعادة. فصل وقد ثبت في «الصحيحين» (٤) عن النبيِّ ﷺ أنه قال في وصف السَّبعين ألفًا الذي يدخلون الجنة بغير حسابٍ أنهم «الذين لا يكتوون، ولا يَسْتَرقُون،

стр. 1584

ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون»، وزاد مسلمٌ وحده: «ولا يَرْقُون»، فسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «هذه الزيادةُ وهمٌ من الراوي (١)، لم يقل النبيُّ ﷺ : «ولا يرقُون»؛ لأنَّ الراقي محسنٌ إلى أخيه، وقد قال النبيُّ ﷺ وقد سئل عن الرُّقى فقال: «من استطاع منكم أن ينفعَ أخاه فلينفعه» (٢)، وقال: «لا بأس بالرُّقى ما لم تكن شركًا» (٣)، والفرقُ بين الراقي والمسترقِي أنَّ المسترقِي سائلٌ مستَعطٍ ملتفتٌ إلى غير الله بقلبه، والراقي محسِنٌ نافع» (٤). قلت: والنبيُّ ﷺ لا يجعلُ تركَ الإحسان المأذون فيه سببًا للسَّبق إلى الجِنان، وهذا بخلاف ترك الاسترقاء، فإنه توكُّلٌ على الله، ورغبةٌ عن سؤال غيره، ورضاءٌ بما قضاه، وهذا شيءٌ وهذا شيء (٥). وفي «الصحيحين» (٦) من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : «لا عدوى

стр. 1585

ولا طِيرَة، وأحبُّ الفألَ الصالح»، ونحوه من حديث أنس (١). وهذا يحتملُ أن يكون نفيًا، وأن يكون نهيًا، أي: لا تطيَّروا، ولكن قوله في الحديث: «ولا عدوى ولا صفَر ولا هامَة» (٢) يدلُّ على أنَّ المرادَ النفيُ وإبطالُ هذه الأمور التي كانت الجاهليةُ تُعانيها، والنفيُ في هذا أبلغُ من النهي؛ لأنَّ النفيَ يدلُّ على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدلُّ على المنع منه. وقد روى ابنُ ماجه في «سننه» (٣) من حديث سفيان، عن سلمة، عن عيسى بن عاصم، عن زرٍّ، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ الله ﷺ : «الطِّيَرة شركٌ، وما منَّا إلا، ولكنَّ الله يُذْهِبُه بالتوكُّل». وهذه اللفظة «وما منَّا إلا ... » إلى آخره، مدرجةٌ في الحديث، ليست من كلام النبيِّ ﷺ ، كذلك قاله بعض الحفَّاظ (٤)، وهو الصواب؛ فإنَّ الطِّيَرة نوعٌ من الشرك كما هو في أثرٍ مرفوع: «من ردَّته الطِّيَرة فقد قارَف الشِّرك» (٥)،

стр. 1586

وفي أثرٍ آخر: «من أرجعته الطِّيَرة من حاجةٍ فقد أشرك» قالوا: وما كفَّارةُ ذلك؟ قال: «أن يقول أحدُكم: اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك ولا خيرَ إلا خيرُك» (١). وفي «صحيح مسلم» (٢) من حديث معاوية بن الحكم السُّلمي أنه قال: يا رسول الله، ومنَّا أناسٌ يتطيَّرون؛ فقال: «ذلك شيءٌ يجدُه أحدُكم في نفسه فلا يصدَّنَّه»؛ فأخبر أنَّ تأذِّيه وتشاؤمَه بالتطيُّر إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطيَّر به، فوهمُه وخوفُه وإشراكه هو الذي يُطيِّره ويصدُّه، لا ما رآه وسَمِعَه. فأوضح ﷺ لأمته الأمر، وبيَّن لهم فسادَ الطِّيَرة؛ ليعلموا أنَّ الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويَحْذرونه، لتطمئنَّ قلوبُهم، ولتسكُن نفوسُهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسَل بها رسله، وأنزَل بها كتبه، وخلَق لأجلها السموات والأرض، وعمَّر الدارين الجنة والنار، فبسبب التوحيد ــ ومن أجله ــ جعَل الجنةَ دارَ التوحيد ومُوجَباته وحقوقه، والنارَ دارَ الشرك ولوازمه ومُوجَباته، فقطعَ ﷺ عَلَقَ الشرك من قلوبهم لئلَّا يبقى فيها علقةٌ منها، ولا يتلبَّسوا بعملٍ من أعمال أهله البتَّة.

стр. 1587

وفي الحديث المعروف: «أقرُّوا الطيرَ على مَكِناتِها» (١). قال أبو عبيد في «الغريب» (٢): أراد: لا تزجروها (٣)، ولا تلتفتوا إليها، أقرُّوها على مواضعها التي جعلها اللهُ لها ولا تتعدَّوا ذلك إلى غيره، أي: أنها لا تضرُّ ولا تنفع. وقال غيرُه: المعنى: أقرُّوها على أمكنتها، فإنهم كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدُهم سفرًا أو أمرًا من الأمور أثارَ الطَّيرَ من أوكارها، لينظر أيَّ وجهٍ تسلُك، وإلى أيِّ ناحيةٍ تطير، فإن خرجَت (٤) ذاتَ اليمين خرج لسفره ومضى لأمره، وإن أخَذَت ذاتَ الشمال رجعَ ولم يَمْضِ، فأمرهم أن يُقِرُّوها في أمكنتها، وأبطَل فعلَهم ذلك (٥) ونهاهم عنه كما أبطَل الاستقسامَ بالأزلام.

