← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والثاني: سفرُها هابطةً إلى حضيضها. تنتقلُ في منازل هذا السَّفر منزلةً منزلةً حتى تبلُغ غايتَها منه، فأحدَث ذلك السَّفرُ بقدرة الربِّ الخالق القادر (١) اختلافَ الفصول من الصَّيف والشتاء والخريف والربيع، فإذا انخفض سيرُها عن وسط السَّماء بَرَدَ الهواءُ وظهَر الشتاء، وإذا استوت في وسط السَّماء اشتدَّ القَيظ، وإذا كانت بين المسافتين اعتدَل الزَّمان، وقامت مصالحُ العباد (٢) والحيوان والنَّبات بهذه الفصول الأربعة، واختلفت بسببها الأقوات، وأحوالُ النبات والألوان، ومنافعُ الحيوان والأغذية وغيرها. وانظر إلى القمر وعجائب آياته؛ كيف يُبْدِيه اللهُ كالخيط الدَّقيق، ثمَّ يتزايدُ نُورُه ويتكاملُ شيئًا فشيئًا كلَّ ليلةٍ حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثمَّ يأخذُ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى؛ ليَظهَر من ذلك مواقيتُ العباد في معاشهم وعباداتهم ومناسكهم، فتميَّزت به الأشهرُ والسِّنين (٣)، وقام به حِسَابُ العالم، مع ما في ذلك من الحِكَم والآيات والعِبَر التي لا يحصيها إلا الله.

стр. 667

وبالجملة؛ فما مِنْ كوكبٍ من الكواكب إلا وللربِّ ﵎ في خلقه حِكَمٌ كثيرة، ثم في مقداره، ثم في شكله ولونه، ثم في موضعه (١) من السَّماء وقُربه من وسطها وبُعْده، وقُربه من الكوكب الذي يليه وبُعْده منه. وإذا أردتَ معرفة ذلك على سبيل الإجمال فقِسْهُ بأعضاء بدنك واختلافها، وتفاوتِ ما بين المتجاورات منها وبُعْد ما بين المتباعدات، وأشكالها ومقاديرها، وتفاوت منافعها، وما خُلِقَت له. وأيُّ نسبةٍ لذلك إلى عِظَم السَّموات وكواكبها وآياتها! وقد اتفق أربابُ الهيئة على أنَّ الشمس بقَدْر الأرض مئة مرَّةٍ ونيِّفًا وستِّين مرَّة، والكواكبُ التي نراها كثيرٌ منها أصغرُها بقَدْر الأرض، وبهذا يُعْرَفُ ارتفاعُها وبُعْدُها. وفي حديث أبي هريرة الذي رواه الترمذي (٢): «إنَّ بين الأرض والسَّماء مسيرةَ خمس مئة عام، وبين كلِّ سماءين كذلك».

стр. 668

وأنت ترى الكوكبَ كأنه واقفٌ لا يسير (١)، وهو من أوَّل (٢) جزءٍ من طلوعه إلى تمام طلوعه يكونُ فَلَكُه قد طلَع بقَدْر مسافة الأرض مئة مرَّةٍ أو أكثر، وذلك بقَدْر لحظةٍ واحدة؛ لأنَّ الكوكبَ إذا كان بقَدْر الأرض مئة مرَّةٍ ــ مثلًا ــ ثمَّ سار في اللحظة من موضعٍ إلى موضعٍ فقد قَطع بقَدْر مسافة الأرض مئة مرَّةٍ وزيادة في لحظةٍ من اللحظات. وهكذا يسيرُ على الدَّوام والعبدُ غافلٌ عنه وعن آياته. وقال بعضهم: إذا تلفَّظتَ بقولك: لا، نَعَم، فبين اللفظتين تكونُ الشمسُ قد قَطَعَت من الفَلك مسيرةَ خمس مئة عام. ثمَّ إنه سبحانه أمسك السَّموات مع عِظَمها وعِظَم ما فيها، وثبَّتها مِن غير عِلاقةٍ مِن فوقها (٣) ولا عَمَدٍ مِن تحتها، الله الذي ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. فصل (٤) والنظرُ في هذه الآيات وأمثالها نوعان: * نظرٌ إليها بالبصر الظَّاهر؛ فيرى ــ مثلًا ــ زُرقة السَّماء ونجومَها وعُلوَّها

стр. 669

وسَعَتَها؛ وهذا نظرٌ يشاركُ الإنسانَ فيه غيرُه من الحيوانات، وليس هو المقصود بالأمر. * والثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة، فتُفْتَحُ له (١) أبوابُ السَّماء، فيجولُ في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثمّ يُفْتَحُ له بابٌ بعد باب، حتى ينتهي به سيرُ القلب إلى عرش الرحمن، فينظر سَعَته وعظمته وجلاله ومَجْده ورِفْعَته، ويرى السَّموات السَّبعَ والأرضينَ السَّبعَ بالنسبة إليه كحَلْقَةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاة، ويرى الملائكةَ حافِّين من حوله، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمرُ ينزلُ مِن فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمُها إلا ربُّها ومليكُها. فينزلُ الأمرُ بإحياء قومٍ وإماتة آخرين، وإعزاز قومٍ وإذلال آخرين، وإسعاد قومٍ وشقاوة آخرين (٢)، وإنشاء مُلْكٍ وسَلْب مُلْك، وتحويل نعمةٍ من محلٍّ إلى محلٍّ، وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها؛ مِنْ جَبْر كسير، وإغناء فقير، وشفاء مريض، وتفريج كَرْب، ومغفرة ذنب، وكشف ضُرٍّ، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل، ورَدِّ آبِق، وأمان خائف، وإجارةٍ لمستجير، ومَدَدٍ لضعيف، وإغاثةٍ لملهوف، وإعانةٍ لعاجز (٣)، وانتقامٍ من ظالم، وكفٍّ لعدوان. فهي مراسيمُ دائرةٌ بين العدل والفضل، والحكمةِ والرَّحمة، تَنْفُذُ في أقطار العوالم، لا يَشْغَلُه سمعُ شيءٍ منها عن سمع غيره، ولا تُغَلِّطُه كثرةُ

стр. 670

المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها، ولا يتبرَّمُ بإلحاح المُلِحِّين، ولا تنقصُ ذرَّةٌ من خزائنه، لا إله إلا هو العزيزُ الحكيم. فحينئذٍ يقومُ القلبُ بين يدي الرحمن مُطْرِقًا لهيبته، خاشعًا لعظمته، عانٍ لعزَّته، فيسجدُ بين يدي المَلِك الحقِّ المبين سجدةً لا يرفعُ رأسَه منها إلى يوم المزيد. فهذا سَفَرُ القلب وهو في وطنه وداره ومحلِّ مُلكِه، وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صُنعِه؛ فيا له من سفَرٍ ما أبركَه وأروحَه، وأعظمَ ثمرتَه وربحَه (١)، وأجلَّ منفعتَه وأحسنَ عاقبتَه! سفرٌ هو حياةُ الأرواح، ومفتاحُ السَّعادة، وغنيمةُ العقول والألباب، لا كالسَّفر الذي هو قطعةٌ من العذاب. فصل (٢) وإذا نظرتَ إلى الأرض كيف خُلِقَت، رأيتَها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فِراشًا ومِهادًا، وذلَّلها لعباده، وجعل فيها أرزاقَهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السُّبل لينتقلوا فيها (٣) في حوائجهم وتصرُّفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتادًا تحفظُها لئلَّا تميدَ بهم (٤)، ووسَّع أكنافَها، ودحاها فمَدَّها وبَسَطها، وطحاها فوسَّعها من جوانبها،

