← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المطيعين يَجِدُون في أنفسهم من الفرح والسُّرور والنشاط وقوة العزيمة ما يكون مُوجِبًا لهم المزيدَ من القيام بحقِّ العبودية، والمزيدَ من كرامة سيِّدهم ومالكهم. وهذا أمرٌ يشهدُ به الحِسُّ والعِيان. وأمَّا توكيلُهم بها، فهو يتضمَّنُ توفيقَهم للإيمان بها والقيام بحقوقها ومراعاتها والذبِّ عنها والنصيحة لها، كما يوكِّل الرجلُ غيرَه بالشيء ليقوم به ويتعهَّده ويحافظ عليه. و ﴿بِهَا﴾ الأولى متعلِّقةٌ بـ ﴿وَكَّلْنَا﴾، و ﴿بِهَا﴾ الثانية متعلِّقةٌ بـ ﴿بِكَافِرِينَ﴾، والباءُ في ﴿بِكَافِرِينَ﴾ لتأكيد النفي. فإن قلت: فهل يصحُّ أن يقال لأحد هؤلاء الموكَّلين: إنه «وكيلُ الله» بهذا المعنى، كما يقال: «وليُّ الله»؟ قلت: لا يلزمُ من إطلاق فعل التوكيل (١) المقيَّد بأمرٍ ما أن يُصاغ منه اسمُ فاعلٍ مطلق، كما أنه لا يلزمُ من إطلاق فعل الاستخلاف المقيَّد أن يقال: «خليفة»، كقوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، فلا يُوجِبُ هذا الاستخلافُ (٢) أن يقال لكلِّ منهم: إنه «خليفةُ الله»؛ لأنه استخلافٌ مقيَّد. ولمَّا قيل للصدِّيق: يا خليفةَ الله، قال: «لستُ بخليفةٍ لله، ولكنِّي خليفةُ رسول الله، وحسبي ذلك» (٣).

стр. 562

ولكن يسوغُ أن يقال: هو وكيلٌ بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾. والمقصودُ أنَّ هذا التوكيلَ خاصٌّ بمن قام بها علمًا وعملًا، وجهادًا لأعدائها، وذبًّا عنها، ونفيًا لتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وأيضًا؛ فهو توكيلُ رحمةٍ وإحسانٍ وتوفيقٍ واختصاص، لا توكيل حاجةٍ كما يوكِّلُ الرجلُ من يتصرَّفُ عنه في غيبته لحاجته إليه. ولهذا قال بعض السَّلف: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ يقول: «رزقناها قومًا» (١)؛ فلهذا لا يقالُ لمن رُزِقَها (٢) ورُحِمَ بها: إنه «وكيلُ الله». وهذا بخلاف اشتقاق «وليِّ الله» من الموالاة؛ فإنها المحبةُ والقُرب، فكما يقال: عبد الله وحبيبُه، يقال: وليُّه، والله تعالى يوالي عبدَه إحسانًا إليه وجبرًا له ورحمة، بخلاف المخلوق فإنه يوالي المخلوقَ لتعزُّزه به وتكثُّره بموالاته؛ لذلِّ العبد وحاجته، وأمَّا العزيزُ الغنيُّ ــ سبحانه ــ فلا يوالي أحدًا من ذلٍّ ولا من حاجة. قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، فلم يَنْفِ الوليَّ نفيًا عامًّا مطلقًا، بل نفى أن يكون له وليٌّ من الذُّل، وأثبتَ في موضعٍ آخر أنَّ له أولياء، بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، وقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فهذه موالاةُ رحمةٍ

стр. 563

وإحسانٍ وجَبْر، والموالاةُ المنفيةُ موالاةُ حاجةٍ وذُل. يُوضِّحُ هذا الوجهُ السادسُ والثلاثون بعد المئة: وهو ما رُوِي عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ متعدِّدة أنه قال: «يحملُ هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (١). فهذا الحملُ المشارُ إليه في هذا الحديث هو التوكُّلُ المذكورُ في الآية، فأخبر ﷺ أن العلمَ الذي جاء به يحملُه عدولُ أمَّته من كلِّ خَلَف، حتى لا يضيعَ ويذهب. وهذا يتضمَّنُ تعديلَه ﷺ لحملة العلم الذي بُعِثَ به، وهو المشارُ إليه في قوله: «هذا العلم»، فكلُّ من حمَل العلمَ المشارَ إليه لا بدَّ وأن يكون عدلًا (٢)، ولهذا اشتهر عند الأمَّة عدالةُ نَقَلته وحملته اشتهارًا لا يقبلُ شكًّا ولا امتراءً (٣). ولا ريب أنَّ من عدَّله رسولُ الله ﷺ لا يُسْمَعُ فيه جرح؛ فالأئمةُ الذين اشتهروا عند الأمَّة بنقل العلم النبويِّ وميراثه كلُّهم عدولٌ بتعديل رسول الله ﷺ ، ولهذا لا يُقبلُ قَدْحُ بعضهم في بعض، وهذا بخلاف من اشتهر عند

стр. 564

الأمَّة جرحُه والقدحُ فيه، كأئمة البدع ومن جرى مجراهم من المتَّهمين في الدِّين، فإنهم ليسوا عند الأمَّة من حملة العلم. فما حمَل علمَ رسول الله ﷺ إلا عَدْل، ولكن قد يُغْلَطُ في مسمَّى العدالة، فيُظنُّ أنَّ المرادَ بالعدل من لا ذنب له، وليس كذلك، بل هو عدلٌ مؤتمنٌ على الدِّين، وإن كان منه ما يتوبُ إلى الله منه، فإنَّ هذا لا ينافي العدالةَ كما لا ينافي الإيمانَ والوَلاية. فصل وهذا الحديثُ له طرقٌ عديدة: * منها: ما رواه ابن عدي (١)، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدِّه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، عن النبيِّ ﷺ . * ومنها: ما رواه العوَّام بن حوشب، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، عن النبيِّ ﷺ . ذكره الخطيبُ (٢) وغيره. * ومنها: ما رواه ابن عدي (٣) من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 565

* ومنها: ما رواه محمد بن جرير الطبري (١) من حديث ابن أبي كريمة، عن مُعان بن رفاعة السَّلامي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، عن النبيِّ ﷺ . * ومنها: ما رواه حماد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن مُعان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري، قال: قال رسولُ الله ﷺ (٢). قال الدارقطني: حدثنا أحمد بن الحسن: حدثنا هاشم بن القاسم: حدثنا مثنى بن بكر ومُبَشِّرٌ وغيرهما من أهل العلم، كلُّهم يقولون: حدثنا مُعان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن النبيِّ ﷺ (٣). يعني أنَّ المحفوظ من هذا الطَّريق مرسل؛ لأنَّ إبراهيم هذا لا صحبة له (٤).

