← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فصل (١) ثمَّ تأمَّل اختلافَ سَير الكواكب وما فيه (٢) من العجائب، كيف تجدُ بعضها لا يسيرُ إلا مع رُفقته، ولا ينفردُ عنهم بسَيره أبدًا (٣)، بل لا يسيرون إلا جميعًا، وبعضها يسيرُ سيرًا مطلقًا غير مقيَّدٍ برفيقٍ ولا صاحب، بل إذا اتفق له مصاحبتُه في منزلٍ رافقَه فيه (٤) ليلةً وفارقَه الليلةَ الأخرى، فبينا تراهُ رفيقَه وقرينَه إذ رأيتهما مفترقَين متباعدَين كأنهما لم يتصاحبا قطُّ. وهذه السيَّارةُ لها في سَيرها سَيران مختلفان غايةَ الاختلاف: سيرٌ عامٌّ يسيرُ بها فلَكُها، وسيرٌ خاصٌّ تسيرُ هي في فلَكها؛ كما شبَّهوا ذلك بنملةٍ تَدِبُّ على رحًى ذاتَ الشمال (٥)، والرَّحى تأخذُ ذاتَ اليمين، فللنملة في ذلك حركتان مختلفتان إلى جهتين متباينتَين: إحداهما: بنفسها، والأخرى: مُكرَهةٌ عليها تبعًا للرَّحى، تجذبها إلى غير جهة قصدِها (٦). وبذلك يجعلُ التقدُّم (٧) فيها كلَّ منزلةٍ إلى جهة الشرق، ثمَّ يسيرُ فلَكُها وبمنزلتها إلى جهة الغَرب.

стр. 702

فسَل الزَّنادقة والمعطِّلة: أيُّ طبيعةٍ اقتضت هذا؟! وأيُّ فَلَكٍ أوجَبه؟! وهلَّا كانت كلُّها راتبةً أو منتقلة (١)، أو على مقدارٍ واحد، وشكلٍ واحد، وحركةٍ واحدة، وجريانٍ واحد؟! وهل هذا إلا صُنعُ من بَهَرَت العقولَ حكمتُه، وشَهِدَت مصنوعاتُه ومبتدعاتُه بأنه الخالقُ الباراء المصوِّر الذي ليس كمثله شيء، أحسَن كلَّ شيءٍ خَلَقه، وأتقَن كلَّ ما صَنعَه، وأنه العليمُ الحكيمُ الذي خلق فسوَّى، وقدَّر فهدى، وأنَّ هذه إحدى آياته الدَّالَّة عليه، وعجائب مصنوعاته المُوصِلة للأفكار إذا سافرَت فيها إليه، وأنه خلقٌ مسخَّرٌ مربوبٌ مدبَّر؟! ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فإن قلتَ: فما الحكمةُ في كون بعض النُّجوم راتبًا وبعضها منتقِلًا؟ قيل: إنها لو كانت كلُّها راتبةً لبطلت الدَّلالاتُ والحِكَمُ التي نشأت من تنقُّلها في منازلها ومسيرها في بُروجها، ولو كانت كلُّها منتقِلةً لم يكن لمسيرها منازلُ تُعْرَف بها ولا رسمٌ يقاسُ عليه (٢)؛ لأنه إنما يقاسُ مسيرُ المنتقِلة منها بالرَّاتب، كما يقاسُ مسيرُ السَّائرين على الأرض بالمنازل التي يمرُّون عليها (٣).

стр. 703

فلو كانت كلُّها بحالٍ واحدةٍ لاختلط نظامُها، ولبطلت الحِكَمُ والفوائدُ والدَّلالاتُ التي في اختلافها، ولتشبَّث المعطِّلُ بذلك وقال: لو كان فاعلُها ومبدعُها مختارًا لم تكن على وجهٍ واحدٍ وأمرٍ واحدٍ وقَدْرٍ واحد. فهذا التَّرتيبُ والنظامُ الذي هي عليه من أدلِّ الدَّلائل على وجود الخالق (١) وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيَّته. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل هذا الفَلَكَ الدوَّار بشمسه وقمره ونجومه وبُروجه، وكيف يدورُ على هذا العالم هذا الدَّورانَ الدَّائمَ إلى آخر الأجل على هذا التَّرتيب والنظام (٣)، وما في طَيِّ ذلك من اختلاف الليل والنَّهار والفصول والحرِّ والبرد، وما في ضِمن ذلك من مصالح ما على الأرض من أصناف الحيوان والنَّبات. وهل يخفى على ذي بصيرةٍ أنَّ هذا إبداعُ المبدع الحكيم، وتقديرُ العزيز العليم؟! ولهذا خاطبَ الرُّسلُ أممَهم مخاطبةَ من لا شكَّ عنده في الله، وإنما دَعَوهم إلى عبادته وحده، لا إلى الإقرار به؛ فقالت لهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. فوجودُه سبحانه وربوبيَّته وقدرتُه أظهرُ من كلِّ شيءٍ على الإطلاق، فهو أظهرُ للبصائر من الشمس للأبصار، وأبينُ للعقول من كلِّ ما تَعْقِلُه وتقِرُّ

стр. 704

بوجوده؛ فما ينكره إلا مكابرٌ بلسانه، وقلبُه وعقلُه وفطرتُه كلُّها تكذِّبه (١). قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢ - ٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٦]. وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا

стр. 705

جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤ ــ ١٧]. وتأمَّل كيف وحَّد سبحانه الآيةَ من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ إلى آخرها، وختَمها بأصحاب الفكر: فأمَّا توحيدُ الآية؛ فلأنَّ موضعَ الدَّلالة واحد، وهو الماءُ الذي أنزله من السَّماء فأخرَج به كلَّ ما ذكره من الأرض، وهو على اختلاف أنواعه لقاحُه واحدٌ وأمُّه واحدة؛ فهذا نوعٌ واحدٌ من أنواع آياته (١).

стр. 706

وأمَّا تخصيصُه ذلك بأهل الفِكْر؛ فلأنَّ هذه المخلوقات التي ذكرها من الماء، فلأنَّ الموضعَ موضعُ فكر، وهو نظرُ القلب وتأمُّلُه، لا موضعُ نظرٍ مجرَّدٍ بالعَين، فلا ينتفعُ النَّاظرُ بمجرَّد رؤية العَين حتى ينتقل منه إلى نظر القلب في حكمة ذلك، وبديع صُنعِه، والاستدلال به على خالقه وباريه؛ وذلك هو الفِكرُ بعينه. وأمَّا قولُه تعالى في الآية التي بعدها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فجمَع الآيات؛ لأنها تضمَّنت الليلَ والنَّهار والشمسَ والقمرَ والنُّجوم، وهي آياتٌ متعدِّدةٌ مختلفةٌ في أنفسها وخَلْقِها (١) وكيفيَّاتها: فإنَّ إظلام الجوِّ بالغروب (٢)، ومجيء الليل الذي يَلْبَسُ العالَمَ كالثَّوب فيسكنون تحته= آيةٌ باهرة. ثمَّ وُرودُ جيش الضياء يقدُمه بشيرُ الصَّباح، فينهزمُ عسكرُ الظَّلام، وينتشرُ الحيوان، وينكشِطُ ذلك اللباسُ بجملته= آيةٌ أخرى. ثمَّ في الشمس التي هي آيةُ النَّهار آيةٌ أخرى، وفي القمر الذي هو آيةُ الليل آيةٌ أخرى، وفي النُّجوم آياتٌ أُخَر ــ كما قدَّمناه ــ، هذا مع ما يَتْبَعُها من الآيات المقارنة لها من الرِّياح واختلافها وسائر ما يحدِثُه الله بسببها= آياتٌ أُخَر. فالموضعُ موضعُ جَمْع.

