← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

له بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، وهذا الخطابُ إنما جرَّأه عليه العلم، وإلا فالهدهدُ مع ضعفه لا يتمكَّنُ في خطابه لسليمان مع قوَّته بمثل هذا الخطاب لولا سلطانُ العلم. ومن هذا الحكايةُ المشهورة أنَّ بعض أهل العلم سئل عن مسألة، فقال: لا أعلمُها، فقال أحدُ تلامذته: أنا أعلمُ هذه المسألة، فغضبَ الأستاذُ وهَمَّ به، فقال له: أيها الأستاذ، لستَ أعلمَ من سليمان بن داود ولو بلغتَ في العلم ما بلغت، ولستُ أنا أجهلَ من الهدهد، وقد قال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾؛ فلم يعتب عليه ولم يعنِّفه (١). الوجه السادس والأربعون بعد المئة: أنَّ من نال شيئًا من شرف الدنيا والآخرة فإنما ناله بالعلم. وتأمَّل ما حصلَ لآدم من تمييزه (٢) على الملائكة واعترافهم له بتعليم الله له الأسماءَ كلَّها، ثمَّ ما حصلَ له من تدارك المصيبة والتعويض عن سكنى الجنة بما هو خيرٌ له منها= بعلم الكلمات التي تلقَّاها من ربِّه. وما حصلَ ليوسف من التمكين في الأرض والعزَّة والعظمة بعلمه بعبارة تلك الرُّؤيا، ثمَّ عِلْمه بوجوه استخراج أخيه من إخوته بما يقرُّون به ويحكمون هم به، حتى آل الأمرُ إلى ما آل إليه من العزِّ والعاقبة الحميدة وكمال الحال التي توصَّل إليها بالعلم، كما أشار إليه سبحانه في قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ

стр. 597

كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، جاء في تفسيرها: «نرفعُ درجاتِ من نشاءُ بالعلم، كما رفعنا درجةَ يوسف على إخوته بالعلم» (١). وقال في إبراهيم ﷺ : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]؛ فهذه رفعةٌ بعلم الحجَّة، والأولُ رفعةٌ بعلم السِّياسة. وكذلك ما حصلَ للخَضِر بسبب علمه من تَلْمَذَةِ كليم الرحمن له (٢)، وتلطُّفه معه في السؤال، حتى قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. وكذلك ما حصلَ لسليمان من عِلْم منطق الطَّير حتى وصلَ إلى مُلْك سبأ، وقَهَرَ مَلِكتَهم، واحتوى على سرير مُلْكها، ودخولِها (٣) تحت طاعته، ولذلك قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]. وكذلك ما حصلَ لداود من عِلْم نَسْج الدُّروع من الوقاية من سلاح الأعداء، وعدَّدَ سبحانه هذه النِّعمة بهذا العلم على عباده (٤)، فقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].

стр. 598

وكذلك ما حصلَ للمسيح من علم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ما رفعه اللهُ به إليه وفضَّله وكرَّمه. وكذلك ما حصلَ لسيِّد ولد آدم ﷺ من العلم الذي ذكَّره (١) اللهُ به نعمَه عليه (٢)؛ فقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. الوجه السابعُ والأربعون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه أثنى على إبراهيم خليله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢١]. فهذه أربعةُ أنواعٍ من الثناء: افتتحها بأنه أمَّة. والأمَّةُ هو القدوة الذي يُؤتمُّ به؛ قال ابن مسعود: «والأمَّةُ المعلِّم للخير» (٣)، وهي فُعْلةٌ من الائتمام، كقُدوة، وهو الذي يقتدى به. والفرقُ بين الأمَّة والإمام من وجهين: أحدهما: أنَّ «الإمام» كلُّ ما يؤتمُّ به، سواءٌ كان بقصده وشعوره أو لا، ومنه سمِّي الطريقُ: إمامًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)

стр. 599

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨ - ٧٩]، أي: بطريقٍ واضحٍ لا يخفى على السالك. ولا يسمَّى الطريقُ: أمَّة. الثاني: أنَّ «الأمَّة» فيه زيادةُ معنى؛ وهو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل بحيث بقي فيها فردًا وحده، فهو الجامعُ لخصالٍ تفرَّقت في غيره، فكأنه بايَنَ غيره باجتماعها فيه وتفرُّقها أو عدمها في غيره. ولفظُ «الأمَّة» يُشْعِرُ بهذا المعنى؛ لِمَا فيه من الميم المُضعَّفة الدَّالَّة على الضمِّ بمخرجها وتكريرها، وكذلك ضَمُّ أوله؛ فإنَّ الضَّمة من الواو، ومخرجُها ينضمُّ عند النطق بها، وأتى بالتاء الدَّالَّة على الوَحْدَة كالغُرفة واللُّقمة، ومنه الحديث: «إنَّ زيد بن عمرو بن نفيلٍ يُبعثُ يوم القيامة أمَّةً وحده» (١). فالضمُّ والاجتماعُ لازمٌ لمعنى «الأمَّة»، ومنه سمِّيت «الأمَّة» التي هي آحادُ الأمم؛ لأنهم الناسُ المجتمعون على دينٍ واحدٍ أو في عصرٍ واحد (٢). الثاني: قوله: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾، قال ابن مسعود: «القانت المطيع» (٣). والقنوتُ يفسَّر بأشياء كلها ترجعُ إلى دوام الطاعة.

стр. 600

الثالث: قوله: ﴿حَنِيفًا﴾، والحنيفُ المُقْبِلُ على الله. ويلزمُ هذا المعنى ميلُه عمَّا سواه، فالمَيْلُ لازمُ معنى الحَنَف، لا أنه موضوعُه لغةً (١). الرابع: قولُه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾، والشكرُ للنِّعم مبنيٌّ على ثلاثة أركان: * الإقرارُ بالنعمة. * وإضافتُها إلى المُنْعِم بها. * وصرفُها في مرضاته، والعملُ فيها بما يُحِبُّ. فلا يكونُ العبدُ شاكرًا إلا بهذه الأشياء الثلاثة (٢). والمقصودُ أنه مدح خليلَه بأربع صفاتٍ كلها ترجعُ إلى العلم، والعمل بمُوجَبه، وتعليمه ونشره؛ فعاد الكمالُ كلُّه إلى العلم والعمل بمُوجَبه ودعوة الخلق إليه. الوجه الثامن والأربعون بعد المئة: قولُه سبحانه عن المسيح أنه قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]. قال سفيانُ بن عيينة: «﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قال: معلِّمًا للخير» (٣).

