← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إياه من علمه وفَضَّلَه به على غيره. وأيضًا؛ فصنيعةُ العلم تابعةٌ لنفس العالِم وذاته، وصنيعةُ المال تابعةٌ لماله المنفصل عنه. وأيضًا؛ فصنيعةُ المال صنيعةُ معاوَضَة، وصنيعةُ العلم والدِّين صنيعةُ حبٍّ وتقرُّبٍ وديانة. وأيضًا؛ فصنيعةُ المال تكونُ مع البَرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، وأمَّا صنيعةُ العلم والدِّين فلا تكونُ إلا مع أهل ذلك. وقد يرادُ من هذا أيضًا معنًى آخر؛ وهو أنَّ من اصطنعتَ عنده صنيعةً بمالك، إذا زال ذلك المالُ وفارقه عَدِمت صنيعتك عنده، وأما من اصطنعتَ إليه صنيعةَ علمٍ وهدى فإنَّ تلك الصنيعةَ لا تفارقُه أبدًا، بل تُرى في كلِّ وقتٍ كأنك أسْدَيْتَها إليه حينئذ. * قولُه: «مات خُزَّانُ الأموال وهم أحياء»؛ قد تقدَّم بيانُه. * وكذلك قولُه: «والعلماءُ باقون ما بقي الدهر». * وقولُه: «أعيانُهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة»؛ المرادُ بـ «أمثالهم» صُوَرهم العلميَّة، ووجودُهم المثاليُّ، أي: وإن فُقِدت ذواتُهم فصُوَرهم وأمثالُهم في القلوب لا تفارقُها، وهذا هو الوجودُ الذِّهنيُّ العلمي؛ لأنَّ محبة الناس لهم، واقتداءهم بهم، وانتفاعهم بعلومهم، يوجبُ أن لا يزالوا نُصْبَ عيونهم، وقبلة قلوبهم، فهم موجودون معهم، وحاضرون عندهم، وإن غابت عنهم أعيانُهم، كما قيل:

стр. 492

ومِنْ عجبٍ أنِّي أحِنُّ إليهمُ ... وأسألُ عنهم من لقيتُ وهم معي وتَطْلُبهم عيني وهم في سَوادِها ... ويشتاقُهم قلبي وهم بين أضلُعِي (١) وقال آخر: ومِن عجبٍ أن يَشْكُوَ البعدَ عاشقٌ ... وهل غاب عن قلب المُحِبِّ حبيبُ خيالُك في عيني وذِكْرُك في فمي ... ومثواكَ في قلبي فأين تغيبُ (٢) قولُه: «آه؛ إنَّ هاهنا علمًا ــ وأشار إلى صدره ــ»؛ يدلُّ على جواز إخبار الرجل بما عنده من العلم والخير ليُقْتَبَس منه، وليُنتَفَع به، ومنه قول يوسف الصِّدِّيق ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. فمن أخبَر عن نفسه بمثل ذلك ليُكثِّر به ما يحبُّه الله ورسولُه من الخير فهو محمود، وهذا غير من أخبَر بذلك ليتكثَّر به عند الناس ويتعظَّم، وهذا يجازيه اللهُ بمَقْتِ الناس له، وصِغَرِه في أعينُهم، والأولُ يُكَبِّرُه في قلوبهم وعيونهم، وإنما الأعمالُ بالنيات. وكذلك إذا أثنى الرجلُ على نفسه ليَخْلُصَ بذلك من مظلمةٍ وشرٍّ، أو

стр. 493

ليستوفي بذلك حقًّا له يحتاجُ فيه إلى التعريف بحاله، أو ليقطعَ عنه أطماعَ السِّفلَة فيه، أو عند خِطْبته إلى من لا يعرفُ حالَه. والأحسنُ في هذا أن يوكِّل من يُعَرِّفُ به وبحاله؛ فإنَّ لسانَ ثناء المرء على نفسه قصير (١)، وهو في الغالب مذموم؛ لما يقترنُ به من الفخر والتعاظُم. ثمَّ ذكرَ أصنافَ حملة العلم الذين لا يصلحونَ لحمله، وهم أربعة: أحدُهم: من ليس هو بمأمونٍ عليه، وهو الذي أوتي ذكاءً وحفظًا، ولكن مع ذلك لم يؤتَ زكاءً؛ فهو يتخذُ العلمَ الذي هو آلةُ الدِّين آلةَ الدنيا، يَسْتَجْلِبُها به، ويتوسَّلُ بالعلم إليها، ويجعلُ البضاعةَ التي هي مُتَّجَرُ الآخرة مُتَّجَرَ الدنيا، وهذا غيرُ أمينٍ على ما حملَه من العلم، ولا يجعلُه اللهُ إمامًا فيه قطُّ؛ فإنَّ الأمينَ هو الذي لا غرض له ولا إرادة لنفسه إلا اتباع الحقِّ وموافقته، فلا يدعو إلى قيام رياسته ولا دنياه. وهذا الذي قد اتَّخذ بضاعةَ الآخرة ومُتَّجَرها مُتَّجَرًا للدنيا قد خان اللهَ وخان عبادَه وخان دينَه، فلهذا كان (٢) غير مأمونٍ عليه. * وقولُه: «يَسْتَظْهِرُ بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده»؛ هذه صفةُ هذا الخائن؛ إذا أنعمَ اللهُ عليه استظهر بتلك النعمة على الناس، وإذا تعلَّم علمًا استظهر به على كتاب الله. ومعنى استظهاره بالعلم على كتاب الله: تحكيمُه عليه وتقديمُه وإقامتُه

стр. 494

دونه. وهذه حالُ كثيرٍ ممن يحصُل له علم؛ فإنه يستغني به ويستظهرُ به ويحكِّمُه ويجعلُ كتابَ الله تبعًا له، يقال: اسْتَظْهَر فلانٌ على كذا بكذا، أي: ظَهَرَ عليه به، وتقدَّم فجعله وراءَ ظهره. وليست هذه حال العلماء؛ فإنَّ العالِمَ حقًّا يستظهرُ بكتاب الله على كلِّ ما سِواه، فيقدِّمه ويحكِّمُه، ويجعلُه إمامه، ويجعلُه عِيارًا على غيره مهيمنًا عليه، كما جعله الله تعالى كذلك. فالمُسْتَظْهِرُ به موفَّقٌ سعيد، والمُسْتَظْهِرُ عليه مخذولٌ شقيٌّ، فمن اسْتَظْهَر على الشيء فقد جعله خلفَ ظهره مقدِّمًا عليه ما اسْتَظْهَرَ به، وهذا حالُ من اشتغل بغير كتاب الله عنه، واكتفى بغيره منه، وقدَّم غيره وأخَّره. الصنف الثاني من حملة العلم: المنقادُ له، الذي لم يَثْلُجْ له صدرُه، ولم يطمئنَّ به قلبُه، بل هو ضعيفُ البصيرة فيه، لكنه منقادٌ لأهله. وهذه حالُ أتباع الحقِّ من مقلِّديهم، وهؤلاء وإن كانوا على سبيلِ نجاةٍ فليسوا من دعاة الدِّين، وإنما هم من مكثِّري سَواد الجيش، لا من أمرائه وفرسانه. والمنقاد: مُنْفَعِلٌ مِن قاده يَقُودُه، وهو مُطاوِعُ الثُّلاثي (١)، وأصلُه: مُنْقَيِد؛ كمُكْتَسِب، ثمَّ أُعِلَّت الياءُ ألفًا (٢) لحركتها بعد فتحة، فصار: مُنقاد؛

