← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

* وقولُه: «الناس ثلاثة: فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّمٌ على سبيل النجاة، وهَمَجٌ رعاع»؛ هذا تقسيمٌ حاصرٌ للناس (١)، وهو الواقع؛ فإنَّ العبدَ إمَّا أن يكون قد حَصَّل كمالَه من العلم والعمل أوْ لا؛ فالأول: العالمُ الرَّبَّاني، والثاني: إمَّا أن تكون نفسُه متحرِّكةً في طلب ذلك الكمال ساعيةً في إدراكه أوْ لا، والثاني: هو المتعلِّمُ على سبيل النجاة، والثالث: هو الهَمَجُ الرعاع. فالأول: هو الواصل، والثاني: هو الطالب، والثالث: هو المحروم. والعالمُ الرَّبَّاني، قال ابن عباس ﵄: «هو المعلِّم» (٢)، أخذَه من التربية؛ أي: يَرُبُّ الناسَ بالعلم (٣)، ويربِّيهم به كما يربِّي الطِّفلَ أبوه. وقال سعيد بن جبير: «هو الفقيه العليم الحكيم» (٤). قال سيبويه: «زادوا ألفًا ونونًا في الرَّبَّاني إذا أرادوا تخصيصًا بعلم الربِّ ﵎، كما قالوا: شَعْراني ولِحْياني» (٥). معنى قول سيبويه ــ ﵀ ــ: أنَّ هذا العالِمَ لمَّا نُسِبَ إلى علم الربِّ تعالى الذي بعثَ به رسولَه، وتَخصَّصَ به، نُسِبَ إليه دون سائر من عَلِمَ علمًا ما.

стр. 457

قال الواحدي (١): «فالرَّبَّاني ــ على قوله ــ منسوبٌ إلى الربِّ، على معنى التخصيص بعلم الربِّ، أي: بعلم الشريعة وصفات الربِّ ﵎. قال المبرِّد: الرَّبَّاني الذي يَرُبُّ العلمَ ويَرُبُّ الناسَ به، أي: يعلِّمهم ويُصْلِحُهم. وعلى قوله، فالرَّبَّاني مِنْ: رَبَّ يَرُبُّ رَبًّا، أي: تربيةً، فهو منسوبٌ إلى التربية»، يربِّي علمَه ليكمُلَ ويَتِمَّ بقيامه عليه وتعاهُده إياه، كما يربِّي صاحبُ المال مالَه، ويربِّي الناسَ به كما يربِّي الأطفالَ أولياؤهم. وليس من هذا قولُه (٢): ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، فالرِّبِّيُّون هنا: الجماعات، بإجماع المفسِّرين (٣)، قيل: إنه من الرِّبَّة ــ بكسر الراء ــ، وهي الجماعة. قال الجوهري: «الرِّبِّيُّ واحدُ الرِّبِّيِّين؛ وهم الألوفُ من الناس، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ (٤). ولا يوصفُ العالِمُ بكونه ربَّانيًّا حتى يكون عاملًا بعلمه معلِّمًا له. فهذا قِسْم.

стр. 458

والقسمُ الثاني: متعلِّمٌ على سبيل نجاة؛ أي: قاصدًا بعلمه النجاة، وهو المخلصُ في تعلُّمه، المتعلِّمُ ما ينفعُه، العاملُ بما عَلِمَه، فلا يكون المتعلِّمُ على سبيل نجاةٍ إلا بهذه الأمور الثلاثة؛ فإنه إن تعلَّمَ ما يضرُّه ولا ينفعُه لم يكن على سبيل نجاة، وإن تعلَّم ما ينتفعُ به لا للنجاة فكذلك، وإن تعلَّمه ولم يعمل به لم يحصُل له النجاة، ولهذا وصَفَه بكونه على السبيل، أي: على الطريق التي تنجيه. وليس حرفُ «على» وما عَمِلَ فيه متعلِّقًا بـ «متعلِّم» إلا على وجه التضمين، أي: مفتِّش متطلِّع على سبيل نجاته ليسلكه؛ فتعلُّمه تفتيشٌ على سبيل نجاته. فهذا في الدرجة الثانية، وليس ممَّن تعلَّمه ليماري به السُّفهاء، أو يجاري به العلماء، أو يصرفَ وجوهَ الناس إليه، فإنَّ هذا من أهل النار، كما جاء في الحديث (١)، وثبَّته أبو نعيم وأبو عمرو بن الصلاح وغيرهما. قال ابنُ الصلاح: وثبَّت أبو نعيم ــ أيضًا ــ قولَه ﷺ : «من تعلَّمَ علمًا مما يبتغى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يَجِدْ رائحةَ الجنة» (٢).

стр. 459

قال: وثبَّت ــ أيضًا ــ قولَه ﷺ : «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه اللهُ بعلمه» (١). فهؤلاء ليس فيهم من هو على سبيل نجاة، بل على سبيل الهَلَكة، نعوذُ بالله من الخذلان. القسمُ الثالث: المحرومُ المُعْرِض؛ فلا عالمٌ ولا متعلِّم، بل همجٌ رَعاع. والهَمَجُ من الناس: حَمْقاهُم وجَهَلَتهم، وأصله من الهَمَج، جمع هَمَجَة، وهو ذبابٌ صغيرٌ كالبعوض يسقطُ على وجوه الغنم والدوابِّ وأعينها؛ فشبَّه هَمَجَ الناس به. والهَمَجُ أيضًا مصدر؛ قال الراجز (٢):

стр. 460

قد هَلَكَت جارتُنا من الهَمَجْ ... وإنْ تَجُعْ تَأكُلْ عَتُودًا أو بَذَجْ والهَمَجُ هنا مصدر، ومعناه: سوء التدبير في أمر المعيشة. وقولهم: «هَمَجٌ هامِج» مثل: «ليلٌ لايِل» (١). والرَّعاعُ من الناس: الحمقى الذين لا يُعْتَدُّ بهم. * وقولُه: «أتباع كلِّ ناعق»؛ أي: مَنْ صاحَ بهم ودعاهم تبعوه، سواءٌ دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يُدْعَونَ إليه أحقٌّ هو أم باطل، فهم مستجيبون لدعوته. وهؤلاء مِنْ أضرِّ الخلق (٢) على الأديان؛ فإنهم الأكثرون عَدَدًا، الأقلُّون عند الله قَدْرًا، وهم حطبُ كلِّ فتنة، بهم تُوقَدُ ويُشَبُّ ضِرَامُها؛ فإنها يعتزلُها أولو الدين، ويتولَّاها الهَمَجُ الرَّعاع. وسُمِّي داعيهم: ناعقًا؛ تشبيهًا لهم بالأنعام التي يَنْعِقُ بها الراعي فتذهبُ معه أين ذهب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. وهذا الذي وصفهم به أميرُ المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم، فليس لهم نورٌ ولا بصيرةٌ يفرِّقون بها بين الحقِّ الباطل، بل الكلُّ عندهم سواء. * وقولُه: «يميلون مع كلِّ ريح»، وفي لفظ: «مع كلِّ صائح»؛ شبَّه

стр. 461

عقولَهم الضعيفة بالغُصْن الضعيف، وشبَّه الأهويةَ والآراء بالرياح، والغصنُ يميلُ مع الريح حيث مالت، وعقولُ هؤلاء تميلُ مع كلِّ هوًى وكلِّ داع، ولو كانت عقولًا كاملةً كانت كالشجرة الكبيرة التي لا تتلاعبُ بها الرياح. وهذا بخلاف المثل الذي ضربه النبيُّ ﷺ للمؤمنين بالخَامَة من الزَّرع تُفِيئه الريحُ مرةً وتقيمُه أخرى، والمنافقُ كشجرة الأَرْزِ التي لا تُقْطَعُ حتى تَسْتَحْصِد (١)؛ فإنَّ هذا المثلَ ضُرِبَ للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والأوجاع والأوجال وغيرها، فلا يزالُ بين عافيةٍ وبلاء، ومحنةٍ ومِنْحَة، وصحةٍ وسقم، وأمنٍ وخوف، وغير ذلك، فيقعُ مرةً ويقومُ أخرى، ويميلُ تارةً ويعتدلُ أخرى، فيُكفَّى بالبلاء ويُمَحَّصُ به ويُخَلَّصُ من كَدَرِه، والكافرُ كلُّه خبثٌ ولا يصلحُ إلا للوقود، فليس في إصابته في الدنيا بأنواع البلاء من الحكمة والرحمة ما في إصابة المؤمن. فهذه حالُ المؤمن في البلاء (٢)، وأمَّا مع الأهواء ودعاة الفتن والضلال والبدع فكما قيل: تزولُ الجبالُ الراسياتُ وقلبُه ... على العهدِ لا يلوِي ولا يتَغَيَّرُ (٣) * وقولُه: «لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق»؛ بيَّن السببَ الذي جعلهم بتلك المثابة؛ وهو أنه لم يحصُل لهم من العلم نورٌ

