← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وفي «موطأ مالك» (١) أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن أبي عطية أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا عدوى، ولا هامَ، ولا صَفَر، ولا يَحُلُّ المُمْرِضُ على المُصِحِّ، ولْيَحْلُل المُصِحُّ حيث شاء»، قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «إنه أذى». وقال ابنُ وهب (٢): أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنَّ أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: كان أبو هريرة ﵁ يحدِّثنا عن رسول الله ﷺ : «لا عدوى»، وحدَّثنا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» الحديث، ثمَّ صمتَ أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: «لا عدوى»، وأقام [على] أنْ «لا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» الحديث. قال: فقال الحارثُ بن أبي ذباب ــ وهو ابن عمِّ أبي هريرة ــ: قد كنتُ أسمعُك يا أبا هريرة تحدِّثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكتَّ عنه، كنتَ تقول: قال رسولُ الله ﷺ : «لا عدوى»، فأبى أبو هريرة أن يحدِّث ذلك (٣)،

стр. 1612

وقال: «لا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِح»، فماراه الحارثُ في ذلك، حتى غضبَ أبو هريرة ورَطَنَ بالحبشيَّة، فقال للحارث: أتدري ماذا قلتُ؟ قال: لا، قال أبو هريرة: إني أقول: أبيتُ، أبيتُ. قال أبو سلمة: فلعمري لقد كان أبو هريرة يحدِّثنا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى»، فلا أدري أنسيَ أبو هريرة، أو نسخَ أحدُ القولين الآخر؟ قالوا: فهذا النهيُ عن إيراد المُمْرِض على المُصِحِّ إنما هو من أجل الطِّيَرة التي تلحقُ المُصِحَّ. وقال مسدَّد: حدثنا يحيى، عن (١) هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرميِّ بن لاحق، عن سعيد بن المسيب، قال: سألتُ سعدَ بن مالك عن الطِّيَرة؟ فانتهَرني، وقال: من حدَّثك؟ فكرهتُ أن أحدِّثه، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا عدوى، ولا طِيَرة، ولا هامة، وإن كانت الطِّيَرة في شيءٍ ففي الفَرس والمرأة والدَّار، فإذا كان الطَّاعون بأرضٍ وأنتم بها فلا تَفِرُّوا» (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) عن الشَّريد بن سُويد، قال: كان في وفد ثقيفٍ رجلٌ مجذوم، فأرسل إليه النبيُّ ﷺ : «إنَّا قد بايعناك فارْجِع». وفي حديثٍ آخر: «فِرَّ من المجذوم فِرارَك من الأسد» (٤).

стр. 1613

فصل الآن التقت حَلَقتا البِطان (١)، وتداعى: «نَزَالِ» (٢) الفريقان. نعم؛ وهاهنا أضعافُ أضعاف ما ذكرتم، وأضعافُ أضعافه. وللناس هاهنا مسلكان عليهما يعتمدُ المتكلِّمون في هذا الباب، لا نرتضيهما، بل نسلكُ مسلك العدل والتوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، فدينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه، كالوادي (٣) بين الجبلين والهدى بين الضَّلالتين، وقد جعَل اللهُ هذه الأمَّة هي الأمَّة الوسط في جميع أبواب الدِّين، فإذا انحرف غيرُها من الأمم إلى أحد الطَّرفين كانت هي في الوسَط: * كما كانت وسطًا في باب أسماء الربِّ تعالى وصفاته بين الجهميَّة المعطِّلة (٤) والمشبِّهة الممثِّلة. * وكانت وسطًا في باب الإيمان بالرسل بين من عَبَدَهم وأشركهم بالله كالنصارى، وبين من قَتَلهم وكذَّبهم (٥). فآمنوا بهم وصدَّقوهم ونزَّلوهم منازلهم من العبوديَّة (٦). * وكانت وسطًا في القَدَر بين الجبريَّة الذين ينفونَ أن يكون للعبد فعلٌ

стр. 1614

أو كسبٌ أو اختيارٌ البتَّة، بل هو مجبورٌ مقهورٌ لا اختيارَ له ولا فِعل، وبين القدريَّة النُّفاة الذين يجعلونه مستقلًّا بفعله، ولا يدخلُ فعلُه تحت مقدور الربِّ تعالى، ولا هو واقعٌ بمشيئة الله تعالى وقدرته. فأثبتوا له فعلًا وكسبًا واختيارًا حقيقةً، هو متعلَّقُ الأمر والنهي والثواب والعقاب، وهو مع ذلك واقعٌ بقدرة الله ومشيئته، فما شاء الله من ذلك كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا تتحرَّكُ ذرَّةٌ إلا بمشيئته وإرادته، والعبادُ أضعفُ وأعجزُ أن يفعلوا ما لم يشأه الله ولا قدَّره ولا أقدَرهم عليه (١). * وكذلك هم وسطٌ في المطاعم والمشارب بين اليهود الذين حُرِّمت عليهم الطيباتُ عقوبةً لهم، وبين النصارى الذي يستحلُّون الخبائث، فأحلَّ اللهُ لهذه الأمة الوسط الطيبات وحرَّم عليهم الخبائث. * وكذلك لا تجدُ أهلَ الحقِّ دائمًا إلا وسطًا بين طرفي الباطل، فأهلُ السُّنة وسطٌ في النِّحَل، كما أنَّ المسلمين وسطٌ في الملل. * وكذلك ما نحن فيه من هذا الباب؛ فإنهم وسطٌ بين النُّفاة الذين ينفونَ الأسبابَ جملة، ويمنعون ارتباطَها بالمُسبَّبات وتأثيرَها بها، ويَسُدُّون هذا الباب بالكلِّية، ويضطربون فيما ورد من ذلك، فيقابلون بالتكذيب منه ما يُمْكِنُهم تكذيبُه، ويُحِيلون على الاتِّفاق والمصادفة ما لا قِبَل لهم بدفعه، من غير أن يكون لشيءٍ من هذه الأمور مدخلٌ في التأثير، أو تعلُّقٌ بالسببيَّة البتَّة (٢).

стр. 1615

وربما يقولون: إنَّ أكثر ذلك مجرَّدُ خيالاتٍ وأوهامٍ في النفوس، تنفعلُ عنها النفوسُ كانفعال أرباب الخيالات والأمراض والأوهام. وليس عندهم وراء ذلك شيء. وهذا مسلكُ نفاة الأسباب وارتباط المسبَّبات بها، وهذا جوابُ كثيرٍ من المتكلِّمين (١). والمسلكُ الثاني مسلكُ المُثبِتين لهذه الأمور، المعتقدين لها، الذاهبين إليها، وهي عندهم أقوى من الأسباب الحِسِّيَّة أو في درجتها، ولا يلتفتون إلى قدح قادحٍ فيها، والقدحُ فيها عندهم من جنس القدح في الحِسِّيَّات والضروريَّات. ونحن لا نسلكُ سبيل هؤلاء ولا سبيل هؤلاء، بل نسلكُ سبيلَ التوسُّط والإنصاف، ونجانبُ طريقَ الجَور والانحراف، فلا نُبطِلُ الشرعَ بالقدر، ولا نكذِّبُ بالقدر لأجل الشرع، بل نؤمنُ بالمقدور ونصدِّقُ الشرع؛ فنؤمنُ بقضاء الله وقَدَره وشرعه وأمره، ولا نُعارِض بينهما فنُبطِل الأسبابَ المقدورة أو نقدحُ في الشريعة المنزَّلة، كما فعله الطائفتان المنحرفتان. فإحداهما: أبطلَت ما قدَّره الله من الأسباب بما فَهِمَته من الشرع. وهذا من تقصيرها في الشرع والقدر. والأخرى: توصَّلَت إلى القدح في الشرع وإبطاله بما شاهدَته من تأثير الأسباب وارتباطها بمسبَّباتها لمَّا ظنت أنَّ الشرع نفاها، فكذَّبت بالشارع. فالطائفتان جانيتان على القدر والشرع.