стр. 495

تقول: قُدْتُه فانقادَ، أي: لم يَمْتَنِع. والأحناء: جمعُ حِنْو، بوزن عِلْم، وهي الجوانبُ والنواحي، والعربُ تقول: ازجُر أحناءَ طَيْرِك، أي: أمْسِك نواحي خِفَّتِك وطَيْشِك يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا (١). قال لبيد (٢): فقلتُ ازدَجِرْ أحناءَ طَيْرِكَ واعْلَمَنْ ... بأنَّك إنْ قَدَّمتَ رِجْلَك عاثرُ والطيرُ هنا: الخِفَّةُ والطَّيش. * وقولُه: «ينقدحُ الشكُّ في قلبه بأوَّل عارضٍ من شبهة»؛ هذا لضَعْفِ علمه وقلَّة بصيرته، إذا وردَت على قلبه أدنى شبهةٍ قدحَت فيه الشكَّ والرَّيب، بخلاف الراسخ في العلم، لو وردَت عليه من الشُّبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينَه، ولا قدحَت فيه شكًّا؛ لأنه قد رسَخَ في العلم فلا تستفزُّه الشبهات، بل إذا وردَت عليه رَدَّها حرسُ العلم وجيشُه مغلولةً مغلوبة. والشبهةُ واردٌ يَرِدُ على القلب يحولُ بينه وبين انكشاف الحقِّ له، فمتى باشرَ القلبُ حقيقةَ العلم لم تؤثِّر تلك الشبهةُ فيه، بل يقوى علمُه ويقينُه بردِّها ومعرفة بطلانها، ومتى لم يباشِر حقيقةَ العلم بالحقِّ قلبُه قدحَتْ فيه الشكَّ بأول وهلة، فإن تداركَها وإلا تتابعت على قلبه أمثالُها، حتى يصيرَ شاكًّا مرتابًا.

стр. 496

والقلبُ يتواردُه جيشان من الباطل: جيشُ شهوات الغيِّ، وجيشُ شبهات الباطل. فأيما قلبٍ صغا إليها وركنَ إليها تَشَرَّبها وامتلأ بها، فينضحُ لسانُه وجوارحُه بمُوجَبها، فإن أُشْرِبَ شبهات الباطل تفجَّرت على لسانه الشكوكُ والشبهاتُ والإيرادات، فيظنُّ الجاهلُ أنَّ ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه! وقال لي شيخُ الإسلام ﵁ ــ وقد جعلتُ أوردُ عليه إيرادًا بعد إيراد ــ: «لا تجعل قلبَك للإيرادات والشبهات مثل السِّفِنْجَة، فيتشرَّبها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المُصْمَتة، تمرُّ الشبهاتُ بظاهرها ولا تستقرُّ فيها، فيراها بصفائه، ويدفعُها بصلابته، وإلا فإذا أَشْرَبتَ قلبَك كلَّ شبهةٍ تمرُّ عليك صار مقرًّا للشبهات» (١)، أو كما قال؛ فما أعلمُ أني انتفعتُ بوصيَّةٍ في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك. وإنما سُمِّيت الشبهةُ شبهةً لاشتباه الحقِّ بالباطل فيها؛ فإنها تلبسُ ثوبَ الحقِّ على جسم الباطل، وأكثرُ الناس أصحابُ حُسْنٍ ظاهر، فينظرُ الناظرُ فيما أُلبِسَتْهُ من اللباس فيعتقدُ صحتها، وأما صاحبُ العلم واليقين فإنه لا يغترُّ بذلك، بل يجاوزُ نظرَه إلى باطنها وما تحت لباسها، فينكشفُ له حقيقتُها.

стр. 497

ومثالُ هذا: الدرهمُ الزائف؛ فإنه يغترُّ به الجاهلُ بالنقد، نظرًا إلى ما عليه من لباس الفضَّة، والناقدُ البصيرُ يجاوزُ نظرَه إلى ما وراء ذلك فيطَّلعُ على زيفه. فاللفظُ الحسنُ الفصيحُ هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضَّة على الدرهم الزائف، والمعنى كالنحاس الذي تحته (١). وكم قد قتلَ هذا الاغترارُ من خلقٍ لا يحصيهم إلا الله! وإذا تأمَّل العاقلُ الفَطِنُ هذا القَدْرَ وتدبَّره رأى أكثر الناس يقبَلُ المذهبَ والمقالةَ بلفظٍ، ويردُّها بعينها بلفظٍ آخر!، وقد رأيتُ أنا من هذا في كتب الناس ما شاء الله. وكم قد رُدَّ من الحقِّ بتشنيعه بلباسٍ من اللفظ قبيح! وفي مثل هذا قال أئمَّةُ السُّنَّة ــ منهم الإمامُ أحمد وغيره ــ: «لا نُزِيلُ عن الله صفةً من صفاته لأجل شَناعةٍ شُنِّعَت» (٢). فهؤلاء الجهميةُ يسمُّون إثباتَ صفات الكمال لله ــ من حياته، وعلمه، وكلامه، وسمعه، وبصره، وسائر ما وصف به نفسَه ــ تشبيهًا وتجسيمًا، ومن أثبتَ ذلك مشبِّهًا؛ فلا يَنْفِرُ من هذا المعنى الحقِّ لأجل هذه التسمية الباطلة إلا العقولُ الصغيرةُ القاصرةُ

стр. 498

خفافيشُ البصائر. وكلُّ أهل نِحْلَةٍ ومقالةٍ يَكْسُونَ نِحْلَتهم ومقالتهم أحسنَ ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومقالةَ مخالفيهم أقبحَ ما يقدرون عليه من الألفاظ (١)، ومن رزقه اللهُ بصيرةً فهو يكشفُ بها حقيقةَ ما تحت تلك الألفاظ من الحقِّ والباطل، ولا يغترُّ باللفظ، كما قيل في هذا المعنى: تقولُ هذا جَنى النَّحْلِ (٢) تمدحُه ... وإن تشأْ قلتَ ذا قيءُ الزَّنابيرِ مدحًا وذمًّا وما جَاوزتَ وَصْفَهما ... والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبيرِ (٣) فإذا أردتَ الاطلاعَ على كُنْه المعنى: هل هو حقٌّ أو باطل؟ فجرِّدْه من لباس العبارة، وجرِّدْ قلبك من النُّفرة والمَيْل، ثمَّ أَعْطِ النظرَ حقَّه، ناظرًا بعين الإنصاف، ولا تكن ممَّن ينظرُ في مقالة أصحابه ومن يحسِنُ ظنَّه به نظرًا تامًّا بكلِّ قلبه، ثمَّ ينظرُ في مقالة خصومه ومن يسيءُ ظنَّه به كنظر الشَّزْر والملاحظة. فالناظرُ بعين العداوة يرى المحاسنَ مساواء، والناظرُ بعين المحبة عكسُه، وما سَلِمَ من هذا إلا من أراد الله كرامتَه وارتضاه لقبول الحقِّ، وقد قيل (٤):

