← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بوجه. وإن كانت تلك المحبةُ لغيره من المحبوبات الباطلة المتلاشية التي تفنى وتبقى حزازاتُ النفوس (١) بها على حالها، فقد وضعَ المحبةَ في غير موضعها، وظلمَ نفسَه أعظمَ ظلمٍ وأقبحَه، وتهيَّأت بذلك نفسُه لغاية شقائها وألمها. وإذا عُرِفَ هذا عُرِفَ أنَّ تعلُّقَ المحبة بغير الإله الحقِّ هو عينُ شقاء العبد وخسرانه، فأفكارُه المتعلِّقةُ بها كلُّها باطلة، وهي مضرَّةٌ عليه في حياته وبعد موته. والمحبُّ الذي قد ملكَ المحبوبُ أفكارَ قلبه لا يخرجُ فكرُه عن تعلُّقه بمحبوبه أو بنفسه. ثمَّ فكرُه في محبوبه لا يخرجُ عن حالتين: إحداهما: فكرتُه في جماله وأوصافه. الثانية: فكرتُه في أفعاله وإحسانه وبِرِّه ولطفه الدالَّة على كمال صفاته. وإن تعلَّقَ فكرُه بنفسه لم يخرج ــ أيضًا ــ عن حالتين: * إمَّا أن يفكِّر في أوصافه المسخوطة التي يبغضُها محبوبُه ويمقتُه عليها ويُسْقِطُه من عينه، فهو دائمًا يتوقَّعُ بفكره عليها ليجتنبها ويبعدَ منها. * والثانية: أن يفكِّر في الصفات والأخلاق والأفعال التي تقرِّبُه منه وتحبِّبه إليه حتى يتصفَ بها.

стр. 632

فالفكرتان الأوَّلتان (١) توجبُ له زيادةَ محبَّته وقوَّتها وتضاعُفَها، والفكرتان الآخرتان (٢) توجبُ محبةَ محبوبه له، وإقبالَه عليه، وقربَه منه، وعطفَه عليه، وإيثارَه على غيره. فالمحبةُ التامَّةُ مستلزمةٌ لهذه الأفكار الأربعة. فالفكرةُ الأولى والثانيةُ: تتعلَّقُ بعلم التوحيد وصفات الإله المعبود ــ سبحانه ــ وأفعاله، والثالثةُ والرابعةُ: تتعلَّقُ بالطريق الموصلة إليه وقواطعها وآفاتها وما يمنعُ من السَّير فيها إليه. فتفكُّره في صفات نفسه يميِّزُ له المحبوبَ لربِّه منها من المكروه له. وهذه الفكرةُ توجبُ ثلاثةَ أمور: أحدها: أنَّ هذا الوصفَ هل هو مكروهٌ مبغوضٌ لله أم لا؟ والثاني: إذا كان مكروهًا، فهل العبدُ متصفٌ به أم لا؟

стр. 633

والثالث: إذا كان متصفًا به، فما طريقُ رفعه (١) والعافية منه؟ وإن لم يكن متصفًا به فما طريقُ حفظ الصِّحة وبقائه على العافية والاحتراز منه؟ وكذلك الفكرةُ في الصفة المحبوبة تستدعي ثلاثةَ أمور: هل هي محبوبةٌ لله مرضيَّةٌ له أم لا؟ الثاني: هل العبدُ متصفٌ بها أم لا؟ الثالث: أنه إذا كان متصفًا بها، فما طريقُ حفظها ودوامها؟ وإن لم يكن متصفًا بها فما طريقُ اجتلابها والتخلُّق بها؟ ثمَّ فكرتُه في الأفعال على هذين الوجهين أيضًا سواء. ومجاري هذه الأفكار ومواقعُها كثيرةٌ جدًّا لا تكادُ تنضبط، وإنما يحصرها ستةُ أجناس: الطاعاتُ الظاهرةُ والباطنة، والمعاصي الظاهرةُ والباطنة، والصفاتُ والأخلاقُ الحميدة، والأخلاقُ والصفاتُ الذميمة. فهذه مجاري الفكرة في صفات نفسه وأفعالها (٢). وأمَّا الفكرةُ في صفات المعبود وأفعاله وأحكامه، فتوجبُ له التمييزَ بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والإقرار والتعطيل، وتنزيه الربِّ عمَّا لا يليقُ به، ووصفه بما هو أهلُه من الجلال والإكرام. ومجاري هذه الفكرة: تدبُّرُ كلامه، وما تعرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نزَّه نفسَه عنه مما لا ينبغي له ولا يليقُ به سبحانه، وتدبُّرُ أفعاله وأيامه في أوليائه وأعدائه التي قَصَّها على عباده وأشهدهم إيَّاها؛ ليستدلُّوا بها على أنه إلههم الحقُّ المبينُ الذي لا تنبغي العبادةُ إلا له، ويستدلُّوا بها على أنه على كلِّ شيءٍ قدير، وأنه بكلِّ شيءٍ عليم، وأنه شديدُ العقاب، وأنه غفورٌ رحيم، وأنه العزيزُ الحكيم، وأنه الفعَّالُ لما يريد، وأنه الذي وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وأنَّ أفعالَه كلَّها دائرةٌ بين الحكمة والرحمة، والعدل والمصلحة، لا يخرجُ شيءٌ منها عن ذلك. وهذه الثمرةُ لا سبيل إلى تحصيلها إلا بتدبُّر كلامه والنظر في آثار أفعاله.

стр. 634

وإلى هذين الأصلين (١) نَدَبَ عبادَه في القرآن: * فقال في الأصل الأول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣]. * وقال في الأصل الثاني: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، وقال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]، ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: ٢١]، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: ٤٢]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٠ - ٢٥].

стр. 635

ونوَّع سبحانه الآيات في هذه السورة (١): * فجَعَل خلقَ السموات والأرض واختلافَ لغات الأمم وألوانهم آياتٍ للعالمين كلِّهم؛ لاشتراكهم في العلم بذلك وظهوره ووضوح دلالته. * وجعل خَلْقَ الأزواج التي يسكنُ إليها الرجالُ وإلقاءَ المودَّة والرحمة بينهم آياتٍ لقومٍ يتفكرون؛ فإنَّ سكونَ الرجل إلى امرأته وما يكونُ بينهما من المودَّة والتعاطف والتراحم أمرٌ باطنٌ مشهودٌ بعين الفكرة والبصيرة، فمتى نظر بهذه العين إلى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدرَ عنها ذلك، دَلَّه فكرُه على أنه الإله الحقُّ المبين الذي أقرَّت الفِطرُ بربوبيته وإلهيته وحكمته ورحمته. * وجعل المنامَ بالليل والنهار والتصرُّفَ (٢) في المعاش وابتغاءَ فضله آياتٍ لقومٍ يسمعون، وهو سمعُ الفهم وتدبُّر هذه الآيات وارتباطها (٣) بما جُعِلَت آيةً له مما أخبرت به الرسلُ من حياة العباد بعد موتهم وقيامهم من قبورهم، كما أحياهم سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرُّف في معاشهم؛ فهذه الآيةُ إنما ينتفعُ بها من سمع ما جاءت به الرسل، وأصغى إليه، واستدلَّ بهذه الآية عليه. * وجعل إراءتَهم البرقَ (٤) وإنزالَ الماء من السماء وإحياءَ الأرض به آياتٍ لقومٍ يعقلون؛ فإنَّ هذه أمورٌ مرئيَّةٌ بالأبصار مشاهدةٌ بالحِسِّ، فإذا نظر فيها ببصر قلبه ــ وهو عقلُه ــ استدلَّ بها على وجود الربِّ تعالى وقدرته