стр. 601

وهذا يدلُّ على أنَّ تعليمَ الرجل الخيرَ هو البركةُ التي جعلها اللهُ فيه (١)؛ فإنَّ البركة حصولُ الخير ونماؤه ودوامه. وهذا في الحقيقة ليس إلا في العلم الموروث عن الأنبياء، وتعليمه. ولهذا يسمِّي سبحانه كتابَه: مباركًا، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]، ووصف رسولَه بأنه مبارك، كما في قول المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]؛ فبركةُ كتابه ورسوله هي سببُ ما يحصلُ بهما (٢) من العلم والهدى والدعوة إلى الله. الوجه التاسع والأربعون بعد المئة: عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتَفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»، رواه مسلم في «الصحيح» (٣). وهذا من أعظم الأدلة على شرف العلم وفضله وعِظَم ثمرته؛ فإنَّ ثوابَه يصلُ إلى الرجل بعد موته ما دام يُنتَفعُ به، فكأنه حيٌّ لم ينقطع عملُه، مع ما له من حياة الذِّكر والثناء؛ فجريانُ أجره عليه إذا انقطع عن الناس ثوابُ أعمالهم حياةٌ ثانية. وخصَّ النبيُّ ﷺ هذه الأشياء الثلاثة بوصول الثواب منها إلى الميِّت

стр. 602

لأنه سببٌ لحصولها، والعبدُ إذا باشر السببَ الذي يتعلَّقُ به الأمرُ والنهيُ ترتَّب (١) عليه مسبَّبه وإن كان خارجًا عن سعيه وكسبه؛ فلما كان هو السببَ في حصول هذا الولد الصالح والصدقة الجارية والعلم النافع جرى عليه ثوابُه وأجرُه لتسبُّبه فيه؛ فالعبدُ إنما يثابُ على ما باشَره أو على ما تولَّد منه (٢). وقد ذكر تعالى هذين الأصلَيْن في كتابه في سورة براءة، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فهذه الأمورُ كلُّها متولِّداتٌ عن أفعالهم، غير مقدورةٍ لهم، وإنما المقدورُ لهم أسبابُها التي باشروها. ثمَّ قال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ فالنفقةُ وقَطْعُ الوادي أفعالٌ مقدورةٌ لهم. وقال في القسم الأول: ﴿كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾؛ لأن المتولِّدَ حاصلٌ عن شيئين: أفعالهم وغيرها، فليست أفعالُهم سببًا مستقلًّا في حصول المتولِّد، بل هي جزءٌ من أجزاء السبب، فيُكتَبُ لهم من ذلك ما كان مقابلًا لأفعالهم. وأيضًا؛ فإنَّ الظَّمأ والنَّصَب وغَيْظَ العدوِّ ليس من أفعالهم، فلا يُكتَبُ

стр. 603

لهم نفسُه، ولكن لمَّا تولَّد عن أفعالهم كُتِبَ لهم به عملٌ صالح. وأما القسمُ الآخر، وهو الأفعالُ المقدورةُ نفسُها، كالإنفاق وقَطْع الوادي، فهو عملٌ صالح، فيكتبُ (١) لهم نفسُه؛ إذ هو مقدورٌ لهم حاصلٌ بإرادتهم وقدرتهم. فعاد الثوابُ إلى الأسباب المقدورة والمتولِّد عنها، وبالله التوفيق. الوجه الخمسون بعد المئة: ما ذكره ابن عبد البر (٢) عن عبد الله بن داود (٣)، قال: «إذا كان يوم القيامة عَزَل اللهُ ﵎ العلماءَ عن الحساب، فيقول: ادخلوا الجنةَ على ما كان فيكم، إني لم أجعل علمي فيكم إلا لخيرٍ أردتُه بكم». قال ابن عبد البر: وزاد غيرُه في هذا الخبر: «إنَّ الله يحبِسُ العلماء يوم القيامة في زُمرةٍ واحدة حتى يقضي بين الناس ويدخلَ أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النار، ثم يدعو العلماء فيقول: يا معشر العلماء، إني لم أضع حكمتي فيكم وأنا أريدُ أن أعذِّبكم، قد علمتُ أنكم تَخْلِطون من المعاصي ما يَخْلِطُ غيرُكم، فسترتُها عليكم وغفرتُها لكم، وإنما كنتُ أُعْبَدُ بفُتْياكم وتعليمكم عبادي، ادخلوا الجنةَ بغير حساب». ثمَّ قال: «لا معطي لما منع اللهُ ولا مانع لما أعطى». قال: ورُوِي نحو هذا المعنى بإسنادٍ متصلٍ مرفوع (٤).

стр. 604

وقد روى حرب الكرماني في «مسائله» نحوه مرفوعًا (١). وقال إبراهيم: بلغني أنه إذا كان يومُ القيامة توضعُ حسناتُ الرَّجُل في كفَّةٍ وسيئاتُه في الكفَّة الأخرى، فتَشِيلُ حسناتُه (٢)، فإذا يئس فظنَّ أنها النارُ جاء شيءٌ مثلُ السحاب حتى يقعَ مع حسناته، فتَشِيلُ سيئاتُه. قال: فيقال له: أتعرفُ هذا مِنْ عملك؟ فيقول: لا. فيقال: هذا ما علَّمتَ الناس من الخير فَعُمِلَ به من بعدك (٣). فإن قيل: فقواعدُ الشرع تقتضي أن يُسامَحَ الجاهلُ بما لا يُسامَحُ به العالِم، وأنه يُغْفَرُ له ما لا يُغْفَرُ للعالِم؛ فإنَّ حُجَّةَ الله عليه أقْومُ منها على الجاهل، وعلمُه بقُبْح المعصية وبُغْض الله لها وعقوبته عليها أعظمُ من علم الجاهل، ونعمةُ الله عليه بما أودعه من العلم أعظمُ من نعمته على الجاهل. وقد دلَّت الشريعةُ وحكمُ الله على أنَّ من حُبِيَ بالإنعام، وخُصَّ بالفضل والإكرام، ثمَّ أسامَ نفسَه مع هَمَل الشهوات، فأرتَعَها في مراتع الهَلَكات، وتجرَّأ على انتهاك الحرمات، واستخفَّ بالتَّبِعات والسيئات= أنه يقابلُ من الانتقام والعَتْب بما لا يقابَلُ به من ليس في مرتبته. وعلى هذا جاء قولُه تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠]. ولهذا كان حدُّ الحُرِّ ضعفي حدِّ العبد في الزِّنا والقذف وشُرْب الخمر؛

стр. 605

لكمال النعمة على الحُر. ومما يدلُّ على هذا الحديثُ المشهورُ الذي ثبَّته أبو نعيمٍ وغيرُه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة عالِمٌ لم ينفعه الله بعلمه» (١). وقال بعضُ السَّلف: «يُغفَرُ للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يُغفَرَ للعالِم ذنب» (٢). وقال بعضُهم أيضًا: «إنَّ الله يعافي الجهَّال ما لا يعافي العلماء» (٣). فالجواب: أنَّ هذا الذي ذكرتموه حقٌّ لا ريب فيه، ولكنَّ من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أنَّ من كَثُرَت حسناتُه وعَظُمَت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر، فإنه يُحْتَمَلُ له ما لا يُحْتَمَلُ لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره؛ فإنَّ المعصية خَبَث، والماءُ إذا بلغ قلَّتين لم يحمل الخَبَث (٤)، بخلاف الماء القليل فإنه يَحْمِلُ أدنى خَبَثٍ يقعُ فيه.

стр. 606

ومن هذا قولُ النبيِّ ﷺ لعمر: «وما يدريك لعلَّ الله اطلعَ على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (١). وهذا هو المانعُ له ﷺ من قتل من جَسَّ عليه وعلى المسلمين وارتكبَ مثل ذلك الذَّنب العظيم (٢)، فأخبر ﷺ أنه شهدَ بدرًا؛ فدلَّ على أنَّ مقتضي عقوبته قائمٌ لكنْ منع من ترتُّب أثره (٣) عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السَّقْطةُ العظيمةُ مغتفرةً في جنب ما له من الحسنات (٤). ولمَّا حضَّ النبيُّ ﷺ على الصدقة، فأخرج عثمانُ ﵁ تلك الصدقة العظيمة، قال: «ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِل بعدها» (٥). وقال لطلحة لمَّا تطأطأ للنبيِّ ﷺ حتى صعدَ على ظهره إلى الصخرة: «أَوْجَبَ طلحة» (٦).