стр. 1588

وقال ابن جرير: معنى ذلك: أقرُّوا الطَّيرَ التي تزجُرونها في مواضعها المتمكِّنة فيها، التي هي بها مستقرَّة، وامضُوا لأموركم، فإنَّ زجرَكم إيَّاها غيرُ مُجْدٍ عليكم نفعًا، ولا دافعٍ عنكم ضررًا (١). وقال آخرون: هذا تصحيفٌ من الرواة، وخطأٌ منهم، ولا نعرفُ «المَكِنات» إلا اسمًا لبَيض الضِّباب دونَ غيرها (٢). قال الجوهري: «المَكِن بَيضُ الضَّبِّ. قال (٣): ومَكْنُ الضِّباب طعامُ العُرَيْـ ... ـبِ لا تشتهيه نفوسُ العَجَمْ وفي الحديث: «أقرُّوا الطير على مَكِناتها»، ومَكُناتها، بالضم والفتح. قال أبو زياد الكلابي وغيره: إنَّا لا نعرفُ للطَّير مَكِنات، وإنما هي: وُكُنات، فأمَّا المَكِنات فإنما هي للضِّباب. قال أبو عبيد: ويجوزُ في الكلام، وإن كان المَكِنُ للضِّباب، أن يُجْعَل للطَّير تشبيهًا بذلك، كقولهم: مَشَافرُ الحَبَش، وإنما المَشافرُ للإبل، وكقول زهير (٤) يصفُ الأسد: * له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ *

стр. 1589

وإنما له مخالب» (١). قال هؤلاء: فلعل الراوي سَمِع: أقِرُّوا الطَّيرَ في وُكُناتها، بالواو؛ لأنَّ وُكُناتِ الطَّير عُشُّها (٢)، وحيث تسقُط عليه من الشَّجر وتأوي إليه (٣). وفي أثرٍ آخر: «[ثلاثٌ] من كنَّ فيه لم ينل الدَّرجات العلى: من تكهَّن، أو استقسَم، أو رجَع من سفرٍ من طِيَرة» (٤)، وقد رُفِعَ هذا الحديث. فمن استمسَك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصمَ بحبله المتين، وتوكَّلَ على الله، قطَع هاجسَ الطِّيَرة من قبل استقرارها، وبادَر خواطرَها من قبل استمكانها.

стр. 1590

قال عكرمة: كنَّا جلوسًا عند ابن عباس، فمرَّ طائرٌ يصيح، فقال رجلٌ من القوم: خَيْر خَيْر، فقال له ابنُ عباس: «لا خيرَ ولا شرَّ» (١). فبادره بالإنكار عليه؛ لئلَّا يعتقدَ له تأثيرًا في الخير أو الشرِّ. وخرج طاووسٌ مع صاحبٍ له في سفر، فصاحَ غُرابٌ، فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأيُّ خيرٍ عنده؟! والله لا تصحَبني (٢). وقيل لكعب: هل تتطيَّر؟ فقال: نعم، فقيل له: فكيف تقول إذا تطيَّرت؟ قال أقول: اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك، ولاخيرَ إلا خيرُك، ولا ربَّ غيرُك، ولا قوَّة إلا بك (٣). وكان بعض السلف يقولُ عند ذلك: طيرُ الله لا طيرُك، وصباحُ الله لا صباحُك، ومساءُ الله لا مساؤك (٤). وقال ابن عبد الحكم (٥): لما خرج عمرُ بن عبد العزيز من المدينة، قال مزاحم: فنظرتُ فإذا القمرُ في الدَّبَران (٦)، فكرهتُ أن أقولَ له، فقلت:

стр. 1591

ألا تنظُر إلى القمر ما أحسنَ استواءه في هذه الليلة! قال: فنظرَ عمرُ فإذا هو في الدَّبَران، فقال: كأنَّك أردتَ أن تُعْلِمَني أنَّ القمرَ في الدَّبَران، يا مزاحم، إنَّا لا نخرجُ بشمسٍ ولا بقمر، ولكنَّا نخرجُ بالله الواحد القهار (١). فإن قيل: فما تقولون فيما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يستحبُّ الفأل؛ ففي «الصحيحين» (٢) من حديث أنسٍ وأبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة، وخيرُها الفأل»، وفي لفظ: «وأصدقُها الفأل» (٣)، وفي لفظ: «وكان يعجبُه الفأل» (٤)، وفي لفظ مسلم: «ويعجبني الفألُ الصالح، الكلمةُ الحسنة» (٥). وقال: «إذا أبردتُم إليَّ بريدًا فاجعلوه حسَنَ الاسم حسَنَ الوجه» (٦).

стр. 1592

ورُوِي عن يحيى بن سعيد أنَّ رسول الله ﷺ قال لِلَقْحَةٍ تُحْلَب: «من يحلبُ هذه؟»، فقام رجلٌ، فقال له النبيُّ ﷺ : «ما اسمك؟»، فقال الرجل: مُرَّة، فقال له النبيُّ ﷺ : «اجلس»، ثمَّ قال: «من يحلبُ هذه؟» فقام رجلٌ، فقال له النبيُّ ﷺ : «ما اسمك؟» فقال الرجل: حرب، فقال له النبيُّ ﷺ : «اجلس»، ثمَّ قال: «من يحلبُ هذه؟» فقام رجلٌ، فقال له النبيُّ ﷺ : «ما اسمك؟» فقال الرجل: يعيش، فقال له النبيُّ ﷺ : «يعيشُ احلِب»، فحَلَب (١). زاد ابنُ وهبٍ في «جامعه» (٢) في هذا الحديث: فقام عمرُ بن الخطاب، فقال: أتكلَّمُ يا رسول الله أم أصمُت؟ قال: «بل اصمُت، وأُخبِرُك بما أردتَ، ظننتَ يا عمر أنها طِيَرة، ولا طيرَ إلا طيرُه، ولا خيرَ إلا خيرُه، ولكن أُحِبُّ الفأل الحسن». وفي «جامع ابن وهب» (٣) أنَّ رسولَ الله ﷺ أتي بغلام، فقال: «ما