стр. 707

وخصَّ هذه الآيات بأهل العقل؛ لأنها أعظمُ مما قبلها وأدلُّ وأكثر (١) والأولى كالباب لهذه، فمن استدلَّ بهذه الآيات وأعطاها حقَّها من الدَّلالة استحقَّ من الوصف فوق ما يستحقُّه صاحبُ الفِكر، وهو العقلُ. ولأنَّ منزلةَ العقل بعد منزلة الفِكر؛ فلمَّا دلَّهم بالآية الأولى على الفِكر نَقَلَهم بالآية الثَّانية التي هي أعظمُ منها إلى العقل الذي هو فوق الفِكر. فتأمَّله. فأمَّا قولُه في الآية الثَّالثة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، فوحَّد الآية، وخصَّها بأهل التَّذكُّر: فأمَّا توحيدُها، فكتوحيد الأُولى سواء؛ فإنَّ ما ذَرَأ في الأرض على اختلافه من الجواهر والنَّبات والمعادن والحيوان كلُّه في محلٍّ واحدٍ ومقرٍّ واحد، فهو نوعٌ من أنواع آياته وإن تعدَّدت أصنافُه وأنواعُه (٢). وأمَّا تخصيصُه إياها بأهل التذكُّر؛ فطريقةُ القرآن في ذلك أن يجعَل آياته للتَّبصُّر والتذكُّر؛ كما قال تعالى في سورة ق: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٧ - ٨]؛ فالتَّبصرة: التعقُّل (٣)، والذِّكرى: التذكُّر، والفِكرُ بابُ ذلك ومدخلُه، فإذا فكَّر تبصَّر، وإذا تبصَّر تذكَّر. فجاء التذكُّرُ في الآية لترتيبه على العقل المرتَّب على الفكر، فقدَّم الفكرَ إذ هو البابُ والمدخل، ووسَّط العقلَ إذ هو ثمرةُ الفكر ونتيجتُه، وأخَّر

стр. 708

التذكُّرَ إذ هو المطلوبُ من الفكر والعقل. فتأمَّل ذلك حقَّ التأمُّل. فإن قلتَ: فما الفرق بين التذكُّر والتفكُّر؟ فإذا تبيَّن الفرقُ ظهرت الفائدة. قلتُ: التَّفكُّر والتَّذكُّر أصلُ الهدى والصلاح، وهما قُطبا السَّعادة؛ ولهذا وسَّعنا الكلامَ في الفِكر في هذا الوجه؛ لعِظم المنفعة وشدَّة الحاجة إليه. قال الحسن: «ما زال أهلُ العلم يعودونَ بالتذكُّر على التفكُّر، وبالتفكُّر على التذكُّر، ويُناطِقون القلوبَ حتى نطقَت؛ فإذا لها أسماعٌ وأبصار» (١). فاعلَم أنَّ التفكُّر طلبُ القلب ما ليس بحاصلٍ من العلوم (٢) من أمرٍ هو حاصلٌ منها، هذا حقيقتُه؛ فإنَّه لو لم يكن ثَمَّ موادُّ تكونُ (٣) موردًا للفكر استحال الفكرُ؛ لأنَّ الفكرَ بغير متعلَّقٍ متفكَّرٍ فيه محال، وتلك الموادُّ هي الأمورُ الحاصلة، ولو كان المطلوبُ بها حاصلًا عنده لم يتفكَّر فيه. فإذا عُرِفَ هذا فالمتفكِّر ينتقلُ من المقدِّمات (٤) والمباداء التي عنده إلى المطلوب الذي يريدُه، فإذا ظَفِرَ به وتحصَّل له تذكَّر به وأبصَر مواقعَ الفعل والتَّرك وما ينبغي إيثارُه وما ينبغي اجتنابُه؛ فالتذكُّر هو مقصودُ التفكُّر وثمرتُه، فإذا تذكَّر عاد بتذكُّره على تفكُّره فاستخرَج به ما لم يكن حاصلًا

стр. 709

عنده، فهو لا يزالُ يكررُ (١) بتفكُّره على تذكُّره، وبتذكُّره على تفكُّره ما دام عاقلًا؛ لأنَّ العلمَ والإرادة لا يقفان به على حدٍّ، بل هو دائمًا سائرٌ بين العلم والإرادة. وإذا عرفتَ معنى كون آيات الرَّبِّ ﵎ تبصرةً وذكرى؛ يُتبصَّرُ بها مِن عمى القلب، ويُتذكَّرُ بها مِنْ غفلتِه= فإنَّ المضادَّ للعلم إمَّا عمى القلب؛ وزوالُه بالتبصُّر، وإمَّا غفلتُه؛ وزواله بالتذكُّر. والمقصودُ تنبيهُ القلب من رقدته بالإشارة إلى شيءٍ من بعض آيات الله، ولو ذَهبنا نتتبَّعُ ذلك لنَفِدَ الزَّمانُ ولم نُحِط بتفصيل (٢) واحدةٍ من آياته على التَّمام، ولكن ما لا يُدْرَكُ جملةً لا يُتْرَكُ جملة. وأحسنُ ما أُنفِقَت فيه الأنفاسُ التفكُّرُ في آيات الله وعجائب صُنْعِه، والانتقالُ منها إلى تعلُّق القلب والهمَّة به دون شيءٍ من مخلوقاته؛ فلذلك عَقَدنا هذا الكتابَ على هذين الأصلين؛ إذ هما أفضلُ ما يكتسبُه العبدُ في هذه الدَّار. فصل (٣) فسَل المعطِّل الجاحد (٤): ما تقولُ في دُولابٍ (٥) دائرٍ على نهرٍ قد

стр. 710

أُحكِمَت آلاتُه، وأُحكِمَ تركيبُه، وقُدِّرَت أدواتُه أحسنَ تقديرٍ وأبلغَه بحيث لا يرى النَّاظرُ فيه خللًا في مادَّته ولا في صورته، وقد جُعِل على حديقةٍ عظيمةٍ فيها من كلِّ أنواع الثِّمار والزُّروع يسقيها حاجتَها، وفي تلك الحديقة من يقومُ بأمرها ولَمِّ شَعَثِها، ويحسِنُ مراعاتها وتعهُّدَها والقيامَ بجميع مصالحها، فلا يختلُّ منها شيءٌ ولا تَتلفُ ثمارها، ثمَّ يقسِمها قَيِّمُها (١) عند الجَذَاذ على سائر المَحاويج (٢) بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيَقسِمُ لكلِّ صنفٍ منهم ما يليقُ به، ويَقسِمُه (٣) هكذا على الدَّوام. أترى هذا اتفاقًا بلا صانعٍ ولا مختارٍ ولا مدبِّر؟! بل اتَّفق وجودُ ذلك الدُّولاب والحديقة وكلِّ ذلك اتفاقًا، من غير فاعلٍ ولا قيِّمٍ ولا مدبِّر! أفترى ما يقولُ لك عقلُك في ذلك لو كان؟! وما الذي يُفتيك به؟! وما الذي يرشدُك إليه؟! ولكنَّ مِن حكمة العزيز الحكيم أنْ خَلَق قلوبًا عُميًا لا بصائر لها، فلا ترى هذه الآيات الباهرة إلا رؤيةَ الحيوانات البهيميَّة، كما خَلَق أعينًا عُميًا لا أبصار لها، فالشمسُ والقمرُ والنُّجومُ باديةٌ (٤) وهي لا تراها، فما ذنبُها إن أنكرَتها وجحدَتها؟! فهي تقولُ في ضوء النَّهار: هذا ليلٌ، ولكنَّ أصحابَ الأعيُن لا يعرفون شيئًا!