стр. 499

وعينُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ... كما أنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المساويا وقال آخر (١): نظروا بعينِ عداوةٍ ولو انها ... عينُ الرِّضا لاستحسَنوا ما استقبَحوا فإذا كان هذا في نظر العين الذي يُدْرِكُ المحسوسات، ولا يتمكَّن من المكابرة فيها، فما الظنُّ بنظر القلب الذي يُدْرِكُ المعاني التي هي عُرْضةُ المكابرة؟! والله المستعان على معرفة الحقِّ وقبوله، وردِّ الباطل وعدم الاغترار به. * وقولُه: «بأول عارضٍ من شبهة»؛ هذا دليلٌ على ضعف عقله ومعرفته، إذ تؤثِّر فيه البَدَوات (٢)، وتستفزُّه أوائلُ الأمور، بخلاف الثابت التامِّ العقل (٣)، فإنه لا تستفزُّه البَدَواتُ ولا تُزْعِجُه وتُقْلِقُه؛ فإنَّ الباطل له دهشةٌ وروعةٌ في أوَّله، فإذا ثبت له القلبُ رُدَّ على عقبيه. والله يحبُّ من عبده الحِلْمَ والأناة، فلا يَعْجَل، بل يثبتُ حتى يعلمَ ويَسْتَيْقِنَ ما وردَ عليه، ولا يَعْجَل بأمرٍ من قبل استحكامه، فالعجلةُ والطَّيشُ من الشيطان. فمن ثبت عند صدمة البَدَوات استقبلَ أمره بعلمٍ وحزم، ومن لم يثبت لها استقبله بعجلةٍ وطيش، وعاقبتُه الندامة، وعاقبةُ الأول حَمْدُ أمره، ولكنَّ للأول آفةً متى قُرِنَت بالحزم والعزم نجا منها، وهي الفَوْت، فإنه لا يُخافُ

стр. 500

من التثبُّت إلا الفَوْت، فإذا اقترنَ به العزمُ والحزمُ تمَّ أمرُه. ولهذا في الدعاء الذي رواه الإمام أحمد والنسائيُّ عن النبيِّ ﷺ : «اللهم إني أسألُك الثباتَ في الأمر، والعزيمةَ على الرُّشد» (١). وهاتان الكلمتان هما جِماعُ الفلاح، وما أُتِيَ العبدُ إلا من تضييعهما أو تضييع أحدهما، فما أُتِيَ أحدٌ إلا من باب العجلة والطَّيش واستفزاز البَدَوات له، أو من باب التهاون والتماوُت وتضييع الفرصة بعد مُواتاتها، فإذا حصلَ الثبات أوَّلًا والعزم ثانيًا أفلحَ كلَّ الفلاح، والله وليُّ التوفيق. الصنف الثالث: رجلٌ نَهْمَتُه في نيل لذَّته، فهو منقادٌ لداعي الشهوة أين كان، ولا ينالُ درجةَ وراثة النبوَّة مع ذلك، ولا ينالُ العلم إلا بهجر اللذَّات وتطليق الراحة. قال مسلم في «صحيحه» (٢): «قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنالُ العلمُ براحة الجسم». وقال إبراهيم الحربي: «أجمع عقلاءُ كلِّ أمَّةٍ أنَّ النعيمَ لا يُدْرَكُ بالنعيم، ومن آثر الراحةَ فاتته الراحة» (٣).

стр. 501

فما لصاحب اللذَّات وما لدرجة وراثة الأنبياء! فَدَعْ عنك الكتابةَ لست منها ... ولو سَوَّدْتَ وجهَك بالمِدادِ (١) فإنَّ العلمَ صناعةُ القلب وشُغْلُه؛ فما لم يتفرَّغ لصناعته وشغله لم يَنلْها، وله وِجْهَةٌ واحدة؛ فإذا وُجِّهَت وِجْهَته إلى اللذَّات والشهوات انصرفَت عن العلم. ومن (٢) لم تغلِبْ (٣) لذَّةُ إدراكه للعلم وشهوتُه على لذَّة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجةَ العلم أبدًا، فإذا صارت شهوتُه في العلم ولذَّتُه في إدراكه رُجِيَ له أن يكون من جملة أهله. ولذَّةُ العلم لذَّةٌ عقليَّةٌ روحانيَّةٌ من جنس لذَّة الملائكة، ولذَّةُ شهوات الأكل والشراب والنكاح لذَّةٌ حيوانيَّةٌ يشاركُ الإنسانَ فيها الحيوان، ولذَّةُ الشرِّ والظلم والفساد والعلوِّ في الأرض شيطانيَّةٌ يشاركُ صاحبَها فيها إبليسُ وجنودُه. وسائرُ اللذَّات تبطلُ بمفارقة الروح البدن، إلا لذَّةُ العلم والإيمان، فإنها تَكْمُلُ بعد المفارقة؛ لأنَّ البدنَ وشواغلَه كان يَنْقُصها ويقلِّلها ويحجُبها، فإذا انطوت الروحُ عن البدن التذَّت لذَّةً كاملةً بما حصَّلته من العلم النافع والعمل الصالح؛ فمن طلب اللذَّةَ العظمى، وآثر النعيمَ المقيم، فهو في العلم والإيمان اللذَين بهما كمالُ سعادة الإنسان.

стр. 502

وأيضًا؛ فإنَّ تلك اللذَّات سريعةُ الزوال، وإذا انقضت أعقَبَت همًّا وغمًّا وألمًا يحتاجُ صاحبُها أن يداويه بمثلها دفعًا لألمه، وربَّما كان معاودتُه لها مؤلمًا له كريهًا إليه، لكن يَحْمِلُه عليه مداواةُ ذلك الغمِّ والهمِّ. فأين هذا من لذَّة العلم، ولذَّة الإيمان بالله، ومحبَّته، والإقبال عليه، والتنعُّم بذكره؟! فهذه هي اللذَّةُ الحقيقية. الصنفُ الرابع: مَنْ حرصُه وهِمَّتُه في جمع الأموال وتثميرها وادِّخارها، فقد صارت لذَّتُه في ذلك، وفَنِيَ بها عمَّا سواه، فلا يرى شيئًا أطيبَ له ممَّا هو فيه، فأين هذا ودرجةُ العلم؟! فهؤلاء الأصنافُ الأربعةُ ليسوا من دعاة الدِّين، ولا من أئمَّة العلم، ولا من طلبته الصادقين في طلبه، ومن تعلَّق منهم بشيءٍ منه فهو من المتسلِّقين عليه، المتشبِّهين بحَمَلته وأهله، المدَّعين لوصاله، المبتُوتين من حِباله. وفتنةُ هؤلاء فتنةٌ لكلِّ مفتون؛ فإنَّ الناسَ يتشبَّهون بهم؛ لِمَا يظنُّون عندهم من العلم، ويقولون: «لسنا خيرًا منهم، ولا نرغبُ بأنفسنا عنهم»؛ فهم حجَّةٌ لكلِّ مفتون، ولهذا قال فيهم بعضُ الصحابة الكرام: «احذروا فتنةَ العالِم الفاجر والعابد الجاهل؛ فإنَّ فتنتَهما فتنةٌ لكلِّ مفتون» (١). * وقولُه: «أقربُ شبهًا بهم الأنعامُ السائمة»؛ هذا التشبيه مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، فما اقتصر سبحانه

стр. 503

على تشبيههم بالأنعام حتى جعلهم أضلَّ سبيلًا منهم. والسائمة: الراعية، وشبَّه أميرُ المؤمنين هؤلاء بها؛ لأنَّ هِمَّتهم في رَعْي الدنيا وحطامها. والله تعالى يشبِّه أهلَ الجهل والغيِّ تارةً بالأنعام، وتارةً بالحُمُر، وهذا تشبيهٌ لمن تعلَّم علمًا ولم يَعْقِلْه ولم يعمل به، فهو كالحمار الذي يحملُ أسفارًا، وتارةً بالكلب، وهذا لمن انسلخَ عن العلم وأخلدَ إلى الشهوات والهوى. * وقولُه: «كذلك يموتُ العلمُ بموت حامليه»؛ هذا من قول النبيِّ ﷺ في حديث عبد الله بن عمرٍو وعائشة وغيرهما: «إنَّ الله لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُه من صدور الرجال، ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء؛ فإذا لم يَبْقَ عالِمٌ ا تخذَ الناسُ رؤساءَ جهَّالًا، فسُئلوا، فأفتَوا بغير علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا»، رواه البخاري في «صحيحه» (١). فذهابُ العلم إنما هو بذهاب العلماء. قال ابن مسعودٍ يوم مات عمر ﵁: «إني لأحسبُ تسعة أعشار العلم اليوم قد ذهَب» (٢). وقد تقدَّم قولُ عمر ﵁: «موتُ ألف عابدٍ أهونُ من موت عالمٍ بصيرٍ بحلال الله وحرامه» (٣).