стр. 636

وعلمه ورحمته وحكمته وإمكان ما أخبر به من إحياء الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه الأرض بعد موتها. وهذه أمورٌ لا تُدْرَكُ إلا ببصر القلب ــ وهو العقل ــ؛ فإنَّ الحِسَّ دلَّ على الآية، والعقلَ دلَّ على ما جُعِلَت آيةً له، فذكر سبحانه الآيةَ المشهودةَ بالبصر، والمدلولَ عليه المشهودَ بالعقل، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤]. فتباركَ الذي جعل كلامَه حياةً للقلوب وشفاءً لما في الصدور. وبالجملة؛ ف لا شيء أنفعُ للقلب من قراءة القرآن بالتدبُّر والتفكُّر ؛ فإنه جامعٌ لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورثُ المحبةَ والشوقَ والخوفَ والرجاءَ والإنابةَ والتوكُّل والرضا والتفويض والشكرَ والصبرَ وسائر الأحوال التي بها حياةُ القلب وكمالُه، وكذلك يزجرُ عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فسادُ القلب وهلاكُه. فلو عَلِمَ الناسُ ما في قراءة القرآن بالتدبُّر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكُّرٍ حتى مرَّ بآيةٍ هو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه كرَّرها ولو مئة مرَّة، ولو ليلة؛ فقراءةُ آيةٍ بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خيرٌ من قراءة ختمةٍ بغير تدبُّرٍ وتفهُّم، وأنفعُ للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذَوْقِ حلاوة القرآن. وهذه كانت عادة السَّلف، يردِّدُ أحدُهم الآيةَ إلى الصباح (١)، وقد ثبت

стр. 637

عن النبيِّ ﷺ أنه قام بآيةٍ يردِّدُها حتى الصباح (١)؛ وهي قولُه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. فقراءةُ القرآن بالتفكُّر هي أصلُ صلاح القلب. ولهذا قال ابن مسعود: «لا تَهُذُّوا القرآنَ هَذَّ الشِّعر، ولا تنثروه نثرَ الدَّقَل، وقِفُوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب» (٢). وقال ابن مسعود ــ أيضًا ــ: «اقرؤوا القرآن، وحرِّكوا به القلوب، لا يكن همُّ أحدكم آخرَ السورة» (٣). وروى أيوب، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني سريعُ القراءة، إني أقرأ القرآنَ في ثلاث. قال: «لأنْ أقرأ سورةً من القرآن في ليلةٍ فأتدبَّرها وأرتِّلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ القرآنَ كما تقرأ» (٤). والتفكُّرُ في القرآن نوعان: * تفكُّرٌ فيه ليقع على مراد الربِّ تعالى منه.

стр. 638

* وتفكُّرٌ في معاني ما دعا عبادَه إلى التفكُّر فيه. فالأول: تفكُّرٌ في الدليل القرآني، والثاني: تفكُّرٌ في الدليل العِياني. الأول: تفكُّرٌ في آياته المسموعة، والثاني: تفكُّرٌ في آياته المشهودة. ولهذا أنزل اللهُ القرآن ليُتَدَبَّر ويُتَفكَّرَ فيه ويُعْمَلَ به، لا لمجرَّد تلاوته مع الإعراض عنه. قال الحسنُ البصري: «أُنزِل القرآنُ ليُعْمَلَ به، فاتَّخَذوا تلاوتَه عملًا»! (١).

стр. 639

فصل (١) وإذا تأمَّلتَ ما دعا الله سبحانه في كتابه عبادَه إلى الفِكْر فيه أوقَعكَ على العلم به وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله، مِنْ عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبِرِّه ولُطْفِه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه؛ فبهذا تعرَّف إلى عباده، وندبهم إلى التفكُّر في آياته. ونذكرُ لذلك أمثلةً مما ذكرها الله سبحانه في كتابه؛ ليُسْتَدلَّ بها على غيرها: فمِنْ ذلك: خَلْقُ الإنسان، وقد نَدَبَ سبحانه إلى التفكُّر فيه والنظر في غير موضعٍ من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا

стр. 640

يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ ــ ١٤]. وهذا كثيرٌ في القرآن؛ يدعو العبدَ إلى النظر والفِكْر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره؛ إذ نفسُه وخلقُه من أعظم الدَّلائل على خالقه وفاطره، وأقربُ شيءٍ إلى الإنسان نفْسُه، وفيه من العجائب الدَّالَّة على عظمة الله ما تنقضي الأعمارُ في الوقوف على بعضه؛ وهو غافلٌ عنه، مُعرِضٌ عن التفكُّر فيه، ولو فكَّر في نفسه لزجرهُ ما يعلمُ من عجائب خَلْقِها عن كُفْرِه؛ قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ٢٢]. فلم يكرِّر سبحانه على أسماعنا وعقولنا ذِكرَ هذا لنسمع لفظ النُّطفة (١)

стр. 641

والعلقة والمضغة والتراب، ولا لنتكلَّم بها فقط (١)، ولا لمجرَّد تعريفنا بذلك (٢)، بل لأمرٍ وراء ذلك كلِّه هو (٣) المقصودُ بالخطاب، وإليه جرى ذلك الحديث (٤). فانظر الآن إلى النطفة بعين البصيرة؛ وهي قطرةٌ من ماءٍ مهينٍ ضعيفٍ مُسْتَقْذر، لو مرَّت بها ساعةٌ من الزمان فسَدت وأنتنَت، كيف استخرجها ربُّ الأرباب العليمُ القديرُ من بين الصُّلب والتَّرائب، منقادةً لقدرته، مطيعةً لمشيئته، مذلَّلةَ القِياد على ضيق طُرقِها واختلاف مجاريها، إلى أن ساقها إلى مستقرِّها ومَجْمَعِها. وكيف جمع سبحانه بين الذَّكر والأنثى، وألقى المحبَّة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشَّهوة والمحبَّة إلى الاجتماع (٥) الذي هو سببُ تخليق الولد وتكوينه. وكيف قدَّر اجتماع ذَينِك الماءين مع بُعْدِ كلٍّ منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق (٦) والأعضاء، وجمعهما في موضعٍ واحدٍ جُعِلَ لهما قرارًا مكينًا، لا ينالُه هواءٌ يفسدُه، ولا بردٌ يجمِّدُه، ولا عارضٌ يصلُ إليه، ولا آفةٌ تتسلَّطُ عليه.

стр. 642

ثمَّ قَلَبَ تلك النطفةَ البيضاء المشرقة علقةً حمراءَ تَضرِبُ إلى سوادٍ، ثمَّ جعلها مضغةَ لحمٍ مخالِفةً للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها، ثمَّ جعلها عظامًا مجرَّدةً لا كسوةَ عليها، مباينةً للمضغة في شكلها وهيئتها وقَدْرِها وملمسها ولونها. وانظر كيف قسَّم تلك الأجزاء (١) المتساوية المتشابهة إلى الأعصاب والعظام والعُروق والأوتار واليابس والليِّن، وبَيْن ذلك، ثمَّ كيف رَبَط بعضها ببعضٍ أقوى رباطٍ وأشدَّه وأبعدَه من الانحلال (٢). وكيف كساها لحمًا ركَّبه عليها، وجعله وعاءً لها وغشاءً وحافظًا، وجعلها حاملةً له مقيمةً له؛ فاللحمُ قائمٌ بها وهي محفوظةٌ به. وكيف صوَّرها فأحسنَ صُوَرها، وشقَّ لها السَّمعَ والبصرَ والفمَ والأنفَ وسائر المنافذ، ومَدَّ اليدين والرِّجلين وبسطهما، وقسَّم رؤوسَهما بالأصابع، ثمَّ قسَّم الأصابعَ بالأنامل، وركَّب الأعضاءَ الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطِّحال والرِّئة والرَّحِم والمَثانة والأمعاء، كلُّ واحدٍ منها له قَدْرٌ يخصُّه ومنفعةٌ تخصُّه. ثمَّ انظر الحكمةَ البالغة في تركيب العظام قِوامًا للبدن وعِمادًا له، وكيف قدَّرها ربُّها وخالقُها بمقاديرَ مختلفةٍ وأشكالٍ مختلفة؛ فمنها الصَّغيرُ والكبير، والطَّويلُ والقصير، والمُنْحَني والمستدير، والدَّقيقُ والعريض، والمُصْمَتُ والمُجَوَّف، وكيف ركَّب بعضها في بعض؛ فمنها ما تركيبُه