стр. 671

وجعلها كِفاتًا للأحياء تضمُّهم على ظهرها ما داموا أحياءً، وكِفاتًا للأموات تضمُّهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرُها وطنٌ للأحياء وبطنُها وطنٌ للأموات. وقد أكثرَ تعالى من ذكر الأرض في كتابه، ودعا عبادَه إلى النَّظر إليها والتفكُّر في خلقها؛ فقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]، ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣]. وهذا كثيرٌ في القرآن. فانظر إليها وهي ميتةٌ هامدةٌ خاشعة (١)، فإذا أنزل عليها (٢) الماءَ اهتزَّت فتحرَّكت، ورَبَت فارتفعت، واخضرَّت وأنبتت من كلِّ زوجٍ بهيج، فأخرجت عجائبَ النَّبات في المنظر والمَخْبر، بهيج للناظرين، كريم للمتناولين، فأخرجت الأقواتَ على اختلافها وتبايُن مقاديرها وأشكالها وألوانها ومنافعها، والفواكهَ والثِّمار، وأنواعَ الأدوية، ومراعي الدَّوابِّ والطَّير. ثمَّ انظر إلى قِطَعِها المتجاورات، وكيف ينزلُ عليها ماءٌ واحدٌ فتُنبِتُ الأزواجَ المختلفةَ المتباينةَ في اللون والشَّكل والرائحة والطَّعم والمنفعة، واللِّقاحُ واحدٌ، والأمُّ واحدة؛ كما قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].

стр. 672

فكيف كانت هذه الأجنَّة المختلفةُ مُودَعةً في بطن هذه الأمِّ؟! وكيف كان حملُها من لقاحٍ واحد؟! صُنعَ الله الذي أتقنَ كلَّ شيء، لا إله إلا هو. ولولا أنَّ هذا من أعظم آياته لما نبَّه عليه عبادَه، وحدَاهم (١) إلى التفكُّر فيه؛ قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]؛ فجعَل النظر في هذه الآية وما قبلها مِنْ خَلْق الجنين دليلًا على هذه النَّتائج الخمس، مستلزمًا للعلم بها. ثمَّ انظرهُ كيف أحكمَ جوانبَ الأرض بالجبال الراسيات الشَّوامخ الصُّمِّ الصِّلاب، وكيف نَصَبَها فأحسنَ نَصْبَها، وكيف رَفَعَها وجعلها أصلبَ أجزاء الأرض؛ لئلَّا تضمَحِلَّ على تطاوُل الزمان (٢) وترادُف الأمطار والرِّياح، بل أتقنَ صُنعَها وأحكَم وضعَها، وأودعها من المنافع والمعادن والعيون ما أودعها، ثمَّ هدى النَّاسَ إلى استخراج تلك المعادن منها، وألهمَهم كيف يصنعونَ منها النُّقودَ والحُلِيَّ والزِّينةَ واللباسَ والسِّلاحَ وآلات المعاش على اختلافها، ولولا هدايتُه سبحانه لهم إلى ذلك لمَا كان لهم عِلمُ شيءٍ منه ولا قدرةٌ عليه. * * *

стр. 673

ومن آياته الباهرة: هذا الهواءُ اللطيفُ المحبوسُ بين السَّماء والأرض (١)، يُدْرَكُ بحِسِّ اللَّمس عند هُبوبه، يُدْرَكُ جسمُه (٢) ولا يُرى شخصُه، فهو يجري بين السَّماء والأرض، والطَّيرُ محلِّقةٌ فيه (٣) سابحةٌ بأجنحتها في أمواجه كما تَسْبَحُ حيواناتُ البحر في الماء، وتضطربُ جوانبُه وأمواجُه عند هَيَجانه كما تضطربُ أمواجُ البحر. فإذا شاء حرَّكه بحركة الرَّحمة، فجعَله رُخاءً ورحمةً وبُشْرًا بين يَدَي رحمته، ولاقحًا للسَّحاب يَلْقَحُه بحَمْل الماء كما يَلْقَحُ الذَّكرُ الأنثى بالحَمْل. وتسمَّى رياحُ الرَّحمة: المبشِّرات، والنُّشُر (٤)، والذَّاريات، والمرسَلات، والرُّخاء، واللَّواقِح. ورياحُ العذاب: العاصِف، والقاصِف، وهما في البحر، والعقيم، والصَّرْصَر، وهما في البرِّ (٥). وإن شاء حرَّكه بحركة العذاب، فجعَله عقيمًا، وأودَعه عذابًا أليمًا، وجعَله نِقمةً على من يشاءُ من عباده، فيجعلُه صَرْصَرًا، ونَحْسًا، وعاتيًا،

стр. 674

ومُفْسِدًا لما يمرُّ عليه. وهي مختلفةٌ في مَهابِّها، فمنها صَبًا، ودَبُورٌ، وجَنُوبٌ، وشَمال (١)، وفي منفعتها وتأثيرها= أعظمَ اختلاف؛ فريحٌ ليِّنةٌ رطبةٌ تغذِّي النَّباتَ وأبدانَ الحيوان، وأخرى تجفِّفه، وأخرى تهلكُه وتُعْطِبُه، وأخرى تَشُدُّه (٢) وتصلِّبُه، وأخرى تُوهِنُه وتضعِفُه. ولهذا يخبرُ سبحانه عن رياح الرَّحمة بصيغة الجمع؛ لاختلاف منافعها وما يحدُث منها، فريحٌ تُثِيرُ السَّحاب، وريحٌ تَلْقَحُه، وريحٌ تحملُه على متُونها، وريحٌ تغذِّي النَّبات. ولمَّا كانت الرِّيحُ مختلفةً في مَهابِّها وطبائعها جعَل لكلِّ ريحٍ ريحًا مقابِلتَها، تكسِرُ سَوْرتها (٣) وحدَّتها، وتبقي لِينَها ورحمتَها؛ فرياحُ الرَّحمة متعدِّدة. وأمَّا ريحُ العذاب، فإنه ريحٌ واحدةٌ تُرسَلُ من وجهٍ واحدٍ لإهلاك ما تُرسَلُ بإهلاكه، فلا تقومُ لها ريحٌ أخرى تقابلُها، وتكسِرُ سَوْرتها، وتدفعُ حدَّتها، بل تكونُ كالجيش العظيم الذي لا يقاومُه شيء، يدمِّرُ كلَّ ما أتى عليه. وتأمَّل حكمةَ القرآن وجلالتَه وفصاحتَه كيف اطَّرد هذا فيه في البرِّ، وأمَّا

стр. 675

في البحر فجاءت ريحُ الرَّحمة فيه بلفظ الواحد، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس: ٢٢]؛ فإنَّ السُّفُنَ إنما تسيرُ بالرِّيح الواحدة التي تأتي من وجهٍ واحد، فإذا اختلفت الرِّياحُ على السُّفُن وتقابلت لم يتمَّ سيرُها؛ فالمقصودُ منها في البحر خلافُ المقصود منها في البرِّ، إذ المقصودُ في البحر أن تكون واحدةً طيِّبةً لا يعارضها شيء؛ فأُفرِدَت هنا وجُمِعَت في البرِّ (١). ثمَّ إنه سبحانه أعطى هذا المخلوقَ اللطيفَ الذي يحرِّكه أضعفُ المخلوقات ويَخْرِقُه، من الشدَّة والقوَّة والبأس ما يُقْلِقُ (٢) به الأجسامَ الصُّلبة القويَّة الممتنعة، ويُزعِجُها عن أماكنها، ويفتِّتها، ويحملُها على مَتْنِه. فانظر إليه مع لطافته وخفَّته إذا دخل في الزِّقِّ (٣) ــ مثلًا ــ وامتلأ به، ثمَّ وُضِعَ عليه الجسمُ الثَّقيلُ ــ كالرَّجُل (٤) وغيره ــ وتحامل عليه ليَغمِسَه في الماء لم يُطِق، وتضعُ الحديدَ الصُّلبَ الثَّقيلَ على وجه الماء فيَرسُبُ فيه؛ فامتنَع هذا اللطيفُ مِنْ قهر الماء له ولم يمتنع منه القويُّ الشديد! وبهذه الحكمة أمسك الله سبحانه السُّفنَ على وجه الماء، مع ثِقَلِها وثِقَل ما تحويه، وكذلك كلُّ مجوَّفٍ حلَّ فيه الهواء فإنه لا يَرسُبُ فيه؛ لأنَّ