стр. 1593

سمَّيتم هذا الغلام؟» فقالوا: السائب، فقال «لا تسمُّوه السائب، ولكن عبد الله»، قال: فغُلِبوا على اسمه، فلم يمُت حتى ذهَب عقلُه. وفي «صحيح البخاري» (١) من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه، أنَّ أباه جاء إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: «ما اسمك؟» قال: حَزْن، قال: «أنت سَهْل»، قال: لا أغيِّرُ اسمًا سمَّانيه أبي. قال ابنُ المسيِّب: فما زالت الحُزونةُ فينا بعد. وروى مالك (٢) عن يحيى بن سعيد، أنَّ عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جَمْرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، فقال: ممَّن؟ قال: من الحُرَقة، قال: أين مسكنُك؟ قال: بحرَّة النار، قال: بأيِّها؟ قال: بذاتِ لَظى، فقال له عمر: أدرِك أهلَك فقد احترقوا. فكان كما قال عمر. وفي غير رواية مالكٍ هذه القصة: عن مجالد، عن الشعبيِّ، قال: جاء رجلٌ من جُهينة إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال له: ما اسمك؟ قال: شهاب، قال: ابن من؟ قال: ابن جَمْرة، قال: ابن من؟ قال: ابن ضِرَام، قال: ممَّن؟ قال: من الحُرَقة، قال: وأين منزلك؟ قال: بحرَّة النار، قال: ويحك، أدرِك منزلَك ــ أو: أهلَك ــ فقد احترقوا. قال: فأتاهم فألفاهم قد احترق عامَّتُهم (٣). وقالت عائشة ﵂: «كان رسولُ الله ﷺ يعجبُه التيمُّنُ ما

стр. 1594

استطاع، في تنعُّله، وترجُّله، ووضوئه، وفي شأنه كلِّه» (١). وفي «صحيح البخاري» (٢) عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الشُّؤمُ في ثلاث: في المرأة، والدَّار، والدابَّة». وفي «الصحيح» (٣) أيضًا من حديث سهل بن سعدٍ الساعديِّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنْ كان، ففي الفرس، والمرأة، والمسكن»، يعني: الشُّؤم. وفي «الموطأ» (٤) عن يحيى بن سعيدٍ قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله،

стр. 1595

- ﷺ فقالت: يا رسول الله، دارٌ سكنَّاها، والعددُ كثيرٌ، والمالُ وافر، فقلَّ العددُ وذهَب المال، فقال رسولُ الله ﷺ : «دَعُوها، ذميمةً». ولما رأى النبيُّ ﷺ يوم أحدٍ فرسًا قد لوَّحَ بذنبه، ورجلًا قد استلَّ سيفَه، فقال له: «شِمْ سيفك (١)، فإني أرى السُّيوفَ سَتُسَلُّ اليوم» (٢). وكذلك قولُه لما رمى واقدُ بن عبد الله عمرَو بن الحضرمي، فقتله؛ فقال: «[واقدٌ] وقَدَت الحرب، وعامرٌ عَمَرَت ا لحرب، وابنُ الحضرمي حَضَرَت الحرب» (٣). ولما خرج النبيُّ ﷺ إلى بدر استقبَل في طريقه جبلَين، فسأل عنهما، فقالوا: اسمُ أحدهما: مُسْلِح، والآخر: مُخْرِاء (٤)، وأهلُهما بنو النار وبنو

стр. 1596

حُراق؛ فكره المرور بينهما، وتركهما على يساره، وسلَك ذات اليمين (١). وعرَض عبد الله بن جعفر مالًا له على معاوية، يقالُ له: الدعان (٢)، وقال له: اشتره منِّي، فقال له معاوية: هذا مالٌ يقول: دعني! ولما نزل الحسينُ بن عليٍّ بكربلاء قال: ما اسمُ هذا الموضع؟ قالوا: كربلاء، قال: كربٌ وبلاء (٣). ولما خرجَ عبد الله بن الزبير من المدينة إلى مكة أنشدَه أحدُ أخويه: وكلُّ بني أمٍّ سيُمْسُون ليلةً ولم ... يبقَ مِنْ أعيانهم (٤) غيرُ واحد فقال له عبد الله: ما أردتَ إلى هذا؟ قال: لم أتعمَّده. قال: هو أشدُّ عليَّ (٥).

стр. 1597

وقد كره السَّلفُ ومن بعدهم أن يُتْبَع الميِّتُ بنارٍ إلى قبره مِنْ مِجْمَرٍ (١) أو غيره (٢)، وفي معناه الشَّمْع. قالت عائشة ﵂: «لا تجعلوا آخرَ زاده أن تَتْبعوه بالنار» (٣). ولما بايعَ طلحةُ بن عبيد الله عليَّ بن أبي طالب ــ وكان أوَّلَ من بايع ــ قال رجل: أوَّلُ يدٍ بايعته يدٌ شلَّاء، لا يتمُّ هذا الأمرُ له (٤). ولما بعث عليٌّ ﵁ معقلَ بن قيسٍ الرِّياحي من المدائن في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذَ على الموصل ويأتي نَصِيبين ورأسَ العين، حتى يأتي الرَّقَّة فيقيمَ بها، فسارَ معقلٌ حتى نزل الحَدِيثة، فبينما هو ذات يومٍ جالسًا إذ نظر إلى كبشين يتناطحان، حتى جاء رجلان فأخذ كلٌّ منهما كبشًا فذهب به، فقال شدَّادُ بن أبي ربيعة الخثعمي: سَتُصْرَفُون من وجهكم هكذا لا تَغْلِبون ولا تُغْلَبون؛ لافتراق الكبشين سليمَيْن. فكان كذلك (٥). ولمَّا بعث معاويةُ في شأن حُجر بن عديٍّ وأصحابه، كان الذي جاءهم أعورَ يقال له: هُدبة، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا مع حُجر، فنظر إليه رجلٌ منهم،