стр. 643

تركيبُ الذَّكر في الأنثى، ومنها ما تركيبُه تركيبُ اتصالٍ فقط، وكيف اختلفت أشكالُها باختلاف منافعها؛ كالأضراس، فإنها لما كانت آلةً للطَّحْن جُعِلَت عريضةً، ولما كانت الأسنانُ آلةً للقَطع جُعِلَت مُستدِقَّةً محدَّدة (١). ولما كان الإنسانُ محتاجًا إلى الحركة بجُملة بدنه وببعض أعضائه للتَّردُّد في حاجته لم يجعَل عظامه عظمًا واحدًا، بل عظامًا متعدِّدة، وجعل بينها مفاصل حتى تتيسَّر بها الحركة (٢)، وكان قَدْرُ كلِّ واحدٍ منها وشكلُه على حسب الحركة المطلوبة منه. وكيف شَدَّ أسْرَ تلك المفاصل والأعضاء وربط بعضها ببعضٍ بأوتارٍ ورِباطاتٍ أنبتها من أحد طرفي العظم (٣)، وألصقَ العظمَ بالطَّرف الآخر كالرِّباط له، ثمَّ جعل في أحد طرفي العظم زوائدَ خارجةً عنه، وفي الآخر نُقَرًا غائصةً فيه موافقةً لشكل تلك الزوائد؛ ليدخُل فيها ويَنْطَبِق عليها، فإذا أراد العبدُ أن يحرِّك جزءًا من بدنه لم يمتنع عليه، ولولا المفاصلُ لتعذَّر عليه ذلك. وتأمَّل كيفيَّة خَلْق الرَّأس، وكثرةَ ما فيه من العظام، حتى قيل: إنها خمسةٌ وخمسون عظمًا (٤)، مختلفة الأشكال والمقادير والمنافع، وكيف ركَّبه على البدن، وجعله عاليًا عليه عُلُوَّ الراكب على مركوبه؛

стр. 644

ولما كان عاليًا على البدن جَعَل فيه الحواسَّ الخمسَ وآلات الإدراك كلَّها من السَّمع والبصر والشَّمِّ والذَّوق واللَّمس. وجَعَل حاسَّة البصر في مُقَدَّمه؛ ليكون كالطَّليعة والحَرَس والكاشف للبدن، وركَّب كلَّ عينٍ من سبع طبقات، لكلِّ طبقةٍ وصفٌ مخصوص، ومقدارٌ مخصوص، ومنفعةٌ مخصوصة، لو فُقِدَت طبقةٌ من تلك السَّبع الطِّباق (١) أو زالت عن هيئتها وموضعها (٢) لتعطَّلت العينُ عن الإبصار. ثمَّ أركزَ (٣) سبحانه داخل تلك الطَّبقات السَّبع خلقًا عجيبًا، وهو إنسانُ العَيْن، بقَدْر العَدَسَة، يبصرُ به ما بين المشرق والمغرب والأرض والسماء، وجَعَله من العين بمنزلة القلب من الأعضاء، فهو مَلِكُها، وتلك الطَّبقاتُ والأجفانُ والأهدابُ خَدَمٌ له وحُجَّابٌ وحُرَّاس، فتبارك الله أحسنُ الخالقين. فانظر كيف حسَّن شكلَ العينين وهيأتهما ومقدارهما، ثمَّ جمَّلهما بالأجفان غطاءً لهما وسترًا وحفظًا وزينة؛ فهما يلتقيان (٤) عن العين الأذى والقذى والغُبار، ويُكِنَّانهما (٥) من البارد المؤذي (٦) والحارِّ المؤذي، ثمَّ

стр. 645

غَرَس في أطراف تلك الأجفان الأهدابَ جمالًا وزينة، ولمنافع أُخَر وراء الجمال والزِّينة، ثمَّ أودعهما ذلك النُّورَ الباصرَ والضوءَ الباهرَ الذي يَخْرقُ ما بين السماء والأرض، ثمَّ يخرقُ السماء مجاوزًا لرؤية ما فوقها من الكواكب. وقد أودعَ سبحانه هذا السرَّ العجيبَ في هذا المقدار الصَّغير بحيث تنطبِعُ فيه صورةُ السَّموات مع اتساع أكنافِها وتباعُد أقطارها. وشَقَّ له السَّمع، وخلق الأذنَ أحسنَ خِلقةٍ وأبلغَها في حصول المقصود منها، فجعلها مجوَّفةً كالصَّدفة؛ لتجمعَ الصَّوتَ فتؤدِّيه إلى الصِّماخ (١)، وليُحِسَّ بدبيب الحيوان فيها فيبادر إلى إخراجه، وجَعَل فيها غُضونًا وتجاويفَ واعوجاجاتٍ تمسكُ الهواءَ والصَّوتَ الدَّاخل فتكسرُ حِدَّته ثم تؤدِّيه إلى الصِّماخ. ومن حكمة ذلك أيضًا: أن يُطَوَّل به الطريقُ على الحيوان، فلا يَصِلُ إلى الصِّماخ حتى يستيقظ أو ينتبه لإمساكه. وفيه ــ أيضًا ــ حِكَمٌ غيرُ ذلك. ثمَّ اقتضت حكمةُ الربِّ الخالق سبحانه أنْ جَعَل ماء الأذن مرًّا في غاية المَرارة، فلا يجاوزُه الحيوانُ ولا يقطعُه داخلًا إلى باطن الأذن، بل إذا وصل إليه أعمَل الحيلةَ في رجوعه، وجَعَل ماء العَين مِلْحًا (٢) ليحفظها؛ فإنها شَحْمةٌ قابلةٌ للفساد، فكانت ملوحةُ مائها صيانةً لها وحفظًا، وجَعَل ماء الفم عَذبًا حُلوًا ليُدرِك به طُعومَ الأشياء على ما هي عليه؛ إذ لو كان على غير هذه الصِّفة لأحالها إلى طبيعته، كما أنَّ مَنْ عَرَض لفمه المرارةُ استمرَّ طعمَ الأشياء التي ليست بمُرَّة، كما قيل:

стр. 646

ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مريضٍ ... يَجِدْ مُرًّا بِه الماءَ الزُّلالا (١) ونَصَب سبحانه قَصَبة الأنف في وسط الوجه، فأحسنَ شكلَه وهيئتَه ووضعَه، وفَتَح فيه المَنْخِرَين، وحَجَز بينهما بحاجز، وأودَع فيهما حاسَّة الشَّمِّ التي تُدْرَكُ بها أنواعُ الروائح الطيِّبة والخبيثة والنافعة والضارَّة، وليستنشقَ به الهواءَ فيوصِلَه إلى القلب فيتَروَّح به ويتغذَّى به. ثمَّ لم يجعل في داخله من الاعوجاجات والغُضون ما جَعَل في الأذن؛ لئلَّا يُمسِك الرائحةَ فيُضعِفَها ويقطع مجراها، وجعله سبحانه مَصَبًّا تنحدِرُ إليه فضلاتُ الدِّماغ فتجتمعُ فيه ثمَّ تخرجُ منه. واقتضت حكمتُه أنْ جَعَل أعلاه أدقَّ من أسفله؛ لأنَّ أسفله إذا كان واسعًا اجتمعت فيه تلك الفضلاتُ فخرجت بسهولة، ولأنه يأخذُ من الهواء مَلأه ثمَّ يتصاعدُ في مجراه قليلًا قليلًا، حتى يصل إلى القلب وصولًا لا يضرُّه ولا يزعجُه. ثمَّ فَصَل بين المَنْخِرَين بحاجزٍ بينهما حكمةً منه ورحمة؛ فإنه لما كان قَصَبةً ومجرًى ساترًا لما ينحدرُ فيه (٢) من فضلاتِ الرأس ومجرى النَّفَس الصَّاعد منه= جَعَل في وسطه حاجزًا؛ لئلا ينسدَّ (٣) بما يجري فيه فيمنعَ نَشْقَه للنَّفَس، بل إمَّا أن يعتمدَ (٤) الفضلاتِ نازلةً من أحد المنفذين ــ في