стр. 1616

لكنْ الموفَّقون المهديُّون (١) آمنوا بقدر الله وشرعه، ولم يعارِضوا أحدَهما بالآخر، بل صدَّق كلٌّ منهما الآخر عندهم وقرَّره، فكان الأمرُ تفصيلًا للقَدَر وكاشفًا عنه وحاكمًا عليه، والقدرُ أصلٌ للأمر، ومنفذٌ له، وشاهدٌ له، ومصدِّقٌ له، فلولا القدرُ لما وُجِدَ الأمرُ ولا تحقَّق ولا قام على ساقِه، ولولا الأمرُ لما تميَّز القدرُ ولا تبيَّنت مراتبه وتصاريفُه، فالقدرُ مظهرٌ للأمر، والأمرُ تفصيلٌ له، والله سبحانه له الخلقُ والأمر، فلا يكونُ إلا خالقًا آمرًا، فأمرُه تصريفٌ لقدره، وقدرُه منفذٌ لأمره. ومن أبصرَ هذا حقَّ البصر، وانفتحت له عينُ قلبه؛ تبيَّن له سرُّ ارتباط الأسباب بمسبَّباتها وجرَيانها فيها، وأنَّ القدحَ فيها وإبطالها إبطالٌ للأمر، وتبيَّن له أنَّ كمالَ التوحيد بإثبات الأسباب، لا أنَّ إثباتَها نقضٌ (٢) للتوحيد كما زعَم منكروها، حيث جعلوا إبطالَها من لوازم التوحيد، فجَنَوا على التوحيد والشرع، والتزموا تكذيبَ الحِسِّ والعقل، ووقعوا في أنواعٍ من المكابرة سلَّطت عليهم أعداءَ الشريعة، وأوجبَت لهم أن أساؤوا بها الظنَّ وتنقَّصوها وزعموا أنها خطابيَّةٌ وإقناعيَّةٌ وجدليَّة، لا برهانيَّة، فعَظُمَ الخَطب، وتفاقَم الأمر، واشتدَّت البليَّةُ بالطائفتين (٣)، وقد قيل: إنَّ العدوَّ العاقل خيرٌ من الصَّديق الجاهل. ونحن ــ بحمد الله ــ نبيِّنُ الأمرَ في ذلك، ونوضِّحُه إيضاحًا يتبيَّن به

стр. 1617

تصديقُ كلٍّ من الأمرين للآخر، وشهادتُه له، وتزكيتُه له، ونبيِّنُ ارتباطَ كلٍّ من الأمرين بالآخر، وعدمَ انفكاكه عنه، فنقولُ وبالله التوفيق: * أمَّا ما ذكرتم من أنَّ النبي ﷺ كان يعجبُه الفألُ الحسَن؛ فلا ريب في ثبوت ذلك عنه، وقد قَرَن ذلك بإبطال الطِّيَرة؛ كما في «الصحيحين» (١) من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لا طِيَرة، وخيرُها الفأل»، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمةُ الصالحةُ يسمعُها أحدُكم». فابتدأهم النبيُّ ﷺ بإزالة الشُّبهة وإبطال الطِّيَرة؛ لئلَّا يتوهَّموها عليه في إعجابه بالفأل الصَّالح. وليس في الإعجاب بالفأل ومحبَّته شيءٌ من الشرك، بل ذلك إبانةٌ عن مقتضى الطَّبيعة ومُوجَب الفطرة الإنسانيَّة التي تميلُ إلى ما يلائمها ويوافقُها مما ينفعها. كما أخبرهم أنه حُبِّبَ إليه من الدنيا النساءُ والطِّيب (٢).

стр. 1618

وفي بعض الآثار أنه ﷺ كان يُعجِبُه الفاغِية (١) ــ وهي نَوْرُ الحِنَّاء ــ، وكان يحبُّ الحلواء والعسل (٢)، وكان يحبُّ الشرابَ الباردَ الحُلْو (٣)، ويحبُّ حُسْنَ الصَّوت بالقرآن والأذان، ويستمعُ إليه (٤)، ويحبُّ معالي الأخلاق ومكارم الشِّيم (٥). وبالجملة، يحبُّ كلَّ كمالٍ وخيرٍ وما يفضي إليهما.

стр. 1619

والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجابَ بسماع الاسم الحسَن ومحبَّته وميلَ نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياحَ والاستبشارَ والسُّرورَ باسم السَّلام، والفلاح، والنجاح، والتهنئة، والبشرى، والفوز، والظَّفر، والغُنْم، والرِّبح، والطِّيب، ونيل الأمنية، والفرح، والغَوث، والعزِّ، والغنى، وأمثالها. فإذا قرعَت هذه الأسماءُ الأسماعَ استبشرَت بها النفس، وانشرحَ لها الصَّدر، وقويَ بها القلب، وإذا سمعَت أضدادَها أوجَب لها ضدَّ هذه الحال، فأحزنها ذلك وأثار لها خوفًا وطِيَرةً وانكماشًا وانقباضًا عمَّا قصدَت له وعزمَت عليه، فأورثَ لها ذلك ضررًا في الدنيا ونقصًا في الإيمان ومقارفةً للشرك. كما ذكره أبو عمر في «التمهيد» (١) من حديث المقراء، عن ابن لهيعة: حدَّثنا ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ قال: «من أرجعَته الطِّيَرةُ من حاجته فقد أشرَك»، قال: وما كفَّارةُ ذلك يا رسول الله؟ قال: «أن يقول أحدُهم: اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك، ولا إلاه غيرُك، ثمَّ يمضي لحاجته». وذكر ابن وهبٍ (٢) قال: أخبرني أسامةُ بن زيد، قال: سمعتُ نافع بن جبير بن مطعم يقول: سأل كعبُ الأحبار عبد الله بن عمرو: هل تتطيَّر؟ فقال: نعم، قال: فكيف تقول إذا تطيَّرت؟ قال: أقول: اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك،