стр. 566

وقال الخلال في كتاب «العلل» (١): «قرأتُ على زهير بن صالح بن أحمد: حدثنا مهنَّا، قال: سألتُ أحمد عن حديث مُعان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري قال: قال رسولُ الله ﷺ : «يحملُ هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»، فقلتُ لأحمد: كأنه كلامٌ موضوع؟ (٢) قال: لا، هو صحيح. فقلت: ممَّن سمعته أنت؟ فقال: من غير واحد. قلت: من هم؟ قال: حدثني به مسكين، إلا أنه يقول: عن مُعان، عن القاسم بن عبد الرحمن. قال أحمد: ومُعان بن رفاعة لا بأس به». * ومنها: ما رواه أبو صالح: حدثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن عبد الله بن مسعود، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يَرِثُ هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عدولُه» (٣).

стр. 567

* ومنها: ما رواه أبو أحمد ابن عدي (١) من حديث رُزَيْق أبي عبد الله (٢) الألهاني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي، قال: «قال رسولُ الله ﷺ ». رواه عنه بقية. * ومنها: ما رواه ابن عدي (٣) أيضًا من طريق مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ . * ومنها: ما رواه تمَّام في «فوائده» (٤) من حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي قَبِيل، عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة. رواه عنه خالد بن عمرو. * ومنها: ما رواه القاضي إسماعيل (٥) من حديث علي بن مسلم

стр. 568

البكري (١)، عن أبي صالح الأشعري، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . الوجه السابع والثلاثون بعد المئة: أنَّ بقاء الدِّين والدنيا في بقاء العلم، وبذهاب العلم تذهبُ الدنيا والدِّين، فقِوامُ الدِّين والدنيا إنما هو بالعلم. قال الأوزاعي: قال ابن شهاب الزهري: «الاعتصامُ بالسُّنَّة نجاة، والعلمُ يُقْبَض قبضًا سريعًا، فَنَعْشُ العلم (٢) ثباتُ الدِّين والدنيا، وذهابُ العلم ذهابُ ذلك كلِّه» (٣). وقال ابن وهب: أخبرني ابن يزيد (٤)، عن ابن شهاب قال: «بلَغَنا عن رجالٍ من أهل العلم أنهم كانوا يقولون: الاعتصامُ بالسُّنَّة نجاة، والعلمُ يُقْبَض قبضًا سريعًا، فنَعْشُ العلم ثباتُ الدِّين والدنيا، وذهابُ العلم ذهابُ ذلك كلِّه» (٥). الوجه الثامن والثلاثون بعد المئة: أنَّ العلمَ يرفعُ صاحبَه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعُه المُلْكُ ولا المالُ ولا غيرهما، فالعلمُ يزيدُ الشريفَ

стр. 569

شرفًا، ويرفعُ العبدَ المملوك حتى يُجْلِسَه مجالسَ الملوك، كما ثبت في «الصحيح» (١) من حديث الزهري، عن أبي الطفيل، أنَّ نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعُسْفان ــ وكان عمر استعمله على أهل مكة ــ فقال له عمر: من استخلفتَ على أهل الوادي؟ قال: استخلفتُ عليهم ابن أبزى، فقال: ومن ابن أبزى؟ فقال: رجلٌ من موالينا، فقال عمر: استخلفتَ عليهم مولى؟! فقال: إنه قاراءٌ لكتاب الله عالمٌ بالفرائض، فقال عمر: أما إنَّ نبيَّكم ﷺ قد قال: «إنَّ الله يرفعُ بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين». قال أبو العالية: كنتُ آتي ابنَ عباس وهو على سريره (٢) وحوله قريش، فيأخذُ بيدي فيجلسني معه على السرير، فتَغامَزُ بي (٣) قريش، ففَطِنَ لهم ابنُ عباس فقال: كذا هذا العلم، يزيدُ الشريفَ شرفًا ويُجْلِسُ المملوكَ على الأسرَّة (٤). وقال إبراهيم الحربي: كان عطاءُ بن أبي رباح عبدًا أسود لامرأةٍ من أهل مكة، وكان أنفُه كأنه باقلَّاة. قال: وجاء سليمانُ بن عبد الملك أميرُ المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلمَّا صلى انفتلَ إليهم، فما زالوا يسألونه عن

стр. 570

مناسك الحجِّ وقد حَوَّل قفاه إليهم، ثمَّ قال سليمان لابنيه: قُوما، فقاما، فقال: يا بَنِيَّ، لا تَنِيا في طلب العلم؛ فإني لا أنسى ذُلَّنا بين يدي هذا العبد الأسود. قال الحربي: وكان محمدُ بن عبد الرحمن الأوقص (١) عنقُه داخلٌ في بدنه، وكان منكباه خارجَيْن كأنهما زُجَّان (٢)، فقالت له أمُّه: يا بنيَّ، لا تكونُ في مجلس قومٍ إلا كنتَ المضحوكَ منه المسخورَ به، فعليك بطلب العلم فإنه يرفعك. فوَلِيَ قضاءَ مكة عشرين سنة. قال: وكان الخصمُ إذا جلس إليه بين يديه يَرْعُد حتى يقوم. قال: ومرَّت به امرأةٌ يومًا وهو يقول: اللهمَّ أعتق رقبتي من النار، فقالت له: يا ابنَ أخي، وأيُّ رقبةٍ لك؟! (٣). وقال يحيى بن أكثم: قال الرشيد: ما أنبلُ المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين. قال: فتعرفُ أجلَّ منِّي؟ قلت: لا. قال: لكنِّي أعرفُه؛ رجلٌ في حَلْقةٍ يقول: حدثنا فلانٌ عن فلانٍ عن رسول الله ﷺ . قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أهذا خيرٌ منك وأنت ابن عمِّ رسول الله ﷺ ووليُّ عهد المسلمين؟! قال: نعم، ويلك، هذا خيرٌ منِّي؛ لأنَّ اسمَه مقترنٌ باسم رسول الله، لا يموتُ أبدًا، ونحن نموتُ ونفنى، والعلماءُ باقون ما بقي الدهر (٤).