стр. 647

الغالب ــ فيبقى الآخرُ للتنفُّس، وإمَّا أن يجري فيهما فينقسم، فلا ينسدَّ الأنفُ جملةً، بل يبقى فيه مدخلٌ (١) للنَّفَس. وأيضًا؛ فإنه لما كان عضوًا واحدًا وحاسَّةً واحدة، ولم يكن عُضوَين وحاسَّتين كالأذنين والعينين التي اقتضت الحكمةُ تعدُّدهما، فإنه ربَّما أصيبت إحداهما أو عَرَضت لها آفةٌ تمنعها من كمالها فتكونُ الأخرى سالمة، فلا تتعطَّل منفعةُ هذا الجنس جملة، وكان وجودُ أنفَين في الوجه شَينًا ظاهرًا، فنَصَب فيه أنفًا واحدًا، وجَعَل فيه منفذَين حَجَز بينهما بحاجزٍ يجري مجرى تعدُّد العينين والأذنين في المنفعة، وهو واحد؛ فتبارك الله ربُّ العالمين وأحسنُ الخالقين. وشقَّ سبحانه للعبد الفمَ في أحسن موضعٍ وأليقه به، وأودع فيه من المنافع وآلات الذَّوق والكلام وآلات الطَّحن والقَطع ما تبهرُ العقولَ عجائبُه؛ فأودَعه اللسانَ الذي هو أحدُ آياته الدَّالَّة عليه، وجعله ترجمانًا لمَلِك الأعضاء مُبِينًا مؤديًا عنه كما جعل الأذنَ رسولًا مؤديًا مبلِّغًا إليه، فهي رسولُه وبريدُه الذي يؤدِّي إليه الأخبار، واللسانُ بريدُه ورسولُه الذي يؤدِّي عنه ما يريد. واقتضت حكمتُه سبحانه أنْ جَعَل هذا الرسولَ مَصُونًا محفوظًا مستورًا، غير بارزٍ مكشوفٍ كالأذن والعين والأنف؛ لأنَّ تلك الأعضاء لما كانت تؤدِّي من الخارج إليه جُعِلَت بارزةً ظاهرة، ولما كان اللسانُ مؤديًا منه إلى الخارج جُعِل مستورًا (٢) مصونًا؛ لعدم الفائدة في إبرازه؛ لأنه لا يأخذُ

стр. 648

من الخارج إلى القلب. وأيضًا؛ فإنه لما كان أشرفَ الأعضاء بعد القلب، ومنزلتُه منه منزلة تَرْجُمانه ووزيره، ضُرِب عليه سُرادق يستُره ويصونُه، وجُعِل في ذلك السُّرادق كالقلب في الصَّدر. وأيضًا؛ فإنه مِنْ ألطف الأعضاء وألينها وأشدِّها رطوبة، وهو لا يتصرَّفُ إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به، فلو كان بارزًا صار عُرضةً للحرارة واليُبوسة والنَّشَاف المانع له من التصرُّف. ولغير ذلك من الحِكَم والفوائد. ثمَّ زيَّن سبحانه الفمَ بما فيه من الأسنان التي هي جمالٌ له وزينة، وبها قِوامُ العبد وغذاؤه، وجَعَل بعضها أرْحاءَ للطَّحن (١)، وبعضها آلةً للقَطع، فأحكم أصولَها، وحَدَّد رؤوسَها، وبيَّض لونها، ورتَّب صفوفَها، متساويةَ الرؤوس، متناسقةَ التَّرتيب، كأنها الدُّرُّ المنظومُ بياضًا وصفاءً وحُسْنًا. وأحاط سبحانه على ذلك كلِّه (٢) حائطَيْن، وأودعهما من المنافع والحِكَم ما أودعهما، وهما الشَّفتان؛ فحَسَّن لونهما وشكلَهما ووضعَهما وهيأتهما، وجعلهما غطاءً للفم وطَبَقًا له، وجعلهما إتمامًا لمخارج حروف الكلام ونهايةً له، كما جَعَل أقصى الحلق بدايةً له، واللسانَ وما جاوره وَسَطًا، ولهذا كان أكثرُ العمل فيها (٣) له؛ إذ هو الواسطة.

стр. 649

واقتضت حكمتُه أنْ جَعَل الشفتين لحمًا صِرفًا لا عَظمَ فيه ولا عَصَب؛ ليتمكَّن بهما من مَصِّ الشَّراب، ويَسْهُل عليه فتحُهما وطَبْقُهما. وخَصَّ الفكَّ الأسفل بالتحريك؛ لأنَّ تحريكَ الأخفِّ أحسن، ولأنه (١) يشتملُ على الأعضاء الشريفة فلَم يخاطِر بها في الحركة. وخلق سبحانه الحناجرَ مختلفةَ الأشكال في الضِّيق والسَّعة، والخشونة والمَلاسة، والصَّلابة واللِّين، والطُّول والقِصَر؛ فاختلفَت بذلك الأصواتُ أعظمَ اختلاف، ولا يكادُ يشتبهُ صوتان إلا نادرًا. ولهذا كان الصحيحُ قبول شهادة الأعمى (٢)؛ لتمييزه بين الأشخاص بأصواتهم كما يميِّزُ البصيرُ بينهم بِصُوَرهم، والاشتباهُ العارض بين الأصوات كالاشتباه العارض بين الصُّوَر. وزيَّن سبحانه الرأسَ بالشَّعر، وجَعَله لباسًا له؛ لاحتياجه إليه، وزيَّن الوجه بما أنبت فيه من الشُّعور المختلفة الأشكال والمقادير، فزيَّنه بالحاجبين، وجعلهما وقايةً لما ينحدر (٣) مِن بَشَرَة الرأس إلى العينين، وقَوَّسهما، وأحسنَ خطَّهما، وزيَّن أجفانَ العينين بالأهداب، وزيَّن الوجه أيضًا باللِّحية، وجعلها كمالًا ووقارًا ومهابةً للرَّجُل، وزيَّن الشفتين بما أنبت

стр. 650

فوقهما من الشارب وتحتهما من العَنْفَقَة. وكذلك خَلْقُه سبحانه لليدين اللتين هما آلةُ العبد وسلاحُه ورأسُ ماله ومعاشُه (١)، فطوَّلهما بحيث يَصِلان إلى ما شاء من بدنه، وعرَّض الكفَّ ليتمكَّن بها من القبض والبسط، وقسَّم فيه الأصابعَ الخمس، وقسَّم كلَّ إصبعٍ بثلاث أناملَ والإبهامَ باثنتين، ووضعَ الأصابعَ الأربعةَ في جانبٍ والإبهامَ في جانب؛ لتدور الإبهامُ على الجميع؛ فجاءت على أحسن وضعٍ صَلحت به للقبض والبسط ومباشرة الأعمال، ولو اجتمع الأولون والآخِرون على أن يستنبطوا بدقيق أفكارهم وضعًا آخر للأصابع سوى ما وُضِعَت عليه لم يجدوا إليه سبيلًا. فتبارك من لو شاء لسوَّاها وجَعَلها طَبَقًا واحدًا كالصَّفيحة، فلم يتمكَّن العبدُ بذلك من مصالحه وأنواع تصرُّفاته ودقيق الصَّنائع والخطِّ وغير ذلك، فإن بَسَط أصابعه كانت طَبَقًا يضعُ عليه ما يريد، وإن ضمَّها وقبضَها كانت دبُّوسًا (٢) وآلةً للضَّرب، وإن جَعَلها بين الضَّمِّ والبسط كانت مِغْرَفةً له يتناولُ بها ويمسكُ فيها ما يتناولُه. وركَّبَ الأظفارَ على رؤوسها زينةً لها وعِمادًا (٣) ووقاية، وليلتقط بها الأشياء الدَّقيقة التي لا ينالها جسمُ الأصبع، وجَعَلها سلاحًا لغيره من الحيوان والطَّير، وآلةً لمعاشه، وليَحُكَّ الإنسانُ بها بدنه عند الحاجة؛ فالظُّفرُ الذي هو أقلُّ الأعضاء وأحقرُها لو عَدِمَه الإنسانُ ثمَّ ظهرت به حِكَّةٌ