стр. 711

ولقد أحسن القائل (١): وَهَبْني قلتُ: هذا الصُّبحُ ليلٌ ... أيَعْمَى العالَمُونَ عن الضياءِ؟! فصل (٢) ثمَّ تأمَّل المُمْسِكَ للسَّموات والأرض ، الحافظ لهما أن تزولا أو تقعا أو يتعطَّل بعض ما فيهما، أفترى من المُمْسِكُ لذلك؟! ومن الحافظُ له؟ ومن القيِّمُ بأمره؟! ومن المُقِيمُ له؟! فلو تعطَّلت بعض آلات هذا الدُّولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يُصْلِحُه ويُعِيدُه (٣)؟! وماذا كان عند الخلق كلِّهم من الحيلة في ردِّه كما كان؟! فلو أمْسَكَ عنهم قَيِّمُ السَّموات والأرض الشمسَ فجعَل عليهم الليلَ سَرمدًا، من ذا الذي كان يُطْلِعُها عليهم ويأتيهم بالنَّهار؟! ولو حَبَسَها في الأفق ولم يسيِّرها، فمن ذا الذي كان يسيِّرها عنهم ويأتيهم بالليل؟! فلو أزال السَّماءَ والأرض (٤)، فمن ذا الذي كان يُمْسِكُهما مِن بعده؟! فصل (٥) ثمَّ تأمَّل هذه الحكمةَ البالغة في الحرِّ والبرد وقيام الحيوان والنَّبات

стр. 712

عليهما، وفكِّر في دخول أحدهما على الآخر بالتَّدريج والمُهْلَة حتى يبلُغ نهايتَه، ولو دَخَل عليه مفاجأةً لأضرَّ ذلك بالأبدان وأهلكها (١) وبالنَّبات، كما لو خرَج الرَّجلُ من حمَّامٍ مُفْرط الحرارة إلى مكانٍ مُفْرطٍ في البُرودة. ولولا العنايةُ والحكمةُ والرَّحمةُ والإحسانُ لما كان ذلك. فإن قلتَ: هذا التَّدريجُ والمُهْلةُ إنما كان لإبطاء سَيْر الشمس في ارتفاعها وانخفاضها. قيل لك: فما السَّببُ في ذلك الإبطاء في الانخفاض (٢) والارتفاع؟ فإن قلتَ: السَّببُ في ذلك بُعْدُ المسافة من مشارقها ومغاربها. قيل لك: فما السَّببُ في بُعْدِ المسافة؟ (٣). ولا تزالُ المسألةُ متوجِّهةً عليكَ كلَّما عيَّنتَ سببًا (٤)، حتى تُفضِي بك إلى أحد أمرين: إمَّا مكابرةٌ ظاهرة، ودعوى أنَّ ذلك اتفاقٌ من غير مدبِّرٍ ولا صانع. وإمَّا الاعترافُ بربِّ العالمين، والإقرارُ بقيُّوم السَّموات والأرضين، والدُّخولُ في زُمرة أولي العقل من العالمين.

стр. 713

ولن تجدَ بين القسمين واسطةً أبدًا. فلا تُتْعِبْ ذِهنَك بهذيانات الملحدين؛ فإنها عند من عرَفها من هَوَس الشياطين، وخيالات المبطلين. وإذا طَلَعَ فجرُ الهدى، وأشرقَت شمسُ النبوَّة (١)؛ فعساكرُ تلك الخيالات والوساوس في أوَّل المنهزمين، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في خَلق النَّار على ما هي عليه من الكُمُون (٣) والظُّهور؛ فإنها لو كانت ظاهرةً أبدًا ــ كالماء والهواء ــ كانت تُحْرِقُ العالم وتنتشرُ ويعظُم الضررُ بها والمفسدة، ولو كانت كامنةً لا تَظْهَرُ أبدًا لفاتت المصالحُ المترتبةُ على وجودها. فاقتضت حكمةُ العزيز العليم (٤) أنْ جعَلها مخزونةً في الأجسام، يخرجُها وينفُثها الرَّجلُ (٥) عند حاجته إليها، فيُمسِكها ويحبسُها بمادَّةٍ يجعلُها فيها من الحطب ونحوه، فلا يزالُ حابِسَها ما احتاجَ إلى بقائها، فإذا استغنى عنها وتركَ حبسَها بالمادَّة خَبَتْ بإذن ربها وفاطرها، فسقطت المؤنةُ والمضرَّةُ ببقائها.

стр. 714

فسبحان من سخَّرها وأنشأها على تقديرٍ مُحْكَمٍ عجيب، اجتمع فيه الاستمتاعُ والانتفاع والسَّلامةُ من الضرر. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧١ - ٧٤]. فسبحان ربِّنا العظيم، لقد تعرَّف إلينا بآياته، وشَفانا ببيِّناته، وأغنانا بها (١) عن دلالات العالمين. فأخبَر سبحانه أنه جعَلها تذكرةً تذكِّرنا بنار الآخرة، فنستجيرُه منها ونهرُب إليه منها، ومتاعًا للمُقْوِين؛ وهم المسافرون النَّازلون بالقَوَاء (٢) والقَيِّ ــ وهي الأرض الخالية ــ، وهم أحوجُ إلى الانتفاع بالنَّار، للإضاءة والطَّبخ والخَبْز والتَّدفِّي (٣) والأُنس وغير ذلك (٤). فصل (٥) ثمَّ تأمَّل حكمتَه تعالى في كونه خَصَّ بها (٦) الإنسانَ دونَ غيره من

стр. 715

الحيوانات، فلا حاجةَ بالحيوان إليها، بخلاف الإنسان؛ فإنه لو فَقَدها لعَظُمَ الدَّاخلُ عليه في معاشه ومصالحه، وغيرُه من الحيوانات لا يستعملُها ولا يتمتَّعُ بها. وننبِّهُ من مصالح النَّار على خَلَّةٍ (١) صغيرة القَدْر عظيمة النفع، وهي في هذا (٢) المصباح الذي يتَّخذُه الناسُ فيقضون به من حوائجهم ما شاؤوا من ليلهم، ولولا هذه الخَلَّة لكان الناسُ نصفَ أعمارهم (٣) بمنزلة أصحاب القُبور؛ فمن كان يستطيعُ كتابةً أو خياطةً أو صناعةً أو تصرُّفًا في ظلمة الليل الدَّاجي؟! وكيف كانت تكونُ حالُ من عَرَض له وجَعٌ في وقتٍ من الليل فاحتاجَ إلى ضِمادٍ (٤) أو دواءٍ أو استخراج دمٍ أو غير ذلك (٥)؟! ثمَّ انظُر إلى ذلك النُّور المحمول في ذُبالة المصباح، على صِغَر جوهره، كيف يضيءُ ما حولك كلَّه فترى به القريبَ والبعيد. ثمَّ انظُر إلى أنه لو اقتَبَس منه كل من يُفْرَض (٦) أو يُقَدَّرُ من خلق الله كيف لا يفنى ولا ينفدُ ولا يضعُف. وأما منافعُ النَّار في إنضاج الأطعمة والأدوية، وتجفيف ما لا يُنتَفعُ إلا

