← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فحَيَّ على جنَّاتِ عَدْنٍ فإنها ... منازلُك الأولى وفيها المُخَيَّمُ ولكنَّنا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرى ... نَعُودُ إلى أوطاننا ونُسَلَّمُ وكلَّما أراد منه العدوُّ نسيانَ وطنه، وضَرْبَ الذِّكر عنه صفحًا، وإيلافَه وطنًا غيره، أبت ذلك روحُه وقلبُه، كما قيل: يرادُ من القلب نسيانُكم ... وتأبى الطِّباعُ على الناقلِ (١) ولهذا كان المؤمنُ غريبًا في هذه الدار، أين حلَّ منها فهو في دار غُربة، كما قال النبيُّ ﷺ : «كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل» (٢)، ولكنها غُربةٌ تنقضي ويصيرُ إلى وطنه ومنزله، وأما الغُربةُ التي لا يُرجى انقطاعُها فهي غُربةٌ في دار الهوان، ومفارقةُ وطنه الذي كان قد هيِّاء له وأُعِدَّ له وأُمِرَ بالتجهُّز إليه والقدوم عليه، فأبى إلا اغترابَه عنه ومفارقتَه له، فتلك غربةٌ لا يُرجى إيابُها ولا يُجْبَرُ مصابُها. ولا تبادِر إلى إنكار كون البدن في الدنيا والروح في الملإ الأعلى؛ فللرُّوح شأنٌ وللبدن شأن، والنبيُّ ﷺ كان بين أظهُر أصحابه وهو عند ربِّه يطعمُه ويسقيه (٣)، فبدنُه بينهم وروحُه وقلبه عند ربِّه. وقال أبو الدرداء: «إذا نام العبدُ عُرِجَ بروحه إلى تحت العرش، فإن كان

стр. 527

طاهرًا أُذِنَ لها بالسجود وإن لم يكن طاهرًا لم يؤذن لها بالسجود» (١). فهذه ــ والله أعلم ــ هي العلةُ التي أُمِرَ الجنبُ لأجلها أن يتوضَّأ إذا أراد النوم (٢). وهذا الصُّعودُ إنما كان لتجرُّد الروح عن البدن بالنوم، فإذا تجرَّدت بسببٍ آخر حصل لها من الترقِّي والصُّعود بحسب ذلك التجرُّد. وقد يقوى الحبُّ بالمحبِّ حتى لا يُشاهَد منه بين الناس إلا جسمُه، وروحُه في موضعٍ آخر عند محبوبه، وفي هذا من أشعار الناس وحكاياتهم

стр. 528

ما هو معروف (١). * وقولُه: «أولئك خلفاءُ الله في أرضه ودعاتُه إلى دينه»؛ هذا حجَّةُ أحد القولين في أنه يجوزُ أن يقال: «فلانٌ خليفةُ الله في أرضه» (٢). واحتجَّ أصحابُه أيضًا بقوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وهذا خطابٌ لنوع الإنسان. وبقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. وبقول موسى لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. وبقول النبي ﷺ : «إنَّ الله ممكِّنٌ لكم في الأرض ومستخلفُكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» (٣). واحتجُّوا بقول الراعي يخاطبُ أبا بكر الصدِّيق (٤) ﵁:

стр. 529

أخليفةَ الرحمنِ إنَّا معشرٌ ... حنفاءُ نسجدُ بُكْرَةً وأصيلا عربٌ نرى لله في أموالنا ... حقَّ الزكاة منزَّلًا تنزيلا ومنعت طائفةٌ هذا الإطلاق، وقالت: لا يقالُ لأحد: إنه خليفة الله؛ فإنَّ الخليفةَ إنما يكونُ عمن يغيبُ ويَخْلُفه غيرُه، واللهُ تعالى شاهدٌ غير غائب، قريبٌ غير بعيد، راءٍ وسامع، فمحالٌ أن يَخْلُفَه غيرُه، بل هو سبحانه الذي يَخْلُفُ عبدَه المؤمنَ فيكون خليفتَه؛ كما قال النبيُّ ﷺ في حديث الدجال: «إنْ يَخْرُج وأنا فيكم فأنا حَجِيجُه دونكم، وإن يَخْرُج ولستُ فيكم فامرؤٌ حَجِيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كلِّ مؤمن»، والحديث في «الصحيح» (١). وفي «صحيح مسلم» (٢) أيضًا من حديث عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ كان يقولُ إذا سافر: «اللهم أنت الصاحبُ في السَّفر، والخليفةُ في الأهل ... » الحديث. وفي «الصحيح» (٣) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اللهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع

стр. 530

درجتَه في المهديِّين، واخلُفْهُ في أهله». فالله تعالى هو خليفةُ العبد؛ لأنَّ العبدَ يموتُ فيحتاجُ إلى من يَخْلُفه في أهله. قالوا: ولهذا أنكر الصدِّيقُ ﵁ على من قال له: «يا خليفةَ الله»، قال: «لستُ بخليفة الله، ولكن خليفةُ رسول الله، وحسبي ذلك» (١). قالوا: وأمَّا قولُه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فلا خلافَ أنَّ المرادَ به آدمُ وذريته. وجمهورُ أهل التفسير من السَّلف والخلف على أنه جعله خليفةً عمن كان قبله (٢) في الأرض. قيل: عن الجنِّ الذين كانوا سُكَّانها. وقيل: عن الملائكة الذين سكنوها بعد الجنِّ، وقصَّتهم مذكورةٌ في التفاسير (٣). وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فليس المرادُ به خلائفَ عن الله، وإنما المرادُ به أنه جعلكم يَخْلُفُ بعضُكم بعضًا، فكلَّما هلك قرنٌ خَلَفه قرنٌ إلى آخر الدهر.

стр. 531

ثمَّ قيل: إنَّ هذا خطابٌ لأمَّة محمدٍ ﷺ خاصَّة؛ أي: جعلكم خلائفَ من الأمم الماضية، فهلكوا وورثتم أنتم الأرضَ من بعدهم. ولا ريب أنَّ هذا الخطابَ للأمَّة، والمرادُ نوعُ الإنسان الذي جعلَ اللهُ أباهم خليفةً عمَّن قبله، وجعل ذريته يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا إلى قيام الساعة، ولهذا جَعَل هذا آيةً من آياته، كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. وأما قول موسى لقومه: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، فليس ذلك استخلافًا عنه، وإنما هو استخلافٌ عن فرعون وقومه؛ أهلكهم وجعل قومَ موسى خلفاء من بعدهم. وكذا قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ مستخلفُكم في الأرض»، أي: من الأمم التي تهلكُ وتكونون أنتم خلفاءَ من بعدهم. قالوا: وأمَّا قولُ الراعي؛ فقولُ شاعرٍ قال قصيدةً في غيبة الصدِّيق لا يُدرى أبلغت أبا بكرٍ أم لا؟ ولو بلغته فلا يُعْلَمُ أنه أقرَّه على هذه اللفظة (١). قلت: إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفةٌ عنه، فالصوابُ قولُ الطائفة المانعة منها. وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممَّن كان قبله، فهذا لا يمتنعُ فيه الإضافة، وحقيقتُها: خليفةُ الله الذي جعله اللهُ خَلَفًا عن غيره. وبهذا يخرَّجُ الجوابُ عن قول أمير المؤمنين: «أولئك خلفاءُ الله في أرضه».