стр. 676

الهواء يمتنعُ من الغَوص في الماء (١)، فتتعلَّق به السَّفينةُ المشحونةُ المُوقَرة. فتأمَّل كيف استجارَ هذا الجسمُ الثَّقيلُ العظيمُ بهذا اللطيف الخفيف وتعلَّق به حتى أمِنَ من الغَرق، وهذا كالذي يَهْوِي في قَلِيبٍ فيتعلَّق بذَيل رجلٍ قويٍّ شديدٍ يمتنعُ عن السُّقوط في القَلِيب فينجو بتعلُّقه به؛ فسبحان من علَّق هذا المَرْكبَ العظيمَ الثَّقيل بهذا الهواء اللطيف مِنْ غير عِلاقةٍ ولا عُقدةٍ تشاهَد (٢). * ... * ... * ومن آياته: السَّحابُ المسخَّرُ بين السَّماء والأرض، كيف يُنشِئُه سبحانه (٣) بالرِّياح، فتُثِيرُه كِسَفًا، ثمَّ يؤلِّفُ بينه ويَضمُّ بعضه إلى بعض، ثمَّ تَلْقَحُه الرِّيحُ ــ وهي التي سمَّاها سبحانه: لواقح ــ، ثمَّ يسوقُه على مُتونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها أهراقَ ماءه عليها، فيرسلُ سبحانه عليه الرِّيحَ وهو في الجوِّ فتَذْرُوه وتفرِّقُه؛ لئلَّا يؤذيَ ويهدِم ما ينزلُ عليه بجملته، حتى إذا رَوِيَت وأخذَت حاجتَها منه أقلَع عنها وفارقها؛ فهي رَوايا الأرض محمولةٌ على ظهور الرِّياح. وفي «التِّرمذي» (٤) وغيره أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا رأى السَّحابَ قال: «هذه روايا الأرض، يسوقُها الله إلى قومٍ لا يشكرونه ولا يَذْكرونه».

стр. 677

فالسَّحابُ حاملُ رِزق العباد وغيرهم التي عليها مِيرتُهم (١). وكان الحسنُ إذا رأى السَّحابَ قال: «في هذا ــ والله ــ رِزقكم، ولكنكم تُحْرَمُونه بخطاياكم وذنوبكم» (٢). وفي «الصَّحيح» (٣) عن النبي ﷺ قال: «بينا رجلٌ بفلاةٍ من الأرض إذ سَمِعَ صوتًا في سحابة: اسقِ حديقةَ فلان، فمرَّ الرَّجلُ مع السَّحابة حتى أتت على حديقة، فلمَّا توسَّطتها أفرغَت فيها ماءها، فإذا برجلٍ معه مِسحاةٌ يَسْحِي الماءَ بها، فقال: ما اسمُك يا عبد الله؟ قال: فلان، للاسم الذي سَمِعهُ في السحابة ... ». وبالجملة؛ فإذا تأمَّلتَ السَّحابَ الكثيفَ المُظلِم (٤)، كيف تراهُ يجتمعُ في جوٍّ صافٍ لا كُدورة فيه، وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء، وهو مع لِينه ورخاوته حاملٌ للماء الثَّقيل بين السَّماء والأرض، إلى أن يأذنَ له ربُّه وخالقُه في إرسال ما معه من الماء، فيرسلُه ويُنْزِلُه منه مقطَّعًا بالقَطَرات، كلُّ قطرةٍ بقَدْرٍ مخصوصٍ اقتضته حكمتُه ورحمتُه، فيرشُّ السَّحابُ الماءَ على الأرض رشًّا، ويرسلُه قَطَراتٍ مفصَّلة، لا تختلطُ قطرةٌ منها بأخرى، ولا يتقدَّم متأخِّرُها، ولا يتأخَّر متقدِّمها، ولا تُدْرِكُ القطرةُ صاحبتَها فتمتزجُ بها (٥)، بل تنزلُ كلُّ واحدةٍ في الطَّريق الذي رُسِمَ لها لا تَعْدِلُ عنه، حتى

стр. 678

تصيبَ الأرض قطرةً قطرة، قد عُيِّنت كلُّ قطرةٍ منها لجزءٍ من الأرض لا تتعدَّاه إلى غيره، فلو اجتمع الخلقُ كلُّهم على أن يخلقوا منها قطرةً واحدةً أو يحصُوا عدد القَطر في لحظةٍ واحدةٍ لعجزُوا عنه. فتأمَّل كيف يَسُوقُه سبحانه رزقًا للعباد والدَّوابِّ والطَّير والذَّرِّ والنَّمل، يَسُوقُه رزقًا للحيوان الفُلانيِّ في الأرض الفُلانيَّة بجانب الجبل الفُلانيِّ، فيَصِلُ إليه على شدَّةٍ من الحاجة والعطش في وقت كذا وكذا. ثمَّ كيف أودَعه في الأرض (١)، ثمَّ أخرجَ به أنواعَ الأغذية والأدوية والأقوات، فهذا النَّباتُ يغذِّي، وهذا يُصْلِحُ الغذاء، وهذا يُنْفِذُه، وهذا يُقَوِّي (٢)، وهذا يُضعِف، وهذا سُمٌّ قاتل، وهذا شفاءٌ من السمِّ، وهذا يُمْرِض، وهذا دواءٌ من المرض، وهذا يبرِّد، وهذا يسخِّن، وهذا إذا حصَل في المعدة قمَع الصَّفراءَ من أعماق العُروق، وهذا إذا حصَل فيها ولَّدَ الصَّفراءَ واستحال إليها، وهذا يَدْفَعُ البلغمَ والسَّوداء، وهذا يستحيلُ إليهما، وهذا يهيِّجُ الدَّم، وهذا يسكِّنه، وهذا ينوِّمُ، وهذا يمنعُ النَّوم، وهذا يُفْرِحُ، وهذا يجلِبُ الغمَّ، إلى غير ذلك من عجائب النَّبات التي لا تكادُ تخلو ورقةٌ منه ولا عِرقٌ ولا ثمرةٌ من منافع تعجزُ عقولُ البشر عن الإحاطة بها وتفصيلها. وانظر إلى مجاري الماء في تلك العروق الدَّقيقة (٣) الضَّئيلة الضعيفة التي لا يكادُ البصرُ يُدْرِكُها إلا بعد تحديقه، كيف يَقْوَى على قَسْرِه وعلى