стр. 1598

فقال: إنْ صدَق الفألُ قُتِلَ نصفُنا؛ لأنَّ الرسول أعور، فلمَّا قتلوا سبعةً وافى رسولٌ ثانٍ ينهى عن قتلهم، فكفُّوا عن الباقين (١). وقال عوانةُ بن الحكم: لما دعا ابنُ الزبير إلى نفسه قام عبد الله بن مطيع ليبايع، فقبضَ عبد الله بن الزبير يدَه، وقال لعبيد الله بن علي بن أبي طالب: قُم فبايع، فقال عبيد الله: قم يا مصعبُ فبايع، فقام فبايع، فتفاءلَ الناس، وقالوا: أبى أن يبايعَ ابنَ مطيع وبايع مصعبًا، ليكوننَّ في أمره صعوبةٌ أو شرٌّ (٢). فكان كذلك. وقال سلمةُ بن محارب: نزلَ الحَجَّاجُ في محاربته لابن الأشعث ديرَ قُرَّة، ونزل عبد الرحمن بن الأشعث ديرَ الجماجم، فقال الحجَّاج: استقرَّ الأمرُ في يدي وتجمجمَ به أمرُه، والله لأقتلنَّه (٣). وقال عمرو بن مروان الكلبي: حدَّثني مروانُ بن يسار، عن مسلمة مولى يزيد بن الوليد، قال: كنت مع يزيد بن الوليد بناحية القريتين (٤) قبل خروجه على الوليد بن يزيد، ونحن نتذاكرُ أمره، إذ عرَض لنا ذئبٌ هناك، فتناول يزيدُ قوسَه فرمى الذِّئب، فأصابَ حلقه، فقال (٥): قتلتُ الوليد وربِّ الكعبة. فكان كما قال.

стр. 1599

وقال داود بن عيسى بن محمد بن علي: خرج أبي وأبو جعفر غازيَيْن في بلاد الروم، ومعه غلامٌ له، ومع أبي جعفرٍ مولى له، فسنحَت له أربعةُ أَظْبٍ (١)، ثمَّ مضت تُخَاتِلنا حتى غابت عنَّا، ثمَّ رجعت، ومضى واحد، فقال لنا أبو جعفر: والله لا نرجعُ جميعًا، فمات مولى أبي جعفر. وأمرَ بعضُ الأمراء (٢) جاريةً له تغنِّي، فاندفعت تقول: همُ قتلوهُ كي يكونوا مكانَه ... كما غَدَرَت يومًا بكسرى مَرَازِبُهْ (٣) فقال: ويلك، غنِّي غير هذا، فغنَّت: هذا مقامُ مُطَرَّدٍ ... هُدِمَتْ منازلُه ودورُه (٤) فقال: ويلك، غنِّي غير هذا. فقالت: والله يا سيِّدي ما أعتمدُ إلا ما يسرُّك ويسبقُ إلى لساني ما ترى، ثم غنَّت: كليبٌ لعمري كان أكثرَ ناصرًا ... وأيسرَ جُرْمًا منكَ ضُرِّج بالدَّمِ (٥) فقال: ما أرى أمري إلا قريبًا. فسمع قائلًا يقول: قُضِيَ الأمر الذي فيه

стр. 1600

تستفتيان (١). وقد ذُكِرَ في حرب بني تغلب أنَّ تيمَ اللَّات أرسلَ بنيه في طلب مالٍ له، فلمَّا أمسى سمعَ صوتَ الرِّيح، فقال لامرأته: انظري من أين نشأ السحاب؟ ومن أين نشأت الرِّيح؟ فأخبرته أنَّ الرِّيحَ طالعةٌ من وجه السحاب، فقال: والله إني لأرى ريحًا تُدَهْدِهُ الصَّخر، وتمحقُ الأثر. فلمَّا دخلَ عليه بنوه، قال لهم: ما لقيتم؟ قالوا: سِرْنا من عندك، فلمَّا بلغنا دِعْص (٢) الشَّعْثَمَيْن إذا بعُفْرٍ (٣) جاثماتٍ على دِعْصٍ من رمل. فقال: أمشرِّقاتٌ أم مُغرِّبات؟ [قالوا: مغرِّبات] (٤). قال: فما ريحُكم: ناطحٌ أم دابرٌ أم بارحٌ أم سانح؟ فقالوا: ناطح. فقال لنفسه: يا تيمَ اللَّات، دِعْصُ الشَّعْثَمَيْن ــ والشَّعْثَم الشيخ الكبير (٥) ــ، وأنت شَعْثَمُ بني بكر، وجَواثِمُ بدِعْص، وريحٌ نَطَحَت فبرحَت.

стр. 1601

قال: ثمَّ ماذا؟ قالوا: ثمَّ رأينا ذئبًا قد دلَع لسانَه مِنْ فِيه، وهو يجرد شعره (١) عليه. فقال: ذلك حَرَّانُ ثائرٌ ذو لسانٍ عذول، حامي الظَّهر، همُّه سفكُ الدِّماء، وهو أرقمُ الأراقم، يعني مهلهِلًا (٢). قال: ثمَّ ماذا؟ قالوا: ثمَّ رأينا ريحًا وسحابًا. قال: فهل مُطِرتم؟ قالوا: بلى. قال: ببرقٍ؟ قالوا: قد كان ذلك. فقال: أماءٌ سائل؟ [قالوا: نعم]. فقال: ذلك دمٌ سائلٌ ومُرْهَفَاتٌ. قال: ثمَّ مه؟ قالوا: ثمَّ طلعنا تلعةَ الصَّلعاء (٣)، ثمَّ تصوَّبنا من تلِّ فاران. قال: فكنتم سواءً أو مترادفين؟ قالوا: بل سواء. قال: فما سماؤكم؟ قالوا: دَجْناء (٤). قال: فما ريحُكم؟ قالوا: ناطِح. قال: فما فعل الجيشُ الذين لقيتُم؟ قالوا: نجونا منه هربًا، وجدَّ القومُ في إثرنا. قال: ثمَّ مه؟ قالوا: ثمَّ رأينا عُقابًا منقضَّةً على عُقاب، فتشابكا وهوَيا إلى الأرض، قال: ذاك جمعٌ رامَ جمعًا فهو لاقِيه. قال: ثمَّ مه؟ قالوا: ثمَّ رأينا سَبُعًا على سَبُعٍ ينهشُه، وبه بقيَّةٌ لم يمت. فقال: ذروني، أما والله إنها لقبيلةٌ مصروعةٌ مأكولةٌ مقتولةٌ من بني وائلٍ بعد عزٍّ وامتناع. وذكروا أنَّ تيمَ الَّلات هذا مرَّ يومًا بجملٍ أجرب، وعليه ثلاثةُ غَرابِيب (٥)، فقال لبنيه: ستقفون عليَّ مقتولًا. فكان كما قال، وقُتِل عن قريب.