стр. 1620

ولا خيرَ إلا خيرُك، ولا ربَّ غيرُك، ولا قوَّة إلا بك، فقال كعب: إنه أفقهُ العرب، والله إنها لكذلك في التوراة. وهذا الذي جعله الله سبحانه في طِباع الناس (١) وغرائزهم من الإعجاب بالأسماء الحسنة، والألفاظ المحبوبة، هو نظيرُ ما جعَل في غرائزهم من الإعجاب بالمناظر الأنيقة، والرِّياض المُنوَّرَة، والمياه الصَّافية، والألوان الحسنة، والروائح الطيِّبة، والمطاعم المستلَذَّة، وذلك أمرٌ لا يمكنُ دفعُه، ولا يجدُ القلبُ عنه انصرافًا، فهو ينفعُ المؤمن، ويَسُرُّ نفسَه، وينشِّطُها، ولا يضرُّها في إيمانها وتوحيدها. وأخبر ﷺ في حديث أبي هريرة أنَّ الفأل من الطِّيَرة، وهو خيرُها، فقال: «لا طِيَرة، وخيرُها الفأل»، فأبطَل الطِّيَرة، وأخبر أنَّ الفأل منها، ولكنه خيرُها، ففصَل بين الفأل والطِّيَرة لما بينهما من الامتياز والتضادِّ ونَفْعِ أحدهما ومضرَّةِ الآخر. ونظيرُ هذا منعُه من الرُّقى بالشرك وإذنُه في الرُّقية إذا لم تكن شركًا (٢) لما فيها من المنفعة الخالية عن المفسدة. وقد اعتاصَ هذا الفُرقانُ على أفهام كثيرٍ ممَّن غَلُظ عن معرفة الحقِّ والدِّين حجابُه، وغَلُظ طبعُه، وكثُف عنه فهمُه، فقال: السَّامعُ إذا سمع مثلًا: يا بشَارة، أو: أبشِر، أو: لا تخَف، أو: يا نَجِيح، ونحوه، وسمعَ ضدَّ ذلك، فإمَّا أن يوجب الأمران ما يُشاكِلُهما، وإمَّا أن لا يوجبا شيئًا؛ فأمَّا أن يوجبَ

стр. 1621

أحدُهما دون الآخر فلا وجهَ له (١). وهذا [قولُ] (٢) من عَمِيَ عن الهدى وصَمَّ عن سماعه، وإنما تحصُل الهدايةُ من ألفاظ رسول الله ﷺ وتشرقُ ألفاظُها في صدر من تلقَّاها بالتصديق والقبول، فأذعَن لها بالسمع والطاعة وقابلَها بالرضا والتسليم، وعَلِمَ أنها منبعُ الهدى ومَعِينُ الحقِّ. ونحنُ ــ بحول الله (٣) ــ نوضِّحُ لمن اشتبه ذلك عليه فُرقانَ ما بينهما، وفائدةَ الفأل، ومضرَّةَ الطِّيَرة، فنقول: الفألُ والطِّيَرة وإن كان مأخذُهما سواءً، ومُجتَناهما واحدًا، فإنهما يختلفان بالمقاصد، ويفترقان بالمذاهب؛ فما كان محبوبًا مستحسَنًا تفاءلوا به وسَمَّوه: الفأل، وأحبُّوه ورَضُوه (٤)، وما كان مكروهًا قبيحًا منفِّرًا تشاءموا به وكرهوه وتطيَّروا منه، وسَمَّوه: طِيَرة؛ تفرقةً بين الأمرين، وتفصيلًا بين الوجهين. وسئل بعضُ الحكماء، فقيل له: ما بالكم تكرهون الطِّيَرة، وتحبُّون الفأل؟ فقال: لنا في الفأل عاجلُ البشرى وإن قَصُرَ عن الأمل، ونكرهُ الطِّيَرة لما يلزمُ قلوبَنا من الوَجَل. وهذا الفرقانُ حسنٌ جدًّا، وأحسنُ منه ما قاله ابنُ الروميِّ في ذلك: الفألُ لسانُ الزمان، والطِّيَرةُ عنوانُ الحَدَثان (٥).

стр. 1622

وقد كانت العربُ تَقْلِبُ الأسماء تطيُّرًا وتفاؤلًا، فيسمُّون اللديغَ: سليمًا؛ [تفاءلوا] باسم السَّلامة، وتطيَّروا من اسم السَّقم، ويسمُّون العطشانَ: ناهلًا، أي: سيَنْهَل ــ والنَّهلُ: الشُّرب ــ؛ تفاؤلًا باسم الرِّي، ويسمُّون الفلاةَ: مَفازة، أي: مَنجاة؛ تفاؤلًا بالفوز والنجاة، ولم يسمُّوها مَهْلكةً؛ لأجل الطِّيَرة. وكانت لهم مذاهبُ في تسمية أولادهم: فمنهم من سمَّوه بأسماءٍ تفاؤلًا بالظَّفر على أعدائهم، نحو: غالب، وغَلَاّب، ومالك، وظالم، وعارم، ومُنازِل، ومُقاتِل، ومُعارِك، ومُسْهِر، ومُؤرِّق، ومُصَبِّح، وطارق. ومنهم من تفاءل بالسلامة، كتسميتهم بسالم، وثابت، ونحوه. ومنهم من تفاءل بنيل الحظوظ والسعادة، كسعد، وسعيد، وأسعد، ومسعود، وسُعْدى، وغانم، ونحو ذلك. ومنهم من قصد التسميةَ بأسماء السِّباع ترهيبًا لأعدائهم، نحو: أسد، وليث، وذئب، وضِرْغام وشِبْل، ونحوها. ومنهم من قصد التسمية بما غَلُظَ وخَشُن من الأجسام تفاؤلًا بالقوة، كحَجَر، وصخر، وفِهْر، وجندل. ومنهم من كان يخرجُ من منزله وامرأتُه تَمْخَض، فيسمِّي ما تلده باسم أوَّل ما يلقاه كائنًا ما كان، مِن سَبُعٍ أو ثعلبٍ أو ضبٍّ أو كلبٍ أو ظبيٍ أو جحشٍ (١) أو غيره (٢).

стр. 1623

وكان القومُ على ذلك إلى أن جاء الله بالإسلام ومحمَّد رسوله ﷺ ، ففرَّق بين الهدى والضلال، والغيِّ والرشاد، وبين الحسَن والقبيح، والمحبوب والمكروه، والنافع والضار، والحقِّ والباطل، فكره الطِّيَرةَ وأبطَلها، واستحبَّ الفأل وحَمِدَه، فقال: «لا طِيَرة، وخيرُها الفأل»، قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمةُ الصالحةُ يسمعُها أحدُكم». وقال عبد الله بن عباس: «لا طِيَرة، ولكنَّه فأل، والفألُ المُرْسَل: يسار، وسالم، ونحوه من الاسم، يَعْرِضُ لك على غير ميعاد» (١). وسئل بعضُ العلماء عن الفأل؟ فقال: أن تسمعَ وأنت قد أضللتَ بعيرًا أو شيئًا: يا واجِد، أو وأنت خائف: يا سالم (٢). وقال الأصمعي: سألتُ ابن عونٍ عن الفأل؟ فقال: أن يكون مريضًا فيسمع: يا سالم (٣). وأخبِرك عن نفسي بقضيَّةٍ من ذلك، وهي أني أضللتُ بعض الأولاد يوم التَّروية بمكَّة وكان طفلًا، فجَهِدْتُ في طلبه والنِّداء عليه في سائر الرَّكْب إلى وقت يوم الثامن، فلم أقْدِر له على خبر، فأيستُ منه، فقال لي إنسان: إنَّ هذا عَجْز، اركب وادخُل الآن إلى مكَّة فتطلَّبه فيها، فركبتُ فرسًا، فما هو إلا أن استقبلتُ جماعةً يتحدَّثون في سَواد الليل في الطريق وأحدُهم يقول:

стр. 1624

ضاع له شيءٌ فلقيه، فلا أدري انقضاء كلمته كان أسرع أم وِجْداني الطِّفلَ مع بعض أهل مكة في مَحْمَله، عرفتُه بصوته. فقوله ﷺ : «لا طِيَرة، وخيرُها الفأل» ينفي (١) عن الفأل مذهبَ الطِّيَرة من تأثيرٍ أو فعلٍ أو شرك، ويخلِّصُ الفألَ منها. وفي الفُرقان بينهما فائدةٌ كبيرة، وهي أنَّ التطيُّر هو التشاؤمُ من الشيء المرئيِّ أو المسموع، فإذا استعملها الإنسانُ فرجع بها من سفره، وامتنع بها مما عزَم عليه؛ فقد قَرع بابَ الشرك، بل وَلَجَه وبراء من التوكُّل على الله، وفتحَ على نفسه باب الخوف والتعلُّق بغير الله والتطيُّر مما يراه أو يسمعُه، وذلك قاطعٌ له عن مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، و ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، فيصير قلبُه متعلِّقًا بغير الله عبادةً وتوكُّلًا، فيفسُد عليه قلبُه وإيمانُه وحالُه، ويبقى هدفًا لسهام الطِّيَرة، ويُسَاقُ إليه من كلِّ أوب، ويقيِّض له الشيطانُ من ذلك ما يُفْسِدُ عليه دينَه ودنياه، وكم ممَّن هلك بذلك، وخسر الدنيا والآخرة! فأين هذا من الفأل الصالح السَّارِّ للقلوب، المؤيِّد للآمال (٢)، الفاتح بابَ الرجاء، المسكِّن للخوف، الرابط للجأش، الباعث على الاستعانة بالله والتوكل عليه، والاستبشار المقوِّي لأمله، السَّارِّ لنفسه؟! فهذا ضدُّ الطِّيَرة. فالفألُ يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد، والطِّيَرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك؛ فلهذا استحبَّ ﷺ الفألَ وأبطلَ الطِّيَرة.

стр. 1625

وأمَّا حديثُ الَّلقْحة (١)، ومنعُ النبيِّ ﷺ حربًا ومُرَّة من حَلْبِها، وإذنُه ليعيش في حلبها؛ فليس هذا بحمد الله في شيءٍ من الطِّيَرة؛ لأنه محالٌ أن ينهى عن شيءٍ ويُبطِلَه ثمَّ يتعاطاه هو، وقد أعاذه الله سبحانه من ذلك. قال أبو عمر (٢): «ليس هذا عندي من باب الطِّيَرة؛ لأنه محالٌ أن ينهى عن شيءٍ ويفعلَه، وإنما هو من طلب الفأل الحسن، وقد كان أخبرَهم عن أقبح الأسماء أنه حربٌ ومُرَّة، فأكَّد ذلك، حتى لا يتسمَّى بها أحد». ثمَّ ساقَ من طريق ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر اليَحْصُبي، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ (٣) أنَّ رسول الله ﷺ قال: «خيرُ الأسماء عبد الله وعبدُ الرحمن، وأصدقُها حارثُ وهمَّام؛ حارثٌ يحرثُ لدنياه، وهمَّامٌ يَهُمُّ بالخير» (٤)، وكان يكره

стр. 1626

الاسمَ القبيح؛ لأنه كان يتفاءلُ بالحسن من الأسماء (١). ثمَّ ساق من طريق ابن وهب: حدثني ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، عن يعيش الغفاري، قال: دعا النبيُّ ﷺ يومًا بناقة، فقال: «من يحلبُها؟» فقام رجل، فقال: أنا، فقال: «ما اسمك؟» قال: مُرَّة، قال: «اقعد»، ثمَّ قام آخر، فقال: «ما اسمك؟» قال: «جمرة»، قال: «اقعد»، ثمَّ قام رجل، فقال: «ما اسمك؟» قال: يعيش، قال: «احلبها» (٢). وروى حمَّاد بن سلمة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا توجَّه لحاجةٍ يحبُّ أن يسمع: يا نَجِيح، يا راشد، يا مبارك (٣). وقد روي من حديث بريدة أنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يتطيَّر من شيء، ولكن كان إذا سأل عن اسم الرجل وكان حسنًا رُئي البشاشةُ في وجهه، وإن كان سيئًا رُئي ذلك في وجهه، وإذا سأل عن اسم الأرض وكان حسنًا رُئي ذلك فيه.

стр. 1627

قلت: الحديثُ رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١): حدثنا عبد الصمد: حدثنا هشام، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يتطيَّر من شيء، ولكنه إذا أراد أن يأتي أرضًا سأل عن اسمها، فإن كان حسنًا رُئي ذلك في وجهه، وكان إذا بعَث رجلًا سأل عن اسمه، فإن كان حسنَ الاسم رُئي البِشْرُ في وجهه، وإن كان قبيحًا رُئي ذلك في وجهه. وقال أبو عمر (٢): حدثنا عبد الوارث: حدثنا قاسم: حدثنا أحمد بن زهير: حدثنا حسين بن حريث: حدثنا أوس بن عبد الله بن بريدة، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبيُّ ﷺ لا يتطيَّر، ولكن كان يتفاءل، فركب بريدةُ في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني أسلم، فتلقَّى النبيَّ ﷺ ليلًا، فقال له النبيُّ ﷺ : «من أنت؟» قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر، قال: «يا أبا بكر، بَرَدَ أمرُنا وصَلَح»، ثمَّ قال: «ممَّن؟»، قال: من أسلم. قال لأبي بكر: «سَلِمْنا»، ثمَّ قال: «ممَّن؟»، قال: من بني سَهْم، قال: «خرجَ سهمُك (٣)» (٤).

стр. 1628

قال أحمد بن زهير: قال لنا أبو عمَّار (١): سمعتُ أوسًا يحدِّثُ هذا الحديث بعد ذلك عن أخيه سهل بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن بريدة، فأعدتُ ثلاثًا: من حدَّثك؟ قال: سهلٌ أخي. والذي يكشفُ أمرَ حديث الَّلقْحة ما زاده ابنُ وهب في «جامعه» (٢) في الحديث، فقال بعد أن ذكره: فقام عمرُ بن الخطاب فقال: أتكلَّمُ يا رسول الله أم أصمُت؟ قال: «بل اصمت، وأُخبرك بما أردتَ، ظننتَ يا عمرُ أنها طِيَرة، ولا طيرَ إلا طيرُه، ولا خيرَ إلا خيرُه، ولكن أحبُّ الفألَ الحسن». فزال بذلك تعلُّق المتطيِّرين، ووضح أمرُ الحديث، والحمدُ لله ربِّ العالمين. ويمكنُ أن يكون هذا منه ﷺ على سبيل التأديب لأمَّته، لئلَّا يتسمَّوا بالأسماء القبيحة، وليبادرَ من أسلمَ منهم وله اسمٌ قبيحٌ إلى إبداله بغيره من غير إيجابٍ منه ولا إلزام، ولكن لوجهين من الاستحباب: أحدهما: انتقالُهم عن مذاهب آبائهم ومقاصد سلفهم الفاسدة القبيحة، التي يُحْزِنُ بها بعضُهم بعضًا عند سماعها ومُوافاة أهلها ومخالطتهم ومفاجأتهم، لِمَا يبقى في ذلك من آثار الطِّيَرة الكامنة في الغريزة، فإن سَلِمَ العبدُ منها، وجاهَد نفسَه عليها عند لُقيا صاحبها وسماعه لاسم أخيه، لم يَسْلَمْ من الكَمَد وحُزن القلب.