стр. 462

يفرِّقون به بين الحقِّ والباطل؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فإذا عَدِمَ القلبُ هذا النورَ صار بمنزلة الحيران الذي لا يدري أين يذهب، فهو لحيرته وجهله بطريق مقصوده يَؤُمُّ كلَّ صوتٍ يسمعُه. = ولم يَسْكُنْ قلوبَهم (١) من العلم ما تمتنعُ به من دعاة الباطل؛ فإنَّ الحقَّ متى استقرَّ في القلبِ قَوِيَ به وامتنعَ مما يضرُّه ويُهْلِكه، ولهذا سمَّى اللهُ الحجةَ العلميَّة: سلطانًا، وقد تقدَّم ذلك. فالعبدُ يُؤتى من ظُلمة بصيرته ومن ضَعْف قلبه، فإذا استقرَّ فيه العلمُ النافعُ استنارت بصيرتُه وقَوِيَ قلبُه. وهذان الأصلان هما قُطبا السعادة، أعني: العلمَ، والقوَّة. وقد وصفَ بهما سبحانه المعلِّمَ الأولَ جبريلَ صلواتُ الله وسلامُه عليه، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٤ - ٥]، وقال في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾، فوصفَه

стр. 463

بالعلم والقوَّة. وفيه معنًى أحسنُ من هذا؛ وهو الأشبهُ بمراد عليٍّ ﵁؛ وهو أنَّ هؤلاء ليسوا من أهل البصائر الذين استضاؤوا بنور العلم، ولا لجؤوا إلى عالم مستبصرٍ فقلَّدوه، فلا مستبصرين ولا متَّبعين لمستبصِر؛ فإنَّ الرجلَ إمَّا أن يكون بصيرًا، أو أعمى متمسِّكًا ببصيرٍ يقودُه، أو أعمى يسيرُ بلا قائد. * قولُه ﵁: «العلمُ خيرٌ من المال، العلمُ يحرسُك وأنت تحرسُ المال»؛ يعني: أنَّ العلمَ يحفظُ صاحبَه ويحميه من موارد الهَلَكة ومواقع العَطَب؛ فإنَّ الإنسان لا يلقي نفسَه في هَلَكَةٍ إذا كان عقلُه معه، ولا يعرِّضها لتلافٍ (١) إلا إذا كان جاهلًا بذلك لا علمَ له به (٢)، فهو كمن يأكلُ طعامًا مسمومًا، فالعالمُ بالسُّمِّ وضرره يحرسُه علمُه، ويمتنعُ به مِن أكله، والجاهلُ به يقتلُه جهلُه. فهذا مثلُ حراسة العلم للعالِم. وكذا الطبيبُ الحاذقُ يمتنعُ بعلمه من كثيرٍ مما يجلبُ له الأمراض والأسقام، وكذا العالمُ بمخاوف طريقِ سلوكه ومعاطبها يأخذُ حِذْرَه منها، فيحرسُه علمُه من الهلاك.

стр. 464

وهكذا العالمُ بالله وأمره وبعدوِّه ومكايده (١) ومداخله على العبد، يحرسُه علمُه من وساوس الشيطان وخطراته وإلقاء الشكِّ والرَّيب والكفر في قلبه، فهو بعلمه يمتنعُ من قبول ذلك، فعلمُه يحرسُه من الشيطان، فكلَّما جاءه ليأخذه صاح به حرسُ العلم والإيمان، فيرجعُ خاسئًا خائبًا. وأعظمُ ما يحرسُه من هذا العدوِّ المبين: العلمُ والإيمان، فهذا السببُ الذي من العبد، والله من وراء حفظه وحراسته وكَلاءته، فمتى وَكَلَه إلى نفسه طرفة عينٍ تخطَّفه عدوُّه. قال بعض العارفين: «أجمعَ العارفون على أنَّ التوفيقَ أن لا يَكِلَكَ الله إلى نفسك، وأجمعوا على أنَّ الخِذلان أن يخلِّي بينك وبين نفسك» (٢). وقولُه: «العلمُ يزكو على الإنفاق، والمالُ تَنْقُصُه النفقة»؛ العالِمُ كلَّما بذل علمَه للناس وأنفقَ منه تفجَّرت ينابيعُه وازداد كثرةً وقوَّةً وظهورًا فيكتسبُ بتعليمه حفظَ ما عَلِمَه، ويحصلُ له به علمُ ما لم يكن عنده، وربَّما تكونُ المسألةُ في نفسه غيرَ مكشوفةٍ ولا خارجةٍ من حَيِّز الإشكال، فإذا تكلَّم بها وعلَّمها اتضحت له وأضاءت وانفتح له منها علومٌ أُخَر. وأيضًا؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما عَلَّمَ الخلقَ من جهالتهم، جزاه اللهُ بأن علَّمه من جهالته؛ كما في «صحيح مسلم» (٣) من حديث عِياض بن حمارٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال في حديثٍ طويل: «وأنَّ الله قال لي: أَنفِقْ أُنفِقْ عليك»، وهذا يتناولُ نفقةَ العلم؛ إمَّا بلفظه، وإمَّا بتنبيهه وإشارته

стр. 465

وفحواه. ولزكاء العلم ونموِّه (١) طريقان: أحدُهما: تعليمُه. والثاني: العملُ به؛ فإنَّ العملَ به أيضًا ينمِّيه ويكثِّره، ويفتحُ لصاحبه أبوابَه وخباياه، وهذا لأنَّ تعليمَه والعملَ به هو التجارة فيه، فكما ينمو المالُ بالتجارة فيه كذلك العلم. وقولُه: «والمالُ تَنْقُصُه النفقة» لا ينافي قول النبيِّ ﷺ : «ما نقَصت صدقةٌ من مال» (٢)؛ فإنَّ المالَ إذا تصدَّقتَ منه وأنفقتَ ذهبَ ذلك القَدْرُ وخَلَفَه غيرُه، وأمَّا العلمُ فكالقَبس من النار لو اقتبس منها العالَمُ (٣) لم يذهب منها شيء، بل يزيدُ العلمُ بالاقتباس منه، فهو كالعَيْن التي كلَّما أُخِذَ منها قويَ ينبوعُها وجاش مَعِينُها. وفضلُ العلم على المال يُعْلَمُ من وجوه: أحدها: أنَّ العلمَ ميراثُ الأنبياء، والمالُ ميراثُ الملوك والأغنياء. الثاني: أنَّ العلمَ يحرسُ صاحبَه، وصاحبُ المال يحرسُ مالَه. والثالث: أنَّ المالَ تُذْهِبُه النفقات، والعلمُ يزكو على النفقة.

стр. 466

الرابع: أنَّ صاحبَ المال إذا مات فارقه مالُه، والعلمُ يدخلُ معه قبرَه. الخامس: أنَّ العلمَ حاكمٌ على المال، والمالُ لا يحكمُ على العلم. السادس: أنَّ المالَ يحصُل للمؤمن والكافر والبَرِّ والفاجر، والعلمُ النافعُ لا يحصُل إلا للمؤمن. السابع: أنَّ العالِمَ يحتاجُ إليه الملوكُ فمن دونهم، وصاحبُ المال إنما يحتاجُ إليه أهلُ العُدْم والفاقة. الثامن: أنَّ النفسَ تَشْرُفُ وتزكو بجمع العلم وتحصيله، وذلك من كمالها وشرفها، والمالُ لا يزكِّيها ولا يكمِّلها ولا يزيدُها صفةَ كمال، بل النفسُ تنقصُ وتَشِحُّ وتبخلُ بجمعه والحرص عليه؛ فحرصُها على العلم عينُ كمالها، وحرصُها على المال عينُ نقصها. التاسع: أنَّ المالَ يدعوها إلى الطغيان والفخر والخيلاء، والعلمُ يدعوها إلى التواضع والقيام بالعبودية؛ فالمالُ يدعوها إلى صفات الملوك والعلمُ يدعوها إلى صفات العبيد. العاشر: أنَّ العلمَ حاجبٌ (١) موصلٌ لها إلى سعادتها التي خُلِقَت لها والمال حجابٌ عنها وبينها (٢). الحادي عشر: أنَّ غِنى العلم أجلُّ من غِنى المال؛ فإنَّ غِنى المال غِنًى