стр. 532

فإن قيل: هذا لا مدحَ فيه؛ لأنَّ هذا الاستخلافَ عامٌّ في الأمَّة، وخلافةُ الله التي ذكرها أميرُ المؤمنين خاصَّةٌ بخواصِّ الخَلْق. فالجواب: أنَّ الاختصاصَ المذكور أفاد اختصاصَ الإضافة، فالإضافةُ هنا للتشريف والتخصيص، كما يضافُ إليه (١) عبادُه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ونظائرها. ومعلومٌ أنَّ كلَّ الخلق عبادٌ له، فخلفاءُ الأرض كالعباد في قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، وخلفاءُ الله كعباد الله في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ونظائره. وحقيقةُ اللفظة: أنَّ الخليفةَ هو الذي يَخْلُفُ الذاهب، أي: يجيء بعده؛ يقال: خَلَفَ فلانٌ فلانًا. وأصلُها: «خليفٌ» بغير هاء؛ لأنها فَعِيلٌ بمعنى فاعل، كالعليم والقدير، فدخلت التاءُ للمبالغة في الوصف، كراوية وعلَّامة؛ ولهذا جُمِعَ جمعَ فَعِيل، فقيل: خُلفاء، كشُرفاء وظُرفاء وكُرماء (٢). ومن راعى لفظَه بعد دخول التاء عليه جمَعه على فعائل، فقال: خلائف، كعَقِيلة وعقائل، وطَرِيفة وطرائف (٣). وكلاهما ورد به القرآن.

стр. 533

هذا قولُ جماعةٍ من النحاة (١). والصوابُ أنَّ التاء إنما دخلت فيها للعَدْل عن الوصف إلى الاسم؛ فإنَّ الكلمةَ صفةٌ في الأصل، ثمَّ أُجرِيَت مجرى الأسماء، فأُلحِقَت التاءُ لذلك، كما قالوا: «نَطِيحة» بالتاء، فإذا أجروها صفةً قالوا: «شاةٌ نَطِيح» كما يقولون: «كفٌّ خَضِيب»، وإلا فلا معنى للمبالغة في «خليفة» حتى تلحقها تاءُ المبالغة، والله أعلم. * وقولُه: «ودعاتُه إلى دينه»؛ الدعاة: جمعُ داعٍ، كقاضٍ وقضاة، ورامٍ ورماة، وإضافتُهم إلى الله للاختصاص، أي الدعاةُ المخصوصون به الذين يدعون إلى دينه وعبادته ومعرفته ومحبَّته، وهؤلاء هم خواصُّ خلق الله وأفضلُهم عند الله منزلةً وأعلاهم قدرًا. يدلُّ على ذلك الوجه الثلاثون بعد المئة: وهو قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. قال الحسن: «هو المؤمنُ؛ أجاب اللهَ في دعوته، ودعا الناسَ إلى ما أجابَ اللهَ فيه من دعوته، وعملَ صالحًا في إجابته؛ فهذا حبيبُ الله، هذا وليُّ الله» (٢). فمقامُ الدعوة إلى الله أفضلُ مقامات العبد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].

стр. 534

وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، جَعَل سبحانه مراتبَ الدعوة بحسب مراتب الخلق: * فالمستجيبُ القابلُ الزَّكِيُّ (١) الذي لا يعاندُ الحقَّ ولا يأباه، يُدْعى بطريق الحكمة. * والقابلُ الذي عنده نوعُ غفلةٍ وتأخُّر، يُدْعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمرُ والنهيُ المقرونُ بالرغبة والرهبة. * والمعاندُ الجاحدُ، يجادَلُ بالتي هي أحسن. هذا هو الصحيحُ في معنى هذه الآية، لا ما يزعمُ أسيرُ منطق اليونان أنَّ الحكمةَ قياسُ البرهان وهو دعوةُ الخواصِّ، والموعظةَ الحسنةَ قياسُ الخطابة وهو دعوةُ العوامِّ، والمجادلةَ بالتي هي أحسنُ القياسُ الجَدَلي وهو ردُّ شَغَب المشاغِب بقياسٍ جدليٍّ مسلَّم المقدِّمات! وهذا باطل، وهو مبنيٌّ على أصول الفلسفة، وهو منافٍ لأصول المسلمين وقواعد الدِّين من وجوهٍ كثيرةٍ ليس هذا موضع ذكرها (٢). وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. قال الفرَّاء (٣) وجماعة: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفٌ على الضمير

стр. 535

في ﴿أَدْعُو﴾، يعني: ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو. وهذا قولُ الكلبي (١)، قال: حقٌّ على كلِّ من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه ويذكِّر بالقرآن والموعظة (٢). ويَقْوَى هذا القولُ من وجوهٍ كثيرة. قال ابن الأنباري: ويجوزُ أن يتمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، ثمَّ يبتداء: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣). فيكونُ الكلامُ على قوله جملتين، أخبَر في أولاهما أنه يدعو إلى الله، وفي الثانية بأنه وأتباعَه على بصيرة. والقولان متلازمان؛ فلا يكونُ الرجلُ من أتباعه حقًّا حتى يدعو إلى ما دعا إليه. وقولُ الفرَّاء أحسنُ وأقربُ إلى الفصاحة والبلاغة (٤). وإذا كانت الدعوةُ إلى الله أشرفَ مقامات العبد وأجلَّها وأفضلَها، فهي لا تحصلُ إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حدٍّ يصلُ إليه السَّعي (٥). ويكفي هذا في شرف العلم، أنَّ صاحبه يحوزُ به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء.