стр. 1602

وكذلك قولُ علقمة في مسيره مع أصحابه، وقد مرُّوا في الليل بشيخٍ فانٍ، فقال: لقيتم شيخًا كبيرًا فانيًا يُغالِبُ الدَّهرَ والدَّهرُ يغالبه، يخبركم أنكم ستلقون قومًا فيهم ضعفٌ ووَهن. ثمَّ لقي سَبُعًا، فقال: دَلاجٌ (١) لا يُغْلَب. ثمَّ رأى غرابًا ينفضُ بجُؤْجؤه (٢)، فقال: أبشروا، ألا ترونَ أنه يخبرُكم أن قد اطمأنت بكم الدار؟ فكان كذلك (٣). وذكر المدائنيُّ، قال: خرجَ رجلٌ من لِهْبٍ ــ ولهم عِيافة ــ في حاجةٍ له، ومعه سقاءٌ من لَبَن، فسار صدرَ يومه، ثمَّ عطش، فأناخَ ليشرب، فإذا الغرابُ ينعَب، فأثارَ راحلتَه، ومضى، فلمَّا أجهَده العطشُ أناخَ ليشرب، فنعَب الغراب، فأثارَ راحلته، ثمَّ الثَّالثة، نعَب الغرابُ وتمرَّغ في التراب، فضربَ الرجلُ السِّقاءَ بسيفه، فإذا فيه أسودُ ضخم (٤)، ثمَّ مضى، فإذا غرابٌ على سِدْرَة، فصاحَ به، فوقعَ على سَلَمَة (٥)، فصاحَ به، فوقعَ على صخرة، فانتهى إليه، فإذا تحت الصخرة كنز. فلمَّا رجع إلى أبيه، قال له: ما صنعت؟ قال: سرتُ صدرَ يومي، ثمَّ أنختُ لأشرب، فإذا الغرابُ ينعَب. قال: أَثِرْهُ، وإلا لستَ بابني. قال: أثرتُه، ثمَّ أنختُ لأشرب، فنعَب الغراب وتمرَّغ في التراب. قال: اضرب السِّقاءَ، وإلا لستَ بابني. قال: فعلتُ، فإذا أسودُ

стр. 1603

ضخم. قال: ثمَّ مه؟ قال: ثمَّ رأيتُ غرابًا واقعًا على سِدْرَة. قال: أَطِرْهُ، وإلا لستَ بابني. قال: أطرتُه، فوقَع على سَلَمَة. قال: أَطِرْهُ وإلا لستَ بابني. قال: فوقع على صخرة. قال: أخبرني بما وجدت. فأخبَره! (١). وذكر أيضًا أنَّ أعرابيًّا أضلَّ ذَوْدًا له وخادمًا، فخرج في طلبهما، إذ اشتدَّت عليه الشمس، وحَمِيَ النهار، فمرَّ برجلٍ يحلبُ ناقة، قال: أظنُّه من بني أسد، فسأله عن ضالَّته. قال: ادْنُ، فاشرَب من اللبن، وأدلُّك على ضالَّتك. قال: فشرب، ثمَّ قال له: ما سمعتَ حين خرجت؟ قال: بكاءَ الصِّبيان، ونباحَ الكلاب، وصراخَ الدِّيكة، وثُغاءَ الشاء. قال: تنهاك عن الغُدُوِّ. ثمَّ مه؟ قال: ثمَّ ارتفع النهار فعرض لي ذئبٌ. قال: كَسُوبٌ (٢) ذو ظُفر. ثمَّ مه؟ قال: ثمَّ عرضت لي نعامة. قال: ذاتُ ريشٍ، واسمُها حَسَن. هل تركتَ في أهلك مريضًا يُعاد؟ قال: نعم. قال: ارجع إلى أهلك، فذَوْدُك وخادمُك عندهم. فرجع فوجدهم (٣). وذكر أبو خالدٍ التيميُّ قال: كنتُ آخذُ الإبل بضمانٍ فأرعاها في ظَهْر البصرة، فطردَت، فخرجتُ أقفو أثرها حتى انتهيتُ إلى القادسية، فاختلطَت عليَّ الآثار، فقلت: لو دخلتُ الكوفة فتحسَّستُ عنها، فأتيتُ الكُناسة، فإذا الناسُ مجتمعون على عرَّاف اليمامة، فوقفتُ، ثمَّ قلتُ له حاجتي، فقال:

стр. 1604

بعيدةُ أشطانِ الهوى جَمْعُ مثلِها ... على العاجزِ الباغي الغِنى ذو تكاليفِ (١) ولترجعَنَّ. قال: فوجدتُها في الشام مع ابن عمٍّ لي، فصالحتُ أصحابَها عنها. وقال المدائني: كان بالسَّواد زاجرٌ يقالُ له: مهر، فأُخْبِرَ به بعضُ العمَّال، فجعل يكذِّبُ زجرَه، [ثمَّ] أرسَل إليه، فلمَّا أتاه قال: إني قد بعثتُ بغنمٍ إلى مكان كذا وكذا، فانظُر هل وصلَت أم لم تَصِل؟ وقد عرفَ العاملُ قبل ذلك أنَّ بينها وبين الكلأ رحلة (٢)، فقال لغلامه: اخرُج فانظُر أيَّ شيءٍ تسمع؟ قال: وكان العاملُ قد أمرَ غلامَه أن يَكْمُنَ في ناحية الدار، ويصيحَ صياحَ ابن آوى (٣)، فخرجَ غلامُ الزاجر ليسمع، وصاحَ غلامُ العامل، فرجعَ إلى الزاجر غلامُه وأخبره بما سمع، فقال للعامل: قد ذهبَت عنك وقُطِعَ عليها الطريق، فاستِيقَت. قال: فضحِك العامل، وقال: قد جاءني خبرُها أنها وصلت، والصَّائحُ الذي صاحَ غلامي. قال: إن كان الصائحُ الذي صاحَ ابنَ آوى فقد ذهبَت، وإن كان غلامَك فقد قُتِلَ الراعي (٤). قال: فبلغه بعد ذلك ذهابُ الغنم وقتلُ الراعي.