стр. 571

وقال خيثمة بن سليمان: سمعت ابن أبي الخناجر يقول: كنَّا في مجلس يزيد بن هارون، والناسُ قد اجتمعوا، فمرَّ أميرُ المؤمنين فوقف علينا في المجلس، وفي المجلس أُلوفٌ، فالتفت إلى أصحابه، وقال: هذا المُلْك (١). وفي «تاريخ بغداد» (٢) للخطيب: حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد، قال: سمعت الحسن بن علي المقراء يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس يقول: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنتُ أظنُّ أن في الدنيا حلاوةً ألذَّ من الرِّياسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شهدتُ مذاكرةَ سليمان بن أيوب بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجِعَابي بحضرتي، فكان الطبرانيُّ يغلبُ الجِعَابيَّ بكثرة حفظه، وكان الجِعَابيُّ يغلبُ الطبرانيَّ بفطنته وذكاء أهل بغداد، حتى ارتفعت أصواتُهما ولا يكادُ أحدُهما يغلبُ صاحبه، فقال الجِعَابي: عندي حديثٌ ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هاته، فقال: حدثنا أبو خليفة: حدثنا سليمانُ بن أيوب، وحَدَّثَ بالحديث، فقال الطبراني: أنا سليمانُ (٣) بن أيوب ومنِّي سمعَ أبو خليفة، فاسمعْ منِّي حتى يَعْلُوَ إسنادُك، فإنك تروي عن أبي خليفة عنِّي! فخَجِلَ الجِعَابيُّ وغَلَبه الطبراني. قال ابن العميد: فوددتُ في مكاني أنَّ الوزارةَ والرِّياسةَ ليتها لم تكن لي

стр. 572

وكنتُ الطبراني، وفرحتُ مثل الفرح الذي فرح به الطبراني لأجل الحديث. أو كما قال. وقال المزني: سمعتُ الشافعيَّ يقول: «من تعلَّمَ القرآنَ عَظُمَت قيمتُه، ومن نظر في الفقه نَبُلَ مقدارُه، ومن تعلَّم اللغةَ رَقَّ طبعُه، ومن تعلَّم الحسابَ جَزُل رأيُه، ومن كتب الحديثَ قَوِيَت حُجَّتُه، ومن لم يَصُنْ نفسَه لم ينفعه علمُه» (١). وقد رُوِي هذا الكلامُ عن الشافعيِّ من وجوهٍ متعدِّدة (٢). وقال سفيان الثوري: «من أراد الدنيا والآخرة فعليه بطلب العلم». وقال عبد الله بن داود: سمعت سفيان الثوري يقول: «إنَّ هذا الحديثَ عِزٌّ، فمن أراد به الدنيا وجدها، ومن أراد به الآخرةَ وجدها» (٣). وقال النضر بن شُمَيْل: «من أراد أن يَشْرُفَ في الدنيا والآخرة فليتعلَّم العلم، وكفى بالمرء سعادةً أن يوثقَ به في دين الله، ويكونَ بين الله وبين عباده» (٤).

стр. 573

وقال حمزة بن سعيد المصري: لمَّا حَدَّثَ أبو مسلم الكَجِّي (١) أول يومٍ حدَّث قال لابنه: كم فَضَلَ عندنا من أثمان غلَّاتنا؟ قال: ثلاث مئة دينار (٢)، قال: فرِّقها على أصحاب الحديث والفقراء شكرًا أنَّ أباك اليوم شَهِدَ على رسول الله ﷺ ، فقُبِلَت شهادتُه (٣). وفي كتاب «الجليس والأنيس» (٤) لأبي الفرج المعافى بن زكريا الجَرِيري: حدثنا محمد بن الحسن (٥) بن دُرَيْد: حدثنا أبو حاتم، عن العُتْبي، عن أبيه، قال: ابتنى معاويةُ بالأبطح مجلسًا، فجلس عليه ومعه ابنةُ قَرَظَة (٦)، فإذا هو بجماعةٍ على رحالٍ لهم، وإذا شابٌّ منهم قد رفع عقيرتَه يتغنَّى: من يُساجِلْني يُساجِلْ ماجدًا ... يملأُ الدَّلوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ (٧) قال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن جعفر، قال: خلُّوا له الطريق.

стр. 574

ثمَّ إذا هو بجماعةٍ فيهم غلامٌ يتغنَّى: بينما يَذْكُرنني أبصرنني ... عند قِيدِ المِيلِ يَسْعَى بي الأغَرّ قلنَ: تعرفنَ الفتى؟ قلنَ: نعم ... قد عرفناهُ، وهل يخفى القمرْ قال: من هذا؟ قالوا: عمر بن أبي ربيعة، قال: خلُّوا له الطريق، فليذهب. قال: ثمَّ إذا هو بجماعة، وإذا فيهم رجلٌ يُسْأل، يقال [له]: رميتُ قبل أن أحلق؟ وحلقتُ قبل أن أرمي؟ في أشياء أشكلت عليهم من مناسك الحجِّ فقال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمر، فالتفت إلى ابنة قَرَظَة، وقال: هذا وأبيكِ الشَّرف، هذا والله شرفُ الدنيا والآخرة. وقال سفيان بن عيينة: «أرفعُ الناس منزلةً عند الله من كان بين الله وبين عباده؛ وهم الأنبياءُ والعلماء» (١). وقال سهل التُّسْتَري: «من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيءُ الرجلُ فيقول: يا فلان، أيشٍ تقولُ في رجلٍ حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طَلُقَت امرأتُه، ويجيءُ آخر فيقول: حلفتُ بكذا وكذا، فيقول: ليس تَحْنَثُ بهذا القول. وليس هذا إلا لنبيٍّ أو عالم، فاعرِفوا لهم ذلك» (٢). الوجه التاسعُ والثلاثون بعد المئة: أنَّ النفوسَ الجاهلةَ التي لا علم عندها قد أُلبِسَت ثوبَ الذلِّ، والإزراءُ عليها والتنقُّصُ بها أسرعُ منه إلى غيرها، وهذا أمرٌ معلومٌ عند الخاصِّ والعام.

стр. 575

قال الأعمش: «إني لأرى الشيخَ لا يروي شيئًا من الحديث فأشتهي أن ألطِمَه» (١). وقال أبو معاوية: سمعتُ الأعمش يقول: «من لم يطلب الحديث أشتهي أن أصفَعه بنعلي» (٢). وقال عَثَّامُ بن علي: سمعت الأعمش يقول: إذا رأيتَ الشيخَ لم يقرأ القرآنَ ولم يكتب الحديثَ فاصفَعْ له (٣)، فإنه من شيوخ القَمْراء. قال أبو صالح (٤): قلت لأبي جعفر: ما شيوخُ القَمْراء؟ قال: شيوخٌ دُهْرِيُّون (٥)، يجتمعون في ليالي القمر يتذاكرون أيام الناس، ولا يُحْسِنُ أحدُهم أن يتوضَّأ للصلاة (٦). وكان سفيانُ الثوري إذا رأى الشيخَ لم يكتب الحديثَ قال: «لا جزاك الله خيرًا عن الإسلام» (٧).