стр. 607

وهذا موسى كليمُ الرحمن : ألقى الألواحَ التي فيها كلامُ الله الذي كتبه له، ألقاها على الأرض (١) حتى تكسَّرت، ولَطَمَ عينَ ملَك الموت ففَقأها (٢)، وعاتبَ ربَّه ليلة الإسراء في النبيِّ ﷺ ، وقال: «شابٌّ بُعِثَ بعدي يدخلُ الجنةَ من أمَّته أكثرُ ممن يدخلُها من أمَّتي» (٣)، وأخذَ بلحية هارون وجَرَّه إليه (٤) وهو نبيُّ الله، وكلُّ هذا لم يُنْقِص من قَدْرِه شيئًا عند ربِّه، وربُّه تعالى يُكْرِمُه ويحبُّه؛ فإنَّ الأمرَ الذي قام به موسى، والعدوَّ الذي بَرَز له، والصبرَ الذي صَبَره، والأذى الذي أُوذِيَه في الله= أمرٌ لا تؤثِّرُ [فيه] أمثالُ هذه الأمور، ولا يُغَبَّرُ به في وجهه (٥)، ولا يخفضُ منزلتَه (٦). وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس مستقرٌّ في فِطَرهم: أنَّ من له ألوفٌ من الحسنات فإنه يُسامَحُ بالسيئة والسيئتين ونحوها، حتى إنه ليَخْتَلِجُ داعي عقوبته على إساءته، وداعي شكره على إحسانه، فيغلبُ داعي الشكر لداعي

стр. 608

العقوبة، كما قيل: وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنُه بألفِ شفيع (١) وقال آخر (٢): فإنْ يكنِ الفعلُ الذي ساءَ واحدًا ... فأفعالُه اللَّائي سَرَرْنَ كثيرُ والله سبحانه يوازنُ يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته فأيهما غَلَبَ كان التأثيرُ له، فيَفعَلُ مع أهل (٣) الحسنات الكثيرة الذين آثروا محابَّه ومَراضِيه وغلَبَتْهم دواعي طبعهم أحيانًا من العفو والمسامحة ما لا يفعلُه مع غيرهم. وأيضًا؛ فإنَّ العالمَ إذا زلَّ فإنه يُحْسِنُ إسراعَ الفيئة (٤) وتداركَ الفارِط ومداواةَ الجرح، فهو كالطبيب الحاذق البصير بالمرض وأسبابه وعلاجه، فإنَّ زوالَه على يده أسرعُ من زواله على يد الجاهل. وأيضًا؛ فإنَّ معه من معرفته بأمر الله، وتصديقه بوعده ووعيده، وخشيته

стр. 609

منه، وإزرائه على نفسه بارتكابه (١)، وإيمانه (٢) بأنَّ الله حرَّمه، وأنَّ له ربًّا يغفرُ الذنبَ ويأخذُ به، إلى غير ذلك من الأمور المحبوبة للربِّ= ما يَغْمُرُ الذنب، ويُضْعِفُ اقتضاءه، ويزيلُ أثرَه، بخلاف الجاهل بذلك أو أكثره، فإنه ليس معه إلا ظلمةُ الخطيئة وقُبْحُها وآثارُها المُرْدِية، فلا سواءٌ (٣) هذا وهذا. وهذا فصلُ الخطاب في هذا الموضع، وبه يتبيَّنُ أنَّ الأمرين حق، وأنه لا منافاة بينهما، وأنَّ كلَّ واحدٍ من العالم والجاهل إنما زاد قبحُ الذنب منه على الآخر بسبب جهله، وتجرُّد خطيئته عمَّا يقاومها، ويُضْعِفُ تأثيرَها، ويزيلُ أثرها؛ فعاد القبحُ في الموضعين إلى الجهل وما يستلزمُه، وقلَّتُه وضعفُه إلى العلم وما يستلزمُه؛ وهذا دليلٌ ظاهرٌ على شرف العلم وفضله، وبالله التوفيق. الوجه الحادي والخمسون بعد المئة: أن العالِم المشتغلَ بالعلم والتعليم لا يزالُ في عبادة، فنفسُ تعلُّمه وتعليمه عبادة. قال ابن مسعود: «لا يزالُ الفقيهُ يصلِّي». قالوا: وكيف يصلي؟ قال: «ذِكرُ الله على قلبه ولسانه». ذكره ابنُ عبد البر (٤). وفي حديث معاذٍ مرفوعًا وموقوفًا: «تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلُّمَه لله خشية، وطلبَه عبادة، ومذاكرتَه تسبيح»، وقد تقدَّم (٥)، والصوابُ أنه موقوف.

стр. 610

وذكر ابنُ عبد البر (١) عن معاذٍ مرفوعًا: «لأنْ تَغدُو فتتعلَّمَ بابًا من أبواب العلم خيرٌ لك من أن تصلِّي مئة ركعة»، وهذا لا يثبتُ رفعُه. وقال ابنُ وهب: كنتُ عند مالك بن أنس، فحانت صلاةُ الظُّهر أو العصر وأنا أقرأ عليه وأنظرُ في العلم بين يديه، فجمعتُ كتبي وقمتُ لأركع، فقال لي مالك: ما هذا؟ فقلت: أقومُ إلى الصلاة، فقال: إنَّ هذا لعجب! ما الذي قمتَ إليه أفضلَ من الذي كنتَ فيه إذا صحَّت في النيَّة (٢). وقال الربيع: سمعتُ الشافعيَّ يقول: «طلبُ العلم أفضلُ من الصلاة النافلة» (٣). وقال سفيانُ الثوري: «ما مِنْ عملٍ أفضلُ من طلب العلم إذا صحَّت فيه النيَّة». وقال رجلٌ للمعافى بن عمران (٤): أيما أحبُّ إليك؛ أقومُ أصلِّي الليلَ كلَّه أو أكتبُ الحديث؟ فقال: «حديثٌ تكتبه أحبُّ إليَّ من قيامك من أول الليل إلى آخره» (٥).

стр. 611

وقال أيضًا: «كتابةُ حديثٍ واحدٍ أحبُّ إليَّ من قيام ليلة» (١). وقال ابن عباس: «تذاكرُ العلم بعض ليلةٍ أحبُّ إليَّ من إحيائها» (٢). وفي «مسائل إسحاق بن منصور» (٣): قلتُ لأحمد بن حنبل: قولُه: «تذاكرُ بعض ليلةٍ أحبُّ إليَّ من إحيائها»، أيَّ علمٍ أراد؟ قال: هو العلمُ الذي ينتفعُ به الناسُ في أمر دينهم. قلت: في الوضوء والصلاة والصوم والحجِّ والطلاق ونحو هذا؟ قال: نعم. قال إسحاق: وقال لي إسحاق بن راهويه: هو كما قال أحمد. وقال أبو هريرة ﵁: «لأنْ أجْلِسَ ساعةً فأفْقَهَ في ديني أحبُّ إليَّ من إحياء ليلةٍ إلى الصباح» (٤). وذكر ابنُ عبد البر (٥) من حديث أبي هريرة يرفعُه: «لكلِّ شيءٍ عِماد، وعِمادُ هذا الدِّين الفقه، وما عبد اللهُ بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدِّين» الحديث، وقد تقدم. وقال محمد بن علي الباقر: «عالمٌ يُنْتفَعُ بعلمه أفضلُ من ألف عابد» (٦).