стр. 679

اجتذابه من مقرِّه ومركزه إلى فوق، ثمَّ ينصرفُ في تلك المجاري بحسب قبولها وسَعَتها وضيقها، ثمَّ تتفرَّقُ وتتشعَّبُ وتَدِقُّ إلى غايةٍ لا ينالها البصر. ثمَّ انظر إلى تكوُّن حَمْل الشجر ونُقْلَتِه (١) من حالٍ إلى حال، كتنقُّل أحوال الجنين المغيَّب عن الأبصار، ترى العجبَ العُجاب؛ فتبارك الله ربُّ العالمين وأحسنُ الخالقين. بَيْنا تراها حَطبًا قائمًا عاريًا لا كسوة عليها، إذ كساها ربُّها وخالقُها من الزَّهْر أحسنَ كسوة، ثمَّ سَلَبَها تلك الكسوةَ وكساها من الوَرَق كسوةً هي أثبتُ من الأولى، ثمَّ أطلَع فيها حَمْلَها ضعيفًا ضئيلًا، بعد أن أخرَج ورقَها صيانةً وثوبًا لتلك الثَّمرة الضعيفة، تستَجِنُّ به (٢) من الحرِّ والبرد والآفات، ثمَّ ساق إلى تلك الثِّمار رزقَها، وغذَّاها في تلك العُروق والمجاري، فتغذَّت به كما يتغذَّى الطفلُ بلبان أمِّه، ثمَّ ربَّاها ونمَّاها شيئًا فشيئًا حتى استوت وكَمُلَت وتناهى إدراكُها، فأخرَج ذلك الجَنى اللذيذَ الليِّن من تلك الحطَبة الصَّمَّاء. هذا، وكم لله من آيةٍ في كلِّ ما يقعُ الحسُّ عليه ويبصرُه العبادُ وما لا يبصرُونه (٣)، تفنى الأعمارُ دون الإحاطة بها وبجميع تفاصيلها. فصل ومن آياته : الليلُ والنَّهار، وهما من أعجب آياته وبدائع

стр. 680

مصنوعاته، ولهذا يعيدُ ذِكرَهما في القرآن ويُبْدِيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]، وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وقوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر: ٦١]. وهذا كثيرٌ في القرآن. فانظر إلى هاتين الآيتين وما تضمَّنتاه من العبرة والدَّلالة (١) على ربوبيَّة الله وحكمته: كيف جعَل الليلَ سَكَنًا ولباسًا يغشى العالمَ فتسكُن فيه الحركات، وتأوي الحيواناتُ إلى بيوتها، والطَّيرُ إلى أوكارها، وتستَجِمُّ فيه النُّفوسُ وتستريحُ من كدِّ السَّعي والتَّعب. حتى إذا أخذتْ منه النُّفوسُ راحتَها وسُباتها، وتطلَّعت إلى معايشها وتصرُّفها، جاء فالقُ الإصباح بالنَّهار يَقْدُمُ جيشَه بشيرُ الصَّباح، فهزَم تلك الظُّلمةَ ومزَّقها كلَّ ممزَّق، وأزالها وكشَفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشرَ الحيوانُ وتصرَّف في معاشه ومصالحه وخرجت الطُّيورُ من أوكارها. فيا له من مَعادٍ ونشأةٍ دالٍّ على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر، وتكرُّره ودوامُ (٢) مشاهدة النُّفوس له بحيثُ صار عادةً ومَألفًا منَعها عن

стр. 681

الاعتبار به والاستدلال على النَّشأة الثَّانية وإحياء الخلق بعد موتهم، ولا ضعفَ في قدرة القادر التَّامِّ القدرة، ولا قصورَ في حكمته ولا في علمه يوجبُ تخلُّفَ ذلك، ولكنَّ الله يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء. وهذا أيضًا من آياته الباهرة: أن يَعمى عن هذه الآيات الواضحات البيِّنات من شاء من خلقه، فلا يهتدي بها ولا يبصرُها، كمن هو واقفٌ في الماء إلى حلقه وهو يستغيثُ العَطش، وينكرُ وجودَ الماء! وبهذا وأمثاله يُعْرَفُ اللهُ ويُشْكَرُ ويُحْمَد، ويُتَضرَّعُ إليه ويُسأل. فصل (١) ومن آياته وعجائب مصنوعاته: البحارُ المكتنِفةُ لأقطار الأرض، التي هي خُلْجَانٌ من البحر الأعظم المحيط (٢) بجميع الأرض، حتى إنَّ المكشوفَ من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرةٍ صغيرةٍ في بحرٍ عظيم، وبقيَّةُ الأرض مغمورةٌ بالماء. ولولا إمساكُ الرَّبِّ ﵎ له بقدرته ومشيئته وحبسُه الماءَ لطَفَحَ على الأرض وعَلاها كلَّها. هذا طبعُ الماء. ولهذا حار عقلاءُ الطَّبائعيِّين في سبب بروز هذا الجزء من الأرض، مع اقتضاء طبيعة الماء (٣) للعلوِّ عليه وأن يَغْمُرَه، ولم يجدوا ما يُحِيلون عليه ذلك إلا الاعترافَ بالعناية الأزليَّة والحكمة الإلهيَّة التي اقتضت ذلك ليعيش

стр. 682

الحيوانُ الأرضيُّ في الأرض. وهذا حقٌّ، ولكنَّه يوجبُ الاعترافَ بقدرة الله وإرادته ومشيئته، وعلمه وحكمته، وصفات كماله. ولا محيصَ عنه. وفي «مسند الإمام أحمد» (١) عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «ما مِن يومٍ إلا والبحرُ يستأذنُ ربَّه أن يُغْرِق بني آدم». وهذا أحدُ الأقوال في قوله : ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]: أنه المحبوس. حكاه ابنُ عطيَّة (٢) وغيرُه. قالوا: «ومنه: ساجورُ الكلب؛ وهي القلادةُ من عودٍ أو حديدٍ التي تمسِكُه. ولذلك (٣) لولا أنَّ الله سبحانه يحبسُ البحرَ ويمسِكُه لفاض على الأرض»؛ فالأرض في البحر كبيتٍ في جملة الأرض. وإذا تأمَّلتَ عجائبَ البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف أجناسها، وأشكالها، ومقاديرها، ومنافعها ومضارِّها، وألوانها، حتى إنَّ فيها حيوانًا أمثال الجبال لا يقومُ له شيء (٤)، حتى إنَّ فيه من الحيوانات ما يُرى

стр. 683

ظهورُها فيُظنُّ أنها جزيرة، فينزلُ الرُّكَّابُ عليها، فتُحِسُّ بالنَّار إذا أُوقِدَت، فتتحرَّك، فيُعْلَمُ أنه حيوان (١). وما من صنفٍ من أصنافِ حيوان البرِّ إلا وفي البحر أمثالُه، حتى الإنسانُ والفَرسُ والبقرُ (٢) وأضعافُها (٣)، وفيه أجناسٌ لا يُعْهَدُ لها نظيرٌ في البرِّ أصلًا (٤). هذا مع ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان؛ فترى اللؤلؤةَ كيف أُودِعَت في كِنٍّ كالبيت لها (٥) ــ وهي الصَّدَفة ــ تَكُنُّها وتحفظها، ومنه: «اللؤلؤ المكنون»، وهو الذي في صَدَفِه لم تمسَّه الأيدي. وتأمَّل كيف نبتَ المرجانُ في قَعْرِه في الصَّخرة الصمَّاء تحت الماء على هيئة الشجر. هذا مع ما فيه من العَنبر وأصناف النَّفائس التي يقذفُها البحرُ وتُستخرَجُ منه. ثمَّ انظر إلى عجائب السُّفن وسَيْرها في البحر، تَشُقُّه وتَمْخَرُه بلا قائدٍ يقودُها ولا سائقٍ يسوقُها، وإنما قائدُها وسائقُها الرِّياحُ التي يسخِّرها الله لإجرائها، فإذا حُبِسَ عنها القائدُ والسَّائقُ ظلَّت راكدةً على وجه الماء.