стр. 536

الوجه الحادي والثلاثون بعد المئة: أنه لو لم يكن من فوائد العلم إلا أنه يُثْمِرُ اليقينَ الذي هو أعظمُ حياة القلب، وبه طمأنينتُه وقوَّتُه ونشاطُه وسائرُ لوازم الحياة لكفاه شرفًا وفضلًا (١). ولهذا مدح الله سبحانه أهلَه في كتابه، وأثنى عليهم بقوله: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] (٢)، وقوله في حقِّ خليله إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، وذَمَّ من لا يقين عنده، فقال: ﴿إنَّ (٣) النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. وفي الحديث المرفوع من حديث سفيان الثوري، عن سليمان التيمي (٤)، عن خيثمة، عن عبد الله بن مسعود يرفعُه: «لا تُرضِينَّ أحدًا بسخط الله، ولا تَحْمَدَنَّ أحدًا على فضله، ولا تَذُمَّنَّ أحدًا على ما لم يُؤْتِك الله؛ فإنَّ رزقَ الله لا يسوقُه [إليك] حرصُ حريص، ولا يردُّه عنك كراهيةُ كارِه، وإنَّ الله بعدله وقسطه جعل الرَّوْحَ والراحةَ والفرحَ في الرضا واليقين،

стр. 537

وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط» (١). فإذا باشرَ القلبَ اليقينُ امتلأ نورًا، وانتفى عنه كلُّ ريبٍ وشك، وعُوفي من أمراضه القاتلة، وامتلأ شكرًا لله وذكرًا ومحبَّةً وخوفًا، فحَيِيَ عن بيِّنة. واليقينُ والمحبةُ هما ركنا الإيمان، وعليهما ينبني، وبهما قِوامُه، وهما يُمِدَّان سائرَ الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تَصْدُر، وبضعفهما يكونُ ضعفُ الأعمال، وبقوَّتهما قوتها. وجميعُ منازل السائرين ومقامات العارفين إنما تصحُّ بهما (٢)، وهما يُثْمِران كلَّ عملٍ صالحٍ وعلمٍ نافعٍ وهدًى مستقيم. قال شيخُ العارفين الجُنيد (٣): «اليقينُ هو استقرارُ العلم الذي لا ينقلبُ ولا يتحوَّلُ ولا يتغيَّرُ في القلب» (٤).

стр. 538

وقال سهل (١): «حرامٌ على قلبٍ أن يشمَّ رائحة اليقين وفيه سكونٌ إلى غير الله» (٢). وقيل: «من علاماته: الالتفاتُ إلى الله في كلِّ نازلة، والرجوعُ إليه في كلِّ أمر، والاستعانةُ به في كلِّ حال، وإرادةُ وجهه بكلِّ حركةٍ وسكون» (٣). وقال السَّرِي (٤): «اليقينُ: سكونُك (٥) عند جَوَلان الموارد (٦) في صدرك؛ لتيقُّنك (٧) أنَّ حركتك فيها لا تنفعُك ولا تردُّ عنك مقضيًّا» (٨). قلت: هذا إذا لم تكن الحركةُ مأمورًا بها، فأمَّا إذا كانت مأمورًا بها فاليقينُ في بذل الجهد فيها واستفراغ الوسع. وقيل: «إذا استكمل العبدُ حقيقةَ اليقين صار البلاءُ عنده نعمة، والمحنةُ مِنْحة» (٩).

стр. 539

فالعلمُ أولُ درجات اليقين؛ ولهذا قيل: «العلمُ يستعملُك، واليقينُ يَحْمِلُك» (١). فاليقينُ أفضلُ مواهب الربِّ لعبده، ولا تثبتُ قدمُ الرضا إلا على درجة اليقين. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال ابنُ مسعود: «هو العبدُ تصيبُه المصيبة، فيعلمُ أنها من عند الله، فيرضى ويسلِّم» (٢). فلهذا لم تحصل له هدايةُ القلب والرضا والتسليمُ إلا بيقينه. قال في «الصحاح» (٣): «اليقينُ: العلمُ وزوالُ الشك، يقال منه: يَقِنْتُ الأمرَ ــ بالكسر ــ يَقَنًا، واستيقنتُ وأيقنتُ وتيقَّنت، كلُّه بمعنًى واحد. وأنا على يقينٍ منه. وإنما صارت الياءُ واوًا في «مُوقِن» للضمَّة قبلها، وإذا صغَّرتَه رددته إلى الأصل، فقلتَ: مُيَيْقِن. وربَّما عبَّروا عن الظنِّ باليقين، وعن اليقين بالظن (٤).

стр. 540

قال (١): تَحَسَّبَ هوَّاسٌ وأيقَنَ أنني ... بها مُفْتَدٍ من واحدٍ لا أُغامِرُه يقول: تَشَمَّمَ الأسدُ ناقتي، يظنُّ أنني أفتدي بها منه، وأستحيي نفسي فأتركها له، ولا أَقْتَحِمُ المهالكَ بمقاتلته (٢)». قلت: هذا موضعٌ اختلف فيه أهلُ اللغة والتفسير؛ هل يستعملُ اليقينُ في موضع الظنِّ، والظنُّ في موضع اليقين؟ (٣). فرأى ذلك طائفة، منهم الجوهريُّ وغيره، واحتجُّوا سوى ما ذُكِر بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، ولو شكُّوا في ذلك لم يكونوا مؤمنين (٤)، فضلًا عن أن يُمْدَحوا بهذا المدح، وبقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وبقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، وبقول الشاعر (٥):

стр. 541

فقلتُ لهم: ظُنُّوا بألفَيْ مقاتلٍ ... سَراتُهمُ في الفارسيِّ المُسَرَّد أي: استيقِنوا بهذا العدد. وأبى ذلك طائفة، وقالوا: لا يكونُ اليقينُ إلا للعلم. وأمَّا الظن، فمنهم من وافق على أنه يكونُ بمعنى العلم. ومنهم من قال: لا يكون (١) الظنُّ في موضع اليقين. وأجابوا عمَّا احتجَّ به من جوَّز ذلك بأن قالوا: هذه المواضعُ التي زعمتم أنَّ الظنَّ وقع فيها موقعَ اليقين كلُّها على بابها؛ فإنَّا لم نجد ذلك إلا في علمٍ بمُغيَّب، ولم نجدهم يقولون لمن رأى الشيء: «أظنُّه»، ولمن ذاقه: «أظنُّه»، وإنما يقالُ لغائبٍ قد عُرِفَ بالسَّمع والعقل (٢)، فإذا صار إلى المشاهدة امتنع إطلاقُ الظنِّ عليه. قالوا: وبين العِيان والخبر مرتبةٌ متوسِّطةٌ باعتبارها أُوقِعَ على العلم بالغائب الظنُّ؛ لفقد الحال التي تحصل لِمُدْرِكه بالمشاهدة. وعلى هذا أُخرِجَت (٣) سائرُ الأدلَّة التي ذكرتموها. ولا يَرِدُ على هذا قولُه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ لأن الظنَّ إنما وقع على مُواقَعَتها (٤)، وهي غيبٌ حال الرؤية، فإذا واقعوها لم يكن ذلك ظنًّا، بل حقُّ يقين.