стр. 612

وقال أيضًا: «روايةُ الحديث وبثُّه في الناس أفضلُ من عبادة ألف عابد» (١). ولمَّا كان طلبُ العلم والبحثُ عنه وكتابتُه والتفتيشُ عليه من عمل القلب والجوارح كان من أفضل الأعمال، ومنزلتُه من عمل الجوارح كمنزلة أعمال القلب من الإخلاص والتوكُّل والمحبة والإنابة والخشية والرِّضا ونحوها من الأعمال الظاهرة. فإن قيل: فالعلمُ إنما هو وسيلةٌ إلى العمل ومرادٌ له، والعملُ هو الغاية، ومعلومٌ أنَّ الغايةَ أشرفُ من الوسيلة، فكيف تُفَضَّلُ الوسائلُ على غاياتها؟ قيل: كلٌّ من العلم والعمل ينقسمُ قسمين: منه ما يكونُ وسيلة، ومنه ما يكونُ غاية. فليس العلمُ كلُّه وسيلةً مرادةً لغيرها؛ فإنَّ العلمَ بالله وأسمائه وصفاته هو أشرفُ العلوم على الإطلاق، وهو مطلوبٌ لنفسه مرادٌ لذاته. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فقد أخبر سبحانه أنه خلقَ السموات والأرض ونزَّل الأمرَ بينهنَّ ليَعْلَم عبادُه أنه بكلِّ شيءٍ عليم، وعلى كلِّ شيءٍ قدير؛ فهذا العلمُ هو غايةُ الخلق المطلوبة. وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمَّد: ١٩]؛ فالعلمُ بوحدانيَّته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوبٌ لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بدَّ معه من عبادته وحده لا شريك له؛ فهما أمران مطلوبان لأنفسهما: أن يُعْرَفَ

стр. 613

الربُّ تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن يُعْبَد بمُوجَبها ومقتضاها؛ فكما أنَّ عبادتَه مطلوبةٌ مرادةٌ لذاتها، فكذلك العلمُ به ومعرفتُه. وأيضًا؛ فإنَّ العلمَ من أفضل أنواع العبادات ــ كما تقدَّم تقريره ــ؛ فهو متضمِّنٌ للغاية والوسيلة. وقولُكم: «إنَّ العمل غاية»، إمَّا أن تريدوا به العملَ الذي يدخلُ فيه عملُ القلب والجوارح، أو العملَ المختصَّ بالجوارح فقط. فإن أريدَ الأول، فهو حق، وهو يدلُّ على أنَّ العلمَ غايةٌ مطلوبة؛ لأنه من أعمال القلب ــ كما تقدم ــ. وإن أريدَ به الثاني ــ وهو عملُ الجوارح فقط ــ، فليس بصحيح؛ فإنَّ أعمالَ القلوب مقصودةٌ ومرادةٌ لذاتها، بل في الحقيقة أعمالُ الجوارح وسيلةٌ مرادةٌ لغيرها؛ فإنَّ الثوابَ والعقابَ والمدحَ والذمَّ وتوابعَها هو للقلب أصلًا وللجوارح تبعًا، وكذلك الأعمالُ المقصودُ بها أوَّلًا صلاحُ القلب واستقامتُه وعبوديتُه لربِّه ومليكه، وجُعِلَت أعمالُ الجوارح تابعةً لهذا المقصود مرادةً له، وإن كان كثيرًا (١) منها يرادُ (٢) لأجل المصلحة المترتِّبة عليه، فمن أجلِّها: صلاحُ القلب وزكاؤه وطهارتُه واستقامتُه. فعُلِمَ أنَّ الأعمال منها غايةٌ ومنها وسيلة، وأنَّ العلمَ كذلك. وأيضًا؛ فالعلمُ الذي هو وسيلةٌ إلى العمل فقط إذا تجرَّدَ عن العمل لم ينتفع به صاحبُه؛ فالعملُ أشرفُ منه.

стр. 614

وأما العلمُ المقصودُ الذي تنشأ ثمرتُه المطلوبةُ منه من نفسه فهذا لا يقال: إنَّ العمل المجرَّد أشرفُ منه. فكيف يكونُ مجرَّدُ العبادة البدنيَّة أفضلَ من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه في خلقه وأمره، ومن العلم بأعمال القلوب، وآفاتِ النفوس، والطرقِ التي تُفسِدُ الأعمالَ وتمنعُ وصولها من القلب إلى الله، والمسافاتِ التي بين الأعمال والقلب وبين القلب والربِّ تعالى وبم تُقْطَعُ تلك المسافات، إلى غير ذلك من علم الإيمان وما يقوِّيه وما يُضْعِفُه؟! فكيف يقال: إنَّ مجرَّد التعبُّد الظاهر بالجوارح أفضلُ من هذا العلم؟! بل من قام بالأمرين فهو أكمل، وإذا كان في أحدهما فضلٌ ففضلُ هذا العلم خيرٌ مِنْ فضل العبادة، فإذا كان في العبد فَضْلةٌ عن الواجب كان صرفُها إلى العلم الموروث عن الأنبياء أفضلَ من صرفها إلى مجرَّد العبادة. فهذا فصلُ الخطاب في هذه المسألة والله أعلم. الوجه الثاني والخمسون بعد المئة: ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنما الدنيا لأربعة نفر: * عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي (١) في ماله ربَّه، ويَصِلُ فيه رَحِمَه، ويعلمُ لله فيه حقًّا؛ فهذا بأحسن المنازل عند الله. * ورجلٍ آتاه اللهُ علمًا ولم يُؤْتِه مالًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملتُ بعمل فلان؛ فهو بنيَّته، فهما (٢) في الأجر سواء.

стр. 615

* ورجلٍ آتاه اللهُ مالًا ولم يُؤْتِه علمًا، فهو يَخْبِطُ في ماله، ولا يتقي فيه ربَّه، ولا يَصِلُ فيه رَحِمَه، ولا يعلمُ لله فيه حقًّا؛ فهذا بأسوأ المنازل عند الله. * ورجلٍ لم يُؤْتِه اللهُ مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملتُ فيه بعمل فلان؛ فهو بنيَّته، وهما في الوزر سواء» (١)، حديثٌ صحيح؛ صحَّحه الترمذيُّ والحاكمُ وغيرهما. فقسَّم النبيُّ ﷺ أهلَ الدنيا أربعة أقسام: * خيرُهم من أوتي علمًا ومالًا؛ فهو محسنٌ إلى الناس وإلى نفسه بعلمه وماله. * ويليه في المرتبة من أوتي علمًا ولم يُؤتَ مالًا، وإن كان أجرُهما سواءً فذلك إنما كان بالنيَّة، وإلا فالمنفقُ المتصدِّق فوقه بدرجة الإنفاق والصدقة، والعالِمُ الذي لا مال له إنما ساواه في الأجر بالنيَّة الجازمة المقترنِ بها مقدورُها، وهو القولُ المجرَّد. * الثالث: من أوتي مالًا ولم يَصْرِفه في مصارف الخير (٢)، ولم يُؤتَ علمًا؛ فهذا أسوأ الناس منزلةً عند الله؛ لأنَّ مالَه طريقٌ إلى هلاكه، فلو عَدِمَه لكان خيرًا له، فإنه أُعطِيَ ما يتزوَّدُ به إلى الجنة فجعله زادًا له إلى النار. * الرابع: من لم يؤتَ مالًا ولا علمًا، ومِنْ نيَّته أنه لو كان له مالٌ لعمل

стр. 616

فيه بمعصية الله؛ فهذا يلي الغنيَّ الجاهل في المرتبة ويساويه في الوِزْر بنيَّته الجازمة المقترن بها مقدورُها، وهو القولُ الذي لم يَقدِر على غيره. فقسَّم السعداءَ قسمين، وجعل العلمَ والعمل بمُوجَبه سببَ سعادتهما، وقسَّم الأشقياءَ قسمين، وجعل الجهلَ وما يترتَّبُ عليه سببَ شقاوتهما؛ فعادت السعادةُ بجملتها إلى العلم ومُوجَبه، والشقاوةُ بجملتها إلى الجهل وثمرته. الوجه الثالث والخمسون بعد المئة: ما ثبتَ عن بعض السَّلف أنه قال: «تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادة ستِّين سنة» (١). وسأل رجلٌ أمَّ الدرداء عن أبي الدرداء ــ بعد موته ــ عن عبادته؟ فقالت: كان نهارَه أجمَع في ناحيةٍ يتفكُّر (٢).