стр. 576

وقال المزني: «كان الشافعيُّ إذا رأى شيخًا سأله عن الحديث والفقه، فإن كان عنده شيء، وإلا قال له: لا جزاك الله خيرًا عن نفسك ولا عن الإسلام؛ قد ضيَّعتَ نفسَك وضيَّعتَ الإسلام». وكان بعضُ خلفاء بني العباس يلعبُ بالشِّطرنج، فاستأذن عليه عمُّه، فأذنَ له وغطَّى الرُّقعة، فلما جلس قال له: يا عم، هل قرأتَ القرآن؟ قال: لا، قال: فهل كتبتَ شيئًا من السُّنَّة؟ قال: لا، قال: فهل نظرتَ في الفقه واختلاف الناس؟ قال: لا، قال: فهل نظرتَ في العربية وأيام الناس؟ قال: لا، فقال الخليفة: اكشِف الرُّقعة. ثمَّ أتمَّ اللعب، وزال احتشامُه وحياؤه منه، فقال له مُلاعِبُه: يا أمير المؤمنين تكشفُها ومعنا من تحتشِمُ منه (١)؟! قال: اسكت، فما معنا أحد! (٢). وهذا لأنَّ الإنسان إنما يتميزُ عن سائر الحيوان بما خُصَّ به من العلم والعقل والفهم، فإذا عَدِمَ ذلك لم يَبْقَ فيه إلا القَدْرُ المشتركُ بينه وبين سائر الحيوانات، وهو الحيوانيَّةُ البهيميَّة، ومثلُ هذا لا يستحيي منه الناسُ ولا يمتنعون بحضرته وشهوده مما يُسْتَحيى منه مِنْ (٣) أولي الفضل والعلم. الوجه الأربعون بعد المئة: أنَّ كلَّ صاحب بضاعةٍ سوى العلم إذا عَلِمَ

стр. 577

أنَّ غيرَ بضاعته خيرٌ منها زَهِدَ في بضاعته ورَغِبَ في الأخرى وودَّ أنها له عِوَض بضاعته، إلا صاحب بضاعة العلم، فإنه ليس يحبُّ أنَّ له بحظِّه منها خَطرًا أصلًا (١). قال أبو جعفر الطحاوي: كنت عند أحمد بن أبي عمران (٢)، فمرَّ بنا رجلٌ من بني الدنيا، فنظرتُ إليه وشُغِلتُ به عما كنتُ فيه من المذاكرة، فقال لي: كأني بك قد فكَّرتَ فيما أُعطِي هذا الرجلُ من الدنيا. قلت له: نعم. قال: هل أدلُّك على خَلَّة؟ هل لك أن يحوِّل الله إليك ما عنده من المال ويحوِّل إليه ما عندك من العلم، فتعيش أنت غنيًّا جاهلًا ويعيش هو عالمًا فقيرًا؟ فقلت: ما أختارُ أن يحوِّل الله ما عندي من العلم إلى ما عنده. فالعلمُ غنًى بلا مال، وعزٌّ بلا عشيرة، وسلطانٌ بلا رجال. وفي ذلك قيل: العلمُ كنزٌ وذُخْرٌ لا نفادَ له ... نعمَ القرينُ إذا ما صاحبٌ صَحِبا قد يجمعُ المرءُ مالًا ثمَّ يُحْرَمُه ... عمَّا قليلٍ فيلقى الذُّلَّ والحَرَبا وجامعُ العلم مغبوطٌ به أبدًا ... ولا يُحَاذِرُ منه الفَوْتَ والسَّلَبا يا جامع العلم نعمَ الذُّخرتجمعُه ... لا تَعْدِلَنَّ به دُرًّا ولا ذهبا (٣)

стр. 578

الوجه الحادي والأربعون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه أخبر أنه يجزي المحسنين أجرَهم بأحسن ما كانوا يعملون، وأخبر سبحانه أنه يجزي على الإحسان بالعلم؛ وهذا يدلُّ على أنه من أحسن الجزاء. * أما المقامُ الأول؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥]، وهذا يتناول الجزاءين الدنيويَّ والأخروي. * وأما المقامُ الثاني؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]. قال الحسن: «من أحسنَ عبادةَ الله في شبيبته لقَّاهُ الله الحكمةَ في شَيبته (١)، وذلك قولُه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾» (٢). ومن هذا قولُ بعض العلماء: «تقولُ الحكمة: من التمسني فلم يجدني فليعمل بأحسن ما يعلم، وليترك أقبحَ ما يعلم، فإذا فعل ذلك فأنا معه وإن لم يعرفني» (٣).

стр. 579

الوجهُ الثاني والأربعون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه جعل العلمَ للقلوب كالمطر للأرض، فكما أنه لا حياة للأرض إلا بالمطر، فكذلك لا حياة للقلب إلا بالعلم. وفي «الموطأ» (١): «قال لقمانُ لابنه: يا بنيَّ، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإنَّ الله تعالى يحيي القلوبَ الميتة بنُور الحكمة كما يحيي (٢) الأرضَ بوابل المطر». ولهذا، الأرض إنما تحتاجُ إلى المطر في بعض الأوقات، فإذا تتابعَ عليها احتاجت إلى انقطاعه، وأما العلمُ فيحتاجُ إليه القلبُ بعدد الأنفاس، ولا يزيدُه كثرتُه إلا صلاحًا ونفعًا. الوجهُ الثالث والأربعون بعد المئة: أنَّ كثيرًا من الأخلاق التي لا تُحْمَدُ في الشخص، بل يُذَمُّ عليها، تُحْمَدُ في طلب العلم؛ كالمَلَق (٣)، وترك الاستحياء، والذُّل، والتردُّد إلى أبواب العلماء، ونحوها. قال ابن قتيبة (٤): جاء في الحديث: «ليس المَلَقُ من أخلاق المؤمنين

стр. 580

إلا في طلب العلم» (١). وهذا أُثِر عن بعض السلف. وقال ابن عباس: «ذللتُ طالبًا فعززتُ مطلوبًا» (٢). وقال: «وجدتُ عامَّة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحيِّ من الأنصار، إن كنتُ لأَقِيلُ عند باب أحدهم، ولو شئتُ أُذِنَ لي، ولكن أبتغي بذلك طِيبَ نفسه» (٣). وقال أبو إسحاق: قال علي: «كلماتٌ لو رَحَلتُم المَطِيَّ فيهنَّ لأنضَيتُموهُنَّ (٤) قبل أن تدركوا مثلهنَّ: لا يرجونَّ عبد إلا ربَّه، ولا يخافنَّ إلا ذنبَه، ولا يستحي من لا يعلمُ أن يتعلَّم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلمُ أن يقول: الله أعلم (٥)، واعلموا أنَّ منزلةَ الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأسُ ذهب الجسد، وإذا ذهب الصبرُ ذهب

стр. 581

الإيمان» (١). ومن كلام بعض العلماء: «لا ينالُ العلمَ مستحيٍ ولا متكبِّر» (٢)؛ هذا يمنعُه حياؤه من التعلُّم، وهذا يمنعُه كِبْرُه. وإنما حُمِدَت هذه الأخلاقُ في طلب العلم لأنها طريقٌ إلى تحصيله، فكانت من كمال الرجل ومُفْضِيةً إلى كماله. ومِنْ كلام الحسن: «من استتر عن طلب العلم بالحياء لَبِسَ للجهل سربالَه، فقطِّعوا سرابيلَ الحياء؛ فإنه من رَقَّ وجهُه رَقَّ علمُه» (٣). وقال الخليل: «منزلةُ الجهل بين الحياء والأنَفَة» (٤). ومن كلام عليٍّ رضي الله تعالى عنه: «قُرِنت الهيبةُ بالخيبة، والحياءُ بالحرمان» (٥).