стр. 716

بجفافه، وتحليل ما لا يُنتَفعُ إلا بتحليله، وعَقْد ما لا يُنتَفعُ إلا بعَقْدِه وتركيبه= فأكثرُ من أن يحصى. ثمَّ تأمَّل ما أُعطِيَتْه النَّارُ من الحركة الصَّاعدة بطبعها إلى العلوِّ، فلولا المادةُ تمسكُها لذهبَت صاعدةً، كما أنَّ الجسمَ الثقيلَ لولا الممسكُ يمسكُه لذهَبَ نازلًا. فمن أعطى هذا (١) القوَّة التي (٢) يَطلُبُ بها الهبوطَ إلى مستقرِّه، وأعطى هذه القوَّة التي تَطلُبُ (٣) بها الصُّعودَ إلى مستقرِّها؟! وهل ذلك إلا بتقدير العزيز العليم؟! فصل (٤) ثمَّ تأمَّل هذا الهواءَ وما فيه من المصالح؛ فإنه حياةُ هذه الأبدان والممسكُ لها من داخلٍ بما تَستَنشِقُ (٥) منه، ومن خارجٍ بما تُباشَرُ (٦) به من رَوْحِه، فتتغذَّى (٧) به ظاهرًا وباطنًا. وفيه تُطْرَدُ هذه الأصواتُ فيَحْمِلُها ويؤدِّيها للقريب والبعيد؛ كالبريد والرسول الذي شأنُه حملُ الأخبار والرسائل.

стр. 717

وهو الحاملُ لهذه الروائح على اختلافها، ينقلُها من موضعٍ إلى موضع، فتأتي العبدَ الرائحةُ من حيثُ تهبُّ الريح، وكذلك يأتيه الصوت (١). وهو ــ أيضًا ــ الحاملُ (٢) للحرِّ والبرد اللذَيْن بهما صلاحُ الحيوان والنَّبات. وتأمَّل منفعةَ الريح وما يجري له في البرِّ والبحر، وما هُيِّئت (٣) له من الرحمة والعذاب. وتأمَّل كم سُخِّر للسَّحاب من ريحٍ حتى أَمطَر (٤)؛ فسُخِّرت له المثيرةُ أوَّلًا (٥)، فتُثِيرُه بين السَّماء والأرض، ثمَّ سُخِّرت له الحاملةُ التي تحملُه على مَتْنها كالجمَل الذي يحملُ الرَّاوية، ثمَّ سُخِّرت له المؤلِّفة، فتؤلِّفُه (٦) بين كِسَفِه وقِطَعِه حتى يجتمعَ بعضُها إلى بعضٍ فتصير (٧) طبقًا واحدًا، ثمَّ سُخِّرت له اللاقحةُ بمنزلة الذَّكر الذي يَلْقَحُ الأنثى، فتَلْقَحه بالماء ولولاها لكان جَهَامًا لا ماء فيه (٨)، ثمَّ سُخِّرت له المُزْجِيَةُ التي تُزْجِيه وتَسُوقُه إلى

стр. 718

حيث أُمِر فيُفرِغُ ماءه هنالك، ثمَّ سُخِّرت له بعد إعصاره المُفرِّقةُ التي تبثُّه وتفرِّقُه في الجوِّ فلا ينزلُ مجتمعًا، ولو نزل جملةً لأهلَك المساكنَ والحيوانَ والنَّبات، بل تفرِّقُه فتجعلُه قَطْرًا. وكذلك الرياح التي تَلْقَحُ الشجرَ والنَّباتَ ولولاها لكانت عقيمًا. وكذلك الرياح التي تسيِّر السُّفن ولولاها لوقفَت على ظهر البحر. ومن منافعها: أنها تبرِّدُ الماء، وتُضْرِمُ النارَ التي يرادُ إضرامُها، وتجفِّفُ الأشياءَ التي يحتاجُ إلى جفافها. وبالجملة؛ فحياةُ ما على الأرض من نباتٍ وحيوانٍ بالرياح؛ فإنه لولا تسخيرُ الله لها لعباده لذَوَى النَّبات، ومات الحيوان، وفسدَت المطاعم، وأنتَن العالمُ وفَسَد. ألا ترى إذا رَكَدَت الريح (١) كيف يحدثُ الكربُ والغمُّ الذي لو دام لأتلفَ النُّفوس، وأسقَمَ الحيوان، وأمرَضَ الأصحَّاء، وأنهَكَ المرضى، وأفسَدَ الثِّمار، وعفَّن الزَّرع، وأحدَثَ الوباءَ في الجوِّ؟! فسبحان من جَعَل هُبوبَ الرياح تأتي برَوْحِه ورحمته، ولُطْفِه ونعمته، كما قال النبيُّ ﷺ في الرياح: «إنها من رَوْح الله، تأتي بالرَّحمة» (٢).

стр. 719

ونُنبِّه (١) للطيفةٍ في هذا الهواء؛ وهي أنَّ الصَّوتَ أثرٌ يحدثُ (٢) عن اصطكاك الأجرام (٣)، وليس نفسَ الاصطكاك كما قال ذلك من قاله. ولكنَّه مُوجَبٌ للاصطكاك وقَرْع الجسم للجسم أو قَلْعِه عنه؛ فسببُه قرعٌ أو قلع، فيحدثُ الصَّوت، فيحملُه الهواءُ ويؤدِّيه إلى مسامع الناس، فينتفعون به في حوائجهم ومعاملاتهم بالليل والنَّهار، وتحدثُ الأصواتُ العظيمةُ من حركاتهم. فلو كان أثرُ هذه الحركات والأصوات يبقى في الهواء كما يبقى الكتابُ في القرطاس لامتلأ العالمُ منه، ولعَظُمَ الضررُ به واشتدَّت مُؤنتُه، واحتاج النَّاسُ إلى مَحْوِه من الهواء، والاستبدال به، أعظمَ من حاجتهم إلى الاستبدال بالكتاب المملوء كتابةً (٤)؛ فإنَّ ما يُلقى من الكلام في الهواء أضعافُ ما تُودَعُه القراطيس (٥). فاقتضت حكمةُ العزيز الحكيم أنْ جَعَل هذا الهواءَ قرطاسًا خفيًّا (٦)، يحمِلُ الكلامَ بقَدْر ما يبلغُ الحاجةَ ثمَّ يُمْحى بإذن ربِّه، فيعودُ جديدًا نقيًّا لا شيء فيه (٧)، فيَحْمِلُ ما حمِّل كلَّ وقت.