стр. 617

وقال الحسن: «تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلة» (١). وقال الفُضيل: «التفكُّر مرآةٌ تريك حسناتك وسيِّئاتك» (٢). وقيل لإبراهيم: إنك تطيلُ الفكرة؟ فقال: «الفكرةُ مخُّ العقل» (٣). وكان سفيانُ بن عيينة (٤) كثيرًا ما يتمثَّل: إذا المرءُ كانت له فِكرة ... ففي كلِّ شيءٍ له عِبرة (٥) وقال الحسنُ في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، قال: «أمنعُهم التفكُّرَ فيها» (٦).

стр. 618

وقال بعض العارفين (١): «لو طالعَت قلوبُ المتقينَ بفِكْرها إلى ما قُدِّرَ (٢) في حُجُب الغيب من خير الآخرة، لم يَصْفُ لهم في الدنيا عَيْش، ولم تَقَرَّ لهم فيها عين». وقال الحسن (٣): «طولُ الوحدة أتمُّ (٤) للفكرة، وطولُ الفكرة دليلٌ على طريق الجنة». وقال وهب (٥): «ما طالت فكرةُ أحدٍ قطُّ إلا عَلِمَ، وما عَلِمَ امرؤٌ قطُّ إلا عَمِل» (٦). وقال عمر بن عبد العزيز: «الفكرةُ في نِعَم الله من أعظم (٧) العبادة» (٨). وقال عبد الله بن المبارك لبعض أصحابه (٩)، وقد رآه مفكِّرًا: أين

стр. 619

بَلَغْت؟ قال: الصِّراط (١). وقال بِشْر (٢): «لو فكَّر الناسُ في عظمة الله ما عصوه» (٣). وقال ابنُ عباس: «ركعتان مقتصدتان في تفكُّرٍ خيرٌ من قيام ليلةٍ بلا قلب» (٤). وقال أبو سليمان (٥): «الفكرُ في الدنيا حجابٌ عن الآخرة، وعقوبةٌ لأهل الوَلاية، والفكرُ في الآخرة يورثُ الحكمةَ ويحيي القلوب» (٦). وقال ابنُ عباس: «التفكُّرُ في الخير يدعو إلى العمل به» (٧). وقال الحسن: «إنَّ أهلَ العلم (٨) لم يزالوا يعودون بالذِّكر على الفكر وبالفكر على الذِّكر، ويُناطِقونَ القلوب، حتى نَطَقَت (٩) بالحكمة» (١٠).

стр. 620

ومن كلام الشافعي: «استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكرة» (١). وهذا (٢) لأنَّ الفكر عملُ القلب، والعبادةَ عملُ الجوارح، والقلبُ أشرفُ من الجوارح؛ فكان عملُه أشرفَ من عمل الجوارح. وأيضًا؛ فالتفكُّرُ يُوقِعُ صاحبَه من الإيمان على ما لا يُوقِعُه عليه (٣) العملُ المجرَّد؛ فإنَّ التفكُّرَ يوجبُ له من انكشاف حقائق الأمور وظهورها له، وتمييزها (٤) في الخير والشر، ومعرفة مفضولها من فاضلها وأقبحها من قبيحها، ومعرفة أسبابها الموصلة إليها، وما يقاومُ تلك الأسبابَ ويدفعُ مُوجَبَها، والتمييز بين ما ينبغي السعيُ في تحصيله وما ينبغي السعيُ في دفع أسبابه، والفرق بين الوهم والخيال المانع لأكثر النفوس من انتهاز الفُرص بعد إمكانها وبين السبب المانع حقيقةً (٥) فيشتغلُ به دون الأول، فما قطعَ العبدَ عن كماله وفلاحه وسعادته العاجلة والآجلة قاطعٌ أعظمُ من الوهم الغالب على النفس والخيال الذي هو مَرْكبُها، بل بَحْرُها الذي لا تنفكُّ

стр. 621

سابحةً فيه، وإنما يُقْطَعُ هذا العارضُ بفكرةٍ صحيحةٍ وعزمٍ صادقٍ يميَّزُ به (١) بين الوهم والحقيقة. وكذلك إذا فكَّر في عواقب الأمور وتجاوزَ فكرُه مَبَاديها؛ وَضَعها (٢) مواضعَها، وعلم مراتبَها. فإذا وردَ عليه واردُ الذنب والشهوة، فتجاوزَ فكرُه لذَّتَه (٣) وفرحَ النفس به إلى سوء عاقبته وما يترتبُ عليه من الألم والحزن الذي لا يقاومُ تلك اللذَّة والفرحة؛ ومن فكَّر في ذلك فإنه لا يكادُ يُقْدِمُ عليه. وكذلك إذا وردَ على قلبه واردُ الراحة والدَّعة والكسل والتقاعُد عن مشقَّة الطَّاعات وتعبها، حتى عبَر بفكره إلى ما يترتبُ عليها من اللذات والخيرات والأفراح التي تنغمرُ (٤) تلك الآلام التي في مَبَاديها بالنسبة إلى كمال عواقبها، وكلَّما غاص فكرُه في ذلك اشتدَّ طلبُه لها، وسَهُل عليه معاناتُها، واستقبلها بنشاطٍ وقوَّةٍ وعزيمة. وكذلك إذا فكَّر في منتهى ما يستعبِدُه من المال والجاه والصُّوَر، ونظرَ إلى غاية ذلك بعين فكره، استحيى من عقله ونفسه أن يكون عبدًا لذلك، كما قيل: لو فَكَّرَ العاشقُ في منتهى ... حُسْنِ الذي يَسْبِيه لم يَسْبِهِ (٥)

стр. 622

وكذلك إذا فكَّر في آخر الأطعمة المُفْتَخَرة (١) التي تفانت عليها نفوسُ أشباه الأنعام، وما يصيرُ أمرُها إليه عند خروجها؛ ارتفعت همَّتُه عن صرفها إلى الاعتناء بها، وجَعْلِها معبودَ قلبه (٢) الذي إليه يتوجَّه، وله يرضى ويغضب، ويسعى ويكدح، ويوالي ويعادي؛ كما جاء في «المسند» (٣) عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «إنَّ الله جَعَل طعامَ ابن آدم مَثَل الدنيا وإنْ قَزَحَه (٤) ومَلَّحَه فإنه يعلمُ إلى ما يصير» أو كما قال ﷺ ؛ فإذا وقع فكرُه على عاقبة ذلك وآخر أمره، وكانت نفسُه حُرَّةً أبيَّة، ربأ بها أن يجعلها عبدًا لما آخرُه أنتنُ شيءٍ وأخبثُه وأفحشُه. فصل (٥) إذا عُرِفَ هذا، فالفكرُ هو إحضارُ معرفتين في القلب، ليستثمر (٦) منهما معرفة ثالثة. ومثالُ ذلك: إذا أَحْضَرَ في قلبه العاجلةَ وعيشَها ونعيمَها وما يقترنُ به من الآفات وانقطاعه وزواله، ثمَّ أَحْضَرَ في قلبه الآخرةَ ونعيمَها ولذَّتها