стр. 651

لاشتدَّت حاجتُه إليه، ولم يَقُم مقامه شيءٌ في حكِّ بدنه، ثمَّ هدى (١) اليدَ إلى موضع الحكِّ حتى تمتدَّ إليه ولو في النَّوم والغفلة من غير حاجةٍ إلى طلب، ولو استعان بغيره لم يَعْثُر على موضع الحكِّ إلا بعد تعبٍ ومشقَّة! ثمَّ انظر إلى الحكمة البالغة في جَعل عظام أسفل البدن غليظةً قويَّة؛ لأنها أساسٌ له، وعظام أعاليه دونها في الثَّخانة والصَّلابة؛ لأنها محمولة. ثمَّ انظر كيف جَعَل الرَّقبة مَرْكبًا للرأس، وركَّبها من سبع خَرَزاتٍ (٢) مجوَّفاتٍ مستديرات، ثمَّ طبَّق بعضها على بعض، وركَّب كلَّ خَرَزةٍ على صاحبتها (٣) تركيبًا محكمًا متقنًا حتى صارت كأنها خرزةٌ واحدة، ثمَّ ركَّب الرَّقبة على الظَّهر والصَّدر، ثمَّ ركَّب الظَّهر من أعلاه إلى منتهى عَظم العَجُز من أربعٍ وعشرين خرزةً مركَّبةً بعضها في بعضٍ هي مَجْمَعُ أضلاعه والتي تمسكُها أن تنحَلَّ وتنفصل، ثمَّ وَصَل تلك العظام بعضها ببعض؛ فوصل عظامَ الظَّهر بعظام الصَّدر، وعظامَ الكتفين بعظام العَضُدَين، والعَضُدَين بالذِّراعين، والذِّراعين بالكفِّ والأصابع. وانظر كيف كسا العظامَ العريضةَ كعظام الظَّهر والرأس كسوةً من اللحم تناسبُها، والعظامَ الدَّقيقةَ كسوةً تناسبها كالأصابع، والمتوسِّطةَ كذلك كعظام الذِّراعين والعَضُدَين، فهو مركَّبٌ على ثلاث مئةٍ وستِّين عظمًا؛ منها مئتان وثمانيةٌ وأربعون مفاصل، وباقيها صغارٌ حُشِيَت خِلال المفاصل، فلو زادت

стр. 652

عظمًا واحدًا لكان مَضرَّةً على الإنسان يحتاجُ إلى قَلْعِه (١)، ولو نقصت عظمًا واحدًا كان نقصانًا يحتاجُ إلى جَبْره. فالطَّبيبُ ينظرُ في هذه العظام وكيفية تركيبها ليعرفَ وجه العلاج في جَبْرِها، والعارفُ ينظرُ فيها ليستدلَّ بها على عظمة باريها وخالقها، وحكمته وعلمه ولُطْفِه. وكم بين النظرَين! ثمَّ إنه سبحانه رَبَط تلك الأعضاء والأجزاءَ بالرِّباطات، فشدَّ بها أسْرَها، وجعلها كالأوتاد (٢) تمسكُها وتحفظها، حتى بلغ عددُها (٣) إلى خمس مئةٍ وتسعةٍ وعشرين رباطًا، وهي مختلفةٌ في الغِلَظِ والدِّقَّة، والطُّول والقِصَر، والاستقامة والانحناء، بحسب اختلاف مواضعها ومَحَالِّها. فجعل منها أربعةً وعشرين رباطًا آلةً لتحريك العين وفَتحِها وضمِّها وإبصارها، لو نقصت منهنَّ رباطًا واحدًا اختلَّ أمرُ العين، وهكذا (٤) لكلِّ عضوٍ من الأعضاء رباطاتٌ هي له كالآلات التي بها يتحرَّكُ ويتصرَّفُ ويفعلُ كلَّ ذلك. صُنْعَ الرَّبِّ الحكيم، وتقديرَ العزيز العليم، في قطرةٍ من ماءٍ مَهين، فويلٌ للمكذِّبين، وبُعدًا للجاحدين. ومن عجائب خَلقِه أنه جَعَل في الرأس ثلاثَ خزائنَ نافذًا بعضُها إلى بعض؛ خِزانةً في مُقَدَّمه، وخِزانةً في وسطه، وخِزانةً في آخره، وأودع تلك الخزائنَ من أسراره ما أودَعها من الذِّكر والفِكر والتعقُّل.

стр. 653

ومن عجائب خَلقِه ما فيه من الأمور الباطنة التي لا تشاهَد؛ كالقلب والكبد والطِّحال والرِّئة والأمعاء والمَثانة، وسائر ما في باطنه (١) من الآلات العجيبة، والقُوى المتعدِّدة المختلفة المنافع. فأما القلبُ، فهو الملكُ المستعمِلُ لجميع (٢) آلات البدن، المستخدِمُ لها، فهو محفوفٌ بها مَحْشودٌ مَخْدومٌ مستقرٌّ في الوسط، وهو أشرفُ أعضاء البدن، وبه قِوامُ الحياة، وهو منبعُ الرُّوح الحيوانيِّ (٣) والحرارة الغريزيَّة، وهو معدنُ العقل والعلم والحلم، والشجاعة والكرم والصَّبر والاحتمال، والحبِّ والإرادة، والرضا والغضب، وسائر صفات الكمال. فجميعُ الأعضاء الظَّاهرة والباطنة وقُواها إنما هي جُندٌ من أجناد القلب؛ فإنَّ العينَ طليعتُه ورائدُه الذي يكشفُ له المرئيَّات، فإن رأت شيئًا أدَّتهُ إليه، ولشدَّة الارتباط الذي بينها وبينه إذا استقرَّ فيه شيءٌ ظهر فيها، فهي مرآتُه المترجِمةُ للناظر ما فيه (٤)، كما أنَّ اللسانَ تَرْجُمانُه المؤدِّي للسَّمع ما فيه. ولهذا كثيرًا ما يقرنُ سبحانه في كتابه بين هذه الثَّلاث (٥)، كقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨].

стр. 654

وقد تقدَّم ذلك (١). وكذلك يقرنُ بين القلب والبصر (٢)، كقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله في حقِّ رسوله محمَّد ﷺ : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ثمَّ قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]. وكذلك الأذنُ هي رسولُه المؤدِّي إليه، وكذلك اللسانُ تَرْجُمانُه. وبالجملة؛ فسائر الأعضاء خَدَمُه وجنودُه، وقال النبيُّ ﷺ : «ألا إنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلَحت صلَح لها سائرُ الجسد، وإذا فسَدت فسَد لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب» (٣). وقال أبو هريرة ﵁: «القلبُ مَلِكٌ، والأعضاءُ جنودُه، فإن طابَ المَلِكُ طابت جنودُه، وإذا خَبُثَ المَلِكُ خَبُثَت جنودُه» (٤). وجُعِلَت الرئةُ له كالمِرْوَحة تُروِّحُ عليه دائمًا؛ لأنه أشدُّ الأعضاء حرارةً، بل هو منبعُ الحرارة. وأما الدِّماغُ ــ وهو المُخُّ ــ، فإنه جُعِل باردًا، واختُلِفَ في حكمة ذلك (٥):

стр. 655

فقالت طائفة: إنما كان الدِّماغُ باردًا لتبريد الحرارة التي في القلب؛ ليردَّها عن الإفراط إلى الاعتدال. وردَّت طائفةٌ هذا (١)، وقالت: لو كان كذلك لم يكن الدِّماغُ بعيدًا عن القلب، بل كان ينبغي أن يحيط به كالرِّئة، أو يكون قريبًا منه في الصَّدر؛ ليكسِرَ حرارتَه. قالت الفرقةُ الأولى: بُعْدُ الدِّماغ من القلب لا يمنعُ ما ذكرناه من الحكمة؛ لأنه لو قَرُبَ منه لغلبَته حرارةُ القلب بقوَّتها، فجُعِلَ البُعدُ بينهما بحيثُ لا يتفاسَدان، وتعتدل (٢) كيفيةُ كلِّ واحدٍ منهما بكيفية الآخر، وهذا بخلاف الرِّئة، فإنها آلةٌ للتَّرويح على القلب لم تُجْعَل لتعديل حرارته. وتوسَّطت فرقةٌ أخرى وقالت: بل المخُّ حارٌّ لكنه فاترُ الحرارة، وفيه تبريدٌ بالخاصيَّة، فإنه مبدأٌ للذهن، ولهذا كان الذِّهنُ يحتاجُ إلى موضعٍ ساكنٍ قارٍّ، صافٍ عن الأقذاء (٣) والكَدَر، خالٍ من الجَلَبة والزَّجَل (٤). ولذلك تكونُ جودةُ الفِكْر والتذكُّرُ واستخراجُ الصَّواب عند سكون البدن، وفُتور حركاته، وقلَّة شواغله ومزعجاته، ولذلك لم يصلُح لها القلب، وكان الدِّماغُ معتدلًا في ذلك صالحًا له. ولذلك تجودُ هذه الأفعالُ في الليل، وفي المواضع الخالية، وتفسُد