стр. 467

بأمرٍ خارجيٍّ عن حقيقة الإنسان، لو ذهبَ في ليلةٍ أصبح فقيرًا مُعْدِمًا، وغِنى العلم لا يُخشى عليه الفقر، بل هو في زيادةٍ أبدًا، فهو الغِنى العالي (١) حقيقة؛ كما قيل: غَنِيتُ بلا مالٍ عن الناس كلِّهم ... وإنَّ الغِنى العالي عن الشَّيء لا به (٢) الثاني عشر: أنَّ المال يَسْتَعْبِدُ مُحِبَّه وصاحبه، فيجعلُه عبدًا له، كما قال النبيُّ ﷺ : «تَعِسَ عبد الدينار والدرهم ... » الحديث (٣)، والعلمُ يَسْتَعْبِدُه لربِّه وخالقه، فهو لا يدعوه إلا إلى عبوديَّة الله وحده. الثالث عشر: أنَّ حبَّ العلم وطلبَه أصلُ كلِّ طاعة، وحبَّ الدنيا والمال وطلبه أصلُ كلِّ سيئة (٤). الرابع عشر: أنَّ قيمةَ الغنيِّ مالُه، وقيمةَ العالِم علمُه، فهذا متقوِّمٌ بماله، فإذا عُدِمَ مالُه عُدِمَت قيمتُه فبقي بلا قيمة، والعالِمُ لا تزولُ قيمتُه، بل هي في تضاعفٍ وزيادةٍ دائمًا. الخامس عشر: أنَّ جوهرَ المال من جنس جوهر البدن، وجوهرُ العلم من جنس جوهر الروح، كما قال يونس بن حبيب: «علمُك من روحك،

стр. 468

ومالُك من بدنك» (١)، والفرقُ بين الأمرين كالفرق بين الروح والبدن. السادس عشر: أنَّ العالِم لو عُرِضَ عليه بحظِّه من العلم الدنيا بما فيها لم يَرْضَها عِوَضًا من علمه، والغنيُّ العاقلُ إذا رأى شرفَ العالِم وفضلَه وابتهاجَه بالعلم وكمالَه به يودُّ لو أنَّ له علمَه بغناه أجمع. السابع عشر: أنَّ ما أطاع اللهَ أحدٌ قطُّ إلا بالعلم، وعامةُ من يعصيه إنما يعصيه بالمال. الثامن عشر: أنَّ العالِمَ يدعو الناسَ إلى الله بعلمه وحاله، وجامعُ المال يدعوهم إلى الدنيا بحاله وماله. التاسع عشر: أنَّ غِنى المال قد يكونُ سببَ هلاك صاحبه كثيرًا؛ فإنه معشوقُ النفوس، فإذا رأت من يستأثرُ بمعشوقها عليها سعت في هلاكه، كما هو الواقع. وأمَّا غِنى العلم فسببُ حياة الرجل وحياة غيره به، والناسُ إذا رأوا من يستأثرُ عليهم به ويطلبُه أحبُّوه وخدموه وأكرموه. العشرون: أنَّ اللذَّةَ الحاصلةَ من غِنى المال إما لذَّةٌ وهميَّة وإما لذَّةٌ بهيميَّة. فإنَّ صاحبه إنْ التذَّ بنفس جمعه وتحصيله فتلك لذَّةٌ وهميَّةٌ خياليَّة وإن التذَّ بإنفاقه في شهواته فهي لذَّةٌ بهيميَّة. وأمَّا لذَّةُ العلم فلذَّةٌ عقليَّةٌ روحانيَّة، وهي تشبهُ (٢) لذَّة الملائكة وبهجتَها. وفرقٌ ما بين اللذَّتين. الحادي والعشرون: أنَّ عقلاء الأمم مطبقون على ذمِّ الشَّرِه في جمع

стр. 469

المال الحريصِ عليه، وتنقُّصِه والإزراء به، ومطبقون على تعظيم الشَّرِه في جمع العلم وتحصيله، ومدحِه ومحبَّته ورؤيته بعين الكمال. الثاني والعشرون: أنهم مطبقون على تعظيم الزاهد في المال، المُعْرِض عن جمعه، الذي لا يَلْتَفِتُ إليه ولا يجعلُ قلبَه عبدًا له، ومطبقون على ذمِّ الزاهد في العلم، الذي لا يلتفتُ إليه ولا يحرصُ عليه. الثالث والعشرون: أنَّ المال إنما يُمْدَحُ صاحبُه بتخلِّيه منه وإخراجه، والعلمُ إنما يُمْدَحُ بتحلِّيه به واتِّصافه به. الرابع والعشرون: أنَّ غِنى المال مقرونٌ بالخوف والحزن، فهو حزينٌ قبل حصوله، خائفٌ بعد حصوله، وكلَّما كان أكثر كان الخوفُ أقوى، وغِنى العلم مقرونٌ بالأمن والفرح والسرور. الخامس والعشرون: أنَّ الغنيَّ بماله لا بدَّ أن يفارقَه غِناه، فيتعذَّبَ ويتألم بمفارقته، والغِنى بالعلم لا يزول، فلا يتعذَّبُ صاحبُه ولا يتألم؛ فلذَّةُ الغِنى بالمال لذَّةٌ زائلةٌ منقطعةٌ يَعْقُبُها الألم، ولذَّةُ الغِنى بالعلم لذَّةٌ باقيةٌ مستمرةٌ لا يلحقها ألم. السادس والعشرون: أنَّ استلذاذ (١) النفس وكمالَها بالغِنى استكمالٌ بعاريَّةٍ مؤدَّاة، فتجمُّلها بالمال تجمُّلٌ بثوبٍ مستعارٍ لا بدَّ أن يرجع إلى مالكه يومًا ما، وأما تجمُّلها بالعلم وكمالُها به فتجمُّلٌ بصفةٍ ثابتةٍ لها راسخةٍ فيها لا تفارقُها. السابع والعشرون: أنَّ الغِنى بالمال هو عينُ فقر النفس، والغِنى بالعلم

стр. 470

هو غِناها الحقيقي؛ فغِناها بعلمها هو الغِنى، وغِناها بمالها هو الفقر. الثامن والعشرون: أنَّ من قُدِّم وأُكرِم لماله إذا زال مالُه ذهب (١) تقديمُه وإكرامُه، ومن قُدِّم وأُكرِم لعلمه فإنه لا يزدادُ إلا تقديمًا وإكرامًا. التاسع والعشرون: أنَّ تقديمَ الرجل لماله هو عينُ ذمِّه؛ فإنه نداءٌ عليه بنقصه، وأنه لولا ماله لكان مستحقًّا للتأخير والإهانة (٢)، وأما تقديمُه وإكرامُه لعلمه فإنه عينُ كماله؛ إذ هو تقديمٌ له بنفسه وبصفته القائمة به، لا بأمرٍ خارجٍ عن ذاته. الوجه الثلاثون: أنَّ طالبَ الكمال بغِنى المال كالجامع بين الضدَّين؛ فهو طالبٌ ما لا سبيل له إليه. وبيانُ ذلك: أنَّ القدرةَ صفةُ كمال، وصفةُ الكمال محبوبةٌ بالذَّات، والاستغناءُ عن الغير ــ أيضًا ــ صفةُ كمالٍ محبوبةٌ بالذَّات، فإذا مال الرجلُ بطبعه إلى السَّخاوة والجُود وفِعْل المَكْرُمات، فهذا كمالٌ مطلوبٌ للعقلاء، محبوبٌ للنفوس، وإذا التفتَ إلى أنَّ ذلك يقتضي خروجَ المال من يده، وذلك يُوجِبُ نقصَه واحتياجَه إلى غيره وزوالَ قدرته= نَفَرَت نفسُه عن السَّخاء والكرم والجُود واصطناع المعروف، وظنَّ أنَّ كماله في إمساك المال. وهذه البليَّةُ أمرٌ ثابتٌ لعامَّة الخَلق، لا ينفكُّون عنها (٣).

стр. 471

فلأجل مَيْل الطَّبع إلى حصول المدح والثناء والتعظيم= يحبُّ الجودَ (١) والسَّخاءَ والمكارم، ولأجل فَوْتِ القدرة الحاصلة بسبب إخراجه والحاجة المنافية لكمال الغنى= يحبُّ إبقاءَ ماله، ويكره السَّخاءَ والكرمَ والجود. فيبقى قلبُه واقفًا بين هذين الدَّاعِيَين يتجاذبانه، ويَعْتَوِرَان عليه، فيبقى القلبُ في مقام المعارضة بينهما، فمن الناس من يترجَّحُ عنده جانبُ البذل والجود والكرم، فيُؤثِرُه على الجانب الآخر، ومنهم من يترجَّحُ عنده جانبُ الإمساك وبقاء القدرة والغِنى، فيُؤثِرُه. فهذان نَظَران للعقلاء. ومنهم من يبلغُ به الجهلُ والحماقةُ إلى حيث يريدُ الجمعَ بين الوجهين، فيَعِدُ الناسَ بالجود والسَّخاء والمكارم؛ طمعًا منه في فوزه بالمدح والثناء على ذلك، وعند حضور الوقت لا يَفِي بما قال؛ فيَسْخُو ويبذلُ بلسانه، ويُمْسِكُ بقلبه ويده؛ فيقعُ في أنواعٍ من القبائح والفضائح! وإذا تأمَّلتَ أحوال أهل الدنيا من الأغنياء رأيتهم تحت أسْر هذه البليَّة وهم غالبًا يَشْكُونَ ويَبْكُون. وأما غنيُّ العلم، فلا يَعْرِضُ له شيءٌ من ذلك، بل كلَّما بَذَله ازداد ببذله فرحًا وسرورًا وابتهاجًا، والعالِمُ (٢) وإن فاتتهُ لذَّةُ أهل الغِنى وتمتُّعهم بأموالهم فهم أيضًا قد فاتتهم لذَّةُ أهل العلم وتمتُّعهم بعلومهم وابتهاجُهم بها.