стр. 504

* وقولُه: «اللهمَّ بلى! لن تخلوَ الأرضُ من مجتهدٍ قائمٍ بحجج الله»؛ ويدلُّ عليه الحديثُ الصحيحُ عن النبيِّ ﷺ : «لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك» (١). ويدلُّ عليه أيضًا ما رواه الترمذي عن قتيبة: حدثنا حماد بن يحيى الأبحّ، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مثلُ أمَّتي مثلُ المطر لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أم آخرُه» (٢). قال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب، ويروى عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يثبِّت حمادَ بن يحيى الأبحّ، وكان يقول: هو من شيوخنا. وفي الباب عن عمَّار وعبد الله بن عمرو». فلو لم يكن في أواخر الأمَّة قائمٌ بحجج الله، مجتهد، لم يكونوا موصوفين بهذه الخيريَّة.

стр. 505

وأيضًا؛ فإنَّ هذه الأمَّة أكملُ الأمم، وخيرُ أمَّةٍ أُخرِجَت للناس، ونبيُّها خاتمُ النبيِّين لا نبيَّ بعده، فجعلَ اللهُ العلماءَ فيها كلَّما هلكَ عالمٌ خَلَفَه عالم؛ لئلَّا تُطْمَسَ معالمُ الدين وتخفى أعلامُه، وكان بنو إسرائيل كلما هلك فيهم نبيٌّ خَلَفَه نبي، فكانت تَسُوسُهم الأنبياء (١)، والعلماءُ لهذه الأمَّة كالأنبياء في بني إسرائيل (٢). وأيضًا؛ ففي الحديث الآخر: «يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عدولُه، ينفونَ عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المُبْطِلين، وتأويلَ الجاهلين» (٣)، وهذا يدلُّ على أنه لا يزالُ محمولًا في القرون قرنًا بعد قرن. وفي «صحيح أبي حاتم» من حديث الخولانيِّ: قال رسولُ الله ﷺ : «لا يزالُ اللهُ يغرسُ في هذا الدِّين غرسًا يستعملُهم في طاعته» (٤)، وغَرْسُ الله هم

стр. 506

أهلُ العلم والعمل، فلو خلت الأرضُ من عالمٍ خلت من غَرْسِ الله. ولهذا القول (١) حججٌ كثيرةٌ لها موضعٌ آخر. وزاد الكذَّابون في حديث علي: « ... إمَّا ظاهرًا مشهورًا، وإمَّا خفيًّا مستورًا» (٢)، وظنُّوا أنَّ ذلك دليلٌ لهم على القول بالمُنتَظَر، ولكنَّ هذه الزيادة مِنْ وَضْع بعض كذَّابيهم (٣)، والحديثُ مشهورٌ عن عليٍّ لم يَقُلْ (٤) أحدٌ عنه هذه المقالة (٥) إلا كذَّاب. وحججُ الله لا تقومُ بخفيٍّ مستورٍ لا يقعُ العالَمُ له على خبر، ولا ينتفعون به في شيءٍ أصلًا؛ فلا جاهلٌ يتعلَّمُ منه، ولا ضالٌّ يهتدي به، ولا خائفٌ يأمنُ به، ولا ذليلٌ يتعزَّزُ به، فأيُّ حجَّةٍ لله قامت بمن لا يُرى له شخص، ولا يُسْمَعُ منه كلمة، ولا يُعْلَمُ له مكان؟! ولا سيما على أصول القائلين به، فإنَّ الذي دعاهم إلى ذلك أنهم قالوا: لا بدَّ منه في اللُّطْف

стр. 507

بالمكلَّفين وانقطاع حجَّتهم عن الله (١). فيا لله العجب! أيُّ لُطْفٍ حصل بهذا المعدوم، لا المعصوم؟! (٢) وأيُّ حجَّةٍ أثبتُّم للخلق على ربهم بأصلكم الباطل؟! فإنَّ هذا المعدومَ إذا لم يكن لهم سبيلٌ قطُّ إلى لقائه والاهتداء به، فهل في تكليف ما لا يطاقُ أبلغُ من هذا؟! وهل في العذر والحجَّة أبلغُ من هذا؟! فالذي فررتم منه وقعتم في شرٍّ منه، وكنتم في ذلك كما قيل: المستجيرُ بعمرٍو عند كُرْبته ... كالمستجير من الرَّمضاءِ بالنارِ (٣) ولكن أبى اللهُ إلا أن يفضحَ من تنقَّصَ بالصحابة الأخيار وبسادة هذه الأمَّة، وأن يُرِيَ الناسَ عورتَه ويُغْرِيه بكشفها. ونعوذُ بالله من الخذلان. ولقد أحسن القائل: ما آنَ للسِّرداب أن يَلِدَ الذي ... حمَّلتمُوه (٤) بزعمكم ما آنا فعلى عقولكم العَفاءُ فإنَّكم ... ثَلَّثتُم العَنْقاءَ والغِيلانا (٥)

стр. 508

ولقد بطلت حججٌ استُودِعَها مثلُ هذا الغائب، وضاعت أعظمَ ضياع، فأنتم أبطلتم حججَ الله من حيث زعمتم حِفْظَها! وهذا تصريحٌ من أمير المؤمنين ﵁ بأنَّ حاملَ حجج الله لابدَّ أن يكون في الأرض، بحيث يؤدِّيها عن الله، ويبلِّغها إلى عباده، مثلُه ﵁، ومثلُ إخوانه من الخلفاء الراشدين ومن اتبعهم إلى يوم القيامة. * وقولُه: «لكيلا تبطُل حججُ الله وبيِّناتُه»؛ أي: لكيلا تذهبَ من بين أيدي الناس، وتبطُل من صدورهم، وإلا فالبطلانُ محالٌ عليها؛ لأنها ملزومُ ما يستحيلُ عليه البطلان. فإن قيل: فما الفرقُ بين الحجج والبيِّنات؟ قيل: الفرقُ بينهما أنَّ الحججَ هي الأدلَّةُ العلميةُ التي يَعْقِلُها القلب، وتَسْتَمِعُها الأذن (١). قال تعالى في مناظرة إبراهيم لقومه، وتبيينه بطلانَ ما هم عليه بالدليل العلمي: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، قال ابن زيد (٢): «بعلم الحجَّة». وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]،

стр. 509

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]. والحجَّةُ هي اسمٌ لما يُحْتَجُّ به من حقٍّ وباطل؛ قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، يعني: فإنهم يحتجُّون عليكم بحجَّةٍ باطلة، ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]. والحجَّةُ المضافةُ إلى الله تعالى: هي الحق. وقد تكون الحجَّةُ بمعنى المُخاصَمة، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، أي: قد وَضَحَ الحقُّ واستبانَ وظَهَر، فلا خصومة بيننا بعد ظهوره ولا مجادلة؛ فإنَّ الجدال شريعةٌ موضوعةٌ للتعاون على إظهار الحق، فإذا ظهر الحقُّ ولم يبقَ به خفاءٌ فلا فائدة في الخصومة والجدال على بصيرة، [فإن] مخاصمةَ المتكبِّر (١) ومجادلتَه عناءٌ لا غناءَ فيه (٢).