стр. 1629

وقد يؤدِّي ذلك إلى البغضاء، وإلى ضربٍ من النُّفرة والتفرقة، كالصَّديق يدعوه الصَّديقُ القبيحُ الاسم فقد يتمنَّى خاطرُه أنه لم يصحبه (١) ولا رآه ولا سَمِعَ اسمَه، حتَّى إذا صاحَ به ودعاه ذو الاسم الحسَن ابتهجَ إليه وأقبلَ عليه وسُرَّ بصياحه ودعائه له؛ لراحة قلبه إلى حُسْن اسمه. فقد يدنو (٢) البعيدُ من قلبه ويبعُد الصديقُ من نفسه من أجل اسمه، فكيف به إذا رآه في نومه (٣)، وعُبِّر له تعبيرُ السُّوء من اشتقاق اسمه، كيف يعودُ متمنِّيًا لفقده في رُقاده، متكرِّهًا للقائه، متطيِّرًا لرؤيته؟! وهذا ضدُّ التوادُد والتراحُم والتآلف الذي قصَد الشارعُ ربطَه بين المؤمنين. فكره ﷺ لأمَّته مُقامها على حالةٍ يؤذي بها بعضهم بعضًا لغير عذرٍ ولا فائدةٍ تعودُ عليهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويؤدِّي هذا إلى التقاطُع والتنافر، مع أنه ﷺ قد نَدَبهم واستحبَّ لهم إدخالَ أحدهم السُّرور على أخيه المسلم ما استطاع، ودفعَ الأذى والمكروه عنه، فقال: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلمُ أخو المسلم» (٤). وقد أمرهم يوم الجمعة بالغسل والطِّيب عند اجتماعهم (٥)؛ لئلَّا يؤذي

стр. 1630

بعضُهم بعضًا برائحته التي إنما يتجشَّمها (١) ساعةً للاجتماع (٢) ثم يفترقا (٣)، ومنعَ آكلَ الثُّوم والبصل من دخول المسجد لأجل تأذِّي النَّاس والملائكة به (٤)، ومنع الاثنين أن يتناجيا دون صاحبهما خشية تأذِّيه وحزنه (٥)، ومنع أحدَهم أن يأخذ (٦) متاعَ أخيه لاعبًا لأنَّ ذلك يؤذيه (٧). ومعلومٌ أنَّ ضررَ الاسم القبيح على كثيرٍ منهم أشدُّ عليه عند همِّه وخروجه من منزله ورؤية صاحبه في منامه ودعائه له من رائحة الثُّوم والبصل. وهذا من كمال رأفته ورحمته ﷺ بالمؤمنين وعِزَّة ما عَنِتُوا عليه. ولهذا ــ والله أعلم ــ: ١ ــ غيَّر كثيرًا من الأسماء القبيحة بأحسن منها.

стр. 1631

٢ ــ وغيَّر أسماءً حسنةً إلى غيرها؛ خشية الطِّيَرة والتأذِّي عند نفيها أو الخروج من عند المسمَّى. ٣ ــ أو لتضمُّنها تزكيةَ النفس ونحوها (١). فالأول: كتغييره اسمَ الحُباب بن المنذر بعبد الرحمن، وقال: «الحُباب اسمُ الشيطان» (٢)، وغيَّر أبا مُرَّة إلى أبي حلوة (٣)، وغيَّر أبا العاص إلى مطيع (٤)، وغيَّر عاصية بجميلة (٥)، وغيَّر اسم بني الشيطان إلى بني عبد الله (٦)،

стр. 1632

وغيَّر اسم أصرَم إلى اسم زُرعة (١)، وغيَّر اسم حَزْن ــ جدِّ سعيد بن المسيب ــ إلى سهل (٢)، فأبى قبولَ ذلك، فلزمه مسمَّى اسمه من الحُزونة له ولذريته. وقال أبو داود (٣): وغيَّر النبيُّ ﷺ اسم العاص (٤)، وعزيز (٥)، وعَتلة (٦)، وشيطان (٧)، والحكم (٨)، وغُراب (٩)، وحُباب (١٠)، وشهاب فسمَّاه: هشامًا (١١)،

стр. 1633

وسمَّى حربًا: سَلْمًا (١)، وسمَّى المضطجعَ: المنبعِث (٢)، وأرضًا اسمُها عَفِرة سمَّاها: خَضِرة (٣)، وشِعْبَ الضلالة سمَّاه: شِعْبَ الهدى (٤)، وبنو الزِّنْية سمَّاهم: بني الرِّشْدة (٥)، وسمَّى بني مُغْوِية: بني رِشْدة (٦).

стр. 1634

قال أبو داود: تركتُ أسانيدها للاختصار. وقال مسروق: لقيتُ عمر، فقال: من أنت؟ فقلت: مسروقُ بن الأجدع، فقال عمر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «الأجدعُ شيطان» (١). وأما الثاني: ففي «صحيح مسلم» (٢) عن سمرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لا تسمِّينَّ غلامَك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلَح؛ فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فيقال: لا»، وغيَّر اسمَ بَرَّة بزينب (٣)، وكره أن يقال: خرَج من عند بَرَّة (٤). وأما الثالث: فكتغييره أبا الحكم بأبي شُريح (٥)، وتغييره أيضًا برَّة بزينب، وقال: «لا تزكُّوا أنفسَكم»، فروى مسلمٌ في «صحيحه» (٦) عن محمد بن عمرو بن عطاء أنَّ زينب بنت أبي سلمة سألته: ما سمَّيتَ ابنتك؟ قال: سمَّيتُها برَّة، فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسُمِّيَت برَّة، فقال النبيُّ ﷺ : «لا تزكُّوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البرِّ منكم»، فقالوا: ما نسمِّيها؟ قال: «سمُّوها زينب».