стр. 472

فمع صاحب العلم من أسباب اللذَّة ما هو أعظمُ وأقوى وأدومُ من لذَّة الغني، وتعبُه في تحصيله وجمعه وضبطه أقلُّ من تعب جامع المال بجمعه (١)، وألمُه دون ألمِه؛ كما قال تعالى للمؤمنين ــ تسليةً لهم بما ينالُهم من الألم والتعب في طاعته ومرضاته ــ: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]. الحادي والثلاثون: أنَّ اللذَّة الحاصلة من المال والغِنى إنما هي حالَ تجدُّده فقط، وأما حالَ دوامه: فإما أن تذهبَ تلك اللذَّة، وإمَّا أن تنقُص. ويدلُّ عليه أنَّ الطَّبعَ يبقى طالبًا لغِنًى آخر، حريصًا عليه، فهو يحاولُ تحصيلَ الزيادة دائمًا، فهو في فقرٍ مستمرٍّ غير مُنْقَضٍ (٢)، ولو ملكَ خزائنَ الأرض ففقرُه وطلبُه وحرصُه باقٍ عليه؛ فإنه أحدُ المنهومَيْن اللذَين لا يشبعان (٣)، فهو لا يفارقُه ألمُ الحرص والطَّلب. وهذا بخلاف غنيِّ العلم والإيمان؛ فإنَّ لذَّتَه في حال بقائه مثلُها في حال تجدُّده، بل أزْيَد، وصاحبُها وإن كان لا يزالُ طالبًا للمزيد حريصًا عليه، فطلبُه وحرصُه مُسْتَصْحِبٌ للذَّة الحاصل، ولذَّة المرجوِّ المطلوب، ولذَّة

стр. 473

الطَّلب وابتهاجه وفرحه به. الثاني والثلاثون: أنَّ غِنى المال يستدعي الإنعامَ على الناس والإحسانَ إليهم؛ فصاحبُه إما أن يسُدَّ على نفسه هذا الباب، وإما أن يفتحه عليه. فإن سدَّه على نفسه اشتُهِرَ عند الناس بالبعد من الخير والنفع؛ فأبغضوه وذمُّوه واحتقروه، وكلُّ من كان بغيضًا عند الناس حقيرًا لديهم كان وصولُ الآفات والمضرَّات إليه أسرعَ من النار في الحطب اليابس، ومن السَّيل في مُنْحَدَره، وإذا عرفَ من الخلق أنهم يمقتونه ويبغضونه ولا يقيمون له وزنًا تألَّم قلبُه غايةَ التألم، وأُحْضِرَ الهمومَ والغمومَ والأحزان. وإن فتحَ باب الإحسان والعطاء فإنه لا يمكنُه إيصالُ الخير والإحسان إلى كلِّ أحد، فلا بدَّ من إيصاله إلى البعض وإمساكه عن البعض، وهذا يفتحُ عليه باب العداوة والمذمَّة من المحروم والمرحوم. أمَّا المحرومُ فيقول: كيف جادَ على غيري وبَخِل عليَّ؟! وأمَّا المرحومُ فإنه يلتذُّ ويفرحُ بما حصلَ له من الخير والنفع، فيبقى طامعًا مُسْتَشْرِفًا لنظيره على الدوام، وهذا قد يتعذَّرُ غالبًا؛ فيفضي ذلك إلى العداوة الشديدة والمذمَّة، ولهذا قيل: «اتقِ شرَّ من أحسنتَ إليه» (١). وهذه الآفاتُ لا تعرضُ في غِنى العلم؛ فإنَّ صاحبَه يمكنُه بذلُه للعالَم واشتراكُهم فيه (٢)، والقدرُ المبذولُ منه باقٍ لآخذه لا يزول، بل يتَّجِرُ به، فهو

стр. 474

كالغنيِّ إذا أعطى الفقيرَ رأسَ مالٍ (١) يتَّجِرُ به حتى يصير غنيًّا مثلَه. الوجه الثالث والثلاثون: أنَّ جمعَ المال مقرونٌ بثلاثة أنواعٍ من الآفات والمِحَن: نوعٌ قبله، ونوعٌ عند حصوله، ونوعٌ بعد مفارقته. * فأما النوعُ الأول: فهو المشاقُّ والأنكادُ والآلامُ التي لا يحصلُ إلا بها. * وأما النوعُ الثاني: فمشقَّةُ حفظه وحراسته وتعلُّق القلب به، فلا يُصْبِحُ إلا مهمومًا، ولا يمسي إلا مغمومًا. فهو بمنزلة عاشقٍ مُفْرِط المحبَّة قد ظَفِر بمعشوقه، والعيونُ من كلِّ جانبٍ ترمقُه، والألسنُ والقلوبُ ترشقُه، فأيُّ عَيْشٍ وأيُّ لذَّةٍ لمن هذه حالُه؟! وقد عَلِمَ أنَّ أعداءه وحسَّادَه لا يفتُرون عن سعيهم في التفريق بينه وبين معشوقه وإن لم يظفروا هم به، ولكنَّ مقصودَهم أن يزيلوا اختصاصَه به دونهم، فإن فازوا به وإلا استووا في الحرمان، فزال الاختصاصُ المُؤْلِمُ للنفوس. ولو قدروا على مثل ذلك مع العالِم لفعلوه، ولكنَّهم لما علموا أنه لا سبيل إلى سَلْبِه علمَه (٢) عمدوا إلى جحده وإنكاره؛ ليزيلوا من القلوب محبَّته وتقديمَه والثناءَ عليه، فإن بَهَرَ علمُه وامتنع عن مكابرة الجحود والإنكار رَمَوه بالعظائم، ونسبوه إلى كلِّ قبيح؛ ليزيلوا من القلوب محبَّته ويُسْكِنوا موضعَها النُّفرة عنه وبغضَه. وهذا شغلُ السَّحرة بعينه؛ فهؤلاء سحرةٌ بألسنتهم.

стр. 475

فإن عجزوا له عن شيءٍ من القبائح الظاهرة بعينه رَمَوه بالتلبيس والتدليس، والزَّوْكَرة (١) والرِّياء، وحبِّ الترفُّع وطلب الجاه. وهذا القَدْرُ من معاداة أهل الجهل والظُّلم للعلماء مثلُ الحرِّ والبرد لا بدَّ منه، فلا ينبغي لمن له مُسْكةُ عقلٍ أن يتأذَّى به؛ إذ لا سبيل له إلى دفعه بحال، فليوطِّن نفسَه عليه كما يوطِّنُها على برد الشتاء وحرِّ الصَّيف. * والنوعُ الثالث من آفات الغِنى: ما يحصلُ للعبد بعد مفارقته من تعلُّق قلبه به، وكونه قد حِيل بينه وبينه، والمطالبة بحقوقه، والمحاسبة على مقبوضه ومصروفه: من أين اكتسبه وفي ماذا أنفقه؟ وغِنى العلم والإيمان مع سلامته من هذه الآفات فهو كفيلٌ بكلِّ لذَّةٍ وفرحةٍ وسرور، ولكن لا يُنالُ إلا على جسرٍ من التعب والصبر والمشقَّة. الرابع والثلاثون: أنَّ لذَّةَ الغنيِّ بالمال مقرونةٌ بخُلْطَة الناس، ولو لم يكن إلا خَدَمُه وأزواجُه وسَراريه وأتباعُه؛ إذ لو انفردَ الغنيُّ بماله وحده من غير أن يتعلَّق بخادمٍ أو زوجةٍ أو أحدٍ من الناس لم يَكْمُل انتفاعُه بماله، ولا التذاذُه به. وإذا كان كمالُ لذَّته بغناه موقوفًا على اتصاله بالغير، فذلك الاتصالُ