стр. 582

وقال إبراهيمُ لمنصور (١): «سل مسألةَ الحمقى، واحفَظ حِفظَ الأكياس» (٢). وكذلك سؤالُ الناس هو عيبٌ ونقصٌ في الرجل وذِلَّةٌ تنافي المروءة، إلا في العلم، فإنه عينُ كماله ومروءته وعزِّه، كما قال بعض أهل العلم: «خيرُ خصال الرجل السؤالُ عن العلم» (٣). وقيل: «إذا جلستَ إلى عالمٍ فسَلْ تفقُّهًا لا تعنُّتًا» (٤). وقال رؤبة بن العجَّاج: أتيتُ النسَّابةَ البكري (٥)، فقال: من أنت؟ قلت: أنا ابن العجَّاج، قال: قصَّرتَ وعرَّفت، لعلَّك كقومٍ إن سكتُّ لم يسألوني، وإن تكلَّمتُ لم يَعُوا عنِّي؟ قلت: أرجو أن لا أكون كذلك، قال: ما أعداءُ المروءة؟ قلت: تُخْبِرُني، قال: بنو عمِّ السُّوء؛ إن رأوا حسنًا ستروه، وإن رأوا سيِّئًا أذاعوه. ثمَّ قال: إنَّ للعلم آفةً ونكدًا وهُجْنة؛ فآفتُه نسيانُه، ونكَدُه الكذبُ فيه، وهُجْنتُه نشرُه عند غير أهله (٦).

стр. 583

وأنشدَ ابنُ الأعرابي (١): ما أقربَ الأشياءَ حين يَسُوقُها ... قَدَرٌ وأبعدَها إذا لم تُقْدَرِ فسَلِ الفقيهَ تكن فقيهًا مثله ... من يَسْعَ في علمٍ بِذُلٍّ يَمْهَرِ فتدبَّر العلمَ الذي تُعنى (٢) به ... لا خيرَ في علمٍ بغير تدبُّرِ ولقد يَجِدُّ المرءُ (٣) وهو مُقَصِّرٌ ... ويخيبُ جَدُّ المرء غير مُقَصِّرِ ذَهَبَ الرجالُ المقتدى بفِعَالهم ... والمنكِرون لكلِّ أمرٍ منكرِ وبقيتُ في خَلْفٍ يُزيِّنُ بعضُهم ... بعضًا لِيَدْفَعَ مُعْوِرٌ (٤) عن مُعْوِر وللعلم ستُّ مراتب (٥): أولها: حُسْنُ السؤال. الثانية: حُسْنُ الإنصات والاستماع.

стр. 584

الثالثة: حُسْنُ الفهم. الرابعة: الحفظ. الخامسة: التعليم. السادسة ــ وهي ثمرتُه ــ: وهي العملُ به ومراعاةُ حدوده. فمن الناس من يُحْرَمُه لعدم حُسْن سؤاله؛ إمَّا أنه لا يسألُ بحال، أو يسألُ عن شيءٍ وغيرُه أهمُّ إليه منه؛ كمن يسألُ عن فُضوله التي لا يضرُّ جهلُه بها، ويدعُ ما لا غنى له عن معرفته. وهذه حالُ كثيرٍ من الجهَّال المتعالِمين (١). ومن الناس من يُحْرَمُه لسوء إنصاته، فيكونُ الكلامُ والمماراةُ آثَر عنده من حُسْن الاستماع (٢). وهذه آفةٌ كامنةٌ (٣) في أكثر النفوس الطالبة للعلم، وهي تمنعهم علمًا ولو كان حَسَنَ الفهم. ذكر ابنُ عبد البر (٤) عن بعض السَّلف أنه قال: «من كان حسنَ الفهم رديءَ الاستماع لم يَقُمْ خيرُه بشرِّه». وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب «العلل» له (٥) قال: «كان عروةُ بن

стр. 585

الزبير (١) يحبُّ مُمَاراةَ ابنَ عباس فكان يَخْزُنُ علمَه عنه، وكان عبيدُ الله بن عبد الله بن عتبة يَلْطُفُ له في السؤال فيَغُرُّه بالعلم غَرًّا (٢)». وقال ابن جريج: «لم أستخرج العلمَ الذي استخرجتُ من عطاء إلا برفقي به» (٣). وقال بعضُ السَّلف: «إذا جالستَ العالم فكن على أن تسمع أحرصَ منك على أن تقول» (٤). وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. فتأمَّل ما تحت هذه الألفاظ من كنوز العلم، وكيف تفتحُ مراعاتُها للعبد أبوابَ العلم والهدى، وكيف ينغلقُ بابُ العلم عنه من إهمالها وعدم

стр. 586

مراعاتها؛ فإنه سبحانه ذكر أنَّ آياته المتلوَّة المسموعة والمرئيَّة المشهودة إنما تكونُ تذكرةً لمن كان له قلب؛ فإنَّ من عَدِمَ القلبَ الواعي عن الله لم ينتفع بكلِّ آيةٍ تمرُّ عليه ولو مرَّت به كلُّ آية، ومرورُ الآيات عليه كطلوع الشمس والقمر والنجوم ومرورِها على من لا بصر له، فإذا كان له قلبٌ كان بمنزلة البصير إذا مرَّت به المرئيَّات فإنه يراها. ولكنَّ صاحبَ القلب لا ينتفعُ بقلبه إلا بأمرين: * أحدهما: أن يُحْضِرَه ويُشْهِدَه لما يُلقى إليه؛ فإذا كان غائبًا عنه مسافرًا في الأماني والشهوات والخيالات لا ينتفعُ به. * فإذا أَحْضَرَه وأَشْهَدَه لم ينتفع إلا بأن يلقي سمعه ويصغي بكلِّيَّته إلى ما يُوعَظُ به ويُرْشَدُ إليه. وها هنا ثلاثةُ أمور: أحدها: سلامةُ القلب وصحتُه وقبولُه. الثاني: إحضارُه وجَمْعُه ومنعُه من الشُّرود والتفرُّق. الثالث: إلقاءُ السمع وإصغاؤه والإقبالُ على الذكر (١). فذكرَ اللهُ تعالى الأمورَ الثلاثة في هذه الآية. قال ابن عطية (٢): «القلبُ هنا عبارةٌ عن العقل؛ إذ هو محلُّه، والمعنى: لمن كان له قلبٌ واعٍ ينتفعُ به». قال: «وقال الشِّبلي: قلبٌ حاضرٌ مع الله لا يغفلُ عنه طرفةَ عين.