стр. 1635

ومن هذا ما في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : «إنَّ أخنعَ اسمٍ عند الله يوم القيامة رجلٌ تسمَّى: ملك الأملاك. لا مالك إلا الله»، وقال سفيان بن عيينة: مثل: شاهان شاه. وذكر ابن وهب (٢) أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتِيَ بغلام، فقال: «ما سمَّيتم هذا؟» قالوا: السَّائب، فقال: «لا تسمُّوه السَّائب، ولكن سمُّوه عبد الله»، قال: فغُلِبوا على اسمه، فلم يمُت حتى ذهب عقلُه. فإن قيل: فقد كان لرسول الله ﷺ غلامٌ اسمُه: رَباح (٣)، وكان لأبي أيوب غلامٌ اسمه: أفلح (٤)، ولعبد الله بن عمر غلامٌ اسمه: رباح (٥). قيل: هذا النهيُ من النبيِّ ﷺ لم يكن على وجه العزيمة والحَتْم، ولكن كان على جهة الكراهة. والدليلُ عليه: ما روى البخاريُّ في «صحيحه» (٦) عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن جدِّه حَزْن: أنه أتى النبيَّ ﷺ ، فقال له: «ما اسمك؟» قال: حَزْن، فقال: «أنت سَهْل»، قال: لا أغيِّر اسمًا سمَّانيه أبي. فلم ينكر عليه

стр. 1636

النبيُّ ﷺ ، ولا أخبره أنَّ ذلك معصية، بل سكت عنه. وكذلك لما غيَّر اسمَ السَّائب، فأبوا تغييرَه لم ينكِر عليهم. وأيضًا، فروى مسلمٌ في «صحيحه» (١) من حديث أبي الزبير، عن جابر، قال: أراد النبيُّ ﷺ أن ينهى أن يسمَّى بيعلى (٢)، وبركة، وأفلح، ويسار، ونافع، ونحو ذلك، ثمَّ رأيتُه سكت بعدُ عنها فلم يقل شيئًا، ثمَّ قُبِض ولم يَنْهَ عن ذلك، ثمَّ أراد عمرُ ﵁ أن ينهى عن ذلك ثمَّ تركه. ورأيتُ لبعضهم فرقًا بين الفأل والطِّيَرة كلامًا أذكرُه بلفظه (٣). قال: أمَّا ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتفاءل ولا يتطيَّر، فهما وإن كان معناهما واحدًا في الاستدلال، فبينهما افتراق؛ لأنَّ الفألَ إبانة، والتطيُّر استدلال، والإبانةُ أكثر وأشهر وأوضح وأفصح؛ لأنَّ من كان في قلبه وضميره أمرٌ (٤) فسمع قائلًا يقول: أقبلَ الخير، أو امضِ بسلام، أو أبشِر، أو نحو ذلك، فقد اكتفى بما سمع عن الاستدلال، والذي يرى طائرًا يَسْنَحُ أو يَبْرَح فليس معه إلا الاستدلالُ على اليُمْنِ بالسانح، والشُّؤم بالبارح، وهذا أمرٌ قد يكونُ وقد لا يكون، وذلك الفألُ في الأعمِّ يكون.

стр. 1637

وقال آخرون: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يتطيَّر، أي: لم يكن يُسْنِدُ الأمورَ الكائنة من الخير والشرِّ إلى الطَّير كما يفعلُ الكهَنة. وقال آخرون: إنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا جلس مع أصحابه فتكلَّمَ أحدُهم بخيرٍ، أو سمع من متكلِّم خيرًا (١)، حضَّهم عليه وعرَّفهم به. ومعلومٌ أنه لا بدَّ لطائرٍ أن يَمُرَّ سانحًا أو بارحًا أو قَعِيدًا أو ناطحًا، فلا يُوقِفُهم عليه ولا يعرِّفهم به، إذ ذلك مِنْ فعل الكهَّان. فكان الحديثُ المرويُّ عنه ﷺ أنه كان يتفاءلُ ولا يتطيَّر من هذا المعنى. وقد أغنى اللهُ رسولَه ﷺ بإخباره إيَّاه، وبإرسال جبريل إليه بما يُحْدِثُه سبحانه، عن الاستدلال على إحداثه بالأشياء التي ينظرُ (٢) فيها غيرُه؛ تفرقةً منه سبحانه بين النبوَّة وغيرها. فإن قيل: فهذا الذي نزَل بهذين الرجلين، وهما: السَّائبُ وحَزْن، هل كان من أجل اسميهما أم من غير جهة الاسم؟ قيل: قد يظنُّ من لا يُنْعِم النظر (٣) أنَّ الذي نزَل بهما هو من جهة اسميهما، ويُصَحِّحُ بذلك أمرَ الطِّيَرة وتأثيرَها. ولو كان ذلك كما ظنُّوه لوجبَ أن ينزلَ بجميع من تسمَّى باسميهما من أول الدَّهر، ولكان اقتضاءُ الاسم لذلك كاقتضاء النار للإحراق والماء للتبريد ونحوه.

стр. 1638

ولكن يُحْمَلُ ذلك ــ والله أعلم ــ على أنَّ الأمرين الجاريَيْن عليهما قد تقدَّما في أمِّ الكتاب، كما تقدَّم لهما ــ أيضًا ــ أن يتسمَّيا باسميهما إلى أن يختارَ لهما رسولُ الله ﷺ غيرَهما، فيرغَبون عن اختياره، ويتخلَّفون عن استحبابه، فيُعاقَبان بما قد سبَق لهما عقوبةً تُطابِقُ اسميهما؛ ليكون ذلك زاجرًا لمن سواهما. وقد يكونُ خوفُه ﷺ على أهل الأسماء المكروهة (١) أيضًا مِنْ مثل هذه الحوادث؛ إذ قد ينزلُ بالإنسان بلاءٌ مُشْبِهٌ بما في اسمه، فيظنُّ هو أو جميعُ من بلغه أنَّ ذلك كان من أجل اسمه عادَ عليه بشؤمه، فيعصي اللهَ . وقد كره قومٌ من الصحابة والتابعين أن يسمُّوا عبيدَهم: عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الملك، ونحو ذلك؛ مخافةَ أن يُعْتِقَهم ذلك. قال سعيدُ بن جبير: كنتُ عند ابن عباسٍ سنةً لا أكلِّمه (٢) ولا يَعْرِفُني، حتى أتاه يومًا كتابٌ من امرأةٍ من أهل العراق، فدعا غلمانَه، فجعَل يَكْنِي عن عبيد الله وعبد الله وأشباههم، ويدعو: يا مِخْراق، يا وثَّاب (٣). وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يسمِّي الرجلُ غلامَه: عبد الله؛ مخافةَ أنَّ ذلك يُعْتِقُه (٤). وروى مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم: أنه كره أن يسمِّي مملوكَه

стр. 1639

عبد الله، وعبيد الله، وعبد الملك، وعبد الرحمن، وأشباهَه؛ مخافةَ العتق (١). قال بعض أهل العلم (٢): كراهتُهم لذلك نظيرُ ما كرهه رسولُ الله ﷺ من تسمية المماليك برباح ونافع وأفلح؛ لأنَّ ذلك كان منه ﷺ حذرًا من أن يقال: أهاهنا نافع؟ فيقال: لا، أو: أثَمَّ أفلح؟ فيقال لا، أو بركة، أو يسار، أو رباح، فيقال: لا. ومعلومٌ أنَّ السائلَ عن إنسانٍ اسمُه: أفلح أو نافع أو رباح، هل هو في مكان كذا؟ إنما مسألتُه تلك عن مسمَّى (٣) شخصٍ من أشخاص بني آدم سُمِّي باسمٍ جُعِلَ عليه دليلًا يُعْرَفُ به إذا ذُكِر، إذ كانت الأسماءُ العَوَاريُّ المفرِّقةُ بين الأشخاص المتشابهة إنما هي أدلَّةٌ على المسمَّين (٤) بها، لا مسألةٌ عن شخصٍ صفتُه النفعُ والفلاحُ والبركة. وذلك مِن كراهته ﷺ نظيرُ كراهته تسميةَ تلك المرأة برَّة، فحَوَّل اسمَها: جويرية، وتحويله اسمَ أرضٍ كان اسمها: عَفِرة، فردَّها: خَضِرة، ونحو ذلك كثير. ومعلومٌ أنَّ تحويلَه ما حوَّل من هذه الأسماء عمَّا كان عليه لم يكن لأنَّ التسميةَ بما كان المسمَّى به منهم مسمًّى قبل تحويله ذلك كان حرامَ التسمية، ولكن كان ذلك منه على وجه الاستحباب واختيار الأحسن على الذي هو دونه في الحُسْن، إذ كان لا شيء في القبيح من الأسماء إلا وفي الجميل