стр. 542

قالوا: وأما قولُ الشاعر: «وأيقنَ أنني بها مُفْتَدٍ» فعلى بابه؛ لأنه ظنَّ أنَّ الأسدَ لتيقُّنه شجاعتَه وجراءتَه موقنٌ بأنَّ الرجلَ يدعُ له ناقتَه يفتدي بها من نفسه. قالوا: وعلى هذا يخرَّجُ معنى الحديث: «نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم» (١)، وفيه أجوبة (٢)، لكنَّ بين العِيان والخبر رتبةً طلب إبراهيمُ زوالها بقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فعبَّر عن تلك الرتبة بالشكِّ، والله أعلم (٣). الوجه الثاني والثلاثون بعد المئة: ما رواه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» (٤) من حديث أنس بن مالكٍ يرفعُه إلى النبيِّ ﷺ قال: «طلبُ العلم

стр. 543

فريضةٌ على كلِّ مسلم». وهذا وإن كان في سنده حفصُ بن سليمان، وقد ضُعِّف، فمعناه صحيح؛ فإنَّ الإيمان فرضٌ على كلِّ واحد، وهو ماهيَّةٌ مركَّبةٌ من علمٍ وعمل، فلا يتصوَّرُ وجودُ الإيمان إلا بالعلم والعمل. ثمَّ شرائعُ الإسلام واجبةٌ على كلِّ مسلم، ولا يمكنُ أداؤها إلا بعد معرفتها والعلم بها، واللهُ تعالى أخرجَ عبادَه من بطون أمَّهاتهم لا يعلمون شيئًا، فطلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم. وهل تمكنُ عبادةُ الله التي هي حقُّه على العباد كلِّهم إلا بالعلم؟! وهل يُنالُ العلمُ إلا بطلبه؟! ثمَّ إنَّ العلمَ المفروضَ تعلُّمه ضربان: * ضربٌ منه فرضُ عينٍ لا يسعُ مسلمًا جهلُه. وهو أنواع: النوع الأول: علمُ أصول الإيمان الخمسة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر؛ فإنَّ من لم يؤمن بهذه الخمسة لم يدخل في باب الإيمان، ولا يستحقُّ اسمَ المؤمن؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. ولمَّا سأل جبريلُ رسولَ الله ﷺ عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر»، قال: صَدَقْت (١).

стр. 544

فالإيمانُ بهذه الأصول فرعُ معرفتها والعلم بها. النوعُ الثاني: علمُ شرائع الإسلام، واللازمُ منها (١) علمُ ما يخصُّ العبدَ من فِعلها؛ كعلم الوضوء والصلاة والصيام والحجِّ والزكاة، وتوابعها وشروطها ومبطلاتها. النوعُ الثالث: علمُ المحرَّمات الخمس؛ التي اتفقت عليها الرسلُ والشرائعُ والكتبُ الإلهيَّة؛ وهي المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فهذه محرَّماتٌ على كلِّ أحد، في كلِّ حال، على لسان كلِّ رسول، لا تُباح قطُّ؛ ولهذا أتى فيها بـ ﴿إِنَّمَا﴾ المفيدة للحصر مطلقًا، وغيرُها محرَّمٌ في وقتٍ مباحٌ في غيره، كالميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه، فهذه ليست محرَّمةً على الإطلاق والدوام، فلم تدخل تحت التحريم المحصور المطلق. النوعُ الرابع: علمُ أحكام المعاشرة والمعاملة التي تحصلُ بينه وبين الناس خصوصًا وعمومًا، والواجبُ في هذا النوع يختلفُ باختلاف أحوال الناس ومنازلهم، فليس الواجبُ على الإمام مع رعيَّته كالواجب على الرجل مع أهله وجيرته، وليس الواجبُ على من نَصَبَ نفسَه لأنواع التجارات من تعلُّم أحكام البِيَاعات كالواجب على من لا يبيعُ ولا يشتري إلا ما تدعو الحاجةُ إليه (٢).

стр. 545

وتفصيلُ هذه الجملة لا ينضبط بحدٍّ؛ لاختلاف الناس في أسباب العلم الواجب. وذلك يرجعُ إلى ثلاثة أصول: اعتقاد، وفعل، وترك. * فالواجبُ في الاعتقاد: مطابقتُه للحقِّ في نفسه. * والواجبُ في العمل: معرفةُ موافقة حركات العبد الظاهرة والباطنة الاختيارية للشرع أمرًا أو إباحة. * والواجبُ في التَّرك: معرفةُ موافقة الكفِّ والسُّكون لمرضاة الله، وأنَّ المطلوبَ منه إبقاءُ هذا الفعل على عدمه المُسْتَصْحَب (١) فلا يتحركُ في طلبه، أو كفُّ النفس عن فعله، على الطريقتين (٢). وقد دخل في هذه الجملة علمُ حركات القلوب والأبدان. * وأما فرضُ الكفاية فلا أعلمُ فيه ضابطًا صحيحًا؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ يُدْخِلُ في ذلك ما يظنُّه فرضًا، فيُدْخِلُ بعضُ الناس في ذلك علمَ الطبِّ وعلمَ الحساب وعلمَ الهندسة والمِساحات، وبعضُهم يزيدُ على ذلك علمَ أصول الصِّناعات، كالفِلاحة والحِياكة والحِدادة والخِياطة ونحوها (٣)، وبعضُهم يزيدُ على ذلك علمَ المنطق (٤)، وربَّما جعله فرضَ عين، وبناه على عدم

стр. 546

صحَّة إيمان المقلِّد. وكلُّ هذا هَوَسٌ وخَبْط، فلا فرضَ إلا ما فرضه (١) اللهُ ورسولُه. فيا سبحان الله! هل فرضَ اللهُ على كلِّ مسلم أن يكون طبيبًا حجَّامًا حاسبًا مهندسًا، أو حائكًا أو فلَّاحًا (٢) أو نجَّارًا أو خيَّاطًا؟! فإنَّ فرضَ الكفاية كفرض العين في تعلُّقه بعموم المكلَّفين، وإنما يخالفُه في سقوطه بفعل البعض (٣). ثمَّ على قول هذا القائل يكونُ اللهُ قد فرض على كلِّ أحد جملةَ هذه الصَّنائع والعلوم؛ فإنه ليس واحدٌ منها فرضًا على معيَّنٍ والآخرُ على مُعيَّنٍ آخر، بل عمومُ فرضيَّتها مشتركةٌ بين العموم، فيجبُ على كلِّ أحدٍ أن يكون حاسبًا حائكًا (٤) خيَّاطًا نجَّارًا فلَّاحًا طبيبًا مهندسًا! فإن قال: «المجموعُ فرضٌ على المجموع» لم يكن قولك: «إنَّ كلَّ واحدٍ منها فرض كفاية» صحيحًا؛ لأنَّ فرضَ الكفاية يجبُ على العموم. وأمَّا المنطق، فلو كان علمًا صحيحًا كان غايتُه أن يكون كالمِسَاحة والهندسة ونحوها، فكيف وباطلُه أضعافُ حقِّه، وفسادُه وتناقضُ أصوله واختلافُ مبانيه توجبُ مراعاتُها للذِّهن أن يزيغَ في فكره؟!