стр. 476

منشأُ (١) الآفات والآلام وأنواع النَّكد، ولو لم يكن إلا اختلافُ أخلاق الناس وطبائعهم وإراداتهم؛ فقبيحُ هذا حسنُ ذاك، ومصلحةُ ذاك مفسدةُ هذا، ومنفعةُ هذا مضرَّةُ الآخر، وبالعكس؛ فهو مبتلىً بهم، فلا بدَّ من وقوع النُّفرة والتباغض والتعادي بينهم وبينه؛ فإنَّ إرضاءهم كلِّهم محال، وهو جمعٌ بين الضدَّين، وإرضاءُ بعضهم وإسخاطُ غيره سببُ الشرِّ والمعاداة. وكلما طالت المخالطةُ ازدادت أسبابُ الشرِّ والعداوة وقَوِيَت؛ وبهذا السَّبب كان الشرُّ الحاصلُ من الأقارب والعُشَراء أضعاف الشرِّ الحاصل من الأجانب والبُعَداء. وهذه المخالطةُ إنما حصلت من جانب الغِنى بالمال، أما إذا لم يكن فيه فضيلةٌ (٢) لهم فإنهم يتجنَّبون مخالطتَه ومعاشرتَه، فيستريح من أذى الخُلْطة والعِشْرة. وهذه الآفاتُ معدومةٌ في الغِنى بالعلم. الخامس والثلاثون: أنَّ المالَ لا يرادُ لذاته وعَيْنه؛ فإنه لا يحصُل بذاته شيءٌ من المنافع أصلًا؛ فإنه لا يُشْبِعُ ولا يُرْوِي، ولا يُدْفِاءُ ولا يُمْتِع (٣)، وإنما يرادُ لهذه الأشياء؛ فإنه لما كان طريقًا إليها أريدَ إرادةَ الوسائل، ومعلومٌ أنَّ الغايات أشرفُ من الوسائل؛ فهذه الغاياتُ إذًا أشرفُ منه، وهي مع شرفها بالنسبة إليه ناقصةٌ دنيَّة.

стр. 477

وقد ذهب كثيرٌ من العقلاء إلى أنها لا حقيقةَ لها، وإنما هي دفعُ آلامٍ فقط (١)؛ فإنَّ لبسَ الثِّياب ــ مثلًا ــ إنما فائدتُه دفعُ التألم بالحرِّ والبرد والريح، وليس فيها لذَّةٌ زائدةٌ على ذلك، وكذلك الأكلُ إنما فائدتُه دفعُ ألم الجوع، ولهذا لو لم يجد ألمَ الجوع لم يَسْتَطِب الأكل، وكذلك الشربُ مع العطش، والراحةُ مع التعب. ومعلومٌ أنَّ في مزاولة ذلك وتحصيله ألم وضرر (٢)، ولكنَّ ضررَه وألمَه أقلُّ من ضرر ما يُدْفَعُ به وألمِه، فيحتملُ الإنسانُ أخفَّ الضَّررين دفعًا لأعظمهما. وحُكِي عن بعض العقلاء (٣) أنه قيل له ــ وقد تناول قدحًا كريهًا جدًّا من الدواء ــ: كيف حالك معه؟ قال: أصبحتُ في دارِ بَلِيَّاتِ ... أدفعُ آفاتٍ بآفات وفي الحقيقة؛ فلذَّاتُ الدنيا من المآكل والمشارب والملبس والمسكن والمَنْكَح من هذا الجنس، واللذَّةُ التي يباشرُها الحِسُّ ويتحرَّكُ لها الحيُّ (٤) ــ وهي الغايةُ المطلوبةُ له من لذَّة المَنْكَح والمأكل ــ شهوةُ البطن والفَرْج، ليس لهما ثالثٌ البتَّة، إلا ما كان وسيلةً إليهما وطريقًا إلى تحصيلهما.

стр. 478

وهذه اللذَّةُ منغَّصةٌ من وجوهٍ عديدة: منها: أنَّ تصوُّرَ زوالها وانقضائها وفنائها يوجبُ تنغُّصَها (١). ومنها: أنها ممزوجةٌ بالآفات، معجونةٌ بالآلام، مختلطةٌ بالمخاوف، وفي الغالب لا يفي ألمُها بطِيبها، كما قيل: قايَسْتُ بين جمالها وفَعالها ... فإذا المَلاحةُ بالقَباحَةِ لا تَفِي (٢) ومنها: أنَّ الأراذلَ من الناس وسَقَطَهم يشاركون فيها كبراءَهم وعقلاءَهم، بل يزيدون عليهم فيها أعظمَ زيادةٍ وأفحشَها، فنسبتُهم فيها إلى الأفاضل كنسبة الحيوانات البهيميَّة إليهم، فمشاركةُ الأراذل وأهل الخِسَّة والدناءة فيها وزيادتُهم على العقلاء فيها مما يوجبُ النُّفرةَ والإعراضَ عنها، وكثيرٌ من الناس حصل له الزهدُ في المحبوب والمعشوق منها بهذه الطريق. وهذا كثيرٌ في أشعار الناس ونَثْرهم، كما قيل: سأتركُ حُبَّها من غير بُغْضٍ ... ولكنْ كثرةُ الشُّركاءِ فيهِ إذا وقعَ الذُّبابُ على طعامٍ ... رفعتُ يدي ونفسي تشتهيهِ وتجتنبُ الأسودُ ورودَ ماءٍ ... إذا كان الكلابُ يَلَغْنَ فيهِ (٣)

стр. 479

وقيل لزاهد: ما الذي زهَّدك في الدُّنيا؟ فقال: «خِسَّةُ (١) شركائها، وقلَّةُ وفائها، وكثرةُ جفائها». وقيل لآخر في ذلك؛ فقال: «ما مددتُ يدي إلى شيءٍ منها إلا وجدتُ غيري قد سبقني إليه، فأتركُه له». ومنها: أنَّ الالتذاذَ بموقعها إنما هو بقدر شدَّة الحاجة إليها، والتألم بمطالبة النفس لتناولها، وكلَّما كانت شهوةُ الظَّفر بالشيء أقوى كانت اللذَّةُ الحاصلةُ بوجوده أكمل، فما لم تحصُل تلك الشهوةُ لم تحصُل تلك اللذَّة؛ فمقدارُ اللذَّة الحاصلة في الحال مساوٍ لمقدار الحاجة والألم والمضرَّة في الماضي؛ وحينئذٍ تتقابلُ اللذَّةُ الحاصلةُ والألمُ المتقدِّم، فيتساقطان، فتصيرُ اللذَّةُ كأنها لم توجد، ويصيرُ بمنزلة من شَقَّ بطنَ رجلٍ ثمَّ خاطَه وداواهُ بالمَراهم، أو بمنزلة من ضربه عشرةَ أسواطٍ وأعطاه عشرةَ دراهم! ولا تخرجُ لذَّاتُ الدنيا غالبًا عن ذلك. ومثلُ هذا لا يُعَدُّ لذَّةً ولا سعادةً ولا كمالًا، بل هو بمنزلة قضاء الحاجة من البول والغائط؛ فإنَّ الإنسان يتضرَّرُ بثِقْله، فإذا قضى حاجتَه استراح منه، فأمَّا أن يعدَّ ذلك سعادةً وبهجةً ولذَّةً مطلوبةً فلا. ومنها: أنَّ هاتين اللذَّتين اللَّتين هما آثرُ اللذَّات عند الناس لا سبيل (٢) إلى نيلهما إلا بما يقترنُ بهما قبلهما وبعدهما من مباشرة القاذورات والتألُّم الحاصل عقيبهما.

стр. 480

مثالُه (١): لذَّةُ الأكل؛ فإنَّ العاقلَ لو نظر إلى طعامه حال مخالطته ريقَه وعَجْنِه به لنفرت نفسُه منه، ولو سقطت تلك اللقمةُ مِنْ فِيه لنفَر طبعُه من إعادتها إليه. ثمَّ إنَّ لذَّته به إنما تحصُل في مجرى نحو الأربع الأصابع (٢)، فإذا فُصِل عن ذلك المجرى زال تلذُّذُه به، فإذا استقرَّ في مَعِدته وخالطه الشرابُ وما في المعدة من الأجزاء الفَضْلِيَّة، فإنه حينئذٍ يصيرُ في غاية الخِسَّة (٣)، فإن زاد على مقدار الحاجة أورثَ الأدواءَ المختلفة على تنوُّعها، ولولا أنَّ بقاءه موقوفٌ على تناول (٤) الغذاء لكان تركُه ــ والحالةُ هذه ــ أليقَ به، كما قال بعضهم: لولا قضاءٌ جَرى نزَّهتُ أُنمُلتي ... عن أن تُلِمَّ بمأكولٍ ومشروبِ (٥) وأمَّا لذَّةُ الوِقاع، فقَدْرُها أبينُ من أن تُذْكَر آفاتُه، ويدلُّ عليه أنَّ أعضاء هذه اللذَّة هي عورةُ الإنسان التي يستحيي من رؤيتها وذِكْرها، وسترُها أمرٌ فطر الله عليه عبادَه، ولا تتمُّ لذَّةُ المواقَعة إلا بالاطلاع عليها وإبرازها،