стр. 720

فصل (١) ثمَّ تأمَّل خَلْقَ الأرض على ما هي عليه ، حين خُلِقَت واقفةً ساكنةً (٢) لتكونَ مِهادًا ومستقرًّا للحيوان والنَّبات والأمتعة، ويتمكَّنَ الحيوانُ والنَّاسُ من السَّعي عليها في مآربهم، والجلوس لراحاتهم، والنوم لهدوئهم، والتمكُّن من أعمالهم، ولو كانت رَجْراجَةً متكفِّئةً (٣) لم يستطيعوا على ظَهْرِها قرارًا ولا هدوءًا، ولا ثَبَتَ لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعةٌ ولا تجارةٌ ولا حِراثةٌ ولا مصلحة، وكيف كانوا يتهنَّون (٤) بالعيش والأرضُ تَرتَجُّ (٥) من تحتهم؟! واعْتَبِر ذلك بما يصيبُهم من الزَّلازل، على قلَّة مكثها، كيف تصيِّرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها. وقد نبَّه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤]، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ [طه: ٥٣، الزخرف: ١٠]،

стр. 721

وفي القراءة الأخرى: ﴿مَهْدًا﴾ (١). وفي «جامع الترمذي» (٢) وغيره من حديث أنس بن مالكٍ عن النبي ﷺ قال: «لمَّا خلقَ الله الأرض جَعَلت تَمِيد، فخَلَق الجبالَ عليها فاستقرَّت، فعَجِبَت الملائكةُ من شدَّة الجبال، فقالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك من شيءٍ أشدُّ من الحديد؟ قال نعم، النَّار. قالوا يا ربِّ، فهل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الماء؟ قال: نعم، الرِّيح. قالوا: يا ربِّ، فهل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الرِّيح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدَّقُ صدقةً بيمينه يخفيها عن شماله». ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في لُيونة الأرض مع يُبْسِها؛ فإنها لو أفرطَت في اللِّين ــ كالطِّين ــ لم يستقرَّ (٣) عليها بناءٌ ولا حيوان (٤)، ولا تمكَّنَّا (٥) من

стр. 722

الانتفاع بها، ولو أفرطَت في اليُبْس ــ كالحجر والحديد (١) ــ لم يمكن حرثُها ولا زرعُها، ولا شَقُّها ولا فَلْحُها، ولا حفرُ عُيونها ولا البناءُ عليها؛ فنَقَصَت عن يُبْس الحجارة وزادت على لُيونة الطِّين، فجاءت بتقدير ربها وفاطرها (٢) على أحسن ما جاء عليه مِهادُ الحيوان (٣) من الاعتدال بين اللِّين واليُبوسة، فتهيَّأ عليها جميعُ المصالح. فصل (٤) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في أنْ جَعَل مَهَبَّ الشَّمال عليها (٥) أرفعَ من مَهَبِّ الجنوب (٦)، وحكمةُ ذلك أن تنحدر (٧) المياهُ على وجه الأرض فتسقيها وترويها ثمَّ تفيض فتصبَّ في البحر؛ فكما أنَّ الباني إذا رفعَ سطحًا رفعَ أحد جانبيه وخَفَض الآخرَ ليكون مصبًّا للماء، ولو جعله مستويًا لقام عليه الماءُ فأفسده، كذلك جُعِل (٨) مَهَبُّ الشَّمال في كلِّ بلدٍ أرفعَ من مَهَبِّ الجنوب، ولولا ذلك لبقي الماءُ واقفًا (٩) على وجه الأرض، فمنعَ النَّاسَ من العمل والانتفاع، وقطَعَ الطُّرقَ والمسالك، وأضرَّ بالخَلْق.

стр. 723

أفيَحْسُنُ عند من له مُسْكةٌ من عقلٍ أن يقول: هذا كلُّه اتفاقٌ من غير تدبير العزيز الحكيم الذي أتقَنَ كلَّ شيء؟! فصل (١) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ العجيبةَ في الجبال التي قد يحسبُها الجاهلُ الغافلُ فَضْلةً في الأرض لا حاجة إليها. وفيها من المنافع ما لا يحصيه إلا خالقُها وناصِبُها. وفي حديث إسلام ضِمام بن ثعلبة قولُه للنبيِّ ﷺ : بالذي نَصَبَ الجبالَ وأودعَ فيها المنافع، آللهُ أمَرك بكذا وكذا؟ قال: «اللهمَّ نَعَم» (٢). فمن منافعها: أنَّ الثَّلجَ يسقطُ عليها فيبقى في قُلَلِها حاملًا (٣) لشراب النَّاس إلى حين نفاده، وجُعِل فيها ليذوبَ أوَّلًا فأوَّلًا، فتجري منه العيونُ (٤) الغزيرة، وتسيل منه الأنهارُ والأودية، فيُنْبِتُ في المُروج والوِهاد (٥) والرُّبى ضروبَ النَّبات والفواكه والأدوية التي لا يكونُ مثلُها في السَّهل والرِّمال. فلولا الجبالُ لسقط الثَّلجُ على وجه الأرض فانحلَّ جملةً، وساحَ دَفْعةً (٦)؛ فعُدِمَ وقت الحاجة إليه، وكان في انحلاله (٧) جملةً السُّيولُ التي

стр. 724

تُهلِكُ ما مرَّت عليه، فيُضِرُّ بالنَّاس ضررًا لا يمكنُ تلافيه ولا دفعُ أذيَّته. ومن منافعها: ما يكون في حُصونها وقُلَلِها (١) من المغارات والكهوف والمعاقل التي هي بمنزلة الحصون والقِلاع، وهي ــ أيضًا ــ أكنانٌ للنَّاس والحيوان. ومن منافعها: ما يُنْحَتُ من أحجارها للأبنية على اختلاف أصنافها، والأرْحِيَة (٢) وغيرها. ومن منافعها: ما يوجدُ فيها (٣) من المعادن على اختلاف أصنافها، من الذَّهب والفضة والنُّحاس والحديد والرَّصاص والزَّبَرْجَد والزُّمُرُّد وأضعاف ذلك من أنواع المعادن الذي يعجزُ البشرُ عن معرفتها على التفصيل، حتى إنَّ فيها ما يكونُ الشيءُ اليسيرُ منه تزيدُ قيمتُه ومنفعتُه على قيمة الذَّهب بأضعافٍ مضاعفة، وفيها من المنافع ما لا يعلمه إلا فاطرُها ومبدعُها . ومن منافعها أيضًا: أنها تردُّ الرياحَ العاصفة، وتَكْسِرُ حِدَّتها، فلا تدعُها تَصْدِمُ ما تحتها؛ ولهذا السَّاكنون تحتها في أمانٍ من الرياح العِظام المؤذية. ومن منافعها أيضًا: أنها تردُّ عنهم السُّيولَ إذا كانت في مجاريها، فتَصْرِفُها عنهم ذاتَ اليمين وذات الشمال، ولولاها لأَخْرَبَت (٤) السُّيولُ في

стр. 725

مجاريها ما مرَّت به؛ فتكون لهم بمنزلة السَّدِّ والسِّكْر (١). ومن منافعها: أنها أعلامٌ يُسْتَدلُّ بها في الطُّرقات، فهي بمنزلة الأدلَّة المنصوبةِ المرشدَة إلى الطُّرق (٢)، ولهذا سمَّاها الله أعلامًا؛ فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢]، فالجواري: هي السُّفن، والأعلامُ: الجبال؛ واحدُها عَلَم. قالت الخنساء (٣): وإنَّ صَخْرًا لتأتمُّ الهُداةُ به ... كأنه عَلَمٌ في رأسِه نارُ فسُمِّي الجبلُ عَلَمًا من العلامة والظُّهور. ومن منافعها أيضًا: ما ينبتُ فيها من العقاقير والأدوية التي لا تكونُ في السُّهول والرمال، كما أنَّ ما ينبتُ في السُّهول والرمال لا ينبتُ مثلُه في الجبال، وفي كلٍّ من هذا وهذا منافعُ وحِكَمٌ لا يحيطُ بها إلا الخلَّاقُ العليم (٤).