стр. 656

عند التهاب نار الغضب والشهوة، وعند الهمِّ الشديد (١)، ومع التَّعب والحركات القوية البدنية والنفسانية. وهذا بحثٌ متصلٌ بقاعدةٍ أخرى، وهي: أنَّ الحواسَّ والعقل، مبدؤها القلبُ أو الدِّماغ؟ (٢) فقالت طائفة: مبدؤها كلِّها القلب، وهي مرتبطةٌ به، وبينه وبين الحواسِّ منافذُ وطرق. قالوا: وكلُّ واحدٍ من هذه الأعضاء التي هي آلاتُ الحواسِّ له اتصالٌ بالقلب بأعصابٍ وغير ذلك، وهذه الأعصابُ تخرجُ من القلب إلى أن تأتي إلى كلِّ واحدٍ من هذه الأجسام (٣) التي فيها هذه الحواسُّ، ومنشأ هذه الأعضاء من القلب، وهو مركَّبٌ من أشياء تُشاكِل جميعَ هذه الأجسام التي فيها هذه الحواسُّ (٤). قالوا: فالعينُ إذا أبصرت شيئًا أدَّته بالآلة التي فيها إلى القلب؛ لأنَّ هذه الآلة متصلةٌ منها إلى القلب، والسَّمعُ إذا أحسَّ صوتًا أدَّاه إلى القلب، وكذلك كلُّ حاسَّة.

стр. 657

ثمَّ أوردوا على أنفسهم سؤالًا، فقالوا: إن قيل: كيف يجوزُ أن يكون عضوٌ واحدٌ على ضروبٍ من الامتزاج يُمِدُّ عدَّة حواسَّ مختلفة، وأجسامُ هذه الحواسِّ مختلفة، وقوَّةُ كلِّ حاسَّةٍ مخالفةٌ لقوَّة الحاسَّة الأخرى؟ وأجابوا عن ذلك: بأنَّ جميعَ العروق التي في البدن كلها متصلةٌ بالقلب، إما بأنفسها وإما بواسطة، فما مِن عِرقٍ ولا عُضوٍ إلا وله اتصالٌ بالقلب اتصالًا قريبًا أو بعيدًا. قالوا: وينبعثُ منه في تلك العروق والمجاري إلى كلِّ عضوٍ ما يناسبُه ويُشاكِلُه، فينبعثُ منه إلى العينين ما يكونُ منه حِسُّ (١) البصر، وإلى الأذنين ما يُدرِكُ به المسموعات، وإلى اللَّحم ما يكونُ منه حِسُّ اللَّمس، وإلى الأنف ما يكون منه حِسُّ الشَّمِّ، وإلى اللسان ما يكونُ منه حِسُّ الذَّوق، وإلى كلِّ ذي قوَّةٍ ما يُمِدُّ قوَّتَه ويحفظُها، فهو المُمِدُّ لهذه الأعضاء والحواسِّ والقُوى؛ ولهذا كان الرأيُ الصحيحُ أنه أوَّلُ الأعضاء تكونًا (٢). قالوا: ولا ريب أنَّ مبدأ القوَّة العاقلة منه، وإن كان قد خالفَ في ذلك آخرون، وقالوا: بل العقلُ في الرأس؛ فالصوابُ أنَّ مبدأه ومنشأه من القلب، وفروعَه وثمرتَه في الرأس، والقرآنُ قد دلَّ على هذا بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، ولم يُرِد بالقلب هنا مُضغةَ اللحم المشتركةَ بين الحيوانات، بل المرادُ ما فيه من العقل واللُّبِّ.

стр. 658

ونازعهم في ذلك طائفةٌ أخرى، وقالوا: مبدأ هذه الحواسِّ إنما هو الدِّماغ، وأنكروا أن يكون بين القلب والعين والأذن والأنف أعصابٌ أو عُروق، وقالوا: هذا كذبٌ على الخِلْقَة. والصوابُ التوسُّطُ بين الفريقين، وهو أنَّ القلب ينبعثُ منه قوَّةٌ إلى هذه الحواسِّ، وهي قوَّةٌ معنويةٌ لا تحتاجُ في وصولها إليها إلى مَجَارٍ مخصوصةٍ وأعصابٍ تكونُ حاملةً لها؛ فإنَّ وصول القُوى إلى هذه الحواسِّ والأعضاء لا تتوقَّفُ إلا على قبولها واستعدادها وإمداد القلب، لا على مَجَارٍ وأعصاب. وبهذا يزولُ الالتباسُ في هذا المقام الذي طال فيه الكلام، وكَثُر فيه النزاعُ والخصام، والله أعلم، وبه التوفيقُ للصَّواب. والمقصودُ التنبيهُ على أقلِّ القليل من وجوه الحكمة التي في خَلْقِ الإنسان، والأمرُ أضعافُ أضعاف (١) ما يخطرُ بالبال، أو يجري في المقال، وإنما فائدةُ ذكر هذه الشَّذْرَة ــ التي هي كَلا شيءٍ بالنسبة إلى ما وراءها ــ التنبيه. وإذا نظر العبدُ إلى غذائه فقط، في مَدْخَله ومستقرِّه ومخرجه، رأى فيه العِبَر والعجائب؛ كيف جُعِلَت له آلةٌ يتناولُه بها، ثم بابٌ يَدْخُل منه، ثمَّ آلةٌ تقطِّعُه صغارًا، ثمَّ طاحونٌ يطحنُه، ثمَّ أُعِينَ بماءٍ يعجنُه، ثمَّ جُعِل له مجرًى وطريقٌ إلى جانب مجرى النَّفَس، ينزلُ هذا ويصعدُ هذا، فلا يلتقيان مع غاية القُرب. ثمَّ جَعَل له حوايا (٢) وطرقًا تُوصِلُه إلى المعدة، فهي خِزانتُه وموضعُ

стр. 659

اجتماعه، ولها بابان: بابٌ أعلى يدخلُ منه الطَّعام، وبابٌ أسفلُ يخرجُ منهُ ثُفْلُه (١)، والبابُ الأعلى أوسعُ من الأسفل؛ إذ الأعلى مَدْخلٌ للحاصل، والأسفلُ مَصْرِفٌ للضَّارِّ منه، والأسفلُ منطبقٌ دائمًا ليستقرَّ الطعامُ في موضعه، فإذا انتهى الهضمُ فإن ذلك الباب ينفتحُ إلى انقضاء الدَّفع، ويسمَّى البوَّابَ لذلك، والأعلى يسمَّى فمَ المعدة، والطعامُ ينزلُ إلى المعدة مُنْكبِسًا (٢)، فإذا استقرَّ فيها انماعَ وذاب. ويحيطُ بالمعدة مِن داخلها وخارجها حرارةٌ ناريَّة، بل ربما تزيدُ على حرارة النَّار، ينضجُ بها الطعامُ فيها كما ينضجُ الطعامُ في القِدر بالنَّار المحيطة به، ولذلك تذيبُ ما هو مستحجِرٌ كالحصى وغيره، حتى تتركه مائعًا، فإذا أذابتهُ علا صَفْوُه إلى فوق، ورَسَا كدرُه إلى أسفل. ومن المعدة عروقٌ متصلةٌ بسائر البدن يُبْعَثُ فيها معلومُ كلِّ عضوٍ (٣) وقِوامُه بحسب استعداده وقبوله، فيُبْعَثُ أشرفُ ما في ذلك وألطفُه وأخفُّه إلى الأرواح (٤)؛ فينبعثُ (٥) إلى البصر بصرًا وإلى السَّمع سمعًا وإلى الشمِّ