стр. 547

ولا يؤمنُ بهذا إلا من قد عرفه وعرفَ فسادَه وتناقضه ومناقضةَ كثيرٍ منه للعقل الصريح. وأخبَر بعضُ من كان قد قرأه وعُنِيَ به (١) أنه لم يزل متعجِّبًا من فساد أصوله وقواعده، ومباينتها لصريح المعقول، وتضمُّنها لدعاوٍ محضةٍ غير مدلولٍ عليها، وتفريقه بين متساويَيْن، وجمعه بين مختلفَيْن؛ فيحكمُ على الشيء بحكمٍ وعلى نظيره بضدِّ ذلك الحكم، أو يحكمُ على الشيء بحكمٍ ثمَّ يحكمُ على مضادِّه أو مناقِضه به! قال: إلى أن سألتُ بعض رؤسائه وشيوخ أهله عن شيءٍ من ذلك، فأَفْكَرَ فيه (٢)، ثمَّ قال: «هذا علمٌ قد صقلَته الأذهان، ومرَّت عليه من عهد القرون الأوائل ــ أو كما قال ــ، فينبغي أن نتسلَّمه من أهله»، وكان هذا أفضلَ من رأيتُ في المنطق. قال: إلى أن وقفتُ على ردِّ متكلِّمي الإسلام عليه وتبيين فساده وتناقضه، فوقفتُ على مصنَّفٍ لأبي سعيد السِّيرافي النحوي (٣) في ذلك (٤)،

стр. 548

وعلى ردِّ كثيرٍ من أهل الكلام والعربية عليهم، كالقاضي أبي بكر بن الطيِّب (١)، والقاضي عبد الجبار (٢)، والجُبَّائي (٣)، وابنه (٤)، وأبي المعالي (٥)، وأبي القاسم الأنصاري (٦)، وخلقٍ لا يُحْصَوْنَ كثرة (٧). ورأيتُ [من] استشكالات فضلائهم ورؤسائهم لمواضع الإشكال، ومخالفتها [للعقل] (٨)، ما كان ينقدحُ لي كثيرٌ منه.

стр. 549

ورأيتُ آخر من تجرَّد للردِّ عليهم شيخَ الإسلام ــ قدَّس الله روحه ــ، فإنه أتى في كتابيه الكبير والصغير (١) بالعجب العُجاب، وكشفَ أسرارَهم وهتكَ أستارَهم، فقلتُ في ذلك: واعجبًا لمنطقِ اليونانِ كم فيه من إفكٍ ومن بهتانِ مُخَبِّطٌ لجيِّدِ الأذهانِ ومُفْسِدٌ لفطرة الإنسانِ ومُبْكِمٌ للقلب واللِّسان مضطربُ الأصولِ والمَباني على شفا هارٍ بناه الباني أحوجَ ما كان إليه العَاني يخُونُه في السِّرِّ والإعلانِ يمشي به اللِّسانُ في الميدان مَشْيَ مُقَيَّدٍ على صَفْوانِ متَّصلِ العِثَارِ والتَّواني كأنه السَّرابُ بالقيعانِ بدا لِعَيْنِ الظَّاماء الحَرَّانِ (٢) فأَمَّهُ بالظَّنِّ والحُسْبانِ يرجو شفاء غُلَّةِ الظَّمآنِ

стр. 550

فلم يجد ثَمَّ سوى الحِرْمانِ فعادَ بالخيبةِ والخسران يَقْرَعُ سِنَّ نادمٍ حيرانِ قد ضاعَ منه العمرُ في الأماني وعايَنَ الخِفَّةَ في الميزان (١) وما كان مِنْ هَوَس النفوس بهذه المنزلة فهو بأن يكونَ جهلًا أولى منه بأن يكون علمًا تعلُّمُه فرضُ كفايةٍ أو فرضُ عين. وهذا الشَّافعيُّ وأحمدُ وسائرُ أئمَّة الإسلام وتصانيفُهم، وأئمَّةُ العربية (٢) وتصانيفُهم، وأئمَّةُ التفسير وتصانيفُهم، لمن نظر فيها؛ هل راعَوا فيها حدودَ المنطق وأوضاعَه؟ وهل صحَّ لهم علمُهم بدونه أم لا؟! بل هم كانوا أجلَّ قدرًا وأعظمَ عقولًا من أن يشغلوا أفكارَهم بهذيان المنطقيِّين. وما دخلَ المنطقُ على علمٍ إلا أفسدَه، وغيَّر أوضاعَه، وشَوَّش قواعدَه (٣). ومن الناس من يقول: إنَّ علومَ العربية من التصريف والنحو واللغة والمعاني والبيان ونحوها تعلُّمها فرضُ كفاية؛ لتوقُّف فهم كلام الله ورسوله عليها.

стр. 551

ومن الناس من يقول: تعلُّمُ أصول الفقه فرضُ كفاية؛ لأنه العلمُ الذي يُعْرَفُ به الدليلُ ومرتبتُه، وكيفيةُ الاستدلال. وهذه الأقوالُ وإن كانت أقربَ إلى الصواب من القول الأول، فليس وجوبُها عامًّا على كلِّ أحد، ولا في كلِّ وقت، وإنما تجبُ وجوبَ الوسائل في بعض الأزمان وعلى بعض الأشخاص، بخلاف الفرض الذي يعمُّ وجوبُه كلَّ أحد؛ وهو علمُ الإيمان وشرائع الإسلام، فهذا هو الواجب، وأما ما عداه فإن توقَّفت معرفتُه عليه فهو من باب ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به، ويكونُ الواجبُ منه القدرَ المُوصِل إليه، دون المسائل التي هي فَضْلةٌ لا يفتقرُ معرفةُ الخطاب وفهمُه عليها. فلا يُطلقُ القولُ بأنَّ علمَ العربية واجبٌ على الإطلاق؛ إذ الكثيرُ منه ومن مسائله وبحوثه لا يتوقَّفُ فهمُ كلام الله ورسوله عليها (١). وكذلك أصولُ الفقه، القدرُ الذي يتوقَّفُ فهمُ الخطاب عليه منه تجبُ معرفتُه، دون المسائل المُقَدَّرة والأبحاث التي هي فَضْلة، فكيف يقال: إنَّ تعلُّمها واجب؟! وبالجملة؛ فالمطلوبُ الواجبُ من العبد من العلوم والأعمال إذا توقَّف على شيءٍ منها كان ذلك الشيءُ واجبًا وجوبَ الوسائل، ومعلومٌ أنَّ ذلك التوقُّفَ (٢) يختلفُ باختلاف الأشخاص والأزمان والألسنة والأذهان؛