стр. 684

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٢ - ٣٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤]. فما أعظمَها من آيةٍ وأبينَها من دلالة! ولهذا يكرِّرُ سبحانه ذِكرَها في كتابه كثيرًا. وبالجملة؛ فعجائبُ البحر وآياتُه أعظمُ وأكثرُ من أن يحصيها إلا الله سبحانه؛ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢]. فصل ومن آياته سبحانه: خلقُ الحيوان على اختلاف أصنافه وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودَعة فيه؛ فمنه الماشي على بطنه، ومنه الماشي على رجليه، ومنه الماشي على أربَع، ومنه ما جُعِل سلاحُه في رجليه ــ وهو ذو المخالب ــ، ومنه ما سلاحُه (١) المناقير، كالنَّسر والرَّخَم والغُراب، ومنه ما سلاحُه الأسنان، ومنه ما سلاحُه الصَّياصي ــ وهي القُرون ــ يُدافِعُ بها عن نفسه من يرومُ أخذَه، ومنها ما أُعطِي قوَّةً (٢) يَدْفَعُ بها عن نفسه لم يحتَج

стр. 685

إلى سلاح، كالأسد؛ فإنَّ سلاحَه قوَّتُه، ومنه ما سلاحُه في ذَرْقِه (١)، وهو نوعٌ من الطَّير إذا دنا منه من يريدُ أخذَه ذَرَقَ عليه فأهلكَه. * ... * ... * ونحن نذكُر هنا فصولًا منثورةً من هذا الباب مختصرة، وإن تضمَّنت بعض التكرار، وإن كانت غيرَ مرتَّبة، فلا ضيرَ بالتكرار وتركِ التَّرتيب في هذا المقام الذي هو من أهمِّ فصول الكتاب، بل هو لُبُّ هذا القسم الأوَّل (٢). ولهذا يكرِّرُ (٣) في القرآن ذِكرَ آياته، ويُعِيدُها ويُبْدِيها ويأمرُ عبادَه بالنَّظر فيها مرَّةً بعد أخرى؛ فهو من أجلِّ مقاصد القرآن. قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]، وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥].

стр. 686

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٥ ــ ٩٩]. فأمَر سبحانه بالنَّظر إليه وقتَ خروجه وإثماره ووقتَ نُضجه وإدراكه، يقال: «أينعَت الثمارُ» إذا نَضِجَت وطابت؛ لأنَّ في خروجه من بين الحطب والوَرَق آيةً باهرةً وقدرةً بالغة، ثمَّ في خروجه من حَدِّ العُفوصَة (١) واليُبوسة والمرارة والحموضة إلى ذلك اللون المُشْرِق النَّاصع (٢) والطَّعم الحلو اللذيذ الشهيِّ لآياتٌ لقومٍ يؤمنون. وقال بعض السَّلف: حقٌّ على النَّاس أن يخرجوا وقتَ إدراك الثِّمار ويَنْعِها، فينظروا إليها. ثمَّ تلا: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ (٣). ولو أردنا أن نستوعِبَ ما في آيات الله المشهودة (٤) من العجائب

стр. 687

والدَّلالات الشاهدة لله بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي ليس كمثله شيء، وأنه الذي لا أعظمَ منه ولا أكمَل، ولا أبرَّ ولا ألطف= لعَجَزنا نحن والأوَّلون والآخرون عن معرفة أدنى عُشْرِ معشارِ ذلك، ولكنَّ ما لا يُدْرَكُ جميعُه لا ينبغي تركُه البتَّة والتنبيه (١) على بعض ما يُستَدلُّ به على ذلك. وهذا حين الشُّروع في الفصول (٢): فصل (٣) تأمَّل العِبرة في وَضع (٤) هذا العالَم، وتأليف أجزائه، ونَظْمِها على أحسن نظامٍ وأدلِّه على كمال قدرة خالقه، وكمال علمه، وكمال حكمته، وكمال لُطفه. فإنَّك إذا تأمَّلتَ العالم وجدتَه كالبيت المبنيِّ المُعَدِّ فيه جميعُ آلاته ومصالحه وكلُّ ما يحتاجُ إليه؛ فالسَّماءُ سقفُه المرفوعُ عليه، والأرض مِهادٌ وبساطٌ وفِراشٌ ومستقَرٌّ للسَّاكن، والشمسُ والقمرُ سراجان يُزْهِران فيه، والنُّجومُ مصابيحُ له وزينةٌ وأدلَّةٌ للمتنقِّل (٥) في طرق هذه الدَّار، والجواهرُ

стр. 688

والمعادنُ مخزونةٌ فيه كالذخائر والحواصِل (١) المُعَدَّة المهيَّأة كلُّ شيءٍ منها لشأنه الذي يصلُح له (٢)، وضروبُ النَّبات مهيَّأةٌ لمآربه، وصنوفُ الحيوان مصرَّفةٌ (٣) في مصالحه؛ فمنها الرَّكُوب، ومنها الحَلُوب، ومنها الغذاء، ومنها الدَّواءُ (٤)، ومنها اللباسُ والأمتعةُ والآلات (٥)، ومنها الحرَسُ الذي وُكِّل بحَرْسِ الإنسان؛ يحرُسه وهو نائمٌ وقاعدٌ مما هو مستعدٌّ لإهلاكه وأذاه، فلولا ما سُلِّط عليه من ضدِّه لم يستقرَّ للإنسان قرارٌ بينهم، وجعَل الإنسانَ كالملِك المخوَّل في ذلك المحكَّم فيه، المتصرِّف بفعله وأمره. ففي هذا أعظمُ دلالةٍ وأوضحُها على أنَّ العالم مخلوقٌ لخالقٍ حكيمٍ قديرٍ عليم، قدَّره أحسنَ تقدير، ونظَّمه أحسنَ نظام، وأنَّ الخالقَ له يستحيلُ أن يكون اثنين، بل إلهٌ واحد، لا إله إلا هو، تعالى عمَّا يقولُ الظَّالمون والجاحدون عُلوًّا كبيرًا، وأنه لو كان في السَّموات والأرض إلهٌ غيرُ الله لفسَد أمرُهما، واختلَّ نظامُهما، وتعطَّلت مصالحهما. وإذا كان البدنُ يستحيلُ أن يكون المدبِّرَ له رُوحان متكافئان متساويان, ولو كان كذلك لفسَد وهلَك، مع إمكان أن يكونا تحت قَهْرِ ثالث؛ فكيف يمكنُ أن يكون المدبِّر لهذا العالم العُلويِّ والسُّفليِّ إلهين متكافئين متساويين ليسا تحت قَهْرِ ثالث (٦)؟!

стр. 689

هذا من المُحال في أوائل العقول وبَدائه الفِطر، فـ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢]. فهذان بُرهانان يعجَزُ الأوَّلون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدحٍ صحيحٍ أو يأتوا بأحسنَ منهما، ولا يَعترِضُ عليهما إلا من لم يفهَم المرادَ منهما، ولولا خشيةُ الإطالة لذكرنا تقريرَهما (١) وبيانَ ما تضمَّناه من السرِّ العجيب والبرهان الباهر (٢)، وسنفردُ ــ إن شاء الله ــ كتابًا مستقلًا لأدلَّة التَّوحيد (٣).