стр. 726

ومن منافعها: أنها تكون حُصونًا من الأعداء، يتحرَّزُ فيها عبادُ الله من أعدائهم كما يتحصَّنون بالقِلاع، بل تكونُ أبلغَ وأحصنَ من كثيرٍ من القِلاع والمدن. ومن منافعها: ما ذكره الله تعالى في كتابه أنه جَعَلها للأرض أوتادًا تثبِّتها، ورواسي بمنزلة مراسي السُّفن، وأعْظِم بها منفعةً (١) وحكمة. هذا، وإذا تأمَّلْتَ خِلْقَتها العجيبةَ البديعةَ على هذا الوضع وجدتها في غاية المطابقة للحكمة: فإنها لو طالت واستَدَقَّت كالحائط، لتعذَّر الصُّعودُ عليها والانتفاعُ بها وسَتَرَت عن النَّاس الشمسَ والهواءَ فلم يتمكَّنوا من الانتفاع بها. ولو بُسِطَت على وجه الأرض، لضيَّقت عليهم المزارعَ والمساكن، ولملأت السَّهْل، ولما حصل لهم بها الانتفاعُ من التَّحصُّن والمغارات والأكنان، ولما سَتَرَت عنهم الرياح، ولما حَجَبَت السُّيول. ولو جُعِلَت مستديرةً على الكُرة (٢) لم يتمكَّنوا من صُعودها، ولما حَصَل لهم بها الانتفاعُ التَّام. فكان أولى الأشكال والأوضاع بها وأليقَها وأوقعَها على وَفْق المصلحة هذا الشكلُ الذي نُصِبَت عليه. ولقد دعانا الله سبحانه في كتابه إلى النَّظر فيها وفي كيفيَّة خلقها؛ فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ

стр. 727

كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. فخَلْقُها ومنافعُها من أكبر الشواهد على قدرة باريها (١) وفاطرها، وعلمه وحكمته ووحدانيَّته. هذا مع أنها تسبِّحُ بحمده، وتخشعُ له، وتسجدُ له، وتتشقَّقُ وتهبطُ من خشيته، وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها ــ على شدَّتها وعِظَم خَلْقِها ــ من الأمانة إذ عَرَضَها عليها وأشفَقَت مِنْ حملِها. ومنها: الجبلُ الذي تجلَّى له ربُّه فساخَ وتَدكْدَك. ومنها: الجبلُ الذي كلَّم اللهُ عليه موسى كليمَه ونَجِيَّه. ومنها: الجبلُ الذي حَبَّبَ اللهُ رسولَه وأصحابَه إليه، وأحبَّه رسولُ الله ﷺ وأصحابُه (٢). ومنها: الجبلان اللذان جعلهما الله سُورًا (٣) على بيته، وجَعَل الصَّفا في ذيل أحدهما والمروةَ في ذيل الآخر، وشرع لعباده السَّعيَ بينهما، وجَعَله من مناسكهم ومُتَعبَّداتهم. ومنها: جبلُ الرحمة المنصوبُ عليه ميدانُ عرفات (٤)، فلِلَّه كم به (٥)

стр. 728

من ذنبٍ مغفور، وعَثْرةٍ مُقالة، وزلَّةٍ معفُوٍّ عنها، وحاجةٍ مقضيَّة، وكربةٍ مفروجة، وبليَّةٍ مدفوعة، ونعمةٍ متجدِّدة، وسعادةٍ مُكتَسبة، وشقاوةٍ ممحُوَّة! كيف، وهو الجبلُ المخصوصُ بذلك الجمع الأعظم والوفد الأكرم الذين جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق، وقوفًا لربِّهم، مستكينين لعظمته، خاضعين (١) لعزَّته، شُعثًا غُبرًا، حاسرين عن رؤوسهم، يستقيلونه عثراتهم، ويسألونه حاجاتهم، فيدنو منهم، ثمَّ يُباهي بهم الملائكة؟! فلِلَّه ذاك الجبلُ وما ينزلُ عليه من الرحمة والتَّجاوُز عن الذُّنوب العِظام! ومنها: جبلُ حراءَ الذي كان رسولُ الله ﷺ يخلو فيه بربِّه (٢)، حتى أكرمه الله برسالته (٣) وهو في غاره، فهو الجبلُ الذي فاض منه النُّورُ على أقطار العالم، فإنه ليفخَرُ على الجبال، وحُقَّ له ذلك. فسبحان من اختَصَّ برحمته وتكريمه من شاء من الجبال والرِّجال، فجَعَل منها جبالًا هي مِغْناطيسُ القلوب كأنها مركَّبةٌ منها، فهي تَهْوِي إليها كلَّما ذكرتْها وتهفُو نحوَها، كما اختَصَّ من الرِّجال من اختصَّه بكرامته، وأتمَّ عليه نعمتَه، ووضع عليه محبَّةً منه؛ فأحبَّه وحبَّبه إلى ملائكته وعباده المؤمنين ووَضَع له القبولَ بينهم. وإذا تأمَّلتَ البِقاعَ وجدتَها ... تشقى كما تشقى الرِّجالُ وتَسْعَدُ (٤)

стр. 729

فدَع عنكَ الجبلَ الفلاني، وجبلَ بني فُلان، وجبلَ كذا (١). خُذ ما تراهُ ودَع شيئًا سَمِعتَ به ... في طَلْعة الشَّمس ما يُغْنِيكَ عن زُحَلِ (٢) هذا؛ وإنها لتَعْلمُ أنَّ لها موعدًا ويومًا تُنْسَفُ فيها نسفًا وتصيرُ كالعِهْن (٣) من هَوْلِه وعِظَمِه، فهي مشفقةٌ من هَوْل ذلك الموعد منتظرةٌ له. وكانت أمُّ الدَّرداء ﵂ إذا سافرَت فصعدَت على جبلٍ تقولُ لمن معها: أَسْمِع الجبالَ ما وَعَدَها ربُّها فيقول: ما أُسْمِعُها؟ فتقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧] (٤). فهذا حالُ الجبال وهي الحجارةُ الصُّلبة، وهذه رِقَّتُها وخشيتُها وتَدَكْدُكُها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرُها وباريها أنه لو أنزل عليها كلامَه لخشَعَت ولتصدَّعَت من خشيته. فيا عجبًا مِنْ مضغة لحمٍ أقسى من هذه الجبال! تسمعُ (٥) آيات الله تتلى عليها، ويُذْكَرُ الرَّبُّ ﵎، فلا تَلِينُ ولا تخشع ولا تُنِيب (٦) فليس