стр. 552

فليس لذلك حدٌّ مقدَّر (١)، والله أعلم. الوجه الثالثُ والثلاثون بعد المئة: ما رواه ابنُ حبان في «صحيحه» (٢) من حديث أبي هريرة يرفعُه إلى النبيِّ ﷺ قال: «سأل موسى ربَّه عن ستِّ خصالٍ كان يظنُّ أنها له خالصة، والسابعةُ لم يكن موسى يحبُّها، قال: يا ربِّ، أيُّ عبادك أتقى؟ قال: الذي يَذْكُرُ ولا ينسى، قال: فأيُّ عبادك أهدى؟ قال: الذي يتبعُ الهدى، قال: فأيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكمُ للناس ما يحكمُ لنفسه، قال: أيُّ عبادك أعلم؟ قال: عالمٌ لا يشبعُ من العلم، يجمعُ علمَ الناس إلى علمه، قال: فأيُّ عبادك أعزُّ؟ قال: الذي إذا قَدَرَ غفَر، قال: فأيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يرضى بما أوتي، قال: فأيُّ عبادك أفقر؟ قال: صاحبٌ منقوص» (٣).

стр. 553

فأخبر في هذا الحديث أنَّ أعلمَ عباده الذي لا يشبعُ من العلم، فهو يجمعُ علمَ الناس إلى علمه؛ لنَهْمَته في العلم، وحرصه عليه. ولا ريب أنَّ كون العبد أعلمَ عباد الله (١) من أعظم أوصاف كماله، وهذا هو الذي حمل موسى على الرِّحلة إلى عالِم الأرض ليعلِّمه مما علَّمه الله. هذا وهو كليمُ الرحمن، وأكرمُ الخلق على الله في زمانه، وأعلمُ الخلق، فحمله حرصُه ونَهْمتُه في العلم على الرِّحلة إلى العالِم الذي وُصِفَ له. فلولا أنَّ العلمَ أشرفُ ما بُذِلَت فيه المُهَج، وأُنفِقَت فيه الأنفاس، لاشتغلَ موسى عن الرِّحلة إلى الخَضر بما هو بصدده من أمر الأمَّة، وعن مقاساة النَّصَب والتعب في رحلته وتلطُّفه للخَضر في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، فلم ير اتباعَه حتى استأذنه في ذلك وأخبره أنه جاء متعلِّمًا مستفيدًا. فهذا النبيُّ الكريمُ كان عالمًا بقدر العلم وأهله، صلواتُ الله وسلامه عليه. الوجه الرابع والثلاثون بعد المئة: أنَّ الله خلقَ الخلقَ لعبادته الجامعة لمحبَّته وإيثار مرضاته، المستلزمة لمعرفته، ونَصَب للعباد عَلَمًا لا كمال لهم إلا به؛ وهو أن تكونَ حركاتُهم كلُّها واقعةً على وَفْقِ مرضاته ومحبَّته، ولذلك أرسل رسله، وأنزَل كتبه، وشرع شرائعه. فكمالُ العبد الذي لا كمال له إلا به أن تكونَ حركاتُه موافقةً لما يحبُّه الله منه ويرضاه له.

стр. 554

ولهذا جعل اتباعَ رسوله دليلًا على محبَّته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. فالمحبُّ الصادقُ يرى خيانةً منه لمحبوبه أن يتحرَّك بحركةٍ اختياريَّةٍ في غير مرضاته، وإذا فعل فعلًا مما أبيحَ له بمُوجَب طبيعته وشهوته تاب منه كما يتوبُ من الذَّنب، ولا يزالُ هذا الأمرُ يقوى عنده حتى تنقلبَ مباحاتُه (١) كلُّها طاعات، فيحتسبُ نَوْمَتَه (٢) وفِطْرَه وراحتَه كما يحتسبُ قَوْمَتَه وصومَه واجتهادَه، وهو دائمًا بين سرَّاءَ يشكرُ اللهَ عليها وضرَّاءَ يصبرُ عليها؛ فهو سائرٌ إلى الله دائمًا في نومه ويقظته. قال بعض العلماء: «الأكياسُ عاداتهم عبادات، والحمقى عباداتهم عادات» (٣). وقال بعضُ السَّلف: «حبَّذا نومُ الأكياس وفِطْرُهم، يَغْبِنون (٤) به سهرَ الحمقى وصومَهم» (٥). فالمحبُّ الصادقُ إنْ نَطَق نَطَق لله وبالله، وإن سَكَت سَكَت لله، وإن

стр. 555

تحرَّك فبأمر الله، وإن سَكَن فسكونُه استعانةٌ على مرضاة الله؛ فهو لله وبالله ومع الله. ومعلومٌ أنَّ صاحبَ هذا المقام أحوجُ خلق الله إلى العلم؛ فإنه لا تتميَّز له الحركةُ المحبوبةُ لله من غيرها ولا السُّكونُ المحبوبُ له من غيره إلا بالعلم، فليست حاجتُه إلى العلم كحاجة من طلبَ العلمَ لذاته ولأنه في نفسه صفةُ كمال، بل حاجتُه إليه كحاجته إلى ما به قِوامُ نفسه وذاته. ولهذا اشتدَّت وَصَاةُ شيوخ العارفين لمُرِيديهم بالعلم وطلبه (١)، وأنه من لم يطلب العلمَ لم يُفْلِح، حتى كانوا يَعُدُّونَ من لا علم له من السِّفْلة (٢). قال ذو النون (٣)، وقد سئل: من السِّفْلة؟، فقال: «من لا يعرفُ الطريقَ إلى الله تعالى ولا يتعرَّفُه» (٤). وقال أبو يزيد (٥): «لو نظرتم إلى الرجل وقد أُعطِي من الكرامات حتى يتربَّع (٦) في الهواء، فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحِفظ الحدود ومعرفة الشريعة» (٧).