стр. 481

والتلطُّخ بالرطوبات المُسْتَقْذَرة المتولِّدة منها، ثمَّ إنَّ تمامها إنما يحصلُ بانفصال النطفة، وهي اللذَّةُ المقصودةُ من الوِقاع، وزمنُها يشبه الآنَ الذي لا ينقسم (١)؛ فصعوبةُ تلك المُزاوَلة والمُحاوَلة والمُطاوَلة والمُراوَضة (٢) والتعب لأجل لذَّة لحظةٍ كمرِّ الطَّرف! فأيُّ مقايسةٍ بين هذه اللذَّة وبين التعب في طريق تحصيلها؟! وهذا يدلُّ على أنَّ هذه اللذَّة ليست من جنس الخيرات والسعادات والكمال الذي خُلِقَ له العبد، ولا كمال له بدونه. بل ثَمَّ أمرٌ وراء ذلك كلِّه قد هُيِّاء له العبدُ وهو لا يفطنُ له، فهو لغفلته عنه، وإعراضه عن التفتيش عليه حتى يَظْفَر بمعرفته، وعن التفتيش على طريقه حتى يَصِلَ إليه= يَسُومُ نفسَه مع الأنعام السَّائمة. قد هيَّؤوك لأمرٍ لو فَطِنْتَ له ... فاربأ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ (٣) ومَوْقِعُ هذه اللذَّة من النفس كمَوْقِع لذَّة البراز (٤) من رجلٍ احتبسَ في موضعٍ لا يمكنه القيامُ إلى الخلاء، وصار مضطرًّا إليه؛ فإنه يجدُ مشقَّةً شديدةً وبلاءً عظيمًا، فإذا تمكَّن من الذهاب إلى الخلاء وقَدَرَ على دفع ذلك

стр. 482

الخبيث المؤذي، وجدَ لذَّةً عظيمةً عند دفعه وإرساله (١)، ولا لذَّةَ هناك إلا راحتُه من حمل ما يؤذيه حملُه. فعُلِمَ أنَّ هذه اللذَّات إمَّا أن تكونَ دفع آلام، وإمَّا أن تكون لذَّاتٍ ضعيفةً خسيسةً مقترنةً بآفاتٍ تُرْبي مضرتُها عليها (٢). وهذا كما يَعْقُبُ لذَّةَ الوِقاع من ضعف القلب، وخَفَقان الفؤاد، وضعف القُوى البدنيَّة والقلبيَّة، وضعف الأرواح، واستيلاء العفونة على كلِّ البدن، وإسراع الضعف والخَوَر إليه، واستيلاء الأخلاط عليه لضعف القوَّة عن دفعها وقهرها. ومما يدلُّ على أنَّ هذه اللذَّات ليست خيراتٍ وسعاداتٍ وكمالًا: أنَّ العقلاء من جميع الأمم مطبقونَ على ذمِّ من كانت نَهْمَتَه وشغلَه ومَصْرِفَ همَّته وإرادته، والإزارء به، وتحقير شأنه، وإلحاقه بالبهائم، ولا يقيمون له وزنًا، ولو كانت خيراتٍ وكمالًا لكان من صرَفَ إليها همَّتَه أكملَ الناس. وممَّا يدلُّ على ذلك: أن القلبَ الذي قد وَجَّهَ قصدَه وإرادته إلى هذه اللذَّات لا يزالُ مستغرقًا في الهموم والغموم والأحزان، وما ينالُه من اللذَّات في جنب هذه الآلام كقطرةٍ في بحر، كما قيل: سُرورُه وَزْنُ حَبَّهْ وحُزْنُه قِنْطار (٣)

стр. 483

فإنَّ القلبَ يجري مجرى مرآةٍ منصوبةٍ على جدار، وذلك الجدارُ مَمرٌّ لأنواع المُشْتَهَيات (١) والملذوذات والمكروهات، فكلَّما مرَّ به شيءٌ من ذلك ظهرَ فيه أثرُه. فإن كان محبوبًا مُشْتَهًى مال طبعُه إليه، فإن لم يقدر على تحصيله تألم وتعذَّبَ بفَقْده، وإن قدرَ على تحصيله تألم في طريق الحصول بالتعب والمشقَّة ومنازعة الغير له، ويتألم حال حصوله خوفًا من فراقه (٢)، وبعد فراقه حزنًا على ذهابه. وإن كان مكروهًا له ولم يقدر على دفعه تألم بوجوده، وإن قدرَ على دفعه اشتغل بدفعه، ففاتته مصلحةٌ راجحةُ الحصول، فيتألم لفواتها. فعُلِمَ أنَّ هذا القلبَ أبدًا مستغرقٌ في بحار الهموم والغموم والأحزان، وأنَّ نفسَه تضحكُ عليه وتُرضِّيه بوزن ذرَّةٍ من لذَّته (٣)، فيغيبُ بها عن شُهوده القناطيرَ من ألمه وعذابه. فإذا حِيل بينه وبين تلك اللذَّة ولم يبقَ له إليها سبيل، تجرَّد ذلك الألمُ وأحاطَ به واستولى عليه من كلِّ جهاته، فقُلْ ما شئتَ في حال عبد قد غُيِّبَ عنه سَعْدُه وحظوظُه وأفراحُه، وأُحْضِرَ شِقْوتَه وهمومَه وغمومَه وأحزانَه. وبين العبد وبين هذه الحال أن يُكشفَ (٤) الغطاء، ويُرفعَ الستر، وينجلي الغبار، ويحصَّل ما في الصدور.

стр. 484

فإذا كانت هذه غايةَ اللذَّات الحيوانيَّة، التي هي غايةُ جمع الأموال وطلبها، فما الظنُّ بقدر الوسيلة؟! وأمَّا غِنى العلم والإيمان، فدائمُ اللذَّة، متَّصلُ الفرحة، مُقْتَضٍ لأنواع المسرَّة والبهجة، لا يزولُ فيُحْزِن، ولا يُفارقُ فيُؤلِم، بل أصحابُه كما قال الله تعالى فيهم: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. السادس والثلاثون: أنَّ غنيَّ المال يبغضُ الموتَ ولقاءَ الله؛ فإنَّه لحبِّه مالَه يكرهُ مفارقتَه ويحبُّ بقاءه (١) ليتمتَّع به، كما يشهدُ به الواقع. وأمَّا العلمُ، فإنه يحبِّبُ للعبد لقاءَ ربِّه، ويزهِّدُه في هذه الحياة النَّكِدَة الفانية. السابع والثلاثون: أنَّ الأغنياء يموتُ ذكرُهم بموتهم، والعلماءُ يموتون ويحيا ذكرُهم؛ كما قال أميرُ المؤمنين في هذا الحديث: «مات خُزَّانُ الأموال وهم أحياء، والعلماءُ باقون ما بقي الدهر»؛ فخُزَّانُ الأموال أحياءٌ كأموات، والعلماءُ بعد موتهم أمواتٌ كأحياء. الثامن والثلاثون: أنَّ نسبةَ العلم إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن؛ فالروحُ ميتةٌ حياتُها بالعلم، كما أنَّ الجسدَ ميتٌ حياتُه بالروح، فالغِنى بالمال (٢) غايتُه أن يزيد في حياة البدن، وأمَّا العلمُ فهو حياةُ القلوب والأرواح، كما تقدم تقريرُه. التاسع والثلاثون: أنَّ القلبَ مَلِكُ البدن، والعلمَ زينتُه وعُدَّتُه ومالُه، وبه

стр. 485

قِوامُ مُلْكه، والمَلِكُ لا بدَّ له من عددٍ وعُدَّةٍ ومالٍ وزينة؛ فالعلمُ هو مركبُه وعدَّتُه وجَمالُه (١). وأمَّا المالُ فغايتُه أن يكون زينةً وجَمالًا للبدن إذا أنفقه في ذلك، فإذا خَزَنَه ولم ينفقه لم يكن زينةً ولا جمالًا، بل نقصًا ووبالًا. ومن المعلوم أنَّ زينةَ المَلِك وما به قِوامُ ملكه أجلُّ وأفضلُ من زينة رعيَّته وجَمالهم، فقِوامُ القلب بالعلم، كما أنَّ قِوامَ الجسم بالغذاء. الوجه الأربعون: أنَّ القدرَ المقصودَ من المال هو ما يكفي العبد ويُقِيمُه ويدفعُ ضرورتَه حتى يتمكَّن من قضاء جَهازه (٢)، ومن التزوُّد لسفره (٣) إلى ربِّه ، فإذا زاد على ذلك شَغَلَه وقَطَعَه عن السفر إلى ربِّه وعن قضاء جَهازه وتَعْبِيَة زاده؛ فكان ضررُه عليه أكثر من مصلحته، وكلَّما ازدادَ غِناه به ازدادَ تثبُّطًا وتخلُّفًا عن التجهُّز لما أمامه. وأمَّا العلمُ النافع، فكلَّما ازدادَ منه ازدادَ في تَعْبِيَة الزاد، وقضاء الجَهاز، وإعداد عدَّة المسير، والله الموفِّق وبه الاستعانة، ولا حول ولا قوة إلا به. فعُدَّةُ هذا السفر هو العلمُ والعمل، وعُدَّةُ الإقامة جمعُ الأموال والادِّخار، ومن أراد شيئًا هيَّأ له عُدَّتَه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].