стр. 1640

الحسن منها مثلُه من الدَّلالة على المسمَّى به، مع تَخَيُّر الأحسن (١) بفضل الحُسْن والجمال، من غير مُؤنةٍ تلزمُ صاحبَه بسبب التسمِّي [به]. وكذلك كراهةُ من كره تسميةَ مملوكه: عبد الله وعبد الرحمن، إنما كانت كراهتُه ذلك حذرًا أن يُوجِبَ ذلك له العتق (٢)، ولا شكَّ أنَّ جميع بني آدم عبيدُ الله، أحرارُهم وعبيدُهم، وصَفَهم بذلك واصفٌ أو لم يصفهم، ولكنَّ الذين كرهوا التسميةَ بذلك صَرَفوا هذه الأسماءَ عن رقيقهم لئلَّا يقعَ اللَّبسُ على السامع بذلك (٣) من أسمائهم، فيظنُّ أنهم أحرار؛ إذ كان استعمالُ أكثر الناس التسميةَ بهذه الأسماء في الأحرار، فتجنَّبوا ذلك إلى ما يزيلُ اللَّبسَ عنهم من أسماء المماليك (٤)، والله أعلم. فصل وأمَّا الأثر الذي ذكره مالكٌ عن يحيى بن سعيد أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لرجل: ما اسمُك؟ قال: جمرة ... ، إلى آخر الحديث (٥). فالجوابُ عنه: أنه ليس ــ بحمد الله ــ فيه شيءٌ من الطِّيَرة، وحاشا أميرَ المؤمنين ﵁ من ذلك، وكيف يتطيَّر ﵁ وهو يعلمُ أنَّ الطِّيَرة شركٌ من الجِبْت، وهو القائلُ في حديث اللَّقْحة ما تقدَّم؟!

стр. 1641

ولكن وجه ذلك ــ والله أعلم ــ أنَّ هذا القولَ كان منه مبالغةً في الإنكار عليه؛ لاجتماع أسماء النار والحَرِيق في اسمه واسم أبيه وجدِّه وقبيلته وداره ومسكنه، فوافَق قولُه: «اذهَب فقد احترقَ منزلُك» قَدَرًا لعلَّ قوله كان السَّبب. وكثيرًا ما يجري مثلُ هذا لمن هو دون عُمَر بكثير، فكيف بالمُحَدَّث المُلْهَم الذي ما قال لشيءٍ: «إني لأظنُّه كذا» إلا كان كما قال، وكان يقول الشيءَ ويشيرُ به فينزلُ القرآنُ بموافقته، فإذا نزل الأمرُ الدينيُّ بموافقة قوله فكذلك وقوعُ الأمر الكونيِّ القدريِّ موافقًا لقوله. ففي «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمَّتي أحدٌ منهم فعمر بن الخطاب». قال ابنُ وهب: تفسير «مُحَدَّثون»: مُلْهَمُون (٢). وفي «صحيح البخاري» (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يُكَلَّمون (٤) من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمَّتي منهم أحدٌ فعمر». وفي «الصحيحين» (٥) عن عمر ﵁ قال: «وافقتُ ربِّي في

стр. 1642

ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر». وفي «صحيح البخاري» (١) عن أنس قال: قال عمر: وافقني اللهُ في ثلاث، أو: وافقني ربِّي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتَّخذتَ مقامَ إبراهيم مصلَّى، وقلت: يا رسول الله يدخلُ عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرتَ أمَّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آيةَ الحجاب، وبلغني معاتبةُ النبي ﷺ بعضَ نسائه، فدخلتُ عليهنَّ، فقلت: إن انتهيتنَّ أو ليبدلنَّ اللهُ رسولَه خيرًا منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه، فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يَعِظُ نساءَه حتى تَعِظَهُنَّ أنت؟! فأنزل الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥]. وفي «الصحيحين» (٢) أنه لما قام ﷺ ليصلي على عبد الله بن أبيِّ ابن سلول رأس المنافقين قام عمر فأخذ ثوبَه، وقال: يا رسول الله أتصلِّي عليه وقد نهاك اللهُ أن تصلِّي عليه؟! فقال رسولُ الله ﷺ : «إنما خيَّرني الله، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وسأزيدُ على السبعين»، فصلى عليه رسولُ الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، فترَك الصلاةَ عليهم. فإذا كانت هذه موافقةُ عمر لربِّه في شرعه ودينه، ينطقُ بالشيء فيكون

стр. 1643

هو المأمورَ المشروع (١)، فكذلك لا يبعدُ موافقتُه له تعالى (٢) في قضائه وقدره، ينطقُ بالشيء فيكون هو المقضيَّ المقدور، فهذا لونٌ والطِّيَرةُ لون. وكذلك جرى له نظيرُ هذه القصة مع رجلٍ آخر (٣) سأله عن اسمه؟ فقال: ظالم، فقال: ابن من؟ قال: ابن سَرَّاق (٤)، قال: تظلمُ أنت ويسرقُ أبوك! وذكر المدائنيُّ عن أبي صُفرة ــ وهو أبو المهلَّب ــ أنه ابتاع سلعةً بتأخيرٍ من رجلٍ من بني سعد، فأراد أن يُشْهِدَ عليه، فقال له: ما اسمك؟ قال: ظالم، قال: ابن من؟ قال: ابن سَرَّاق، قال: لا والله لا يكونُ لي عليك شيءٌ أبدًا. فصل وأمَّا محبةُ النبيِّ ﷺ التيمُّنَ في تنعُّله وترجُّله وطُهوره وشأنه كلِّه، فليس هذا من باب الفأل ولا التطيُّر بالشمال في شيء (٥)، ولكنْ تفضيلُ (٦) اليمين على الشمال، فكان يعجبُه أن يباشرَ الأفعالَ التي هي من باب الكرامة

стр. 1644

باليمين، كالأكل والشرب والأخذ والعطاء (١)، وضدَّها بالشمال، كالاستنجاء وإمساك الذَّكَر وإزالة النجاسة، فإن كان الفعلُ مشتركًا بين العُضوَين بدأ باليمين في أفعال التكريم وأماكنه، كالوضوء ودخول المسجد، وباليسار في ضدِّ ذلك، كدخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوه. والله تعالى فضَّل بعضَ مخلوقاته على بعض، وفضَّل بعضَ جوارح الإنسان وأعضائه على بعض، ففضَّلَ العينَ على الكعب، والوجهَ على الرِّجل، وكذلك فضَّل اليد اليمنى على اليسرى (٢). وخلقَ خلقَه صنفَين: سعداءَ وجعَلهم أصحابَ اليمين، وأشقياءَ وجعَلهم أصحابَ الشمال. وقال النبيُّ ﷺ : «المُقْسِطون عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يَعْدِلُون في حكمهم وأهلِيهم وما وَلُوا» (٣). وفي «الصحيح» (٤) عنه ﷺ : أنه لما أُسْرِيَ به رأى آدمَ في سماء الدنيا وإذا عن يمينه أَسْوِدَة، وعن يساره أَسْوِدَة، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضَحِك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى، فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا آدم، وهذه الأَسْوِدَةُ عن يمينه ويساره نَسَمُ بنيه، فأهلُ اليمين أهلُ السعادة من ذريته، وأهلُ اليسار أهلُ الشقاوة.