стр. 510

هذا معنى هذه الآية. وقد يقعُ في وهم كثيرٍ من الجُهَّال أنَّ الشريعةَ لا احتجاجَ فيها، وأنَّ المُرْسَلَ بها ﷺ لم يكن يحتجُّ على خصومه ولا يجادلهم، ويظنُّ جُهَّالُ المنطقيِّين وفروخُ اليونان أنَّ الشريعةَ خطابٌ للجمهور ولا احتجاجَ فيها، وأنَّ الأنبياء دعَوا الجمهورَ بطريق الخَطابة، والحججُ للخواصِّ، وهم أهلُ البرهان، يَعْنُونَ نفوسَهم ومن سلك طريقتهم. وكلُّ هذا من جهلهم بالشريعة والقرآن؛ فإنَّ القرآنَ مملوءٌ من الحجج والأدلَّة والبراهين في مسائل التوحيد وإثبات الصانع والمعاد وإرسال الرسل وحدوث العالم (١)، فلا يذكرُ المتكلِّمون وغيرهم دليلًا صحيحًا على ذلك إلا وهو في القرآن بأحسن عبارة، وأوضح بيان، وأتمِّ معنى، وأبعده عن الإيرادات والأسئلة. وقد اعترفَ بهذا حُذَّاقُ المتكلِّمين من المتقدِّمين والمتأخِّرين. قال أبو حامد في أول «الإحياء» (٢): «فإن قلت: فلم لم تُورِد في أقسام العلم الكلامَ والفلسفة، وتبيِّن أنهما مذمومان أو ممدوحان؟ فاعلم أنَّ حاصل ما يشتملُ عليه الكلامُ من الأدلة التي يُنتفَعُ بها فالقرآنُ والأخبارُ مشتملةٌ عليه، وما خرج عنهما فهو إمَّا مجادلةٌ مذمومة، وهي من البدع كما سيأتي بيانه، وإمَّا مشاغبةٌ بالتعلُّق بمناقضات الفِرَق، وتطويلٌ بنقل المقالات التي أكثرها تُرَّهاتٌ وهذياناتٌ تزدريها الطِّباعُ وتَمُجُّها الأسماع،

стр. 511

وبعضها خوضٌ فيما لا يتعلَّقُ بالدِّين، ولم يكن شيءٌ منه مألوفًا في العصر الأول (١)، ولكن تغيَّر الآن حكمُه إذ حدثت البدعُ الصارفةُ عن مقتضى القرآن والسنَّة، فلفَّقتْ لها شبهًا، ورتَّبتْ لها كلامًا مؤلَّفًا (٢)، فصار ذلك المحظورُ بحكم الضرورة مأذونًا فيه». وقال الرازي في كتابه «أقسام اللذَّات» (٣): «لقد تأمَّلتُ الكتبَ الكلاميَّة، والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتُها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقةَ القرآن، اقرأ (٤) في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ومن جَرَّبَ مثل تجربتي عرف مثل معرفتي» (٥). وهذا الذي أشار إليه بحسب ما فُتِحَ له من دلالة القرآن بطريق الخبر، وإلا فدلالتُه البرهانيةُ العقليةُ التي يشيرُ إليها ويرشدُ إليها، فتكونُ دليلًا سمعيًّا عقليًّا= أمرٌ تميَّز به القرآنُ وصار العالِمُ به من الراسخين في العلم، وهو العلمُ الذي يطمئنُّ إليه القلب، وتَسْكُنُ عنده النفس، ويزكو به العقل، وتستنيرُ به البصيرة، وتقوى به الحجَّة، ولا سبيل لأحدٍ من العالمين إلى قطع

стр. 512

من حاجَّ به، بل من خاصمَ به فَلَجَتْ حجَّتُه (١)، وكسرَ شبهةَ خصمه، وبه فُتِحَت القلوب، واستُجِيبَ لله ورسوله، ولكنَّ أهل هذا العلم لا تكادُ الأعصارُ تَسْمَحُ منهم إلا بالواحد بعد الواحد. فدلالةُ القرآن سمعيةٌ عقلية، قطعيةٌ يقينية، لا تعترضُها الشبهات، ولا تتداولها الاحتمالات، ولا ينصرفُ القلبُ عنها بعد فهمها أبدًا. وقال بعضُ المتكلِّمين: أفنيتُ عمري في الكلام أطلبُ الدليل، وإذا أنا لا أزدادُ إلا بعدًا عن الدليل، فرجعتُ إلى القرآن أتدبَّره وأتفكَّر فيه، وإذا أنا بالدليل حقًّا معي وأنا لا أشعرُ به، فقلت: والله ما مثلي إلا كما قال القائل: ومن العجائب والعجائبُ جمَّةٌ ... قُرْبُ الحبيب وما إليه وصولُ كالعِيسِ في البيداءِ يقتلها الظَّما ... والماءُ فوق ظهورها محمولُ (٢) قال: فلمَّا رجعتُ إلى القرآن إذا هو الحكمُ والدليل، ورأيتُ فيه من أدلَّة الله وحججه وبراهينه وبيِّناته ما لو جُمِعَ كلُّ حقٍّ قاله المتكلِّمون في كتبهم لكانت سورةٌ من سور القرآن وافيةً بمضمونه، مع حُسْن البيان، وفصاحة اللفظ، وتطبيق المَفْصِل (٣)، وحُسْن الاحتراز، والتنبيه على مواقع الشُّبه، والإرشاد إلى جوابها، وإذا هو كما قيل ــ بل فوق ما قيل ــ:

стр. 513

كفى وشفى ما في الفؤاد فلم يَدَعْ ... لذي أرَبٍ في القول جدًّا ولا هَزْلا (١) وجعلَت جيوشُ الكلام بعد ذلك تفدُ إليَّ (٢) كما كانت، وتتزاحمُ في صدري، ولا يأذنُ لها القلبُ بالدخول فيه، ولا تلقى منه إقبالًا ولا قبولًا، فترجعُ على أدبارها. والمقصودُ أنَّ القرآن مملوءٌ بالاحتجاج، وفيه جميعُ أنواع الأدلَّة والأقيسة الصحيحة. وأمر الله تعالى رسولَه ﷺ فيه بإقامة الحجَّة والمجادلة؛ فقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وهذه مناظراتُ القرآن مع الكفار موجودةٌ فيه، وهذه مناظراتُ رسول الله ﷺ وأصحابه لخصومهم، وإقامةُ الحجج عليهم، لا ينكرُ ذلك إلا جاهلٌ مُفْرِطٌ في الجهل. والمقصودُ الفرقُ بين الحجج والبيِّنات (٣)، فنقول: الحُجج: الأدلةُ العلمية، والبيِّنات: جمعُ بيِّنة، وهي صفةٌ في الأصل، يقال: آيةٌ بيِّنة، وحجةٌ بيِّنة. والبيِّنة: اسمٌ لكل ما يبيِّن الحقَّ، من علامةٍ منصوبةٍ أو أمارةٍ أو دليلٍ

стр. 514

علمي (١)، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فالبيِّنات: الآياتُ التي أقامها اللهُ دلالةً على صدقهم من المعجزات، والكتابُ: هو الدعوة. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]، ومقامُ إبراهيم آيةٌ جزئيةٌ مرئيةٌ بالأبصار، وهو من آيات الله الموجودة في العالم. ومنه قولُ موسى لفرعون وقومه: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ [الأعراف: ١٠٥ - ١٠٧]، وكان إلقاءُ العصا وانقلابها حيَّةً هو البيِّنة. وقال قومُ هودٍ: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣]، يريدونَ آيةَ الاقتراح، وإلا فهو قد جاءهم بما يعرفون به أنه رسولُ الله إليهم، فطلبُ الآية بعد ذلك تعنُّتٌ واقتراحٌ لا يكون لهم عذرٌ في عدم الإجابة إليه. وهذه هي الآياتُ التي قال اللهُ تعالى فيها: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فعدمُ إجابته سبحانه إليها إذ طلبها الكفارُ [كان] رحمةً منه وإحسانًا؛ فإنه جرَت سُنَّته التي لا تبديل لها أنهم إذا طلبوا الآيةَ واقترحوها وأجيبوا ولم يؤمنوا عُوجِلوا بعذاب الاستئصال (٢)،