стр. 690

فصل (١) تأمَّل خلقَ السَّماء ، وارجِع البصرَ فيها كرَّةً بعد كرَّة، كيف تراها من أعظم الآيات في عُلوِّها وارتفاعها وسَعَتها وقرارها، بحيث لا تَصْعَدُ عُلوًّا كالنَّار، ولا تهبطُ نازلةً كالأجسام الثَّقيلة، ولا عَمَدَ تحتها ولا عِلاقةَ فوقها، بل هي ممسوكةٌ (٢) بقدرة الله الذي يُمْسِكُ السَّمواتِ والأرض أن تزولا. ثمَّ تأمَّل استواءها واعتدالها، فلا صَدْعَ فيها، ولا فَطْرَ ولا شَقَّ، ولا أمْتَ ولا عِوَج. ثمَّ تأمَّل ما وُضِعَت عليه من هذا اللَّون الذي هو أحسنُ الألوان وأشدُّها موافقةً للبصر وتقويةً له؛ حتى إنَّ من أصابه شيءٌ أضرَّ ببصره يؤمرُ بإدمان النَّظر إلى الخُضرة وما قَرُبَ منها إلى السَّواد، وقال الأطبَّاء: إنَّ من كَلَّ بصرُه فإنَّه من دوائه أن يُديمَ الاطِّلاع إلى إجَّانةٍ (٣) خضراءَ مملوءةٍ ماءً (٤). فتأمَّل كيف جعَل أديمَ السَّماء بهذا اللون ليُمْسِكَ الأبصارَ المتقلِّبة فيه (٥) ولا يَنكَأ فيها (٦) بطول مباشرتها له.

стр. 691

هذا بعض فوائد هذا اللون، والحكمةُ فيه أضعافُ ذلك. فصل (١) ثمَّ تأمَّل حالَ الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لإقامة دولتَيْ الليل والنَّهار، ولولا طلوعُهما لبطَل أمرُ العالم، وكيف كان النَّاسُ يسعَون في معايشهم (٢)، ويتصرَّفون في أمورهم، والدُّنيا مظلمةٌ عليهم؟! وكيف كانوا يتهنَّون (٣) بالعَيش مع فقد النُّور؟! ثمَّ تأمَّل الحكمة في غروبها؛ فإنه لولا غروبها لم يكن للنَّاس هدوءٌ ولا قرار، مع فرطِ الحاجة إلى السُّبات، وجموم الحواسِّ (٤)، وانبعاث القُوى الباطنة وظهور سلطانها في النَّوم المُعِين (٥) على هضم الطَّعام (٦) وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء. ثمَّ لولا الغروبُ لكانت الأرض تَحْمى بدوام شروق الشمس واتصال طلوعها، حتى يحترق كلُّ ما عليها من حيوانٍ ونبات. فصارت تطلعُ وقتًا، بمنزلة السِّراج يُرْفَعُ لأهل البيت ليقضوا حوائجَهم،

стр. 692

ثمَّ تغيبُ (١) عنهم مثلَ ذلك ليَقِرُّوا ويهدؤوا، وصار ضياءُ النَّهار مع ظلام الليل، وحرُّ هذا مع بَرد هذا، مع تضادِّهما، متعاونَين (٢) متظاهِرَين، بهما تمامُ مصالح العالَم. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبَّه عبادَه عليه بقوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٢]. وخصَّ سبحانه النَّهارَ بذكر البصر؛ لأنه محلُّه، وفيه سلطانُ البصر وتصرُّفُه. وخصَّ الليلَ بذكر السَّمع لأنَّ سلطانَ السَّمع يكونُ بالليل، وتُسْمَعُ (٣) فيه الحيواناتُ ما لا تُسْمَعُ (٤) في النَّهار؛ لأنه وقتُ هدوء الأصوات، وخمود الحركات، وقوَّة سلطان السمع، وضعف سلطان البصر. والنَّهارُ بالعكس؛ فيه قوَّة سلطان البصر، وضعفُ سلطان السمع. فقولُه: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ راجعٌ إلى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ﴾ به، وقوله: ﴿أَفَلَا

стр. 693

تُبْصِرُونَ﴾ راجعٌ إلى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١ - ٦٢]، فذكر تعالى خلقَ الليل والنَّهار، وأنهما خِلْفَة، أي: يَخْلُفُ أحدُهما الآخرَ لا يجتمعُ معه، ولو اجتمع معه لفاتت المصلحةُ بتعاقُبهما واختلافهما. وهذا هو المرادُ باختلاف الليل والنَّهار؛ كونُ كلِّ واحدٍ منهما يخلُف الآخرَ لا يجامعُه ولا يحايِثُه (١)، بل يغشى أحدُهما صاحبَه فيطلُبه حثيثًا حتى يزيلَه عن سلطانه، ثمَّ يجيء الآخرُ عَقِيبَه فيطلُبه حثيثًا حتى يهزمه ويزيله عن سلطانه، فهما يتطالبان ولا يُدرِكُ أحدُهما صاحبَه. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل بعد ذلك أحوالَ هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة هذه الأزمنة والفصول (٣)، وما فيها من المصالح والحِكَم؛ إذ لو كان الزَّمانُ كلُّه فصلًا واحدًا لفاتت مصالحُ (٤) الفصول الباقية فيه؛ فلو كان صيفًا كلُّه

стр. 694

لفاتت مصالحُ الشتاء، ولو كان شتاءً لفاتت منافعُ الصَّيف، وكذلك لو كان ربيعًا كلُّه، أو خريفًا كلُّه. ففي الشتاء تغُورُ الحرارةُ في الأجواف وبُطون الأرض والجبال (١)؛ فتتولَّدُ موادُّ الثِّمار وغيرُها، وتَبْرُد الظَّواهرُ ويَسْتكثِفُ الهواءُ فيه؛ فيحصلُ السَّحابُ والمطرُ والثَّلجُ والبَرَدُ الذي به حياةُ الأرض وأهلها، واشتدادُ أبدان الحيوان وقوَّتها، وتَزايُد القُوى الطَّبيعيَّة، واستخلافُ ما حلَّله حرارةُ الصَّيف من الأبدان. وفي الرَّبيع تتحرَّكُ الطَّبائع، وتَظهرُ الموادُّ المتولِّدةُ في الشتاء؛ فيظهرُ النَّبات، ويَتنوَّرُ (٢) الشَّجرُ بالزَّهر، ويتحرَّكُ الحيوانُ للتَّناسُل. وفي الصَّيف يحتدمُ (٣) الهواءُ ويسخُن جدًّا؛ فتنضجُ الثِّمار، وتَنْحَلُّ (٤) فضلاتُ الأبدان والأخلاطُ التي انعقَدت في الشتاء، وتغُورُ البرودةُ وتهربُ إلى الأجواف؛ ولهذا تبرُد العيونُ والآبار، ولا تهضِمُ المعدةُ الطَّعامَ التي كانت تهضمُه في الشتاء من الأطعمة الغليظة (٥)؛ لأنها كانت تهضمُها بالحرارة التي سكنَت في البطون، فلمَّا جاء الصَّيفُ خرجت الحرارةُ إلى ظاهر الجسد، وغارَت البرودةُ فيه. فإذا جاء الخريفُ اعتدل الزَّمان، وصفا الهواءُ وبَرَد؛ فانكسَر ذلك