стр. 1645

وفي «المسند» (١) عن عائشة، قالت: «كانت يدُ رسول الله ﷺ اليمين لطُهوره وطعامه (٢)، وكانت يدُه اليسرى لخلائه وما كان من أذى». وفي «المسند» أيضًا و «سنن أبي داود» عن حفصة بنت عمر زوج النبيِّ ﷺ : «كان يجعلُ يمينَه لطعامه وشرابه، ويجعلُ شمالَه لما سوى ذلك» (٣). وقال الإمام أحمد (٤): «كانت يمينُه لطعامه وطهوره وصلاته وثيابه (٥)، وكانت شمالُه لما سوى ذلك».

стр. 1646

فصل وأمَّا قولُه ﷺ : «الشُّؤم في ثلاث» الحديث؛ فهو حديثٌ صحيحٌ من رواية ابن عمر، وسهل بن سعد، ومعاوية بن حكيم ﵃ (١). وقد رُوِيَ أنَّ أم سلمة كانت تزيد: «السَّيف»، يعني في حديث الزهري عن حمزة وسالم عن أبيهما في الشُّؤم (٢). وقد اختلفَ الناسُ في هذا الحديث، وكانت عائشةُ أم المؤمنين ﵂ تُنكِرُ أن يكون كلام النبيِّ ﷺ ، وتقول: إنما حكاه رسولُ الله ﷺ عن أهل الجاهلية وأقوالهم. فذكر أبو عمر بن عبد البر (٣) من حديث هشام بن عمَّار: حدثنا

стр. 1647

الوليد بن مسلم، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي حسَّان: أنَّ رجلين دخلا على عائشة وقالا: إنَّ أبا هريرة يحدِّثُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنما الطِّيَرة في المرأة والدار والدَّابة»، فطارت شِقَّةٌ (١) منها في السماء، وشِقَّةٌ في الأرض، ثمَّ قالت: كذَب ــ والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم ــ من حدَّث عنه بهذا، ولكنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: «كان أهلُ الجاهلية يقولون: إنَّ الطِّيَرة في المرأة والدَّابة»، ثمَّ قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. قال أبو عمر: وكانت عائشةُ تنفي الطِّيَرة، ولا تعتقدُ شيئًا منها، حتى قالت لنسوةٍ كنَّ يكرهن البناءَ بأزواجهنَّ في شوَّال: ما تزوَّجني رسولُ الله ﷺ إلا في شوَّال، وما دخل بي إلا في شوَّال، فمن كان أحظى منِّي عنده؟! وكانت تستحبُّ أن يدخلنَ على أزواجهنَّ في شوَّال (٢). قال أبو عمر: وقولها في أبي هريرة: «كَذَبَ» فإنَّ العرب تقول: كذبتَ، بمعنى غلطتَ فيما قدَّرتَ، وأوهَمْتَ فيما قلتَ، ولم تظُنَّ حقًّا (٣)، ونحو هذا، وذلك معروفٌ من كلامهم (٤)، موجودٌ في أشعارهم كثيرًا، قال

стр. 1648

أبو طالب (١): كذبتم وبيتِ الله نَتْرُكُ مكَّةً ... ونَظْعَنُ، إلا أمرُكم في بَلابلِ كذبتم وبيتِ الله نُبْزَى محمدًا (٢) ... ولمَّا نُطاعِنْ دونه ونُناضِلِ ونُسْلِمُه حتَّى نُصَرَّع حولَه ... ونُذْهَلَ عن أبنائنا والحلائل وقال شاعرٌ من هَمْدان (٣): كذبتم ــ وبيتِ الله ــ لا تأخذُونها ... مُراغَمةً ما دام للسَّيفِ قائمُ وقال زُفَرُ بن الحارث العبسي (٤): أفي الحقِّ أمَّا بَحْدَلٌ وابنُ بَحْدَلٍ ... فيحيا وأمَّا ابنُ الزُّبير فيُقْتَلُ كذبتم ــ وبيتِ الله ــ لا تقتلونه ... ولمَّا يكن أمرٌ أغرُّ محجَّلُ قال: ألا ترى أنَّ هذا ليس من باب الكذب الذي هو ضدُّ الصِّدق، وإنما هو من باب الغلط وظنِّ ما ليس بصحيح، وذلك أنَّ قريشًا زعموا أنهم يُخْرِجون بني هاشم من مكة إن لم يتركوا جِوارَ محمَّدٍ ﷺ ، فقال لهم

стр. 1649

أبو طالب: «كذبتم» أي: غلطتم فيما قلتم وظننتم. وكذلك معنى قول الهَمْدانيِّ والعبسي. وهذا مشهورٌ من كلام العرب. قلت: ومن هذا قولُ سعيد بن جبير: «كذبَ جابرُ بن زيد» يعني في قوله: «الطلاقُ بيد السيِّد» (١)، أي: أخطأ. ومن هذا قولُ عبادة بن الصامت: «كذبَ أبو محمَّد» لمَّا قال: «الوترُ واجب» (٢) أي: أخطأ. وفي «الصحيح» (٣) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كذَبَ أبو السَّنابل»، لمَّا أفتى أنَّ الحاملَ المتوفَّى عنها زوجُها لا تتزوَّج حتى تتمَّ لها أربعة أشهر وعشرًا، ولو وضعَت. وهذا كثير. والمقصود: أنَّ عائشة ﵂ ردَّت هذا الحديث، وأنكرَته، وخطَّأت قائلَه (٤).

стр. 1650

ولكنَّ قولَ عائشة هذا مرجوح (١)، ولها ﵂ اجتهادٌ في ردِّ بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرُها من الصحابة (٢). وهي ﵂ لما ظنَّت أنَّ هذا الحديث يقتضي إثباتَ الطِّيَرة التي هي من الشرك لم يَسَعْها غيرُ تكذيبه وردِّه، ولكنَّ الذين رووه ممَّن لا يمكنُ ردُّ روايتهم، ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده، ولو انفرد به فهو حافظُ الأمَّة على الإطلاق، وكلُّ ما رواه عن النبيِّ ﷺ فهو صحيح، بل قد رواه عن النبيِّ ﷺ عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسهل بن سعد الساعدي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، ﵃، وأحاديثهم في «الصحيح» (٣). فالواجبُ بيانُ معنى الحديث، ومباينته للطِّيَرة الشِّركيَّة. فنقولُ وبالله التوفيق: هذا الحديثُ قد رُوِي على وجهين: أحدهما: بالجزم. والثاني: بالشرط. فأمَّا الأول؛ فرواه مالك، عن ابن شهاب، عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الشُّؤم في الدار والمرأة والفرس»، متفقٌ عليه.
следующие страницы →