стр. 556

وقال أبو حمزة البزَّاز (١): «من عَلِمَ طريقَ الحقِّ سَهُل عليه سلوكُه، ولا دليل على الطريق إلا متابعةُ الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله» (٢). وقال محمدُ بن الفضل الصوفي الزاهد (٣): «ذهابُ الإسلام على يدي أربعة أصنافٍ من الناس: صنفٍ لا يعملون بما يعلمون، وصنفٍ يعملون بما لا يعلمون، وصنفٍ لا يتعلَّمون ولا يعملون (٤)، وصنفٍ يمنعونَ الناسَ من التعلُّم» (٥). قلتُ: الصنفُ الأول: من له علمٌ بلا عمل؛ فهو أضرُّ شيءٍ على العامَّة، فإنه حجَّةٌ لهم في كلِّ نقيصةٍ ومَبْخَسَة (٦). والصنفُ الثاني: العابدُ الجاهل؛ فإنَّ الناسَ يحسِّنون الظنَّ به؛ لعبادته وصلاحه، فيقتدون به على جهله. وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعضُ السَّلف في قوله: «احذروا

стр. 557

فتنةَ العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكلِّ مفتون» (١)؛ فإنَّ الناسَ إنما يقتدون بعلمائهم وعبَّادهم، فإذا كان العلماءُ فَجَرةً والعبَّادُ جَهَلةً عمَّت المصيبةُ بهما وعَظُمَت الفتنةُ على الخاصَّة والعامَّة. والصنفُ الثالث: الذين لا علمَ لهم ولا عمل؛ وإنما هم كالأنعام السائمة. والصنفُ الرابع: نُوَّابُ إبليس في الأرض؛ وهم الذين يثبِّطون الناسَ عن طلب العلم والتفقُّه في الدين، فهؤلاء أضرُّ عليهم من شياطين الجنِّ، فإنهم يحُولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه. فهؤلاء الأربعةُ أصنافٍ (٢) هم الذين ذكرهم هذا العارفُ رحمةُ الله عليه (٣)، وهؤلاء كلُّهم على شفا جُرفٍ هار، وعلى سبيلِ هَلَكة، وما يلقى العالِمُ الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة إلا على أيديهم، والله يستعملُ من يشاءُ في سخطه كما يستعملُ من يحبُّ (٤) في مرضاته، إنه بعباده خبيرٌ بصير. ولا ينكشفُ سرُّ (٥) هذه الطوائف وطريقتُهم إلا بالعلم؛ فعاد الخيرُ بحذافيره إلى العلم ومُوجَبه، والشرُّ بحذافيره إلى الجهل ومُوجَبه.

стр. 558

الوجه الخامس والثلاثون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه جعل العلماءَ وكلاءَ وأمناءَ على دينه ووحيه، وارتضاهم لحفظه والقيام به والذبِّ عنه، وناهيك بها منزلةً شريفةً ومنقبةً عظيمة، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٨ - ٨٩]. وقد قيل: إنَّ هؤلاء القوم هم الأنبياء. وقيل: أصحابُ رسول الله ﷺ . وقيل: كلُّ مؤمن. هذه أمَّهاتُ الأقوال، بعد أقوالٍ متفرِّعةٍ عن هذه، كقول من قال: هم الأنصار، أو: المهاجرون والأنصار، أو: قومٌ (١) من أبناء فارس. وقال آخرون: هم الملائكة (٢). قال ابن جرير (٣): «وأولى هذه الأقوال بالصواب: أنهم الأنبياء الثمانية عشر الذين سمَّاهم في الآيات قبل هذه الآية». قال: «وذلك أنَّ الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذُكِر، فما بينها (٤) بأن يكونَ خبرًا عنهم أولى وأحقُّ من أن يكون (٥)

стр. 559

خبرًا عن غيرهم. فالتأويل: فإن يكفر قومُك من قريشٍ يا محمدُ بآياتنا، وكذَّبوا بها، وجحدوا حقيقتَها، فقد استحفظناها واسترعينا القيامَ بها رسلَنا وأنبياءنا من قبلك، الذين لا يجحدون حقيقتَها ولا يكذِّبون بها، ولكنهم يصدِّقون بها ويؤمنون بصحتها». قلت: السُّورة مكِّية، والإشارةُ بقوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى من كفر به من قومه أصلًا، ومَنْ عداهم تبعًا، فيدخلُ فيها من كفر بما جاء به من هذه الأمَّة. والقومُ الموكَّلون بها هم الأنبياءُ أصلًا، والمؤمنون بهم تبعًا، فيدخلُ فيها كلُّ من قام بحفظها والذبِّ عنها والدعوة إليها، ولا ريب أنَّ هذا للأنبياء أصلًا وللمؤمنين بهم تبعًا، وأحقُّ من دخلَ فيهم من أتباع الرسول خلفاؤه في أمَّته وورثتُه، فهم الموكَّلون بها. وهذا ينتظمُ الأقوالَ التي قيلت في الآية. وأما قولُ من قال: إنهم الملائكة؛ فضعيفٌ جدًّا لا يدلُّ عليه السِّياق، وتأباه لفظة «قوم»؛ إذا الغالبُ في القرآن ــ بل المطَّرد ــ تخصيصُ القوم ببني آدم دون الملائكة. وأما قولُ إبراهيم لهم: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، فإنما قاله لمَّا ظنَّهم من الإنس. وأيضًا؛ فلا يقتضيه فخامةُ المعنى ومقصودُه، ولهذا لو ظهَر ذلك وقيل: «فإن يكفُر بها كفَّارُ قومك فقد وكَّلنا بها الملائكة فإنهم لا يكفرون بها»، لم يَجِد منه من التسلية وتحقير شأن الكفرة بها، وبيان عدم تأهُّلهم لها (١) والإنعام عليهم، وإيثار غيرهم من أهل الإيمان الذين سبقت لهم الحسنى

стр. 560

عليهم لكونهم أحقَّ بها وأهلَها، والله أعلمُ حيث يضعُ هُداه (١) ويختصُّ به من يشاء. وأيضًا؛ فإنَّ تحت هذه الآية إشارةً وبشارةً بحفظها، وأنه لا ضَيْعةَ عليها، وأنَّ هؤلاء وإن ضيَّعوها ولم يقبلوها فإنَّ لها قومًا غيرهم يقبلونها ويحفظونها ويَرْعَونها ويذبُّون عنها، فكفرُ هؤلاء بها لا يضيِّعها ولا يُذْهِبُها ولا يضرُّها شيئًا؛ فإنَّ لها أهلًا ومستحِقًّا سواهم. فتأمَّل شرفَ هذا المعنى وجلالتَه وما تضمَّنه من تحريض عباده المؤمنين على المبادرة إليها والمسارعة إلى قبولها، وما تحته من تنبيههم على محبته لهم وإيثاره إياهم بهذه النعمة على أعدائه الكافرين، وما تحته من احتقارهم وازدرائهم وعدم المبالاة والاحتفال (٢) بهم، وأنكم وإن لم تؤمنوا بها فعبادي المؤمنون بها الموكَّلون بها سواكم كثير، كما قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وإذا كان للمَلِك عبيدٌ قد عصوه وخالفوا أمرَه ولم يلتفتوا إلى عهده، وله عبيدٌ آخرون سامعون له مطيعون قابلون مستجيبون لأمره، فنظر إليهم وقال: «إنْ يكفُر هؤلاء نعمتي ويعصوا أمري ويضيِّعوا عهدي، فإنَّ لي عبيدًا سواهم وهم أنتم، تطيعون أمري، وتحفظون عهدي، وتؤدُّون حقِّي»؛ فإنَّ عبيدَه