стр. 730

بمُسْتَنْكَرٍ لله ولا يخالفُ حكمتَه أن يخلقَ لها نارًا تُذِيبُها إذْ لم تَلِن لكلامه (١) وذِكْره وزواجره ومواعظه. فمن لم يَلِن لله في هذه الدَّار قلبُه، ولم يُنِب إليه، ولم يُذِبْهُ بحبِّه والبكاء من خشيته، فليتمتَّع قليلًا، فإنَّ أمامه المُلَيِّن الأعظم، وسيُردُّ إلى عالِم الغيب والشَّهادة فيَرى ويَعْلَم. فصل ولمَّا اقتضت حكمتُه ﵎ أنْ جَعَل من الأرض السَّهْلَ والوَعْر (٢)، والجبالَ والرِّمال؛ ليُنتَفعَ بكلِّ ذلك (٣) في وَجْهِه، ويحصُل منه ما خُلِقَ له، وهُيِّئت الأرض بهذه الآية (٤) = لَزِمَ من ذلك أن صارت كالأمِّ التي تحملُ في بطنها أنواعَ الأولاد من كلِّ صنف، ثمَّ تُخْرِجُ إلى النَّاس والحيوان من ذلك ما أذِنَ لها فيه ربُّها أن تخرجَه، إمَّا بعلمهم (٥)، وإمَّا بدونه، ثمَّ يردُّ إليها ما خرج منها. وجَعَلها سبحانه كِفاتًا للأحياء ما داموا على ظهرها، فإذا ماتوا استُودِعَتْهم (٦) في بطنها فكانت كِفاتًا لهم؛ تَضُمُّهم على ظهرها أحياءً وفي بطنها أمواتًا، فإذا كان يومُ الوقت المعلوم وقد أثقَلَها الحَمْلُ وحانَ وقتُ

стр. 731

الولادة ودنا المَخاض (١)، أوحى إليها ربُّها وفاطرُها أن تضع حملَها وتُخرِجَ أثقالها، فتُخرِج النَّاسَ من بطنها إلى ظهرها، وتقول: ربِّ هذا ما اسْتَوْدَعْتَني، وتُخرِجُ كنوزَها بإذنه تعالى، ثمَّ تحدِّثُ أخبارَها، وتشهدُ على بَنِيها بما عملوا على ظهرها من خيرٍ أو شرٍّ. فصل ولما كانت الرياح تَجُولُ فيها (٢)، وتدخلُ في تجاويفها، وتُحْدِثُ فيها الأبخِرَة، فتختنقُ (٣) الرياح، ويتعذَّرُ عليها المنفَذ= أَذِنَ الله سبحانه لها في الأحيان بالتنفُّس، فتُحْدِثُ فيها الزَّلازلَ العِظام (٤)، فيحدثُ من ذلك لعباده الخوفُ والخشيةُ والإنابةُ والإقلاعُ عن معاصيه والتضرُّعُ إليه والنَّدم (٥). كما قال بعض السَّلف وقد زُلزِلت الأرض: «إنَّ ربَّكم يَسْتَعْتِبكم» (٦). وقال عمر بن الخطَّاب، وقد زُلزِلت المدينة، فخطَبهم ووعظهم، وقال: «لئن عادت لا أساكِنكم فيها» (٧).

стр. 732

فصل (١) ثمَّ تأمَّل حكمةَ الله في عِزَّة هذين النقدين: الذَّهب والفضة، وقصور حيلة (٢) العالَم عما حاولوا من صَنْعَتهما والتشبُّه بخَلْق الله إياهما، مع شدَّة حرصهم وبلوغ أقصى جهدهم واجتهادهم في ذلك، فلم يظفروا بسوى الصِّبغة (٣). ولو مُكِّنوا من أن يصنعوا مثلَ ما خَلَق الله من ذلك لفَسَد أمرُ العالَم، واستفاض الذَّهبُ والفضةُ في النَّاس حتى صارا كالشَّقَف (٤) والفَخَّار، وكانت تتعطَّل المصلحةُ التي وُضِعَا لأجلها، وكانت كثرتُهما جدًّا سببَ تعطُّل الانتفاع بهما؛ فإنه لا يبقى لهما قيمة (٥)، ويبطُل كونُهما قِيَمًا لنفائس

стр. 733

الأموال والمعاملات وأرزاق المقاتِلَة (١)، ولم يتسخَّر بعضُ النَّاس لبعض؛ إذ يصيرُ الكلُّ أربابَ ذهبٍ وفضَّة، فلو أغنى خلقَه كلَّهم لأفقَرهم كلَّهم (٢)، فمن يرضى لنفسه بامتهانها في الصَّنائع التي لا قِوامَ للعالَم إلا بها؟! فسبحان من جَعَل عِزَّتهما سببَ نظام العالَم، ولم يجعلهما في العزَّة كالكبريت الأحمر الذي لا يوصلُ إليه (٣)، فتفوتُ المصلحةُ بالكلِّيَّة، بل وضعهما وبثَّهما في العالَم بقَدْرٍ اقتضته حكمتُه ورحمتُه ومصالحُ عباده. وقرأتُ بخطِّ الفاضل جبريل بن نوح (٤) الأنباري، قال: أخبرني بعض من تداوَل المعادنَ (٥) أنهم أوغَلوا في طلبها إلى بعض نواحي الجبل، فانتهوا إلى موضعٍ رأوا فيه (٦) أمثال الجبال من الفضة، ومن دون ذلك وادٍ يجري مُنْصَلِتًا (٧) بماءٍ غزيرٍ لا يُدْرَك (٨)، ولا حيلة في عُبوره، فانصرفوا إلى حيث يعملون ما يَعْبُرون به، فلمَّا هيَّؤوه وعادوا راموا طريقَ النَّهر فما وقعوا (٩) له

стр. 734

على أثر، ولا عرفوا إلى أين يتوجَّهون، فانصرفوا آيسين! (١). وهذا أحدُ ما يدلُّ على بطلان صناعة الكيمياء (٢)، وأنها عند التحقيق زَغَلٌ وصِبغةٌ (٣) لا غير، وقد ذكرنا بطلانها وبيَّنَّا فسادَها من أربعين وجهًا في رسالةٍ مفردة (٤).

стр. 735

والمقصودُ أنَّ حكمةَ الله تعالى اقتضت عِزَّة هذين الجوهرَين وقلَّتهما بالنسبة إلى الحديد والنُّحاس والرَّصاص؛ لصلاح أمر النَّاس (١). واعتَبِر ذلك بأنه إذا ظهرَ الشيءُ الظَّريفُ المستَحسَنُ مما يحدِثُه النَّاسُ من الأمتعة، كان نفيسًا عزيزًا ما دام فيه قِلَّةٌ وهو مرغوبٌ فيه، فإذا فشا وكثُر في أيدي النَّاس وقَدَرَ عليه الخاصُّ والعامُّ سقط عندهم وقلَّت رغباتُهم فيه، ومن هذا قولُ القائل: «نفاسةُ الشيء مِنْ عِزَّتِه» (٢)، ولهذا كان أزهدَ النَّاس في العالِم أهلُه وجيرانُه وأرغبَهم فيه البُعداءُ عنه. فصل (٣) وتأمَّل الحكمةَ البديعةَ في تيسيره سبحانه على عباده ما هم أحوجُ إليه وتوسيعه وبَذْلِه، فكلَّما كانوا أحوجَ إليه كان أكثرَ وأوسع، وكلَّما استغنَوا عنه كان أقلَّ، وإذا توسَّطت الحاجةُ توسَّط وجودُه، فلم يكن بالعامِّ ولا بالنادر، على مراتب الحاجات وتفاوتها. فاعتَبِر هذا بالأصول الأربعة: التُّراب والماء والهواء والنَّار، وتأمَّل سَعة ما خلق الله منها وكثرتَه وعمومَه. فتأمَّل سَعة الهواء وعمومَه ووجودَه بكلِّ مكان؛ لأنَّ الحيوانَ المخلوق