стр. 1605

وذكرَ عن العُكليِّ (١) أنه خرج في تسعة نفرٍ هو عاشرُهم ليصيبوا الطريق، فرأى غرابًا واقعًا (٢) على بانة (٣)، فقال: يا قوم، إنكم تُصابون في سفركم هذا، فازدَجِروا وأطيعوني وارجعوا، فأبوا عليه، فأخَذ قوسَه وانصرف، وقُتِلَت التسعة، فأنشأ يقول: رأيتُ غرابًا واقعًا فوق بانةٍ ... يُنَشْنِشُ أعلى ريشه ويُطايِرُهْ فقلتُ: غرابٌ واغترابٌ من النوى ... وبانٌ فبَيْنٌ من حبيبٍ تُجَاوِرُهْ (٤) فما أعيفَ العُكْلِيَّ (٥) لا دَرَّ درُّه ... وأَزْجَرَه للطَّير لا عزَّ ناصِرُهْ (٦) وذكرَ عن كُثيِّر عَزَّة أنه خرج يريدُ مصر، وكانت بها عَزَّة، فلقيه أعرابيٌّ من نَهْد، فقال: أين تريد؟ قال: أريدُ عَزَّة بمصر، قال: ما رأيتَ في وجهك؟

стр. 1606

قال: رأيتُ غرابًا ساقطًا (١) فوق بانةٍ ينتفُ ريشَه، فقال: ماتت عَزَّة، فانتهَره (٢) ومضى، فوافى مصرَ والناسُ منصرفون من جنازتها، فأنشأ يقول: فأمَّا غرابٌ، فاغترابٌ وغُربةٌ ... وبانٌ، فبَينٌ من حبيبٍ تعاشِرُهْ (٣) وذكرَ عنه أيضًا أنه هَوِيَ امرأةً من قومه بعد عَزَّة، يقالُ لها: أمُّ الحويرث، وكانت فائقةَ الجمال، كثيرةَ المال، فقالت له: اخرُج فأصِب مالًا وأتزوَّجُك، فخرَج إلى اليمن وكان عليها رجلٌ من بني مخزوم، فلمَّا كان ببعض الطريق عرَض له قُوطٌ ــ والقُوط: الجماعةُ من الظِّباء ــ، فمضى، ثمَّ عرَض له غرابٌ ينعَبُ ويفحصُ الترابَ على رأسه، فأتى كُثيِّر حيًّا من الأزد ثمَّ مِنْ بني لِهْب، وهم من أزجر العرب (٤)، وفيهم شيخٌ قد سقط حاجباه على عينيه، فقصَّ عليه ما عرَض له، فقال: إن كنتَ صادقًا لقد ماتت هذه المرأةُ أو تزوَّجت رجلًا من بني كعب، فاغتمَّ كُثيِّر لذلك، وسقى بطنُه (٥)، فكان ذلك سببَ موته، وقال في ذلك:

стр. 1607

تيمَّمْتُ لِهْبًا أبتغي العلمَ عندهم ... وقد رُدَّ علمُ العائفين إلى لِهْبِ تيمَّمْتُ شيخًا منهمُ ذا أمانةٍ ... بصيرًا بزَجْرِ الطَّيرِ مُنحنِيَ الصُّلْبِ فقلتُ له: ماذا ترى في سوانحٍ ... وصوتِ غرابٍ يفحصُ الأرضَ بالتُّربِ فقال: جرى الطَّيرُ السَّنيحُ ببَيْنِها ... ونادى غرابٌ بالفِراقِ وبالسَّلْبِ فإن لا تكن ماتت فقد حالَ دونها ... سواكَ حَلِيلٌ باطنٌ من بني كعبِ (١) وقال رجلٌ من بني أسد: تزوجتُ ابنةَ عمٍّ لي، فخرجتُ أريدُها، فلقيني شيءٌ كالكلب، مندلعًا (٢) لسانُه في شِقٍّ، فقلت: أخفقتُ (٣) وربِّ الكعبة، فأتيتُ القوم، فلم أصِل إليها، ونافَرني أهلُها، فخرجتُ عنهم فمكثتُ ثلاثة أيَّام، ثمَّ بدا لي فيهم، فخرجتُ نحوهم، فلقيتُ كلبةً تَنْطِفُ أطْباؤها (٤) لبنًا، فقلت: أدركتُ وربِّ الكعبة، فدخلتُ بأهلي، وحملَت منِّي بغلامٍ، ثمَّ آخر، حتى ولدَت أولادًا. وذكرَ عن يحيى بن خالد قال: حجَّ رجلان، فقيل لهما: هاهنا امرأةٌ تزجُر، قال: فأتَياها فسَألاها، فقال أحدُهما: ما نُضْمِر؟ فقالت: إنك لتسألني عن رجلٍ محبوسٍ مقيَّد. ثم سألها الآخر، فقالت: إنك لتسألني عن رجلٍ مقتول. فقال: هو والله الذي سأل عنه صاحبي، فقالت: هو كما قلتُ. فسألاها عن تفسير ذلك، فقالت: أمَا رأيتما الجاريةَ التي مرَّت ومعها ديكٌ