стр. 561

المطيعين يَجِدُون في أنفسهم من الفرح والسُّرور والنشاط وقوة العزيمة ما يكون مُوجِبًا لهم المزيدَ من القيام بحقِّ العبودية، والمزيدَ من كرامة سيِّدهم ومالكهم. وهذا أمرٌ يشهدُ به الحِسُّ والعِيان. وأمَّا توكيلُهم بها، فهو يتضمَّنُ توفيقَهم للإيمان بها والقيام بحقوقها ومراعاتها والذبِّ عنها والنصيحة لها، كما يوكِّل الرجلُ غيرَه بالشيء ليقوم به ويتعهَّده ويحافظ عليه. و ﴿بِهَا﴾ الأولى متعلِّقةٌ بـ ﴿وَكَّلْنَا﴾، و ﴿بِهَا﴾ الثانية متعلِّقةٌ بـ ﴿بِكَافِرِينَ﴾، والباءُ في ﴿بِكَافِرِينَ﴾ لتأكيد النفي. فإن قلت: فهل يصحُّ أن يقال لأحد هؤلاء الموكَّلين: إنه «وكيلُ الله» بهذا المعنى، كما يقال: «وليُّ الله»؟ قلت: لا يلزمُ من إطلاق فعل التوكيل (١) المقيَّد بأمرٍ ما أن يُصاغ منه اسمُ فاعلٍ مطلق، كما أنه لا يلزمُ من إطلاق فعل الاستخلاف المقيَّد أن يقال: «خليفة»، كقوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، فلا يُوجِبُ هذا الاستخلافُ (٢) أن يقال لكلِّ منهم: إنه «خليفةُ الله»؛ لأنه استخلافٌ مقيَّد. ولمَّا قيل للصدِّيق: يا خليفةَ الله، قال: «لستُ بخليفةٍ لله، ولكنِّي خليفةُ رسول الله، وحسبي ذلك» (٣).

стр. 562

ولكن يسوغُ أن يقال: هو وكيلٌ بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾. والمقصودُ أنَّ هذا التوكيلَ خاصٌّ بمن قام بها علمًا وعملًا، وجهادًا لأعدائها، وذبًّا عنها، ونفيًا لتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وأيضًا؛ فهو توكيلُ رحمةٍ وإحسانٍ وتوفيقٍ واختصاص، لا توكيل حاجةٍ كما يوكِّلُ الرجلُ من يتصرَّفُ عنه في غيبته لحاجته إليه. ولهذا قال بعض السَّلف: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ يقول: «رزقناها قومًا» (١)؛ فلهذا لا يقالُ لمن رُزِقَها (٢) ورُحِمَ بها: إنه «وكيلُ الله». وهذا بخلاف اشتقاق «وليِّ الله» من الموالاة؛ فإنها المحبةُ والقُرب، فكما يقال: عبد الله وحبيبُه، يقال: وليُّه، والله تعالى يوالي عبدَه إحسانًا إليه وجبرًا له ورحمة، بخلاف المخلوق فإنه يوالي المخلوقَ لتعزُّزه به وتكثُّره بموالاته؛ لذلِّ العبد وحاجته، وأمَّا العزيزُ الغنيُّ ــ سبحانه ــ فلا يوالي أحدًا من ذلٍّ ولا من حاجة. قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، فلم يَنْفِ الوليَّ نفيًا عامًّا مطلقًا، بل نفى أن يكون له وليٌّ من الذُّل، وأثبتَ في موضعٍ آخر أنَّ له أولياء، بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، وقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فهذه موالاةُ رحمةٍ

стр. 563

وإحسانٍ وجَبْر، والموالاةُ المنفيةُ موالاةُ حاجةٍ وذُل. يُوضِّحُ هذا الوجهُ السادسُ والثلاثون بعد المئة: وهو ما رُوِي عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ متعدِّدة أنه قال: «يحملُ هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (١). فهذا الحملُ المشارُ إليه في هذا الحديث هو التوكُّلُ المذكورُ في الآية، فأخبر ﷺ أن العلمَ الذي جاء به يحملُه عدولُ أمَّته من كلِّ خَلَف، حتى لا يضيعَ ويذهب. وهذا يتضمَّنُ تعديلَه ﷺ لحملة العلم الذي بُعِثَ به، وهو المشارُ إليه في قوله: «هذا العلم»، فكلُّ من حمَل العلمَ المشارَ إليه لا بدَّ وأن يكون عدلًا (٢)، ولهذا اشتهر عند الأمَّة عدالةُ نَقَلته وحملته اشتهارًا لا يقبلُ شكًّا ولا امتراءً (٣). ولا ريب أنَّ من عدَّله رسولُ الله ﷺ لا يُسْمَعُ فيه جرح؛ فالأئمةُ الذين اشتهروا عند الأمَّة بنقل العلم النبويِّ وميراثه كلُّهم عدولٌ بتعديل رسول الله ﷺ ، ولهذا لا يُقبلُ قَدْحُ بعضهم في بعض، وهذا بخلاف من اشتهر عند

стр. 564

الأمَّة جرحُه والقدحُ فيه، كأئمة البدع ومن جرى مجراهم من المتَّهمين في الدِّين، فإنهم ليسوا عند الأمَّة من حملة العلم. فما حمَل علمَ رسول الله ﷺ إلا عَدْل، ولكن قد يُغْلَطُ في مسمَّى العدالة، فيُظنُّ أنَّ المرادَ بالعدل من لا ذنب له، وليس كذلك، بل هو عدلٌ مؤتمنٌ على الدِّين، وإن كان منه ما يتوبُ إلى الله منه، فإنَّ هذا لا ينافي العدالةَ كما لا ينافي الإيمانَ والوَلاية. فصل وهذا الحديثُ له طرقٌ عديدة: * منها: ما رواه ابن عدي (١)، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدِّه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، عن النبيِّ ﷺ . * ومنها: ما رواه العوَّام بن حوشب، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، عن النبيِّ ﷺ . ذكره الخطيبُ (٢) وغيره. * ومنها: ما رواه ابن عدي (٣) من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 565

* ومنها: ما رواه محمد بن جرير الطبري (١) من حديث ابن أبي كريمة، عن مُعان بن رفاعة السَّلامي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، عن النبيِّ ﷺ . * ومنها: ما رواه حماد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن مُعان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري، قال: قال رسولُ الله ﷺ (٢). قال الدارقطني: حدثنا أحمد بن الحسن: حدثنا هاشم بن القاسم: حدثنا مثنى بن بكر ومُبَشِّرٌ وغيرهما من أهل العلم، كلُّهم يقولون: حدثنا مُعان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن النبيِّ ﷺ (٣). يعني أنَّ المحفوظ من هذا الطَّريق مرسل؛ لأنَّ إبراهيم هذا لا صحبة له (٤).
следующие страницы →