стр. 660

شمًّا وإلى كلِّ حاسَّةٍ بحسبها، فهذا ألطفُ ما يتولَّدُ عن الغذاء، ثمَّ ينبعثُ منه إلى الدِّماغ ما يناسبُه في اللَّطافة والاعتدال، ثمَّ ينبعثُ من الباقي إلى الأعضاء في تلك المجاري بحسبها، وينبعثُ منه إلى العظام والشَّعر والأظفار ما يغذِّيها ويحفظُها. فيكونُ الغذاءُ داخلًا إلى المعدة من طُرقٍ ومَجارٍ، وخارجًا منها إلى الأعضاء من طُرقٍ ومَجارٍ؛ هذا واردٌ إليها وهذا صادرٌ عنها؛ حكمةٌ بالغةٌ ونعمةٌ سابغة. ولما كان الغذاءُ إذا استحال في المعدة استحال دمًا ومِرَّةً سوداءَ ومِرَّةً صفراءَ وبَلْغمًا (١)، اقتضت حكمتُه أن جَعَل لكلِّ واحدٍ من هذه الأخلاط مَصرِفًا ينصبُّ إليه ويجتمعُ فيه، ولا ينبعثُ إلى الأعضاء الشريفة إلا أكملُه؛ فوضع المَرارةَ مَصَبًّا للمِرَّة الصَّفراء، ووضع الطِّحالَ مقرًّا للمِرَّة السَّوداء، والكبدُ تمتصُّ أشرفَ ما في ذلك، وهو الدَّم، ثمَّ تبعثُه إلى جميع البدن من عِرقٍ واحدٍ ينقسمُ على مجارٍ كثيرة، يوصِلُ إلى كلِّ واحدٍ من الشُّعور والأعصاب والعظام والعروق ما يكونُ به قِوامُه. ثمَّ إذا نظرتَ إلى ما فيه (٢) من القُوى الباطنة والظَّاهرة المختلفة في

стр. 661

أنفسها ومنافعها، رأيتَ العجبَ العُجاب (١)؛ كقوَّة سمعه وبصره، وشمِّه وذوقه ولمسه، وحبِّه وبغضه، ورضاه وغضبه، وغير ذلك من القُوى المتعلقة بالإدراك والإرادة، وكذلك القُوى المتصرِّفة في غذائه؛ كالقوَّة المُنْضِجة له، وكالقوَّة الماسِكة له، والدَّافعة له إلى الأعضاء، والقوَّة الهاضمة له بعد أخذِ الأعضاء حاجتها منه، إلى غير ذلك من عجائب خِلقته الظَّاهرة والباطنة. فصل (٢) فارجِع الآن إلى النُّطفة، وتأمَّل حالها أوَّلًا وما صارت إليه ثانيًا، وأنه لو اجتمع الإنسُ والجنُّ على أن يخلقوا لها سمعًا أو بصرًا، أو عقلًا أو قدرة، أو علمًا أو روحًا، بل عظمًا واحدًا مِنْ أصغر عظامها، بل عِرقًا من أدقِّ عروقها، بل شعرةً واحدة= لعجزوا عن ذلك، بل ذلك كلُّه آثارُ صُنع الله الذي أتقن كلَّ شيءٍ في قطرةٍ من ماءٍ مَهين. فمَن هذا صُنعُه في قطرة ماء، فكيف صُنعُه في ملكوت السَّموات، وعُلوِّها، وسَعَتِها، واستدارتها، وعِظَم خَلْقِها، وحُسْن بنائها، وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها، ومقاديرها، وأشكالها، وتفاوت مشارقها ومغاربها؟! فلا ذرَّة فيها تنفكُّ عن حكمة، بل هي أحكمُ خلقًا، وأتقنُ صنعًا، وأجمعُ للعجائب من بدن الإنسان، بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السَّموات؛ قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا

стр. 662

فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ ــ ٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]؛ فبدأ بذكر خلقِ السَّموات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وهذا كثيرٌ في القرآن. فالأرضُ والبحارُ والهواءُ وكلُّ ما تحت السَّموات ــ بالإضافة إلى السَّموات ــ كقطرةٍ في بَحْر، ولهذا قَلَّ أن تجيء سورةٌ في القرآن إلا وفيها ذِكرُها؛ إما إخبارًا عن عظمتها وسَعَتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلُّوا بها على عظمة بانيها (١) ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخَلْقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالًا منه بربوبيَّته لها على وحدانيَّته وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالًا منه بحُسْنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفُطور فيها على تمام حكمته وقدرته. وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصرُ عقولُ البشر عن قليلها، فكم مِن قسَمٍ في القرآن بها؛ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]،

стр. 663

وهي الكواكبُ التي تكونُ خُنَّسًا عند طلوعها، جوارٍ في مجراها ومسيرها، كُنَّسًا عند غروبها؛ فأقسمَ بها في أحوالها الثَّلاثة (١). ولم يُقْسِم في كتابه بشيءٍ من مخلوقاته أكثر من السَّماء والنُّجوم والشمس والقمر، وهو سبحانه يقسمُ بما يقسمُ به من مخلوقاته لتضمُّنه الآياتِ والعجائبَ الدالَّة عليه (٢)، وكلما كان أعظم آيةً وأبلغَ في الدَّلالة كان إقسامُه به أكثرَ من غيره. ولهذا يعظِّمُ سبحانه هذا القَسَم؛ كقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ ــ ٧٦]، وأظهرُ القولين أنه قَسَمٌ بمواقع هذه النُّجوم التي في السَّماء (٣)؛ فإنَّ اسمَ النُّجوم عند الإطلاق إنما ينصرفُ إليها. وأيضًا؛ فإنه لم تَجْرِ عادتُه سبحانه باستعمال النُّجوم في آيات القرآن، ولا في موضعٍ واحدٍ من كتابه، حتى تُحْمَل عليه هذه الآية، وجَرَت عادتُه سبحانه باستعمال النُّجوم في الكواكب في جميع القرآن. وأيضًا؛ فإنَّ نظيرَ الإقسام بمواقعها هنا إقسامُه بِهُوِيِّ النَّجم في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. وأيضًا؛ فإنَّ هذا قولُ جمهور أهل التفسير.

стр. 664

وأيضًا؛ فإنه سبحانه يقسمُ بالقرآن نفسِه لا بوصوله إلى عباده، هذه طريقةُ القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ ــ ٢]، ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ١ ــ ٢، الدخان: ١ - ٢]، ونظائره. والمقصود أنه سبحانه إنما يقسمُ من مخلوقاته بما هو من آياته الدَّالَّة على ربوبيته ووحدانيته. وقد أثنى سبحانه في كتابه على المتفكِّرين في خلق السَّموات والأرض، وذَمَّ المُعْرِضين عن ذلك؛ فقال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وتأمَّل خلقَ هذا السَّقف الأعظم ــ مع صلابته وشدَّته ووَثاقته ــ مِن دُخان، وهو بخارُ الماء؛ قال الله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢]، وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. فانظر إلى هذا البناء الشَّديد العظيم الواسع الذي رَفَع سَمْكَه أعظمَ ارتفاع، وزيَّنه بأحسن زينة، وأودعه العجائبَ والآيات، وكيف ابتدأ خَلقَه من بخارٍ ارتفع من الماء وهو الدُّخان. فسُبحانَ مَنْ لا يَقْدِرُ الخلقُ قَدْرَه ... ومَنْ هو فوق العرشِ فَردٌ مُوَحَّدُ (١)

стр. 665

لقد تعرَّف إلى خَلْقه بأنواع التَّعرُّفات، ونَصَب لهم الدَّلالات، وأوضحَ لهم الآيات البيِّنات؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]. * * * فارجِع البصرَ إلى السَّماء (١) وانظر فيها وفي كواكبها ودورانها، وطلوعها وغروبها، وشمسها وقمرها، واختلاف مشارقها ومغاربها، ودُؤوبها في الحركة على الدَّوام مِنْ غير فُتورٍ في حركتها ولا تغيُّرٍ في سَيْرها، بل تجري في منازل قد رُتِّبت لها بحسابٍ مقدَّرٍ لا يزيدُ ولا ينقصُ إلى أن يَطْوِيها فاطرُها وبديعُها. وانظر إلى كثرة كواكبها، واختلاف ألوانها ومقاديرها، فبعضُها يميل إلى الحُمْرة، وبعضُها إلى البياض، وبعضُها إلى اللون الرَّصاصيِّ. ثمَّ انظر إلى مسير الشمس في فَلَكها في مدَّة سنة، ثمَّ هي في كلِّ يومٍ تطلعُ وتغربُ بسَيرٍ سخَّرها له خالقُها، لا تتعدَّاه ولا تَقْصُرُ عنه، ولولا طلوعُها وغروبها لما عُرِفَ الليلُ والنهارُ ولا المواقيت، ولأطبقَ الظلامُ (٢) على العالم أو الضياء، ولم يتميَّز وقتُ المَعاش عن وقت السُّبات والراحة. وكيف قدَّر لها العزيزُ العليمُ سَفَرين متباعدَين: أحدهما: سفرُها صاعدةً إلى أوْجِها (٣).