стр. 486

* قولُه: «محبةُ العلم ــ أو العالِم ــ دِينٌ يدانُ بها»؛ لأنَّ العلمَ ميراثُ الأنبياء، والعلماءُ وُرَّاثُهم، فمحبةُ العلم وأهله محبةٌ لميراث الأنبياء وورثتهم، وبغضُ العلم وأهله بغضٌ لميراث الأنبياء وورثتهم. فمحبةُ العلم من علامات السعادة وبغضُ العلم من علامات الشقاوة، وهذا كلُّه إنما هو في علم الرُّسل الذي جاؤوا به، وورَّثوه للأمَّة، لا في كلِّ ما يسمَّى علمًا. وأيضًا؛ فإنَّ محبةَ العلم تحملُ على تعلُّمه واتِّباعه، وذلك هو الدِّين، وبغضُه ينهى عن تعلُّمه واتِّباعه، وذلك هو الشقاءُ والضلال. وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه عليمٌ يحبُّ كلَّ عليم، وإنما يضعُ علمَه عند من يحبُّه، فمن أحبَّ العلمَ وأهلَه فقد أحبَّ ما أحبَّ الله، وذلك مما يُدانُ به. * قولُه: «العلمُ يُكْسِبُ العالِمَ الطَّاعةَ في حياته، وجميل الأُحدوثة بعد مماته»؛ يُكْسِبه ذلك، أي: يجعلُه كسبًا له، ويورِّثُه إياه. ويقال: كَسَبَه ذلك عزًّا وطاعةً، وأَكْسَبه. لغتان. ومنه حديثُ خديجة ﵂: «إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحديث، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدوم» (١)، رُوِي بفتح التاء وضمِّها، ومعناه: تُكْسِبُ المالَ والغِنى. هذا هو الصواب. وقالت طائفة: من رواه بضمِّها فذلك من: أَكْسَبه (٢) مالًا وعزًّا، ومن رواه بفتحها فمعناه: تَكْسِبُ أنت المالَ المعدومَ بمعرفتك وحِذْقِك

стр. 487

بالتجارة (١). ومعاذَ الله من هذا الفهم، وخديجةُ أجلُّ قدرًا من تكلُّمها بهذا في هذا المقام العظيم، أن تقولَ لرسول الله ﷺ : أبشِر، فوالله لا يخزيك الله؛ إنك تَكْسِبُ الدرهمَ والدينار وتُحْسِنُ التجارة! ومثلُ هذه التحريفات إنما تُذْكَرُ لئلَّا يُغْتَرَّ بها في تفسير كلام الله ورسوله. والمقصودُ أنَّ قولَه: «العلمُ يُكْسِبُ العالمَ الطَّاعةَ في حياته»؛ أي: يجعلُه مطاعًا؛ لأنَّ الحاجةَ إلى العلم عامةٌ لكلِّ أحدٍ، الملوك فمن دونهم، فكلُّ أحدٍ محتاجٌ إلى طاعة العالِم، فإنه يأمرُ بطاعة الله ورسوله، فيجبُ على الخلق طاعتُه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وفُسِّرَ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ بالعلماء. قال ابن عباس: «هم الفقهاءُ والعلماءُ أهلُ الدِّين، الذين يعلِّمون الناسَ دينَهم، أوجبَ اللهُ تعالى طاعتَهم». وهذا قولُ مجاهد والحسن والضحَّاك وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وفُسِّروا بالأمراء. وهو قولُ ابن زيد، وإحدى الروايتين عن ابن عباس وأحمد (٢).

стр. 488

والآيةُ تتناولهما جميعًا؛ فطاعةُ ولاة الأمر واجبةٌ إذا أمروا بطاعة الله ورسوله، وطاعةُ العلماء كذلك. فالعالِمُ بما جاء به الرسولُ العاملُ به أطوعُ في أهل الأرض من كلِّ أحد، فإذا مات أحيا اللهُ ذكرَه، ونشرَ له في العالمين أحسنَ الثناء. فالعالِمُ بعد وفاته ميتٌ وهو حيٌّ بين الناس، والجاهلُ في حياته حيٌّ وهو ميتٌ بين الناس، كما قيل: وفي الجهلِ قبل الموتِ موتٌ لأهله ... وأجسامُهم قبل القبور قبورُ وأرواحُهم في وَحْشةٍ مِنْ جُسُومِهم ... وليس لهم حتى النُّشورِ نُشورُ (١) وقال آخر: قد مات قومٌ وما ماتت مَكارِمُهم ... وعاشَ قومٌ وهم في الناس أمواتُ (٢) وقال آخر: وما دام ذِكْرُ العبد بالفضل باقيًا ... فذلك حيٌّ وهو في التُّرْبِ هالكُ (٣) ومن تأمَّل أحوال أئمَّة الإسلام ــ كأئمَّة الحديث والفقه ــ كيف هم تحت التراب وهم في العالَمين كأنهم أحياءٌ بينهم، لم يَفْقِدُوا منهم إلا صُوَرهم، وإلا فذِكرُهم وحديثُهم والثناءُ عليهم غير منقطع، وهذه هي الحياةُ

стр. 489

حقًّا، حتى عُدَّ ذلك حياةً ثانية، كما قال المتنبي (١): ذِكْرُ الفتى عَيْشُه الثاني وحاجتُه ... ما قاتَه وفضولُ العَيْشِ أشغالُ * قولُه: «وصنيعةُ المال تزولُ بزواله»؛ يعني: أنَّ كلَّ صنيعةٍ صُنِعَت للرجل من أجل ماله؛ من إكرامٍ ومحبَّةٍ وخدمةٍ وقضاءِ حوائجَ وتقديمٍ واحترامٍ وتوليةٍ وغير ذلك، فإنها إنما هي مراعاةٌ لماله، فإذا زال مالُه وفارقه زالت تلك الصنائعُ كلُّها، حتى إنه ربَّما لا يُسَلِّمُ عليه من كان يدأبُ في خدمته ويسعى في مصالحه. وقد أكثر الناسُ من هذا المعنى في أشعارهم وكلامهم. وفي مثل قولهم: «مَنْ وَدَّك لأمرٍ مَلَّك عند انقضائه» (٢) قال بعض العرب: وكان بنو عمِّي يقولون: مرحبًا ... فلمَّا رأوني مُعْسِرًا ماتَ مَرْحَبُ (٣)

стр. 490

ومن هذا ما قيل: «إذا أكرمَك الناسُ لمالٍ أو سلطانٍ فلا يُعْجِبَنَّك ذلك؛ فإنَّ زوالَ الكرامة بزوالهما، ولكن لِيُعْجِبْك (١) إن أكرموك لعلمٍ أو دين» (٢). وهذا أمرٌ لا يُنْكَرُ في الناس؛ حتى إنهم ليُكْرِمُون الرجلَ لثيابه، فإذا نزعها لم ير منهم تلك الكرامةَ وهو هو! قال مالك: «بلغني أنَّ أبا هريرة دُعِيَ إلى وليمةٍ فأتى، فحُجِب، فرجعَ فلبسَ غير تلك الثِّياب، فأُدْخِل، فلمَّا وُضِعَ الطعامُ أدخلَ كمَّه في الطعام، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: إنَّ هذه الثيابَ هي التي أُدخِلَت، فهي تأكُل». حكاه ابنُ مُزَين الطُّليطلي في «كتابه» (٣). وهذا بخلاف صنيعة العلم، فإنها لا تزولُ أبدًا، بل كلَّما لها (٤) في زيادة، ما لم يُسْلَبْ ذلك العالِمُ علمَه. وصنيعةُ العلم والدِّين أعظمُ من صنيعة المال؛ لأنها تكونُ بالقلب واللسان والجوارح، فهي صادرةٌ عن حبٍّ وإكرامٍ لأجل ما أودعه اللهُ تعالى