стр. 1608

مشدودُ الرِّجلَين حين سألني الأول؟ قالا: بلى، قالت: فلذلك قلتُ: إنه محبوسٌ مقيَّد، قالت: ورأيتُ الجاريةَ حين رجعَت وسألتَني أنت والدِّيكُ مذبوحٌ، فقلتُ: مقتول. وذكر المدائنيُّ أنَّ أهلَ بيتٍ من العَجم كانوا إذا غاب الرجلُ عن أهله ولم يأتهم خبرُه أربعَ حِجَج زوَّجوا امرأتَه، فتزوَّج منهم رجلٌ جارية، وغاب أربع حِجَجٍ لا يأتيهم، فأرادوا تزويجَ الجارية وكانت مشغوفةً به، فقالت: دعوني سنةً أخرى، فأبوا عليها، وأتوا زاجرًا لهم، فخرج الزاجرُ ومعه تليمذٌ له، فتلقَّاهم قومٌ يحملونَ ميتًا ويدُ الميت على صدره، فقال الزاجرُ لتلميذه: مات الرجل، قال: ما مات، ألا ترى يد الميت على صدره يخبرُ أنه هو الميت والرجلُ صحيح (١)؟ فرجعا فأخبرا الحاكمَ أنه لم يمت، فأمر بتأجيلها سنة، فجاء زوجُها بعد شهر. وذكر ابن قتيبة عن إبراهيم بن عبد الله، قال: دخل عليَّ رجلٌ ضريرٌ زاجرٌ من العرب، وقد خبَّأتُ شيئًا به (٢) عنوانٌ من كتابٍ (٣)، فقلت: أخبرني بما خبَّأتُ لك، فنظرَ قليلًا، ثمَّ قال: هو من نبات الماء (٤). فقلت: زدني في

стр. 1609

الشرح، قال: هو قطعةٌ من كتاب. فسألتُه عن ذلك، فقال: سألتني عن الخَبِيء، فوقعَت يدي على الحَصِير (١)، فقلتُ: إنه من نبات الماء، فقلتَ: زدني، وصاح صائحٌ من جانب الدار: يا سُوَيْد (٢)، فقضيتُ بالسَّواد، وبأنه صغيرٌ للتصغير، ثمَّ نظرتُ فلم يكن ذلك أولى بأن يكون قطعةً من كتاب! قال: وسألتُه عن مِقراضَيْن في يدي قد أدخلتُ إصبعي في حلقتَيهما، فقال: في يدك خاتمٌ من حديد. وذكر ابنُ عيينة، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مُطْعِم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كان يرمي الجمرة، فجاءته حصاةٌ فأصابت جبهتَه، ففَصَدَت منه عِرْقًا، فقال رجلٌ من بني لِهْب: أُشْعِرَ أميرُ المؤمنين (٣)، وربِّ الكعبة، لا يقومُ هذا المقام أبدًا. فقُتِلَ بعد ذلك (٤). وثبت في «الصحيحين» (٥) من حديث ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الشُّؤمُ في الدَّار، والمرأة، والفَرس».

стр. 1610

وفي لفظٍ فيهما: «لا عدوى، ولا صَفَر، ولا طِيَرة، وإنما الشُّؤمُ في ثلاثة: المرأة، والفَرس، والدار» (١). وفي لفظٍ آخر فيهما: «إن يكن الشُّؤمُ في شيءٍ حقًّا، ففي الفَرس، والمسكن، والمرأة» (٢). وفي بعض طرق البخاري (٣): «والدَّابة»، بدل: «الفرس». وفي «الصحيحين» (٤) أيضًا عن سهل بن سعد السَّاعدي، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إن كان، ففي المرأة، والفَرس، والمسكن». يعني الشؤم. وقال البخاري: «إن كان في شيءٍ». وفي «صحيح مسلم» (٥) عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: «إن كان في شيءٍ، ففي الرَّبْع، والخادم، والفَرس». وفي «صحيح مسلم» (٦) عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ».

стр. 1611

وفي «موطأ مالك» (١) أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن أبي عطية أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا عدوى، ولا هامَ، ولا صَفَر، ولا يَحُلُّ المُمْرِضُ على المُصِحِّ، ولْيَحْلُل المُصِحُّ حيث شاء»، قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «إنه أذى». وقال ابنُ وهب (٢): أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنَّ أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: كان أبو هريرة ﵁ يحدِّثنا عن رسول الله ﷺ : «لا عدوى»، وحدَّثنا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» الحديث، ثمَّ صمتَ أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: «لا عدوى»، وأقام [على] أنْ «لا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» الحديث. قال: فقال الحارثُ بن أبي ذباب ــ وهو ابن عمِّ أبي هريرة ــ: قد كنتُ أسمعُك يا أبا هريرة تحدِّثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكتَّ عنه، كنتَ تقول: قال رسولُ الله ﷺ : «لا عدوى»، فأبى أبو هريرة أن يحدِّث ذلك (٣)،

стр. 1612

وقال: «لا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِح»، فماراه الحارثُ في ذلك، حتى غضبَ أبو هريرة ورَطَنَ بالحبشيَّة، فقال للحارث: أتدري ماذا قلتُ؟ قال: لا، قال أبو هريرة: إني أقول: أبيتُ، أبيتُ. قال أبو سلمة: فلعمري لقد كان أبو هريرة يحدِّثنا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى»، فلا أدري أنسيَ أبو هريرة، أو نسخَ أحدُ القولين الآخر؟ قالوا: فهذا النهيُ عن إيراد المُمْرِض على المُصِحِّ إنما هو من أجل الطِّيَرة التي تلحقُ المُصِحَّ. وقال مسدَّد: حدثنا يحيى، عن (١) هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرميِّ بن لاحق، عن سعيد بن المسيب، قال: سألتُ سعدَ بن مالك عن الطِّيَرة؟ فانتهَرني، وقال: من حدَّثك؟ فكرهتُ أن أحدِّثه، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا عدوى، ولا طِيَرة، ولا هامة، وإن كانت الطِّيَرة في شيءٍ ففي الفَرس والمرأة والدَّار، فإذا كان الطَّاعون بأرضٍ وأنتم بها فلا تَفِرُّوا» (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) عن الشَّريد بن سُويد، قال: كان في وفد ثقيفٍ رجلٌ مجذوم، فأرسل إليه النبيُّ ﷺ : «إنَّا قد بايعناك فارْجِع». وفي حديثٍ آخر: «فِرَّ من المجذوم فِرارَك من الأسد» (٤).