стр. 515

فلمَّا علم سبحانه أنَّ هؤلاء لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آيةٍ لم يُجِبْهم إلى ما طلبوا، فلم يَعُمَّهم بعذاب، لِمَا أخرجَ من بنيهم ومن أصلابهم من عباده المؤمنين، وأنَّ أكثرهم آمنَ بعد ذلك بغير الآية التي اقترحوها. فكان عدمُ إنزال الآيات المطلوبة من تمام حكمة الربِّ ورحمته وإحسانه، بخلاف الحُجج فإنها لم تزل متتابعةً يتلو بعضُها بعضًا، وهي كلَّ يومٍ في مزيد، وتوفِّي رسولُ الله ﷺ وهي أكثرُ ما كانت، وهي باقيةٌ إلى يوم القيامة. * وقوله: «أولئك الأقلُّون عددًا، الأعظمون عند الله قَدْرًا»؛ يعني: هذا الصنفُ من الناس أقلُّ الخلق عددًا، وهذا سببُ غُرْبَتهم (١)؛ فإنهم قليلون في الناس، والناسُ على خلاف طريقتهم، فلهم نبأٌ وللناس نبأ، قال النبيُّ ﷺ : «بدأ الإسلامُ غريبًا، وسيعودُ غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء» (٢)، فالمؤمنون قليلٌ (٣) في الناس، والعلماءُ قليلٌ في المؤمنين، وهؤلاء قليلٌ في العلماء. وإياك أن تغترَّ بما يغترُّ به الجاهلون، فإنهم يقولون: لو كان هؤلاء على حقٍّ لم يكونوا أقلَّ الناس عددًا، والناسُ على خلافهم؛ فاعلم أنَّ هؤلاء هم الناس، ومن خالفهم فمشبَّهون بالناس، ليسوا بناس، فما الناسُ إلا أهلُ الحقِّ وإن كانوا أقلَّهم عددًا. قال ابن مسعود: «لا يكن أحدُكم إمَّعَة ــ يعني يقول: أنا مع الناس ــ,

стр. 516

لِيُوطِّنْ أحدُكم نفسَه على أن يؤمنَ ولو كفَر الناس» (١). وقد ذمَّ سبحانه الأكثرين في غير موضع، كقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. وقال بعض العارفين: «انفرادُك في طريق طلبك دليلٌ على صدق الطلب» (٢). ولقد أحسن القائل (٣): مُتْ بداء الهوى وإلا فَخَاطِرْ ... واطْرُق الحَيَّ والعيونُ نَوَاظِرْ لا تَخَفْ وَحْشَةَ الطريق إذا سِرْ ... تَ وكن في خَفارة الحقِّ (٤) سائرْ

стр. 517

* وقولُه: «بهم يدفعُ اللهُ عن حججه، حتى يؤدُّوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم»؛ وهذا لأنَّ الله سبحانه ضَمِنَ حفظَ حججه وبيِّناته، وأخبر رسولُه ﷺ أنه لا تزالُ طائفةٌ من أمَّته على الحقِّ، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة (١). فلا يزالُ غَرْسُ الله الذين غرَسهم في دينه يَغْرِسونَ العلمَ في قلوب من أهَّلَهم اللهُ لذلك وارتضاهم؛ فيكونوا (٢) ورثةً لهم كما كانوا هم ورثةً لمن قبلهم، فلا تنقطعُ حججُ الله والقائمُ بها (٣) من الأرض. وفي الأثر (٤) المشهور: «لا يزالُ اللهُ يَغْرِسُ في هذا الدِّين غَرْسًا يستعملُهم بطاعته» (٥). وكان من دعاء بعض من تقدَّم: «اللهمَّ اجعلني من غَرْسِك الذين تستعملُهم بطاعتك». ولهذا ما أقامَ اللهُ لهذا الدِّين من يحفظُه ثم قبضه إليه إلا وقد زرع ما عَلِمَه من العلم والحكمة؛ إمَّا في قلوب أمثاله، وإمَّا في كتبٍ ينتفعُ بها الناسُ بعده. وبهذا وغيره فَضَلَ العلماءُ العُبَّادَ؛ فإنَّ العالِم إذا زرع علمَه عند غيره ثمَّ مات جرى عليه أجرُه، وبقي له ذِكرُه، وهو عمرٌ ثانٍ وحياةٌ أخرى، وذلك

стр. 518

أحقُّ ما تنافسَ فيه المتنافسون ورَغِبَ فيه الراغبون. * وقولُه: «هجَم بهم العلمُ على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعره المُتْرفون وأَنِسُوا بما استوحش منه الجاهلون». الهجومُ على الرجل: الدخولُ عليه بلا استئذان. ولما كانت طريقُ الآخرة وعرةً على أكثر الخلق؛ لمخالفتها لشهواتهم ومباينتها لإراداتهم ومألوفاتهم= قلَّ سالكوها، وزهَّدهم فيها (١) قلَّةُ علمهم ــ أو عدمُه ــ بحقيقة الأمر وعاقبة العباد (٢) ومصيرهم وما هُيِّئوا له وهُيِّاء لهم؛ فقلَّ علمُهم بذلك، واستلانوا مركبَ الشهوة والهوى على مركب الإخلاص والتقوى، وتوعَّرت عليهم الطريق، وبَعُدَت الشُّقَّة، وصَعُبَ عليهم مرتقى عِقابها وهبوطُ أوديتها وسلوكُ شعابها، فأخلدوا إلى الدَّعة والراحة، وآثروا العاجلَ على الآجل، وقالوا: عَيْشُنا اليوم نَقْدٌ وموعودُنا (٣) نسيئة (٤). فنظروا إلى عاجل الدنيا، وأغمضوا العيونَ عن آجلها، ووقفوا مع ظاهرٍ منها، ولم يتأمَّلوا باطنَها، وذاقوا حلاوةَ مَبادِيها، وغاب عنهم مرارةُ عواقبها، ودَرَّ لهم ثَدْيُها فطابَ لهم الارتضاع، واشتغلوا به عن التفكُّر في الفطام ومرارة الانقطاع، وقال مغترُّهم بالله وجاحدُهم لعظمته وربوبيَّته ــ متمثِّلًا في ذلك ــ:

стр. 519

* خُذ ما تراهُ ودَع شيئًا سمعتَ به * (١) وأمَّا القائمون لله بحجَّته، خلفاءُ نبيِّه في أمَّته، فإنهم لكمال علمهم وقوَّته نَفَذ بهم إلى حقيقة الأمر، وهجمَ بهم عليه، فعاينوا ببصائرهم ما عَشَتْ عنه (٢) بصائرُ الجاهلين، فاطمأنَّت قلوبُهم به، وعملوا على الوصول إليه؛ لِمَا باشرها مِنْ رَوْح اليقين (٣). رُفِعَ لهم عَلَمُ السعادة فشمَّروا إليه، وأسْمَعهم منادي الإيمان النداءَ فاستبقوا إليه، واستيقنت أنفسُهم ما وعدهم به ربُّهم فزهدوا فيما سواه ورغبوا فيما لديه. علموا أنَّ الدنيا دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرّ، ومنزلُ عبورٍ لا مقعد حبور، وأنها خيالُ طَيْفٍ أو سحابةُ صَيْف، وأنَّ مَنْ فيها كراكبٍ قال تحت ظلِّ شجرةٍ ثمَّ راح عنها وتركها، وتيقَّنوا أنها: أحلامُ نومٍ أو كظلٍّ زائلٍ ... إنَّ اللبيبَ بمثلها لا يُخْدَعُ (٤) وأنَّ واصفَها صدق في وصفها إذ يقول: أرى أشقياءَ الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراةٌ وجُوَّعُ