стр. 587

وقولُه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ معناه: صَرَف سمعَه إلى هذه الأنباء الواعظة، وأثبته في سمعه (١)، فذلك إلقاءٌ له عليها، ومنه قولُه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، أي: أثبتُّها عليك. وقولُه: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال بعضُ المتأوِّلين: معناه: وهو شاهدٌ (٢) مقبلٌ على الأمر غير معرضٍ عنه ولا مفكِّرٍ في غير ما يسمع». قال: «وقال قتادة: هي إشارةٌ إلى أهل الكتاب. فكأنه قال: إنَّ هذه العِبَر لتذكرةٌ لمن له فهمٌ فتدبَّرَ الأمر، أو لمن سمعها من أهل الكتاب فشهدَ بصحَّتها لعلمه بها من كتاب التوراة (٣) وسائر كتب بني إسرائيل». قال: «فـ ﴿شَهِيدٌ﴾ على التأويل الأول من المشاهدة، وعلى التأويل الثاني من الشهادة». وقال الزجَّاج (٤): «معنى ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ من صَرَف قلبَه إلى التفهُّم، ألا ترى أنَّ قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] أنهم لم يستمعوا استماعَ متفهِّمٍ مسترشدٍ، فجُعِلوا بمنزلة من لم يسمع، كما قال الشاعر: * أصَمُّ عمَّا ساءه سميعُ * (٥)

стр. 588

ومعنى ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: استَمَع ولم يَشْغَل قلبَه بغير ما يستمع، والعربُ تقول: ألقِ إليَّ سمعَك، أي: استمِعْ منِّي. ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: قلبُه فيما يسمع». قال: «وجاء في التفسير (١) أنه يعني به أهلَ الكتاب الذين عندهم صفةُ النبيِّ ﷺ . فالمعنى: أو ألقى السمعَ وهو شهيدٌ أنَّ صفةَ النبيِّ ﷺ في كتابه». وهذا هو الذي حكاه ابن عطية عن قتادة، وذكرَ أنَّ شهيدًا فيه بمعنى شاهد، أي: مُخْبِر. وقال صاحب «الكشاف» (٢): «﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ واعٍ؛ لأنَّ من لا يعي قلبُه فكأنه لا قلب له. وإلقاءُ السمع: الإصغاء. ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: حاضرٌ بفطنته؛ لأنَّ من لا يُحْضِرُ ذهنَه فكأنه غائب. أو هو مؤمنٌ شاهدٌ على صحته وأنه وحيٌ من الله. أو هو (٣) بعضُ الشهداء في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وعن قتادة: وهو شاهدٌ على صدقه من أهل الكتاب؛ لوجود نعته عنده».

стр. 589

فلم يُختَلف في أنَّ المراد بالقلب القلبُ الواعي، وأنَّ المرادَ بإلقاء السمع إصغاؤه وإقبالُه على الذكر (١)، وتفريغُ سمعه له. واختلف في الشهيد على أربعة أقوال: أحدها: أنه من المشاهدة، وهي الحضور. وهذا أصحُّ الأقوال، ولا يليقُ بالآية غيرُه. الثاني: أنه شهيدٌ من الشهادة (٢). وفيه على هذا ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنه شاهدٌ على صحَّته بما معه من الإيمان. الثاني: أنه شاهدٌ من الشهداء على الناس يوم القيامة. الثالث: أنها شهادةٌ من الله عنده على صحَّة نبوَّة رسول الله ﷺ بما عَلِمَه من الكتب المنزَّلة. والصوابُ القولُ الأول؛ فإنَّ قولَه: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ جملةٌ حاليَّة، والواو فيها واو الحال، أي: ألقى السمعَ في هذه الحال. وهذا يقتضي أن يكون حالَ إلقائه السمعَ شهيدًا، وهذا من (٣) المشاهدة والحضور. ولو كان المرادُ به الشهادةَ في الآخرة أو في الدنيا لَمَا كان لتقييدها بإلقاء السمع معنى؛ إذ يصيرُ الكلام: إنَّ في ذلك لآيةً لمن كان له قلبٌ

стр. 590

أو ألقى السمعَ حال كونه شاهدًا بما معه في التوراة، أو حال كونه شهيدًا يوم القيامة. ولا ريب أنَّ هذا ليس هو المراد بالآية. وأيضًا؛ فالآيةُ عامَّةٌ في كلِّ من له قلبٌ أو ألقى السمع، فكيف يُدَّعى تخصيصُها بمؤمني أهل الكتاب الذين عندهم شهادةٌ من كتبهم على صفة النبيِّ ﷺ ؟! وأيضًا؛ فالسورةُ مكيَّة، والخطابُ فيها لا يجوزُ أن يختصَّ بأهل الكتاب، ولا سيما مثلُ هذا الخطاب الذي عُلِّق فيه حصولُ مضمون الآية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع، فكيف يقال: هي في أهل الكتاب؟! فإن قيل: المختصُّ بهم قولُه: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾؛ فهذا أفسدُ وأفسد؛ لأنَّ قوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يرجعُ الضميرُ فيه إلى جملة من تقدَّم، وهو: من له قلبٌ أو ألقى السمع، فكيف يُدَّعى عَوْدُه إلى شيءٍ غايتُه أن يكون بعض المذكور أوَّلًا، ولا دلالةَ في اللفظ عليه؟! فهذا في غاية الفساد (١). وأيضًا؛ فإنَّ المشهودَ به محذوف، ولا دلالة في اللفظ عليه، فلو كان المرادُ به: وهو شاهدٌ بكذا، لذكر المشهودَ به؛ إذ ليس في اللفظ ما يدلُّ عليه، وهذا بخلاف ما إذا جُعِلَ من الشُّهود ــ وهو الحضور ــ فإنه لا يقتضي مفعولًا مشهودًا به، فيتمُّ الكلامُ بذكره وحده. وأيضًا؛ فإنَّ الآيةَ تضمنَّت تقسيمًا وترديدًا بين قسمين: أحدهما: من كان له قلب.