стр. 1613

فصل الآن التقت حَلَقتا البِطان (١)، وتداعى: «نَزَالِ» (٢) الفريقان. نعم؛ وهاهنا أضعافُ أضعاف ما ذكرتم، وأضعافُ أضعافه. وللناس هاهنا مسلكان عليهما يعتمدُ المتكلِّمون في هذا الباب، لا نرتضيهما، بل نسلكُ مسلك العدل والتوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، فدينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه، كالوادي (٣) بين الجبلين والهدى بين الضَّلالتين، وقد جعَل اللهُ هذه الأمَّة هي الأمَّة الوسط في جميع أبواب الدِّين، فإذا انحرف غيرُها من الأمم إلى أحد الطَّرفين كانت هي في الوسَط: * كما كانت وسطًا في باب أسماء الربِّ تعالى وصفاته بين الجهميَّة المعطِّلة (٤) والمشبِّهة الممثِّلة. * وكانت وسطًا في باب الإيمان بالرسل بين من عَبَدَهم وأشركهم بالله كالنصارى، وبين من قَتَلهم وكذَّبهم (٥). فآمنوا بهم وصدَّقوهم ونزَّلوهم منازلهم من العبوديَّة (٦). * وكانت وسطًا في القَدَر بين الجبريَّة الذين ينفونَ أن يكون للعبد فعلٌ

стр. 1614

أو كسبٌ أو اختيارٌ البتَّة، بل هو مجبورٌ مقهورٌ لا اختيارَ له ولا فِعل، وبين القدريَّة النُّفاة الذين يجعلونه مستقلًّا بفعله، ولا يدخلُ فعلُه تحت مقدور الربِّ تعالى، ولا هو واقعٌ بمشيئة الله تعالى وقدرته. فأثبتوا له فعلًا وكسبًا واختيارًا حقيقةً، هو متعلَّقُ الأمر والنهي والثواب والعقاب، وهو مع ذلك واقعٌ بقدرة الله ومشيئته، فما شاء الله من ذلك كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا تتحرَّكُ ذرَّةٌ إلا بمشيئته وإرادته، والعبادُ أضعفُ وأعجزُ أن يفعلوا ما لم يشأه الله ولا قدَّره ولا أقدَرهم عليه (١). * وكذلك هم وسطٌ في المطاعم والمشارب بين اليهود الذين حُرِّمت عليهم الطيباتُ عقوبةً لهم، وبين النصارى الذي يستحلُّون الخبائث، فأحلَّ اللهُ لهذه الأمة الوسط الطيبات وحرَّم عليهم الخبائث. * وكذلك لا تجدُ أهلَ الحقِّ دائمًا إلا وسطًا بين طرفي الباطل، فأهلُ السُّنة وسطٌ في النِّحَل، كما أنَّ المسلمين وسطٌ في الملل. * وكذلك ما نحن فيه من هذا الباب؛ فإنهم وسطٌ بين النُّفاة الذين ينفونَ الأسبابَ جملة، ويمنعون ارتباطَها بالمُسبَّبات وتأثيرَها بها، ويَسُدُّون هذا الباب بالكلِّية، ويضطربون فيما ورد من ذلك، فيقابلون بالتكذيب منه ما يُمْكِنُهم تكذيبُه، ويُحِيلون على الاتِّفاق والمصادفة ما لا قِبَل لهم بدفعه، من غير أن يكون لشيءٍ من هذه الأمور مدخلٌ في التأثير، أو تعلُّقٌ بالسببيَّة البتَّة (٢).

стр. 1615

وربما يقولون: إنَّ أكثر ذلك مجرَّدُ خيالاتٍ وأوهامٍ في النفوس، تنفعلُ عنها النفوسُ كانفعال أرباب الخيالات والأمراض والأوهام. وليس عندهم وراء ذلك شيء. وهذا مسلكُ نفاة الأسباب وارتباط المسبَّبات بها، وهذا جوابُ كثيرٍ من المتكلِّمين (١). والمسلكُ الثاني مسلكُ المُثبِتين لهذه الأمور، المعتقدين لها، الذاهبين إليها، وهي عندهم أقوى من الأسباب الحِسِّيَّة أو في درجتها، ولا يلتفتون إلى قدح قادحٍ فيها، والقدحُ فيها عندهم من جنس القدح في الحِسِّيَّات والضروريَّات. ونحن لا نسلكُ سبيل هؤلاء ولا سبيل هؤلاء، بل نسلكُ سبيلَ التوسُّط والإنصاف، ونجانبُ طريقَ الجَور والانحراف، فلا نُبطِلُ الشرعَ بالقدر، ولا نكذِّبُ بالقدر لأجل الشرع، بل نؤمنُ بالمقدور ونصدِّقُ الشرع؛ فنؤمنُ بقضاء الله وقَدَره وشرعه وأمره، ولا نُعارِض بينهما فنُبطِل الأسبابَ المقدورة أو نقدحُ في الشريعة المنزَّلة، كما فعله الطائفتان المنحرفتان. فإحداهما: أبطلَت ما قدَّره الله من الأسباب بما فَهِمَته من الشرع. وهذا من تقصيرها في الشرع والقدر. والأخرى: توصَّلَت إلى القدح في الشرع وإبطاله بما شاهدَته من تأثير الأسباب وارتباطها بمسبَّباتها لمَّا ظنت أنَّ الشرع نفاها، فكذَّبت بالشارع. فالطائفتان جانيتان على القدر والشرع.
следующие страницы →