стр. 666

والثاني: سفرُها هابطةً إلى حضيضها. تنتقلُ في منازل هذا السَّفر منزلةً منزلةً حتى تبلُغ غايتَها منه، فأحدَث ذلك السَّفرُ بقدرة الربِّ الخالق القادر (١) اختلافَ الفصول من الصَّيف والشتاء والخريف والربيع، فإذا انخفض سيرُها عن وسط السَّماء بَرَدَ الهواءُ وظهَر الشتاء، وإذا استوت في وسط السَّماء اشتدَّ القَيظ، وإذا كانت بين المسافتين اعتدَل الزَّمان، وقامت مصالحُ العباد (٢) والحيوان والنَّبات بهذه الفصول الأربعة، واختلفت بسببها الأقوات، وأحوالُ النبات والألوان، ومنافعُ الحيوان والأغذية وغيرها. وانظر إلى القمر وعجائب آياته؛ كيف يُبْدِيه اللهُ كالخيط الدَّقيق، ثمَّ يتزايدُ نُورُه ويتكاملُ شيئًا فشيئًا كلَّ ليلةٍ حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثمَّ يأخذُ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى؛ ليَظهَر من ذلك مواقيتُ العباد في معاشهم وعباداتهم ومناسكهم، فتميَّزت به الأشهرُ والسِّنين (٣)، وقام به حِسَابُ العالم، مع ما في ذلك من الحِكَم والآيات والعِبَر التي لا يحصيها إلا الله.

стр. 667

وبالجملة؛ فما مِنْ كوكبٍ من الكواكب إلا وللربِّ ﵎ في خلقه حِكَمٌ كثيرة، ثم في مقداره، ثم في شكله ولونه، ثم في موضعه (١) من السَّماء وقُربه من وسطها وبُعْده، وقُربه من الكوكب الذي يليه وبُعْده منه. وإذا أردتَ معرفة ذلك على سبيل الإجمال فقِسْهُ بأعضاء بدنك واختلافها، وتفاوتِ ما بين المتجاورات منها وبُعْد ما بين المتباعدات، وأشكالها ومقاديرها، وتفاوت منافعها، وما خُلِقَت له. وأيُّ نسبةٍ لذلك إلى عِظَم السَّموات وكواكبها وآياتها! وقد اتفق أربابُ الهيئة على أنَّ الشمس بقَدْر الأرض مئة مرَّةٍ ونيِّفًا وستِّين مرَّة، والكواكبُ التي نراها كثيرٌ منها أصغرُها بقَدْر الأرض، وبهذا يُعْرَفُ ارتفاعُها وبُعْدُها. وفي حديث أبي هريرة الذي رواه الترمذي (٢): «إنَّ بين الأرض والسَّماء مسيرةَ خمس مئة عام، وبين كلِّ سماءين كذلك».

стр. 668

وأنت ترى الكوكبَ كأنه واقفٌ لا يسير (١)، وهو من أوَّل (٢) جزءٍ من طلوعه إلى تمام طلوعه يكونُ فَلَكُه قد طلَع بقَدْر مسافة الأرض مئة مرَّةٍ أو أكثر، وذلك بقَدْر لحظةٍ واحدة؛ لأنَّ الكوكبَ إذا كان بقَدْر الأرض مئة مرَّةٍ ــ مثلًا ــ ثمَّ سار في اللحظة من موضعٍ إلى موضعٍ فقد قَطع بقَدْر مسافة الأرض مئة مرَّةٍ وزيادة في لحظةٍ من اللحظات. وهكذا يسيرُ على الدَّوام والعبدُ غافلٌ عنه وعن آياته. وقال بعضهم: إذا تلفَّظتَ بقولك: لا، نَعَم، فبين اللفظتين تكونُ الشمسُ قد قَطَعَت من الفَلك مسيرةَ خمس مئة عام. ثمَّ إنه سبحانه أمسك السَّموات مع عِظَمها وعِظَم ما فيها، وثبَّتها مِن غير عِلاقةٍ مِن فوقها (٣) ولا عَمَدٍ مِن تحتها، الله الذي ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. فصل (٤) والنظرُ في هذه الآيات وأمثالها نوعان: * نظرٌ إليها بالبصر الظَّاهر؛ فيرى ــ مثلًا ــ زُرقة السَّماء ونجومَها وعُلوَّها

стр. 669

وسَعَتَها؛ وهذا نظرٌ يشاركُ الإنسانَ فيه غيرُه من الحيوانات، وليس هو المقصود بالأمر. * والثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة، فتُفْتَحُ له (١) أبوابُ السَّماء، فيجولُ في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثمّ يُفْتَحُ له بابٌ بعد باب، حتى ينتهي به سيرُ القلب إلى عرش الرحمن، فينظر سَعَته وعظمته وجلاله ومَجْده ورِفْعَته، ويرى السَّموات السَّبعَ والأرضينَ السَّبعَ بالنسبة إليه كحَلْقَةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاة، ويرى الملائكةَ حافِّين من حوله، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمرُ ينزلُ مِن فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمُها إلا ربُّها ومليكُها. فينزلُ الأمرُ بإحياء قومٍ وإماتة آخرين، وإعزاز قومٍ وإذلال آخرين، وإسعاد قومٍ وشقاوة آخرين (٢)، وإنشاء مُلْكٍ وسَلْب مُلْك، وتحويل نعمةٍ من محلٍّ إلى محلٍّ، وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها؛ مِنْ جَبْر كسير، وإغناء فقير، وشفاء مريض، وتفريج كَرْب، ومغفرة ذنب، وكشف ضُرٍّ، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل، ورَدِّ آبِق، وأمان خائف، وإجارةٍ لمستجير، ومَدَدٍ لضعيف، وإغاثةٍ لملهوف، وإعانةٍ لعاجز (٣)، وانتقامٍ من ظالم، وكفٍّ لعدوان. فهي مراسيمُ دائرةٌ بين العدل والفضل، والحكمةِ والرَّحمة، تَنْفُذُ في أقطار العوالم، لا يَشْغَلُه سمعُ شيءٍ منها عن سمع غيره، ولا تُغَلِّطُه كثرةُ

стр. 670

المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها، ولا يتبرَّمُ بإلحاح المُلِحِّين، ولا تنقصُ ذرَّةٌ من خزائنه، لا إله إلا هو العزيزُ الحكيم. فحينئذٍ يقومُ القلبُ بين يدي الرحمن مُطْرِقًا لهيبته، خاشعًا لعظمته، عانٍ لعزَّته، فيسجدُ بين يدي المَلِك الحقِّ المبين سجدةً لا يرفعُ رأسَه منها إلى يوم المزيد. فهذا سَفَرُ القلب وهو في وطنه وداره ومحلِّ مُلكِه، وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صُنعِه؛ فيا له من سفَرٍ ما أبركَه وأروحَه، وأعظمَ ثمرتَه وربحَه (١)، وأجلَّ منفعتَه وأحسنَ عاقبتَه! سفرٌ هو حياةُ الأرواح، ومفتاحُ السَّعادة، وغنيمةُ العقول والألباب، لا كالسَّفر الذي هو قطعةٌ من العذاب. فصل (٢) وإذا نظرتَ إلى الأرض كيف خُلِقَت، رأيتَها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فِراشًا ومِهادًا، وذلَّلها لعباده، وجعل فيها أرزاقَهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السُّبل لينتقلوا فيها (٣) في حوائجهم وتصرُّفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتادًا تحفظُها لئلَّا تميدَ بهم (٤)، ووسَّع أكنافَها، ودحاها فمَدَّها وبَسَطها، وطحاها فوسَّعها من جوانبها،
следующие страницы →