стр. 623

ودوامَه وفضلَه على نعيم الدنيا، وجَزَم بهذين العِلمَين= أثمرَ له ذلك علمًا ثالثًا، وهو أنَّ الآخرةَ ونعيمَها الفاضلَ الدائمَ أولى عند كلِّ عاقلٍ بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغَّصة. ثمَّ له في معرفة الآخرة حالتان: إحداهما: أن يكون قد سمع ذلك من غيره، من غير أن يُباشِرَ قلبَه بَرْدُ اليقين به، ولم يُفْضِ قلبُه إلى مُكافَحة (١) حقيقة الآخرة. وهذا حالُ أكثر الناس. فيتجاذبُه داعيان: * أحدهما: داعي العاجلة وإيثارها، وهو أقوى الداعيَيْن؛ لأنه مُشاهَدٌ له محسوس. * وداعي الآخرة، وهو أضعفُ الداعيَيْن عنده؛ لأنه داعٍ عن سماع، لم يُباشِر قلبَه اليقينُ به، ولا كافحَه حقيقتُه العلمية. فإذا تركَ العاجلةَ للآخرة تُرِيه نفسُه بأنه قد تركَ معلومًا لمظنون، أو متحقِّقًا لموهوم، فلسانُ الحال ينادي عليه: لا أدعُ ذَرَّةً مَنْقودةً لدُرَّةٍ موعودة (٢). وهذه الآفةُ هي التي منعت النفوسَ من الاستعداد للآخرة وأن تسعى لها سعيَها، وهي مِنْ ضعف العلم بها وتيقُّنها، وإلا فمع الجزم التامِّ الذي لا

стр. 624

يتخالجُ القلبَ فيه شكٌّ لا يقعُ التهاونُ بها وعدمُ الرغبة فيها. ولهذا لو قُدِّمَ لرجلٍ طعامٌ في غاية الطِّيبة (١) واللذَّة، وهو شديدُ الحاجة، ثمَّ قيل له: إنه مسموم؛ فإنه لا يُقْدِمُ عليه؛ لعلمه بأنَّ سوء ما تجني عاقبةُ تناوله (٢) تُرْبِي في المضرة على لذَّة أكله (٣)، فما بالُ الإيمان بالآخرة لا يكونُ في قلبه بهذه المنزلة؟! ما ذاك إلا لضعف شجرة العلم والإيمان بها في القلب، وعدم استقرارها فيه. وكذلك إذا كان سائرًا في طريق، فقيل له: إنَّ بها قُطَّاعًا ولصوصًا يقتلون من وجدوه ويأخذون متاعَه؛ فإنه لا يسلكها إلا على أحد وجهين: إمَّا أن لا يصدِّق المُخْبِر، وإمَّا أن يَثِقَ من نفسه بغلبتهم وقهرهم والانتصار عليهم؛ وإلا فمع تصديقه للمُخْبِر تصديقًا لا يتمارى فيه، وعلمه مِنْ نفسه بضعفه وعجزه عن مقاومتهم، فإنه لا يسلكها. ولو حصلَ له هذان العِلْمان فيما يرتكبُه من إيثار الدنيا وشهواتها لم يُقْدِم على ذلك؛ فعُلِمَ أنَّ إيثاره للعاجلة (٤) وتركَ استعداده للآخرة لا يكون قطُّ مع كمال تصديقه وإيمانه أبدًا. الحالة الثانية: أن يتيقَّنَ ويجزمَ جزمًا لا شكَّ فيه بأنَّ له دارًا غير هذه الدار، ومعادًا له خُلِق، وأنَّ هذه الدَّار طريقٌ إلى ذلك المعاد ومنزلٌ من منازل السائرين إليه، ويعلمُ مع ذلك أنها باقية، ونعيمَها وعذابها لا يزول، ولا نسبة

стр. 625

لهذا النعيم والعذاب العاجل إليه إلا كما يُدْخِلُ الرجلُ إصبعَه في اليمِّ ثمَّ ينزعُها، فالذي يَعْلَق بها منه هو كالدنيا بالنسبة إلى الآخرة؛ فيثمرُ له هذا العلمُ إيثارَ الآخرة وطلبها، والاستعدادَ التامَّ لها، وأن يسعى لها سعيها. وهذا يسمَّى: تفكُّرًا، وتذكُّرًا، ونظرًا، وتأمُّلًا، واعتبارًا، وتدبُّرًا، واستبصارًا. وهذه معانٍ متقاربةٌ تجتمعُ في شيءٍ وتفترقُ في آخر. * فيسمَّى: تفكُّرًا؛ لأنه استعمالُ الفكرة (١) في ذلك وإحضارُه (٢) عنده. * ويسمَّى: تذكُّرًا؛ لأنه إحضارٌ للعلم الذي يجبُ مراعاتُه بعد ذهوله وغيبته عنه، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. * ويسمَّى: نظرًا؛ لأنه التفاتٌ بالقلب إلى المنظور فيه. * ويسمَّى: تأمُّلًا؛ لأنه مراجعةٌ للنظر (٣) كرَّةً بعد كرَّة، حتى يتجلى له وينكشفَ لقلبه. * ويسمَّى: اعتبارًا، وهو افتعالٌ من العبور؛ لأنه يَعْبُرُ منه إلى غيره، فيعبُر من ذلك الذي قد فكَّر فيه إلى معرفةٍ ثالثة، وهي المقصودُ من الاعتبار. ولهذا يسمَّى: عِبْرة؛ وهي على بناء الحالات، كالجِلْسة والرِّكْبة والقِتْلة، إيذانًا بأنَّ هذا العلم والمعرفة قد صار حالًا لصاحبه يعبُر منه إلى المقصود به، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]،

стр. 626

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣، النور: ٤٤]. * ويسمَّى: تدبُّرًا؛ لأنه نظرٌ في أدبار الأمور وهي أواخرُها وعواقبُها. ومنه: تدبُّر القول، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وتدبُّرُ الكلام أن ينظرَ في أوَّله وآخره، ثمَّ يعيدَ نظره مرَّةً بعد مرَّة؛ ولهذا جاء على بناء التفعُّل، كالتجرُّع والتفهُّم والتبيُّن. * ويسمَّى: استبصارًا؛ وهو استفعالٌ من التبصُّر، وهو تبيُّنُ الأمر (١) وانكشافُه وتجلِّيه للبصيرة. وكلٌّ من التذكُّر والتفكُّر له فائدةٌ غيرُ فائدة الآخر؛ فالتذكُّر يفيدُ تكرارَ القلب على ما علمه وعرفه ليرسَخ فيه ويثبت، ولا ينمحي فيذهبَ أثرُه من القلب جملة، والتفكُّرُ يفيدُ تكثيرَ العلم واستجلابَ ما ليس حاصلًا عند القلب؛ فالتفكُّرُ يحصِّلُه والتذكُّرُ يحفظُه (٢). ولهذا قال الحسن: «ما زال أهلُ العلم يعودون بالتذكُّر على التفكُّر، وبالتفكُّر على التذكُّر، ويُناطِقون القلوب، حتى نَطَقَت بالحكمة» (٣). فالتفكُّرُ والتذكُّرُ بِذَارُ العلم، وسَقْيُه مطارحتُه، ومذاكرتُه تلقيحُه، كما