стр. 591

والثاني: من ألقى السمعَ وحَضَرَ بقلبه ولم يَغِب، فهو حاضرُ القلب شاهِدُه لا غائبُه. وهذا ــ والله أعلم ــ سرُّ الإتيان بـ ﴿أَوْ﴾ دون الواو؛ لأنَّ المنتفِعَ بالآيات من الناس نوعان: أحدهما: ذو القلب الواعي الزَّكيِّ الذي يكتفي بهدايته بأدنى تنبيه، ولا يحتاجُ أن يَسْتَجْلِبَ قلبَه ويُحْضِرَه ويجمعه من مواضع شَتاته، بل قلبُه واعٍ زكيٌّ قابلٌ للهدى غير معرضٍ عنه؛ فهذا لا يحتاجُ إلا إلى وصول الهدى إليه فقط؛ لكمال استعداده وصحَّة فطرته، فإذا جاءه الهدى سارع قلبُه إلى قبوله، كأنه كان مكتوبًا فيه، فهو قد أدركه مجملًا ثمَّ جاء الهدى بتفصيل ما شهدَ قلبُه بصحَّته مجملًا. وهذه حالُ أكمل الخلق استجابةً لدعوة الرسل، كما هي حالُ الصِّدِّيق الأكبر ﵁. النوع الثاني: من ليس له هذا الاستعدادُ والقبول؛ فإذا وردَ عليه الهدى أصغى إليه بسمعه، وأحضَرَ قلبَه وجَمَعَ فكرتَه عليه، وعلم صحَّته وحُسْنَه بنظره واستدلاله. وهذه طريقةُ أكثر المستجيبين، ولهم نُوِّعَ ضربُ الأمثال، وإقامةُ الحُجَج، وذِكْرُ المعارضات والأجوبة عنها. والأوَّلون: هم الذين يُدْعَوْنَ بالحكمة، وهؤلاء: يُدْعَوْنَ بالموعظة الحسنة. فهؤلاء نوعا المُستجيبين. وأمَّا المعارضون الدافعون للحقِّ (١)، فنوعان: نوعٌ يُدْعَوْنَ بالمجادلة بالتي هي أحسن، فإن استجابوا وإلا فالمُجَالَدة؛ فهؤلاء لا بدَّ لهم من جدالٍ

стр. 592

أو جِلَاد (١). ومن تأمَّل دعوةَ القرآن وجدها شاملةً لهؤلاء الأقسام، متناولةً لها كلِّها؛ كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ فهؤلاء المدعوُّون بالكلام. وأمَّا أهلُ الجِلَاد، فهم الذين أمر اللهُ بقتالهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدِّينُ كلُّه لله. وأمَّا من فسَّر الآيةَ بأنَّ المرادَ بـ ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ هو المستغني بفطرته عن علم المنطق، وهو المؤيَّدُ بقوَّةٍ قُدسيَّة ينالُ بها الحدَّ الأوسط بسرعة؛ فهو لكمال فطرته مُسْتَغْنٍ عن مراعاة أوضاع المنطق، والمرادَ بمَنْ ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ من ليست له هذه القوَّة؛ فهو محتاجٌ إلى تعلُّم المنطق ليوجبَ له مراعاتُه وإصغاؤه إليه أن لا يزيغ في فكره، وفسَّر قولَه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ أنها القياسُ البرهاني، و ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ القياس الخَطابي، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ القياس الجَدَلي= فهذا ليس من تفاسير الصحابة ولا التابعين ولا أحدٍ من أئمَّة التفسير، بل ولا من تفاسير المسلمين، وهو تحريفٌ لكلام الله تعالى، وحملٌ له على اصطلاح المنطقيَّة المبخوسة الحظِّ من العقل والإيمان (٢).

стр. 593

وهذا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية وغلاة الإسماعيلية لِمَا يفسِّرونه من القرآن وينزِّلونه على مذاهبهم الباطلة، وكذلك تفسيرُ الجهمية والمعتزلة والرافضة للآيات التي ينزِّلونها على أقوالهم الباطلة (١) والقرآن بريءٌ من ذلك كلِّه، منزَّهٌ عن هذه الأباطيل والهذيانات. وقد ذكرنا بطلانَ ما فسَّر به المنطقيُّون هذه الآية التي نحن فيها والآية الأخرى في موضعٍ آخر من وجوهٍ متعدَّدة، وبيَّنَّا بطلانَه عقلًا وشرعًا ولغةً وعُرفًا، وأنه يتعالى كلامُ الله عن حمله على ذلك (٢). وبالله التوفيق. والمقصودُ بيانُ حرمان العلم من هذه الوجوه الستة: أحدها: تركُ السؤال. الثاني: سوءُ الإنصات وعدمُ إلقاء السمع. الثالث: سوءُ الفهم. الرابع: عدمُ الحفظ. الخامس: عدمُ نشره وتعليمه؛ فإنَّ من خَزَنَ علمَه ولم ينشره ولم يعلِّمه ابتلاه الله بنسيانه وذهابه منه؛ جزاءً من جنس عمله، وهذا أمرٌ يشهدُ به الحسُّ والوجود.

стр. 594

السادس: عدمُ العمل به؛ فإنَّ العملَ به يوجبُ تذكُّرَه وتدبُّرَه ومراعاتَه والنظرَ فيه، فإذا أهملَ العملَ به نسيه. قال بعضُ السلف: «كنا نستعينُ على حفظ العلم بالعمل به» (١). وقال بعضُ السَّلف أيضًا: «العلم يهتفُ بالعمل، فإن أجابه حَلَّ وإلا ارتحل». فالعملُ به من أعظم أسباب حفظه وثباته، وتضييعُ العمل به إضاعةٌ له؛ فما استُدِرَّ العلمُ ولا استُجلِبَ بمثل العمل، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. وأما قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فليس من هذا الباب، بل هما جملتان مستقلَّتان: طلبيَّة؛ وهي الأمرُ بالتقوى، وخبريَّة؛ وهي قولُه تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، أي: والله يعلِّمُكم ما تتقون. وليست جوابًا للأمر، ولو أريد بها الجزاءُ لأُتِيَ بها مجزومةً مجرَّدةً عن الواو، فكان يقول: «واتقوا الله يعلِّمْكم»، أو: «إن تتقوه يعلِّمْكم»، كما قال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، فتدبَّره (٢). الوجه الرابع والأربعون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه نفى التسويةَ بين العالِم وغيره، كما نفى التسويةَ بين الخبيث والطيِّب، وبين الأعمى والبصير،

стр. 595

وبين النُّور والظُّلمة، وبين الظِّلِّ والحَرُور، وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وبين الأبكم العاجز الذي لا يَقْدِرُ على شيءٍ ومن يأمُرُ بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم، وبين المؤمنين والكفار، وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض، وبين المتَّقين والفجَّار. فهذه عشرةُ مواضع في القرآن (١) نفى فيها التسويةَ بين هؤلاء الأصناف، وهذا يدلُّ على أنَّ منزلة العالِم من الجاهل كمنزلة النُّور من الظُّلمة، والظِّلِّ من الحَرُور، والطيِّب من الخبيث، ومنزلة كلِّ واحدٍ من هذه الأصناف مع مُقابِله. وهذا كافٍ في شرف العلم وأهله. بل إذا تأمَّلتَ هذه الأصنافَ كلَّها وجدتَ نفيَ التسوية بينها راجعًا إلى العلم ومُوجَبه؛ فبه وقع التفضيلُ (٢) وانتفت المساواة. الوجه الخامس والأربعون بعد المئة: أنَّ سليمان لما تواعَد (٣) الهدهدَ بأن يعذِّبه عذابًا شديدًا أو يذبحه، إنما نجا منه بالعلم، وأقْدَمَ عليه في خطابه