стр. 695

السَّموم (١)، وجعله الله بحكمته برزخًا بين سَموم الصَّيف وبَرْد الشتاء؛ لئلَّا ينتقل الحيوانُ وَهْلةً واحدةً من الحرِّ الشديد إلى البرد الشديد فيَجِدُ أذاه ويعظُم ضررُه (٢)، فإذا انتَقل إليه بتدريجٍ وترتيبٍ لم يصعُب عليه، فإنه عند كلِّ جزءٍ يستعدُّ لقبول ما هو أشدُّ منه، حتى تأتي جمهرةُ البرد (٣) بعد استعدادٍ وقبول. حكمةً بالغةً وآيةً باهرة. وكذلك الرَّبيعُ برزخٌ بين الشتاء والصَّيف، ينتقلُ فيه الحيوانُ من برد هذا إلى حرِّ هذا بتدريجٍ وترتيب. فتبارك الله ربُّ العالمين، وأحسنُ الخالقين. فصل (٤) ثمَّ تأمَّل حال الشمس والقمر وما أُودِعاه من النُّور والإضاءة، وكيف جعَل لهما بروجًا ومنازلَ يَنزِلانها مرحلةً بعد مرحلة؛ لإقامة دَولة السَّنة وتمام مصالح حساب العالَم الذي لا غِنى لهم في مصالحهم عنه؛ فبذلك يُعْلَمُ حسابُ الأعمار والآجال المؤجَّلة للدُّيون والإجارات والمعاملات والعِدَد وغير ذلك، فلولا حلولُ الشمس والقمر في تلك المنازل وتنقُّلهما فيها منزلةً بعد منزلةٍ لم يُعْلَم شيءٌ من ذلك. وقد نبَّه الله تعالى على هذا في غير موضعٍ من كتابه، كقوله (٥): ﴿هُوَ

стр. 696

الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]. فصل (١) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في طلوع الشمس على العالم ، كيف قدَّره العزيزُ العليمُ سبحانه؛ فإنها لو كانت تطلُع في موضعٍ من السَّماء فتَقِفُ فيه ولا تَعْدُوه لما وَصَل شعاعُها إلى كثيرٍ من الجهات؛ لأنَّ ظِلَّ أحد جوانب كُرة الأرض يحجُبها عن الجانب الآخر (٢)، فكان يكونُ الليلُ دائمًا سَرْمدًا على من لم تطلُع عليهم، والنَّهارُ دائمًا سَرْمدًا على من هي طالعةٌ عليهم، فيفسُد هؤلاء وهؤلاء. فاقتضت الحكمةُ الإلهيَّةُ والعنايةُ الربَّانيَّةُ أن قدَّر طلوعَها من أوَّل النَّهار من المشرق، فتُشْرِقُ على ما قابَلها (٣) من الأفق الغربيِّ، ثمَّ لا تزالُ تدورُ وتغشى جهةً بعد جهةٍ حتى تنتهي إلى المغرب، فتُشْرِق على ما استَتر عنها في أوَّل النَّهار، فيختلف عندهم الليلُ والنَّهار، فتنتظم مصالحهم.

стр. 697

فصل (١) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في مقادير الليل والنَّهار تَجِدْها على غاية المصلحة والحكمة، وأنَّ مقدار اليوم والليلة لو زاد على ما قُدِّرَ عليه أو نَقَصَ لفاتت المصلحةُ واختلَّت الحكمةُ بذلك، بل جُعِل مِكيالهما أربعةً وعشرين ساعة، وجُعِلا يتقارضان الزيادة والنُّقصان بينهما، فما يزيدُ في أحدهما من الآخر يعودُ الآخرُ (٢) فيستردُّه منه. قال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣، الحديد: ٦]، وفيه قولان (٣): أحدهما: أنَّ المعنى: يُدْخِلُ ظُلمةَ هذا في مكان ضياء ذاك، وضياءَ هذا في مكان ظُلمة الآخر، فيُدْخِلُ كلَّ واحدٍ منهما في موضع صاحبه. وعلى هذا، فهي عامَّةٌ في كلِّ ليلٍ ونهار. والقول الثَّاني: أنه يزيدُ في أحدهما ما ينقُصُه من الآخر، فما نقَصَ منه يَلِجُ في الآخر لا يَذهبُ جملة. وعلى هذا، فالآيةُ خاصَّةٌ ببعض ساعات كلٍّ من الليل والنَّهار في غير زمن الاعتدال؛ فهي خاصَّةٌ في الزَّمان وفي مقدار ما يَلِجُ في أحدهما من الآخر، وهو في الأقاليم المعتدلة غاية (٤) ما تنتهي إليه الزيادة خمسَ عشرة

стр. 698

ساعة، فيصيرُ الآخرُ تسعَ ساعات، فإذا زاد على ذلك انحرفَ ذلك الإقليمُ في الحرارة أو البرودة إلى أن ينتهي إلى حدٍّ لا يسكنُه الإنسانُ ولا يتكوَّنُ (١) فيه النَّباتُ. وكلُّ موضعٍ لا تقعُ عليه الشمسُ لا يعيشُ فيه حيوانٌ ولا نبات (٢)؛ لفَرْطِ بردِه ويُبْسِه، وكلُّ موضعٍ لا تفارقُه كذلك؛ لفَرْط حرِّه ويُبْسِه. والمواضعُ التي يعيشُ فيها الحيوانُ والنَّباتُ هي التي تطلُعُ عليها الشمسُ وتغيب، وأعدلها المواضعُ التي تتعاقبُ عليها الفصولُ الأربعة، ويكونُ فيها اعتدالان: خريفيٌّ وربيعيٌّ. فصل (٣) ثمَّ تأمَّل إنارةَ القمر والكواكب في ظُلمة الليل، والحكمة في ذلك؛ فإنَّ الله تعالى (٤) اقتضت حكمتُه خلقَ الظُّلمة لهدوء الحيوان وبَرْدِ الهواء على الأبدان والنَّبات، فتُعادِلُ حرارةَ الشمس، فيقومُ النَّباتُ والحيوان. فلمَّا كان ذلك مقتضى حكمته شابَ الليلَ بشيءٍ من الأنوار، ولم يجعله ظُلمةً داجيةً حِنْدِسًا (٥) لا ضوء فيه أصلًا، فكان لا يتمكَّنُ الحيوانُ فيه من شيءٍ من الحركة ولا الأعمال.

стр. 699

ولمَّا كان الحيوانُ قد يحتاجُ في الليل إلى حركةٍ وسيرٍ وعملٍ (١) لا يتهيَّأ له بالنَّهار؛ لضيق النَّهار، أو لشدَّة الحرِّ، أو لخوفه بالنَّهار؛ كحال كثيرٍ من الحيوانات= جعَل في الليل من أضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتَّى فيه معه أعمالٌ كثيرة؛ كالسَّفر والحرث وغير ذلك من أعمال أهل الحُروث والزُّروع. فجعَل ضوءَ القمر بالليل معونةً للحيوان على هذه الحركات، وجعَل طلوعَه في بعض الليل دون بعضٍ مع نقص ضوئه عن ضوء الشمس لئلَّا يستويَ الليلُ والنَّهار، فتفوتَ حكمةُ الاختلاف بينهما والتَّفاوت الذي قدَّره العزيزُ العليم. فتأمَّل الحكمةَ البالغةَ والتَّقديرَ العجيبَ الذي اقتضى أن أعان الحيوانَ على دولة الظَّلام بجُندٍ من النُّور يستعينُ به على هذه الدَّولة المظلمة، ولم يجعل الدَّولةَ كلَّها ظُلمةً صِرفًا بل ظُلمةً مشُوبةً بنور؛ رحمةً منه وإحسانًا. فسبحان من أتقن ما صنَع، وأحسن كلَّ شيءٍ خَلَقه. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل حكمتَه ﵎ في هذه النُّجوم، وكثرتها، وعجيب خَلقِها، وأنها زينةٌ للسَّماء، وأدلَّةٌ يهتدى بها في طرق البرِّ والبحر، وما جعَل فيها من الضوء والنُّور بحيثُ يمكنُنا رؤيتُها مع البُعد المُفرِط، ولولا ذلك لم يحصُل (٣) لنا بها الاهتداءُ والدَّلالةُ ومعرفةُ المواقيت.