стр. 627

قال بعض السَّلف: «ملاقاةُ الرجال تلقيحٌ لألبابها» (١)؛ فالمذاكرةُ به لِقاحُ العقل. فالخيرُ والسعادةُ في خزانةٍ مفتاحُها التفكُّر؛ فإنه لا بد من تفكُّرٍ وعلمٍ يكونُ نتيجة الفكر (٢)، وحالٍ يحدثُ للقلب من ذلك العلم؛ فإنَّ كلَّ من عَلِمَ شيئًا من المحبوب أو المكروه لا بدَّ أن يبقى لقلبه حالةٌ (٣) وينصبغَ (٤) بصبغةٍ من علمه، وتلك الحالُ توجبُ له إرادة، وتلك الإرادةُ توجبُ وقوعَ العمل. فهاهنا خمسةُ أمور: الفكر، وثمرتُه العلم، وثمرتُهما الحالةُ التي تحدثُ للقلب، وثمرةُ ذلك الإرادة، وثمرتُها العمل. فالفكرُ إذًا هو المبدأ والمفتاحُ للخيرات كلِّها. وهذا يكشفُ لك (٥) عن فضل التفكُّر وشرفه، وأنه من أفضل أعمال القلب وأنفعها له، حتى قيل: «تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادة سنة» (٦). فالفكرُ هو الذي ينقلُ من موت الغفلة إلى حياة اليقظة، ومن المكاره

стр. 628

إلى المحابِّ، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة، ومن سجن الدنيا إلى فضاء الآخرة، ومن ضيق الجهل إلى سَعة العلم ورَحْبه، ومن مرض الشهوة والإخلاد إلى هذه الدار إلى شفاء الإنابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور، ومن مصيبة العمى والصَّمَم والبَكَم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه، ومن أمراض الشبهات إلى بَرْد اليقين وثَلَج الصَّدر. وبالجملة؛ فأصلُ كلِّ طاعةٍ إنما هو الفكر. وكذلك أصلُ كلِّ معصيةٍ إنما يحدثُ من جانب الفكرة؛ فإنَّ الشيطانَ يصادفُ أرضَ القلب خاليةً فارغة، فيَبْذُرُ فيها حَبَّ الأفكار الرديَّة، فيتولَّدُ منه الإراداتُ والعُزوم (١)، فيتولَّدُ منها العمل. فإذا صادفَ أرضَ القلب مشغولةً ببَذْر الأفكار النافعة فيما خُلِقَ له وفيما أُمِرَ به وفيما هُيِّاء له وأُعِدَّ له من النعيم المقيم أو العذاب الأليم لم يجد لبَذْره موضعًا، وهذا كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى ... فصادفَ قلبًا فارغًا فتمكَّنا (٢) فإن قيل: فقد ذكرتم الفكرَ ومنفعته وعِظَمَ تأثيره في الخير والشر، فما متعلَّقُه الذي ينبغي أن يُوقَعَ عليه ويجري فيه؟ فإنه لا يتمُّ المقصودُ منه إلا بذكر متعلَّقه الذي يقعُ الفكرُ فيه، وإلا ففكرٌ في غير (٣) متفكَّرٍ فيه محال.

стр. 629

قيل: مجرى الفكر ومتعلَّقُه أربعةُ أمور: أحدُها: غايةٌ محبوبةٌ مرادةُ الحصول. الثاني: طريقٌ موصلةٌ إلى تلك الغاية. الثالث: مضرَّةٌ مطلوبةُ الإعدام مكروهةُ الحصول. الرابع: الطريقُ المفضي إليها المُوقِعُ عليها. فلا تتجاوزُ أفكارُ العقلاء هذه الأمورَ الأربعة، وأيُّ فكرٍ تخطَّاها فهو من الأفكار الرديَّة والخيالات والأماني الباطلة، كما يُمثِّلُ الفقيرُ المُعْدِمُ نفسَه من أغنى البشر وهو يأخذُ ويعطي ويُنعِمُ ويحرِم، وكما يُمثِّلُ العاجزُ نفسَه من أقوى الملوك وهو يتصرَّفُ في البلاد والرعيَّة، ونظائرُ ذلك من أفكار القلوب الباطوليَّة (١) التي من جنس أفكار السَّكران والمَحْشوش (٢) والضعيف العقل. فالأفكارُ الرديَّةُ هي قُوتُ الأنفس الخسيسة (٣) التي هي في غاية الدناءة؛ فإنها قد قَنِعَت بالخيال ورضيت بالمُحال، ثمَّ لا تزالُ هذه الأفكارُ تقوى بها وتتزايدُ حتى تُوجِبَ لها آثارًا رديَّةً ووساوسَ وأمراضًا بطيئةَ الزوال. وإذا كان الفكرُ النافعُ لا يخرجُ عن الأقسام الأربعة التي ذكرناها، فله

стр. 630

أيضًا محلَّان ومنزلان: أحدهما: هذه الدار، والآخر: دار القرار. * فأبناءُ الدنيا الذين ليس لهم في الآخرة مِنْ خَلاقٍ عمَّروا بيوتَ أفكارهم بتلك الأقسام الأربعة في هذه الدار، فأثمرت لهم أفكارُهم فيها ما أثمرت، ولكن إذا حَقَّت الحقائق، وبطلت الدنيا، وقامت الآخرة؛ تبيَّن الرابحُ من المَغْبون، وخسر هنالك المبطلون. * وأبناءُ الآخرة الذين خُلِقوا لها عمَّروا بيوتَ أفكارهم على تلك الأقسام الأربعة فيها. ونحن نفصِّلُ ذلك بعون الله وفضله، فنقول: كلُّ طالبٍ لشيءٍ فهو محبٌّ له، مُؤثِرٌ لقُربه، ساعٍ في طريق تحصيله، متوصِّلٌ إليه بجهده، وهذا يوجبُ له تعلُّقَ أفكاره بجمال محبوبه وكماله وصفاته (١) التي يُحَبُّ لأجلها، وتعلُّقها بما ينالُه به من الخير والفرحة والسرور. ففكرُه في حال محبوبه دائرٌ بين الجمال والإجمال (٢)، والحُسْن والإحسان، فكلَّما قويت محبَّتُه له ازدادَ هذا الفكرُ وقَوِيَ وتضاعف، حتى يستغرقَ أجزاءَ القلب فلا يبقى فيه فضلٌ لغيره، بل يصيرُ بين الناس بقالبه، وقلبُه كلُّه في حضرة محبوبه. فإن كان هذا المحبوبُ هو المحبوبَ الحقَّ الذي لا تنبغي المحبةُ إلا له، ولا يُحَبُّ غيرُه إلا تبعًا لمحبَّته، فهو أسعدُ المحبِّين به، وقد وضعَ الحبَّ موضعَه، وتهيَّأت نفسُه لكمالها الذي خُلِقَت له الذي لا كمال لها بدونه