стр. 596

له بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، وهذا الخطابُ إنما جرَّأه عليه العلم، وإلا فالهدهدُ مع ضعفه لا يتمكَّنُ في خطابه لسليمان مع قوَّته بمثل هذا الخطاب لولا سلطانُ العلم. ومن هذا الحكايةُ المشهورة أنَّ بعض أهل العلم سئل عن مسألة، فقال: لا أعلمُها، فقال أحدُ تلامذته: أنا أعلمُ هذه المسألة، فغضبَ الأستاذُ وهَمَّ به، فقال له: أيها الأستاذ، لستَ أعلمَ من سليمان بن داود ولو بلغتَ في العلم ما بلغت، ولستُ أنا أجهلَ من الهدهد، وقد قال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾؛ فلم يعتب عليه ولم يعنِّفه (١). الوجه السادس والأربعون بعد المئة: أنَّ من نال شيئًا من شرف الدنيا والآخرة فإنما ناله بالعلم. وتأمَّل ما حصلَ لآدم من تمييزه (٢) على الملائكة واعترافهم له بتعليم الله له الأسماءَ كلَّها، ثمَّ ما حصلَ له من تدارك المصيبة والتعويض عن سكنى الجنة بما هو خيرٌ له منها= بعلم الكلمات التي تلقَّاها من ربِّه. وما حصلَ ليوسف من التمكين في الأرض والعزَّة والعظمة بعلمه بعبارة تلك الرُّؤيا، ثمَّ عِلْمه بوجوه استخراج أخيه من إخوته بما يقرُّون به ويحكمون هم به، حتى آل الأمرُ إلى ما آل إليه من العزِّ والعاقبة الحميدة وكمال الحال التي توصَّل إليها بالعلم، كما أشار إليه سبحانه في قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ

стр. 597

كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، جاء في تفسيرها: «نرفعُ درجاتِ من نشاءُ بالعلم، كما رفعنا درجةَ يوسف على إخوته بالعلم» (١). وقال في إبراهيم ﷺ : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]؛ فهذه رفعةٌ بعلم الحجَّة، والأولُ رفعةٌ بعلم السِّياسة. وكذلك ما حصلَ للخَضِر بسبب علمه من تَلْمَذَةِ كليم الرحمن له (٢)، وتلطُّفه معه في السؤال، حتى قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. وكذلك ما حصلَ لسليمان من عِلْم منطق الطَّير حتى وصلَ إلى مُلْك سبأ، وقَهَرَ مَلِكتَهم، واحتوى على سرير مُلْكها، ودخولِها (٣) تحت طاعته، ولذلك قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]. وكذلك ما حصلَ لداود من عِلْم نَسْج الدُّروع من الوقاية من سلاح الأعداء، وعدَّدَ سبحانه هذه النِّعمة بهذا العلم على عباده (٤)، فقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].

стр. 598

وكذلك ما حصلَ للمسيح من علم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ما رفعه اللهُ به إليه وفضَّله وكرَّمه. وكذلك ما حصلَ لسيِّد ولد آدم ﷺ من العلم الذي ذكَّره (١) اللهُ به نعمَه عليه (٢)؛ فقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. الوجه السابعُ والأربعون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه أثنى على إبراهيم خليله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢١]. فهذه أربعةُ أنواعٍ من الثناء: افتتحها بأنه أمَّة. والأمَّةُ هو القدوة الذي يُؤتمُّ به؛ قال ابن مسعود: «والأمَّةُ المعلِّم للخير» (٣)، وهي فُعْلةٌ من الائتمام، كقُدوة، وهو الذي يقتدى به. والفرقُ بين الأمَّة والإمام من وجهين: أحدهما: أنَّ «الإمام» كلُّ ما يؤتمُّ به، سواءٌ كان بقصده وشعوره أو لا، ومنه سمِّي الطريقُ: إمامًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)

стр. 599

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨ - ٧٩]، أي: بطريقٍ واضحٍ لا يخفى على السالك. ولا يسمَّى الطريقُ: أمَّة. الثاني: أنَّ «الأمَّة» فيه زيادةُ معنى؛ وهو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل بحيث بقي فيها فردًا وحده، فهو الجامعُ لخصالٍ تفرَّقت في غيره، فكأنه بايَنَ غيره باجتماعها فيه وتفرُّقها أو عدمها في غيره. ولفظُ «الأمَّة» يُشْعِرُ بهذا المعنى؛ لِمَا فيه من الميم المُضعَّفة الدَّالَّة على الضمِّ بمخرجها وتكريرها، وكذلك ضَمُّ أوله؛ فإنَّ الضَّمة من الواو، ومخرجُها ينضمُّ عند النطق بها، وأتى بالتاء الدَّالَّة على الوَحْدَة كالغُرفة واللُّقمة، ومنه الحديث: «إنَّ زيد بن عمرو بن نفيلٍ يُبعثُ يوم القيامة أمَّةً وحده» (١). فالضمُّ والاجتماعُ لازمٌ لمعنى «الأمَّة»، ومنه سمِّيت «الأمَّة» التي هي آحادُ الأمم؛ لأنهم الناسُ المجتمعون على دينٍ واحدٍ أو في عصرٍ واحد (٢). الثاني: قوله: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾، قال ابن مسعود: «القانت المطيع» (٣). والقنوتُ يفسَّر بأشياء كلها ترجعُ إلى دوام الطاعة.

стр. 600

الثالث: قوله: ﴿حَنِيفًا﴾، والحنيفُ المُقْبِلُ على الله. ويلزمُ هذا المعنى ميلُه عمَّا سواه، فالمَيْلُ لازمُ معنى الحَنَف، لا أنه موضوعُه لغةً (١). الرابع: قولُه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾، والشكرُ للنِّعم مبنيٌّ على ثلاثة أركان: * الإقرارُ بالنعمة. * وإضافتُها إلى المُنْعِم بها. * وصرفُها في مرضاته، والعملُ فيها بما يُحِبُّ. فلا يكونُ العبدُ شاكرًا إلا بهذه الأشياء الثلاثة (٢). والمقصودُ أنه مدح خليلَه بأربع صفاتٍ كلها ترجعُ إلى العلم، والعمل بمُوجَبه، وتعليمه ونشره؛ فعاد الكمالُ كلُّه إلى العلم والعمل بمُوجَبه ودعوة الخلق إليه. الوجه الثامن والأربعون بعد المئة: قولُه سبحانه عن المسيح أنه قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]. قال سفيانُ بن عيينة: «﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قال: معلِّمًا للخير» (٣).
следующие страницы →