стр. 700

ثمَّ تأمَّل تسخيرَها منقادةً بأمر ربها ﵎، جاريةً على سَنَنٍ واحدٍ اقتضتهُ حكمتُه وعلمُه، لا تخرُج عنه؛ فجعَل منها البروجَ والمنازل، والثَّوابتَ والسيَّارة، والكبارَ والصِّغارَ والمتوسِّط، والأبيض الأزهرَ والأبيض الأحمر، ومنها ما يخفى على النَّاظر فلا يدركه. وجعَل منطقةَ البروج قسمين: مرتفعةً ومنخفضة، وقدَّر سيرَها تقديرًا واحدًا، ونزَّل الشمسَ والقمرَ والسيَّارات منها منازلها؛ فمنها ما يقطعُها في شهرٍ واحدٍ ــ وهو القمر ــ، ومنها ما يقطعُها في عام (١)، ومنها ما يقطعُها في عدَّة أعوام، كلُّ ذلك مُوجَبُ الحكمة والعناية. وجعَل ذلك أسبابًا لِمَا يُحْدِثُه سبحانه في هذا العالم، فيستدلُّ بها النَّاسُ على تلك الحوادث التي تقارنها؛ لمعرفتهم بما يكونُ مع طلوع الثُّريَّا إذا طلعَت، وغروبها إذا سَقَطَت من الحوادث التي تقارنها، وكذلك غيرُها من المنازل والسيَّارات. ثمَّ تأمَّل جَعْلَه سبحانه بناتِ نَعْشٍ وما قَرُبَ منها ظاهرةً لا تغيب؛ لقُربها من المركز، ولما في ذلك من الحكمة الإلهيَّة، وأنها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها النَّاسُ في الطُّرق المجهولة في البرِّ والبحر، فهم ينظرون إليها وإلى الجدي والفَرقدين (٢) كلَّ وقتٍ أرادوا من الليل (٣)، فيهتدون بها حيث شاؤوا.

стр. 701

فصل (١) ثمَّ تأمَّل اختلافَ سَير الكواكب وما فيه (٢) من العجائب، كيف تجدُ بعضها لا يسيرُ إلا مع رُفقته، ولا ينفردُ عنهم بسَيره أبدًا (٣)، بل لا يسيرون إلا جميعًا، وبعضها يسيرُ سيرًا مطلقًا غير مقيَّدٍ برفيقٍ ولا صاحب، بل إذا اتفق له مصاحبتُه في منزلٍ رافقَه فيه (٤) ليلةً وفارقَه الليلةَ الأخرى، فبينا تراهُ رفيقَه وقرينَه إذ رأيتهما مفترقَين متباعدَين كأنهما لم يتصاحبا قطُّ. وهذه السيَّارةُ لها في سَيرها سَيران مختلفان غايةَ الاختلاف: سيرٌ عامٌّ يسيرُ بها فلَكُها، وسيرٌ خاصٌّ تسيرُ هي في فلَكها؛ كما شبَّهوا ذلك بنملةٍ تَدِبُّ على رحًى ذاتَ الشمال (٥)، والرَّحى تأخذُ ذاتَ اليمين، فللنملة في ذلك حركتان مختلفتان إلى جهتين متباينتَين: إحداهما: بنفسها، والأخرى: مُكرَهةٌ عليها تبعًا للرَّحى، تجذبها إلى غير جهة قصدِها (٦). وبذلك يجعلُ التقدُّم (٧) فيها كلَّ منزلةٍ إلى جهة الشرق، ثمَّ يسيرُ فلَكُها وبمنزلتها إلى جهة الغَرب.

стр. 702

فسَل الزَّنادقة والمعطِّلة: أيُّ طبيعةٍ اقتضت هذا؟! وأيُّ فَلَكٍ أوجَبه؟! وهلَّا كانت كلُّها راتبةً أو منتقلة (١)، أو على مقدارٍ واحد، وشكلٍ واحد، وحركةٍ واحدة، وجريانٍ واحد؟! وهل هذا إلا صُنعُ من بَهَرَت العقولَ حكمتُه، وشَهِدَت مصنوعاتُه ومبتدعاتُه بأنه الخالقُ الباراء المصوِّر الذي ليس كمثله شيء، أحسَن كلَّ شيءٍ خَلَقه، وأتقَن كلَّ ما صَنعَه، وأنه العليمُ الحكيمُ الذي خلق فسوَّى، وقدَّر فهدى، وأنَّ هذه إحدى آياته الدَّالَّة عليه، وعجائب مصنوعاته المُوصِلة للأفكار إذا سافرَت فيها إليه، وأنه خلقٌ مسخَّرٌ مربوبٌ مدبَّر؟! ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فإن قلتَ: فما الحكمةُ في كون بعض النُّجوم راتبًا وبعضها منتقِلًا؟ قيل: إنها لو كانت كلُّها راتبةً لبطلت الدَّلالاتُ والحِكَمُ التي نشأت من تنقُّلها في منازلها ومسيرها في بُروجها، ولو كانت كلُّها منتقِلةً لم يكن لمسيرها منازلُ تُعْرَف بها ولا رسمٌ يقاسُ عليه (٢)؛ لأنه إنما يقاسُ مسيرُ المنتقِلة منها بالرَّاتب، كما يقاسُ مسيرُ السَّائرين على الأرض بالمنازل التي يمرُّون عليها (٣).

стр. 703

فلو كانت كلُّها بحالٍ واحدةٍ لاختلط نظامُها، ولبطلت الحِكَمُ والفوائدُ والدَّلالاتُ التي في اختلافها، ولتشبَّث المعطِّلُ بذلك وقال: لو كان فاعلُها ومبدعُها مختارًا لم تكن على وجهٍ واحدٍ وأمرٍ واحدٍ وقَدْرٍ واحد. فهذا التَّرتيبُ والنظامُ الذي هي عليه من أدلِّ الدَّلائل على وجود الخالق (١) وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيَّته. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل هذا الفَلَكَ الدوَّار بشمسه وقمره ونجومه وبُروجه، وكيف يدورُ على هذا العالم هذا الدَّورانَ الدَّائمَ إلى آخر الأجل على هذا التَّرتيب والنظام (٣)، وما في طَيِّ ذلك من اختلاف الليل والنَّهار والفصول والحرِّ والبرد، وما في ضِمن ذلك من مصالح ما على الأرض من أصناف الحيوان والنَّبات. وهل يخفى على ذي بصيرةٍ أنَّ هذا إبداعُ المبدع الحكيم، وتقديرُ العزيز العليم؟! ولهذا خاطبَ الرُّسلُ أممَهم مخاطبةَ من لا شكَّ عنده في الله، وإنما دَعَوهم إلى عبادته وحده، لا إلى الإقرار به؛ فقالت لهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. فوجودُه سبحانه وربوبيَّته وقدرتُه أظهرُ من كلِّ شيءٍ على الإطلاق، فهو أظهرُ للبصائر من الشمس للأبصار، وأبينُ للعقول من كلِّ ما تَعْقِلُه وتقِرُّ

стр. 704

بوجوده؛ فما ينكره إلا مكابرٌ بلسانه، وقلبُه وعقلُه وفطرتُه كلُّها تكذِّبه (١). قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢ - ٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٦]. وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا

стр. 705

جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤ ــ ١٧]. وتأمَّل كيف وحَّد سبحانه الآيةَ من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ إلى آخرها، وختَمها بأصحاب الفكر: فأمَّا توحيدُ الآية؛ فلأنَّ موضعَ الدَّلالة واحد، وهو الماءُ الذي أنزله من السَّماء فأخرَج به كلَّ ما ذكره من الأرض، وهو على اختلاف أنواعه لقاحُه واحدٌ وأمُّه واحدة؛ فهذا نوعٌ واحدٌ من أنواع آياته (١).
следующие страницы →