стр. 631

بوجه. وإن كانت تلك المحبةُ لغيره من المحبوبات الباطلة المتلاشية التي تفنى وتبقى حزازاتُ النفوس (١) بها على حالها، فقد وضعَ المحبةَ في غير موضعها، وظلمَ نفسَه أعظمَ ظلمٍ وأقبحَه، وتهيَّأت بذلك نفسُه لغاية شقائها وألمها. وإذا عُرِفَ هذا عُرِفَ أنَّ تعلُّقَ المحبة بغير الإله الحقِّ هو عينُ شقاء العبد وخسرانه، فأفكارُه المتعلِّقةُ بها كلُّها باطلة، وهي مضرَّةٌ عليه في حياته وبعد موته. والمحبُّ الذي قد ملكَ المحبوبُ أفكارَ قلبه لا يخرجُ فكرُه عن تعلُّقه بمحبوبه أو بنفسه. ثمَّ فكرُه في محبوبه لا يخرجُ عن حالتين: إحداهما: فكرتُه في جماله وأوصافه. الثانية: فكرتُه في أفعاله وإحسانه وبِرِّه ولطفه الدالَّة على كمال صفاته. وإن تعلَّقَ فكرُه بنفسه لم يخرج ــ أيضًا ــ عن حالتين: * إمَّا أن يفكِّر في أوصافه المسخوطة التي يبغضُها محبوبُه ويمقتُه عليها ويُسْقِطُه من عينه، فهو دائمًا يتوقَّعُ بفكره عليها ليجتنبها ويبعدَ منها. * والثانية: أن يفكِّر في الصفات والأخلاق والأفعال التي تقرِّبُه منه وتحبِّبه إليه حتى يتصفَ بها.

стр. 632

فالفكرتان الأوَّلتان (١) توجبُ له زيادةَ محبَّته وقوَّتها وتضاعُفَها، والفكرتان الآخرتان (٢) توجبُ محبةَ محبوبه له، وإقبالَه عليه، وقربَه منه، وعطفَه عليه، وإيثارَه على غيره. فالمحبةُ التامَّةُ مستلزمةٌ لهذه الأفكار الأربعة. فالفكرةُ الأولى والثانيةُ: تتعلَّقُ بعلم التوحيد وصفات الإله المعبود ــ سبحانه ــ وأفعاله، والثالثةُ والرابعةُ: تتعلَّقُ بالطريق الموصلة إليه وقواطعها وآفاتها وما يمنعُ من السَّير فيها إليه. فتفكُّره في صفات نفسه يميِّزُ له المحبوبَ لربِّه منها من المكروه له. وهذه الفكرةُ توجبُ ثلاثةَ أمور: أحدها: أنَّ هذا الوصفَ هل هو مكروهٌ مبغوضٌ لله أم لا؟ والثاني: إذا كان مكروهًا، فهل العبدُ متصفٌ به أم لا؟

стр. 633

والثالث: إذا كان متصفًا به، فما طريقُ رفعه (١) والعافية منه؟ وإن لم يكن متصفًا به فما طريقُ حفظ الصِّحة وبقائه على العافية والاحتراز منه؟ وكذلك الفكرةُ في الصفة المحبوبة تستدعي ثلاثةَ أمور: هل هي محبوبةٌ لله مرضيَّةٌ له أم لا؟ الثاني: هل العبدُ متصفٌ بها أم لا؟ الثالث: أنه إذا كان متصفًا بها، فما طريقُ حفظها ودوامها؟ وإن لم يكن متصفًا بها فما طريقُ اجتلابها والتخلُّق بها؟ ثمَّ فكرتُه في الأفعال على هذين الوجهين أيضًا سواء. ومجاري هذه الأفكار ومواقعُها كثيرةٌ جدًّا لا تكادُ تنضبط، وإنما يحصرها ستةُ أجناس: الطاعاتُ الظاهرةُ والباطنة، والمعاصي الظاهرةُ والباطنة، والصفاتُ والأخلاقُ الحميدة، والأخلاقُ والصفاتُ الذميمة. فهذه مجاري الفكرة في صفات نفسه وأفعالها (٢). وأمَّا الفكرةُ في صفات المعبود وأفعاله وأحكامه، فتوجبُ له التمييزَ بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والإقرار والتعطيل، وتنزيه الربِّ عمَّا لا يليقُ به، ووصفه بما هو أهلُه من الجلال والإكرام. ومجاري هذه الفكرة: تدبُّرُ كلامه، وما تعرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نزَّه نفسَه عنه مما لا ينبغي له ولا يليقُ به سبحانه، وتدبُّرُ أفعاله وأيامه في أوليائه وأعدائه التي قَصَّها على عباده وأشهدهم إيَّاها؛ ليستدلُّوا بها على أنه إلههم الحقُّ المبينُ الذي لا تنبغي العبادةُ إلا له، ويستدلُّوا بها على أنه على كلِّ شيءٍ قدير، وأنه بكلِّ شيءٍ عليم، وأنه شديدُ العقاب، وأنه غفورٌ رحيم، وأنه العزيزُ الحكيم، وأنه الفعَّالُ لما يريد، وأنه الذي وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وأنَّ أفعالَه كلَّها دائرةٌ بين الحكمة والرحمة، والعدل والمصلحة، لا يخرجُ شيءٌ منها عن ذلك. وهذه الثمرةُ لا سبيل إلى تحصيلها إلا بتدبُّر كلامه والنظر في آثار أفعاله.

стр. 634

وإلى هذين الأصلين (١) نَدَبَ عبادَه في القرآن: * فقال في الأصل الأول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣]. * وقال في الأصل الثاني: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، وقال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]، ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: ٢١]، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: ٤٢]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٠ - ٢٥].

стр. 635

ونوَّع سبحانه الآيات في هذه السورة (١): * فجَعَل خلقَ السموات والأرض واختلافَ لغات الأمم وألوانهم آياتٍ للعالمين كلِّهم؛ لاشتراكهم في العلم بذلك وظهوره ووضوح دلالته. * وجعل خَلْقَ الأزواج التي يسكنُ إليها الرجالُ وإلقاءَ المودَّة والرحمة بينهم آياتٍ لقومٍ يتفكرون؛ فإنَّ سكونَ الرجل إلى امرأته وما يكونُ بينهما من المودَّة والتعاطف والتراحم أمرٌ باطنٌ مشهودٌ بعين الفكرة والبصيرة، فمتى نظر بهذه العين إلى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدرَ عنها ذلك، دَلَّه فكرُه على أنه الإله الحقُّ المبين الذي أقرَّت الفِطرُ بربوبيته وإلهيته وحكمته ورحمته. * وجعل المنامَ بالليل والنهار والتصرُّفَ (٢) في المعاش وابتغاءَ فضله آياتٍ لقومٍ يسمعون، وهو سمعُ الفهم وتدبُّر هذه الآيات وارتباطها (٣) بما جُعِلَت آيةً له مما أخبرت به الرسلُ من حياة العباد بعد موتهم وقيامهم من قبورهم، كما أحياهم سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرُّف في معاشهم؛ فهذه الآيةُ إنما ينتفعُ بها من سمع ما جاءت به الرسل، وأصغى إليه، واستدلَّ بهذه الآية عليه. * وجعل إراءتَهم البرقَ (٤) وإنزالَ الماء من السماء وإحياءَ الأرض به آياتٍ لقومٍ يعقلون؛ فإنَّ هذه أمورٌ مرئيَّةٌ بالأبصار مشاهدةٌ بالحِسِّ، فإذا نظر فيها ببصر قلبه ــ وهو عقلُه ــ استدلَّ بها على وجود الربِّ تعالى وقدرته
следующие страницы →