стр. 736

في البرِّ لا يمكنُه الحياةُ إلا به، فهو معه أين كان وحيثُ كان؛ لأنه لا يستغني عنه لحظةً واحدة، ولولا كثرتُه وسَعتُه وامتدادُه في أقطار العالم لاختنقَ أهل العالَم (١) من الدُّخان والبُخَار المتصاعد المُنعقِد. فتأمَّل حكمةَ ربك في أنْ سخَّر له الرياح، فإذا تصاعدَ إلى الجوِّ أحالتهُ سحابًا أو ضبابًا، فأذهبَت عن العالم شرَّه وأذاه. فسَلِ الجاحدَ: من الذي دبَّر هذا التَّدبيرَ وقدَّر هذا التقدير؟ وهل يقدرُ أهل العالَم (٢) كلُّهم لو اجتمعوا أن يُحِيلوا ذلك ويقلبوه سحابًا أو ضبابًا، أو يُذْهِبوه عن النَّاس ويكشفوه عنهم؟ ولو شاء ربُّه تعالى لحبَسَ عنه الرياح فاختنقَ على وجه الأرض، فأهلَك ما عليها من الحيوان والنَّاس. فصل (٣) ومِنْ ذلك: سَعةُ هذه الأرض وامتدادُها، ولولا ذلك لضاقت عن مساكن الإنس والحيوان، وعن مزارعهم ومراعيهم، ومنابت ثمارهم وأعشابهم. فإن قلت: فما حكمةُ هذه القِفَار الخالية، والفَلَوات الفارغة المُوحِشَة؟ فاعلم أنَّ فيها معايشَ (٤) ما لا يحصيه إلا الله من الوحوش والدَّوابِّ، وعليها أرزاقُهم، وفيها مَطْرَدُهم ومنزلهم؛ كالمدن والمساكن للإنس، وفيها

стр. 737

مجالهم ومرعاهم ومَصِيفُهم ومَشْتاهُم. ثمَّ فيها ــ بعدُ ــ متَّسعٌ ومتنفَّسٌ للنَّاس ومُضطرَبٌ إذا احتاجوا إلى الانتقال والبَدْوِ (١) والاستبدال بالأوطان؛ فكم من بيداءَ سَمْلَقٍ (٢) صارت قصورًا (٣) وجِنانًا ومساكن. ولولا سَعةُ الأرض وفَسْحُها (٤) لكان أهلُها كالمحصورين والمحبوسين في أماكنهم، لا يجدون عنها انتقالًا إذا فَدَحَهم (٥) ما يزعجُهم عنها ويضطرُّهم إلى النُّقلة منها. وكذلك الماء، لولا كثرتُه وتدفُّقه في الأودية والأنهار لضاق عن حاجة النَّاس إليه، ولغَلَبَ القويُّ فيه الضعيفَ واستبدَّ به دونه، فيحصلُ الضررُ وتَعْظُمُ البليَّة، مع شدَّة حاجة جميع الحيوان إليه من الطَّير والوحوشِ والسِّباع، فاقتضت الحكمةُ أن كان بهذه الكثرة والسَّعة في كلِّ وقت. وأما النَّار، فقد تقدَّم أنَّ الحكمةَ اقتضت كُمونَها (٦)؛ متى شاء العبدُ أَوْراها عند الحاجة، فهي وإن لم تكن مبثوثةً (٧) في كلِّ مكانٍ فإنها عَتِيدةٌ (٨) حاصلةٌ متى احتيجَ إليها، واسعةٌ لكلِّ ما يُحتاجُ إليه منها، غير أنها مُودَعةٌ في أجسامٍ جُعِلَت معادنَ لها؛ للحكمة التي تقدَّمت.

стр. 738

فصل (١) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في نزول المطر على الأرض من عُلوٍّ ليعُمَّ بسَقْيه وِهادَها وتِلالها، وظِرابها وآكامها، ومنخفَضها ومرتفعَها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها (٢) من ناحيةٍ من نواحيها لما أتى الماءُ على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السُّفلى وكثُر، وفي ذلك ضررٌ وفساد. فاقتضت حكمتُه أن سقاها من فوقها؛ فينشاءُ سبحانه السَّحابَ ــ وهي روايا الأرض ــ، ثمَّ يرسلُ الرياح فتحملُ الماءَ من البحر وتَلْقَحُها به كما يَلْقَحُ الفحلُ الأنثى. ولهذا تجدُ البلادَ القريبة من البحر كثيرةَ الأمطار، وإذا بَعُدَت من البحر قلَّ مطرُها (٣). وفي هذا المعنى قولُ الشاعر (٤) يصفُ السَّحاب: شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثمَّ تَرفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ (٥)

стр. 739

وفي «الموطَّأ» (١) مرفوعًا، وهو أحدُ الأحاديث الأربعة المقطوعة (٢): «إذا نَشَأت سحابةٌ بحريَّةً ثمَّ تشاءمت فتلك عينٌ غُدَيْقَة» (٣). والله سبحانه ينشاء الماءَ في السَّحاب إنشاءً، تارةً يَقْلِبُ الهواءَ ماءً (٤) وتارةً يحملُه الهواءُ من البحر فيَلْقَحُ به السَّحابَ ثمَّ ينزلُ منه على الأرض للحكمة التي ذكرناها، ولو أنه ساقه من البحر إلى الأرض جاريًا على ظهرها لم يحصُل عمومُ السَّقي إلا بتخريب كثيرٍ من الأرض، ولم يحصُل عمومُ السَّقي لأجزائها. فصاعَدَه (٥) سبحانه إلى الجوِّ بلُطفه وقدرته، ثمَّ أنزله على الأرض

стр. 740

بغايةٍ (١) من اللُّطف والحكمة التي لا اقتراحَ لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمتُه على الأرض. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في إنزاله بقَدْر الحاجة، حتى إذا أخذت الأرضُ حاجتَها منه، وكان تتابعُه عليها بعد ذلك يضرُّها= أقلَع عنها وأعقَبه بالصَّحو، فهما ــ أعني الصَّحوَ والغَيم ــ يَعْتَقِبان (٣) على العالم لما فيه صلاحُه، ولو دام أحدُهما كان فيه فسادُه. فلو توالت الأمطارُ لأهلكت ما على الأرض، ولو زادت على الحاجة أفسدت الحبوبَ والثِّمار، وعفَّنت الزروعَ والخضروات، وأرخَت الأبدان (٤)، وخثَّرت (٥) الهواء، فحدثَت ضروبٌ من الأمراض، وفَسَد أكثرُ المآكل، وتقطَّعت المسالكُ والسُّبل. ولو دام الصَّحوُ لجفَّت الأبدان، وغِيض الماءُ، وانقطع مَعِينُ العيون والآبار والأنهار والأودية، وعَظُمَ الضرر، واحْتَدَم الهواء (٦)، فيَبِسَ ما على الأرض، وجفَّت الأبدان، وغَلَب اليُبْس، فأحدثَ ذلك ضُروبًا من الأمراض
следующие страницы →