стр. 491

إياه من علمه وفَضَّلَه به على غيره. وأيضًا؛ فصنيعةُ العلم تابعةٌ لنفس العالِم وذاته، وصنيعةُ المال تابعةٌ لماله المنفصل عنه. وأيضًا؛ فصنيعةُ المال صنيعةُ معاوَضَة، وصنيعةُ العلم والدِّين صنيعةُ حبٍّ وتقرُّبٍ وديانة. وأيضًا؛ فصنيعةُ المال تكونُ مع البَرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، وأمَّا صنيعةُ العلم والدِّين فلا تكونُ إلا مع أهل ذلك. وقد يرادُ من هذا أيضًا معنًى آخر؛ وهو أنَّ من اصطنعتَ عنده صنيعةً بمالك، إذا زال ذلك المالُ وفارقه عَدِمت صنيعتك عنده، وأما من اصطنعتَ إليه صنيعةَ علمٍ وهدى فإنَّ تلك الصنيعةَ لا تفارقُه أبدًا، بل تُرى في كلِّ وقتٍ كأنك أسْدَيْتَها إليه حينئذ. * قولُه: «مات خُزَّانُ الأموال وهم أحياء»؛ قد تقدَّم بيانُه. * وكذلك قولُه: «والعلماءُ باقون ما بقي الدهر». * وقولُه: «أعيانُهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة»؛ المرادُ بـ «أمثالهم» صُوَرهم العلميَّة، ووجودُهم المثاليُّ، أي: وإن فُقِدت ذواتُهم فصُوَرهم وأمثالُهم في القلوب لا تفارقُها، وهذا هو الوجودُ الذِّهنيُّ العلمي؛ لأنَّ محبة الناس لهم، واقتداءهم بهم، وانتفاعهم بعلومهم، يوجبُ أن لا يزالوا نُصْبَ عيونهم، وقبلة قلوبهم، فهم موجودون معهم، وحاضرون عندهم، وإن غابت عنهم أعيانُهم، كما قيل:

стр. 492

ومِنْ عجبٍ أنِّي أحِنُّ إليهمُ ... وأسألُ عنهم من لقيتُ وهم معي وتَطْلُبهم عيني وهم في سَوادِها ... ويشتاقُهم قلبي وهم بين أضلُعِي (١) وقال آخر: ومِن عجبٍ أن يَشْكُوَ البعدَ عاشقٌ ... وهل غاب عن قلب المُحِبِّ حبيبُ خيالُك في عيني وذِكْرُك في فمي ... ومثواكَ في قلبي فأين تغيبُ (٢) قولُه: «آه؛ إنَّ هاهنا علمًا ــ وأشار إلى صدره ــ»؛ يدلُّ على جواز إخبار الرجل بما عنده من العلم والخير ليُقْتَبَس منه، وليُنتَفَع به، ومنه قول يوسف الصِّدِّيق ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. فمن أخبَر عن نفسه بمثل ذلك ليُكثِّر به ما يحبُّه الله ورسولُه من الخير فهو محمود، وهذا غير من أخبَر بذلك ليتكثَّر به عند الناس ويتعظَّم، وهذا يجازيه اللهُ بمَقْتِ الناس له، وصِغَرِه في أعينُهم، والأولُ يُكَبِّرُه في قلوبهم وعيونهم، وإنما الأعمالُ بالنيات. وكذلك إذا أثنى الرجلُ على نفسه ليَخْلُصَ بذلك من مظلمةٍ وشرٍّ، أو

стр. 493

ليستوفي بذلك حقًّا له يحتاجُ فيه إلى التعريف بحاله، أو ليقطعَ عنه أطماعَ السِّفلَة فيه، أو عند خِطْبته إلى من لا يعرفُ حالَه. والأحسنُ في هذا أن يوكِّل من يُعَرِّفُ به وبحاله؛ فإنَّ لسانَ ثناء المرء على نفسه قصير (١)، وهو في الغالب مذموم؛ لما يقترنُ به من الفخر والتعاظُم. ثمَّ ذكرَ أصنافَ حملة العلم الذين لا يصلحونَ لحمله، وهم أربعة: أحدُهم: من ليس هو بمأمونٍ عليه، وهو الذي أوتي ذكاءً وحفظًا، ولكن مع ذلك لم يؤتَ زكاءً؛ فهو يتخذُ العلمَ الذي هو آلةُ الدِّين آلةَ الدنيا، يَسْتَجْلِبُها به، ويتوسَّلُ بالعلم إليها، ويجعلُ البضاعةَ التي هي مُتَّجَرُ الآخرة مُتَّجَرَ الدنيا، وهذا غيرُ أمينٍ على ما حملَه من العلم، ولا يجعلُه اللهُ إمامًا فيه قطُّ؛ فإنَّ الأمينَ هو الذي لا غرض له ولا إرادة لنفسه إلا اتباع الحقِّ وموافقته، فلا يدعو إلى قيام رياسته ولا دنياه. وهذا الذي قد اتَّخذ بضاعةَ الآخرة ومُتَّجَرها مُتَّجَرًا للدنيا قد خان اللهَ وخان عبادَه وخان دينَه، فلهذا كان (٢) غير مأمونٍ عليه. * وقولُه: «يَسْتَظْهِرُ بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده»؛ هذه صفةُ هذا الخائن؛ إذا أنعمَ اللهُ عليه استظهر بتلك النعمة على الناس، وإذا تعلَّم علمًا استظهر به على كتاب الله. ومعنى استظهاره بالعلم على كتاب الله: تحكيمُه عليه وتقديمُه وإقامتُه

стр. 494

دونه. وهذه حالُ كثيرٍ ممن يحصُل له علم؛ فإنه يستغني به ويستظهرُ به ويحكِّمُه ويجعلُ كتابَ الله تبعًا له، يقال: اسْتَظْهَر فلانٌ على كذا بكذا، أي: ظَهَرَ عليه به، وتقدَّم فجعله وراءَ ظهره. وليست هذه حال العلماء؛ فإنَّ العالِمَ حقًّا يستظهرُ بكتاب الله على كلِّ ما سِواه، فيقدِّمه ويحكِّمُه، ويجعلُه إمامه، ويجعلُه عِيارًا على غيره مهيمنًا عليه، كما جعله الله تعالى كذلك. فالمُسْتَظْهِرُ به موفَّقٌ سعيد، والمُسْتَظْهِرُ عليه مخذولٌ شقيٌّ، فمن اسْتَظْهَر على الشيء فقد جعله خلفَ ظهره مقدِّمًا عليه ما اسْتَظْهَرَ به، وهذا حالُ من اشتغل بغير كتاب الله عنه، واكتفى بغيره منه، وقدَّم غيره وأخَّره. الصنف الثاني من حملة العلم: المنقادُ له، الذي لم يَثْلُجْ له صدرُه، ولم يطمئنَّ به قلبُه، بل هو ضعيفُ البصيرة فيه، لكنه منقادٌ لأهله. وهذه حالُ أتباع الحقِّ من مقلِّديهم، وهؤلاء وإن كانوا على سبيلِ نجاةٍ فليسوا من دعاة الدِّين، وإنما هم من مكثِّري سَواد الجيش، لا من أمرائه وفرسانه. والمنقاد: مُنْفَعِلٌ مِن قاده يَقُودُه، وهو مُطاوِعُ الثُّلاثي (١)، وأصلُه: مُنْقَيِد؛ كمُكْتَسِب، ثمَّ أُعِلَّت الياءُ ألفًا (٢) لحركتها بعد فتحة، فصار: مُنقاد؛

стр. 495

تقول: قُدْتُه فانقادَ، أي: لم يَمْتَنِع. والأحناء: جمعُ حِنْو، بوزن عِلْم، وهي الجوانبُ والنواحي، والعربُ تقول: ازجُر أحناءَ طَيْرِك، أي: أمْسِك نواحي خِفَّتِك وطَيْشِك يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا (١). قال لبيد (٢): فقلتُ ازدَجِرْ أحناءَ طَيْرِكَ واعْلَمَنْ ... بأنَّك إنْ قَدَّمتَ رِجْلَك عاثرُ والطيرُ هنا: الخِفَّةُ والطَّيش. * وقولُه: «ينقدحُ الشكُّ في قلبه بأوَّل عارضٍ من شبهة»؛ هذا لضَعْفِ علمه وقلَّة بصيرته، إذا وردَت على قلبه أدنى شبهةٍ قدحَت فيه الشكَّ والرَّيب، بخلاف الراسخ في العلم، لو وردَت عليه من الشُّبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينَه، ولا قدحَت فيه شكًّا؛ لأنه قد رسَخَ في العلم فلا تستفزُّه الشبهات، بل إذا وردَت عليه رَدَّها حرسُ العلم وجيشُه مغلولةً مغلوبة. والشبهةُ واردٌ يَرِدُ على القلب يحولُ بينه وبين انكشاف الحقِّ له، فمتى باشرَ القلبُ حقيقةَ العلم لم تؤثِّر تلك الشبهةُ فيه، بل يقوى علمُه ويقينُه بردِّها ومعرفة بطلانها، ومتى لم يباشِر حقيقةَ العلم بالحقِّ قلبُه قدحَتْ فيه الشكَّ بأول وهلة، فإن تداركَها وإلا تتابعت على قلبه أمثالُها، حتى يصيرَ شاكًّا مرتابًا.
следующие страницы →