стр. 520

أراها وإن كانت تُحَبُّ فإنها ... سحابةُ صَيْفٍ عن قليلٍ تَقَشَّعُ (١) فترحَّلَت عن قلوبهم مدبرةً كما ترحَّلَت عن أهلها مُوَلِّية، وأقبلت الآخرةُ إلى قلوبهم مسرعةً كما أسرعَت إلى الخلق مقبلة، فامتطوا ظهورَ العزائم، وهجروا لذَّة المنام، وما ليلُ المحبِّ بنائم. عَلِموا طولَ الطريق وقلَّة المُقام في منزل التزوُّد فسارعوا في الجَهاز، وجَدَّ بهم السيرُ إلى منازل الأحباب فقطعوا المراحلَ وطووا المفاوز (٢). وهذا كلُّه من ثمرات اليقين؛ فإنَّ القلب إذا استيقنَ ما أمامه من كرامة الله وما أعدَّ لأوليائه ــ بحيث كأنه ينظرُ إليه من وراء حجاب الدنيا، ويعلمُ أنه إذا زال الحجابُ رأى ذلك عيانًا ــ زالت عنه الوحشةُ التي يجدُها المتخلِّفون، ولانَ له ما استوعره المترفون. وهذه المرتبةُ هي أولُ مراتب اليقين؛ وهي علمُه وتيقُّنه، وهي انكشافُ المعلوم للقلب، بحيث يشاهدُه ولا يشكُّ فيه، كانكشاف المرئيِّ للبصر. ثمَّ تليها المرتبةُ الثانية؛ وهي مرتبةُ عين اليقين، ونسبتُها إلى العين كنسبة الأول إلى القلب. ثمَّ تليها المرتبةُ الثالثة؛ وهي حقُّ اليقين، وهي مباشرةُ المعلوم وإدراكُه الإدراكَ التام. فالأولى كعلمك بأنَّ في هذا الوادي ماءً، والثانيةُ كرؤيته، والثالثةُ

стр. 521

كالشُّرب منه (١). ومن هذا ما يروى في حديث حارثة وقول النبيِّ ﷺ : «كيف أصبحتَ يا حارثة؟» قال: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا، قال: «إنَّ لكلِّ قولٍ حقيقة، فما حقيقةُ إيمانك؟» قال: عزفَت نفسي عن الدنيا وشهواتها، فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري، وكأني أنظرُ إلى عرش ربِّي بارزًا، وكأني أنظرُ إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوَوْن فيها، فقال: «عبدٌ نوَّر اللهُ قلبه» (٢). فهذا هو هجومُ العلم بصاحبه على حقيقة الأمر، ومن وصل إلى هذا استلانَ ما يستوعرُه المترفون، وأَنِسَ بما يستوحشُ منه الجاهلون، ومن لم يثبت قدمُ إيمانه على هذه الدرجة فهو إيمانٌ ضعيف. وعلامةُ هذا: انشراحُ الصدر لمنازل الإيمان، وانفساحُه، وطمأنينةُ القلب لأمر الله، والإنابةُ إلى ذكر الله، ومحبَّته، والفرح بلقائه، والتجافي عن

стр. 522

دار الغرور؛ كما في الأثر المشهور: «إذا دخلَ النورُ القلبَ انفسحَ وانشرح»، قيل: وما علامةُ ذلك؟ قال: «التجافي عن دار الغرور، والإنابةُ إلى دار الخلود، والاستعدادُ للموت قبل نزوله» (١). وهذه هي الحالُ التي كانت تحصلُ للصحابة ﵃ عند النبيِّ ﷺ إذا ذكَّرهم الجنةَ والنار؛ كما في الترمذيِّ وغيره من حديث الجُريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة الأسدي ــ وكان من كُتَّاب النبيِّ ﷺ ــ أنه مرَّ بأبي بكرٍ ﵁ وهو يبكي، فقال: ما لك يا حنظلة؟ فقال: نافقَ حنظلةُ يا أبا بكر، نكونُ عند رسول الله ﷺ يذكِّرنا بالجنة والنار كأنَّا رأي عَيْن، فإذا رجعنا إلى الأزواج والضَّيعة نسينا كثيرًا، قال: فوالله إنَّا لكذلك، انطلِقْ بنا إلى رسول الله ﷺ ، فانطلقنا، فلمَّا رآه رسولُ الله ﷺ قال: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافقَ حنظلةُ يا رسول الله، نكونُ عندك تذكِّرنا بالنار والجنة كأنَّا رأي عَيْن، فإذا رجعنا عافَسْنا الأزواجَ والضَّيعة ونسينا كثيرًا، قال: فقال رسولُ الله ﷺ : «لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتْكم الملائكةُ في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فُرشكم، ولكنْ يا حنظلةُ ساعةً وساعة». قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيح» (٢).

стр. 523

وفي الترمذي أيضًا نحوه من حديث أبي هريرة (١). والمقصودُ أنَّ الذي يهجُم بالقلب على حقيقة الإيمان، ويليِّنُ له ما يستوعرُه غيرُه، ويُؤنِسُه بما يستوحشُ منه سواه: العلمُ التام، والحبُّ الخالص. والحبُّ تبعٌ للعلم، يقوى بقوَّته، ويضعفُ بضعفه، والمحبُّ لا يستوعرُ طريقًا توصلُه إلى محبوبه، ولا يستوحشُ فيها. * وقولُه: «صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالملأ الأعلى»، وفي رواية: «بالمحلِّ الأعلى»؛ الروحُ في هذا الجسد بدارِ غُربة، ولها وطنٌ غيره فلا تستقرُّ إلا في وطنها، وهي جوهرٌ عُلْوِيٌّ مخلوقٌ من مادةٍ عُلْوِيَّة، وقد اضطرَّت إلى مساكنة هذا البدن الكثيف، فهي دائمًا تطلبُ وطنها في المحلِّ الأعلى، وتحنُّ إليه حنينَ الطير إلى أوكارها. وكلُّ روحٍ ففيها ذلك، ولكن لفرط اشتغالها بالبدن وبالمحسوسات المألوفة أخلدت إلى الأرض، ونسيت محلَّها (٢) ووطنها الذي لا راحة لها في غيره؛ فإنه لا راحة للمؤمن دون لقاء ربِّه، والدنيا سجنُه حقًّا، فلهذا تجدُ المؤمنَ بدنُه في الدنيا وروحُه في المحلِّ الأعلى. وفي الحديث المرفوع: «إذا نام العبدُ وهو ساجدٌ باهى اللهُ به الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبدي، بدنُه في الأرض وروحُه عندي» رواه تمَّامٌ (٣)

стр. 524

وغيره. وهذا معنى قول بعض السلف: «القلوبُ جَوَّالة؛ فقلبٌ حول الحُشِّ (١)، وقلبٌ يطوفُ مع الملائكة حول العرش» (٢). فأعظمُ عذاب الروح انغماسُها وتدسيسُها في أعماق البدن، واشتغالُها بملاذِّه، وانقطاعُها عن ملاحظة ما خُلِقَت له وهُيِّئت له، وعن وطنها ومحلِّ أُنسِها ومنزل كرامتها، ولكنَّ سُكْرَ الشهوات يحجُبها عن مطالعة هذا الألم والعذاب. فإذا صَحَت من سُكْرها، وأفاقت من غمرتها، أقبلَت عليها جيوشُ الحسرات من كلِّ جانب؛ فحينئذٍ تتقطَّعُ حسراتٍ على ما فاتها من كرامة الله وقربه والأُنس به، والوصول إلى وطنها الذي لا راحة لها إلا فيه، كما قيل:

стр. 525

صَحِبتُك إذْ عيني عليها غشاوةٌ ... فلمَّا انجلت قَطَّعْتُ نفسي ألومُها (١) ولو تنقَّلت الروحُ في المواطن كلِّها والمنازل، لم تستقرَّ ولم تطمئنَّ إلا في وطنها ومحلِّها الذي خُلِقَت له، كما قيل: نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأوَّلِ كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى ... وحنينُه أبدًا لأوَّل منزلِ (٢) وإذا كانت الروحُ تَحِنُّ أبدًا إلى وطنها من الأرض مع قيام غيره مقامه في السُّكنى، وكثيرًا ما يكونُ غيرُ وطنها أحسنَ وأطيب منه، وهي إنما (٣) تَحِنُّ إليه، مع أنه لا ضرر عليها ولا عذابَ في مفارقته إلى مثله، فكيف بحنينها إلى الوطن الذي في فراقها له عذابها وألمُها وحسرتُها التي لا تنقضي؟! فالعبدُ المؤمنُ في هذه الدار سُبِيَ من الجنة إلى دار التعب والعناء، ثمَّ ضُرِبَ عليه الرِّقُّ فيها، فكيف يلامُ على حنينه إلى داره التي سُبِيَ منها، وفُرِّق بينه وبين من يُحِب، وجُمِعَ بينه وبين عدوِّه؟! فروحُه دائمًا معلَّقةٌ بذلك الوطن، وبدنُه في الدنيا. ولي من أبياتٍ في ذلك (٤):

стр. 526

فحَيَّ على جنَّاتِ عَدْنٍ فإنها ... منازلُك الأولى وفيها المُخَيَّمُ ولكنَّنا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرى ... نَعُودُ إلى أوطاننا ونُسَلَّمُ وكلَّما أراد منه العدوُّ نسيانَ وطنه، وضَرْبَ الذِّكر عنه صفحًا، وإيلافَه وطنًا غيره، أبت ذلك روحُه وقلبُه، كما قيل: يرادُ من القلب نسيانُكم ... وتأبى الطِّباعُ على الناقلِ (١) ولهذا كان المؤمنُ غريبًا في هذه الدار، أين حلَّ منها فهو في دار غُربة، كما قال النبيُّ ﷺ : «كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل» (٢)، ولكنها غُربةٌ تنقضي ويصيرُ إلى وطنه ومنزله، وأما الغُربةُ التي لا يُرجى انقطاعُها فهي غُربةٌ في دار الهوان، ومفارقةُ وطنه الذي كان قد هيِّاء له وأُعِدَّ له وأُمِرَ بالتجهُّز إليه والقدوم عليه، فأبى إلا اغترابَه عنه ومفارقتَه له، فتلك غربةٌ لا يُرجى إيابُها ولا يُجْبَرُ مصابُها. ولا تبادِر إلى إنكار كون البدن في الدنيا والروح في الملإ الأعلى؛ فللرُّوح شأنٌ وللبدن شأن، والنبيُّ ﷺ كان بين أظهُر أصحابه وهو عند ربِّه يطعمُه ويسقيه (٣)، فبدنُه بينهم وروحُه وقلبه عند ربِّه. وقال أبو الدرداء: «إذا نام العبدُ عُرِجَ بروحه إلى تحت العرش، فإن كان

стр. 527

طاهرًا أُذِنَ لها بالسجود وإن لم يكن طاهرًا لم يؤذن لها بالسجود» (١). فهذه ــ والله أعلم ــ هي العلةُ التي أُمِرَ الجنبُ لأجلها أن يتوضَّأ إذا أراد النوم (٢). وهذا الصُّعودُ إنما كان لتجرُّد الروح عن البدن بالنوم، فإذا تجرَّدت بسببٍ آخر حصل لها من الترقِّي والصُّعود بحسب ذلك التجرُّد. وقد يقوى الحبُّ بالمحبِّ حتى لا يُشاهَد منه بين الناس إلا جسمُه، وروحُه في موضعٍ آخر عند محبوبه، وفي هذا من أشعار الناس وحكاياتهم

стр. 528

ما هو معروف (١). * وقولُه: «أولئك خلفاءُ الله في أرضه ودعاتُه إلى دينه»؛ هذا حجَّةُ أحد القولين في أنه يجوزُ أن يقال: «فلانٌ خليفةُ الله في أرضه» (٢). واحتجَّ أصحابُه أيضًا بقوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وهذا خطابٌ لنوع الإنسان. وبقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. وبقول موسى لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. وبقول النبي ﷺ : «إنَّ الله ممكِّنٌ لكم في الأرض ومستخلفُكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» (٣). واحتجُّوا بقول الراعي يخاطبُ أبا بكر الصدِّيق (٤) ﵁:

стр. 529

أخليفةَ الرحمنِ إنَّا معشرٌ ... حنفاءُ نسجدُ بُكْرَةً وأصيلا عربٌ نرى لله في أموالنا ... حقَّ الزكاة منزَّلًا تنزيلا ومنعت طائفةٌ هذا الإطلاق، وقالت: لا يقالُ لأحد: إنه خليفة الله؛ فإنَّ الخليفةَ إنما يكونُ عمن يغيبُ ويَخْلُفه غيرُه، واللهُ تعالى شاهدٌ غير غائب، قريبٌ غير بعيد، راءٍ وسامع، فمحالٌ أن يَخْلُفَه غيرُه، بل هو سبحانه الذي يَخْلُفُ عبدَه المؤمنَ فيكون خليفتَه؛ كما قال النبيُّ ﷺ في حديث الدجال: «إنْ يَخْرُج وأنا فيكم فأنا حَجِيجُه دونكم، وإن يَخْرُج ولستُ فيكم فامرؤٌ حَجِيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كلِّ مؤمن»، والحديث في «الصحيح» (١). وفي «صحيح مسلم» (٢) أيضًا من حديث عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ كان يقولُ إذا سافر: «اللهم أنت الصاحبُ في السَّفر، والخليفةُ في الأهل ... » الحديث. وفي «الصحيح» (٣) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اللهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع

стр. 530

درجتَه في المهديِّين، واخلُفْهُ في أهله». فالله تعالى هو خليفةُ العبد؛ لأنَّ العبدَ يموتُ فيحتاجُ إلى من يَخْلُفه في أهله. قالوا: ولهذا أنكر الصدِّيقُ ﵁ على من قال له: «يا خليفةَ الله»، قال: «لستُ بخليفة الله، ولكن خليفةُ رسول الله، وحسبي ذلك» (١). قالوا: وأمَّا قولُه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فلا خلافَ أنَّ المرادَ به آدمُ وذريته. وجمهورُ أهل التفسير من السَّلف والخلف على أنه جعله خليفةً عمن كان قبله (٢) في الأرض. قيل: عن الجنِّ الذين كانوا سُكَّانها. وقيل: عن الملائكة الذين سكنوها بعد الجنِّ، وقصَّتهم مذكورةٌ في التفاسير (٣). وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فليس المرادُ به خلائفَ عن الله، وإنما المرادُ به أنه جعلكم يَخْلُفُ بعضُكم بعضًا، فكلَّما هلك قرنٌ خَلَفه قرنٌ إلى آخر الدهر.
следующие страницы →